بين يدي الرسالة

الدكتور مـحـمــد الـحـبــش

 

بـيـن يــدي الــرســـالـــة

أبحاث تمهيدية في إطار رسالة التجديد

 

أضع بين يدي القارئ الكريم هذه المجموعة من الكلمات التي ألقيتها في مؤتمرات دولية شاركت فيها ممثلاً للجهات الدينية في سوريا، وكذلك طائفة من المقالات والبحوث العلمية التي نشرتها لي المجلات المتخصصة.

والذي يجمع بين هذه الدراسات هو أنني أعتبرها جميعاً مشاركات تمهيدية متواضعة في سبيل رسالة التجديد الديني التي أرجو الله أن يكتب لي المشاركة في إحيائها في العالم الإسلامي.

وقد رتبتها على الشكل التالي:

أولاً ـ بحوث علمية

1ـ فلسفة الأمل في الإسلام (جلال الدين الرومي وكتابه الخالد “المثنوي”)   مجلة نهج الإسلام ـ

وزارة الأوقاف السورية

     
2ـ دائرة المعارف الإسلامية   مشروع مقدم للجنة البحوث الإسلامية في الأوقاف ـ نشرته مجلة نهج الإسلام ـ وزارة الأوقاف السورية
     
3ـ موقف مجتهدي الشيعة من مسألة سلامة النص القرآني   مجلة الثقافة الإسلاميةـ

المستشارية الإيرانية ـ دمشق

     
4ـ ولقد كرمنا بني آدم   مجلة صدى الإيمان ـ بيروت

ثانياً ـ مواقف في مؤتمرات دولية

5ـ آثار التقريب بين المذاهب الإسلامية   ممثلاً لسماحة مفتي الجمهورية

في مؤتمر الايسيسكو ـ الرباط

     
6ـ رسالة الدعاة في محن العالم الإسلامي   ممثلاً للمجمع الإسلامي بدمشق ـ

الأزهر الشريف ـ القاهرة

     
7ـ رسـالة في الوحدة الإسلامية عند أهل البيت   مؤتمر أهل البيت

(كلية الشريعة ـ المستشارية الإيرانية)

مكتبة الأسد ـ دمشق

     
8ـ قراءة في فقه الوحدة الإسلامية   ممثلاً سماحة مفتي الجمهورية ـ

لجنة التنسيق التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ـ طهران

     
9ـ فقه الحوار والتسامح في الإسلام   مؤتمر مسلمي أمريكا اللاتينية ـ

هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية ـ

سان باولو ـ البرازيل

     
10ـ تجديد الفكر الإسلامي   ندوة في جامعة دمشق ـ كلية الآداب

والتلفزيون العربي السوري

     
11ـ آفاق التجديد   مجلة الوسط الأردنية

عمان ـ الأردن

     
12ـ الجهاد والسلام   في رثاء الشهيد الشقاقي ممثلاً لسماحة مفتي الجمهورية

حركة الجهاد الإسلامي ـ دمشق

 

 

 

 

 

 

 

P

 

M

 

يشهد العالم على أبواب الألف الثالث تغيرات في كل شيء، حيث قامت وسائل الاتصالات بتبديد ما كان إلى عهد قريب مسلَّمات فكرية لا يرقى إليها الشك، ووضعت العالم بين يدي الإنسان كما لو كان إطلالة يراها من شرفة داره، يمكنه أن يتلمس ما يشاؤه من ظاهرها وباطنها وخيرها وشرها، وهكذا أصبح التحدي الحضاري سمة قاهرة حاضرة، ولم يعد بإمكاننا كعرب ومسلمين تجاهل هذه الحقيقة.

ولا يختلف اثنان في أن ظهور الإسلام كان أهم حدث إيجابي في تاريخ الأمة العربية، والشعوب الإسلامية على الأرض الواسعة التي تمتد عليها هذه الشعوب من المحيط إلى المحيط، على الرغم من تعدد الأعراق والأجناس والألوان والثقافات التي تغني هذا العالم الإسلامي، وجذور تلك الشعوب في التاريخ.

فعلى صعيد المنطقة العربية لم تشهد الأمة العربية وحدتها إلا في ظلال الإسلام، ولم يظهر حسها القومي إلا من خلال التفافها حول القائد العربي النبي محمد r، الذي أطلق رسالة الإسلام بلسان عربي مبين، تشتمل إلى جانب انتصارها للحق، مجداً ظاهراً للأمة العربية، {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون}([1])

وإن المرء ليأخذه العجب حين يقارن ما تحقق للعرب من مجد في ظلال الإسلام بحال العرب قبل الإسلام من تفرق وتمزق، وضياع وشتات، ولست أحتاج هنا لدليل أوضح من قراءة دواوين شعراء الجاهلية، حيث لا يخلو ديوان منها من قصائد الفخر والنصر، وهي القصائد التي نهتم عادة بإسقاطاتها الأدبية، وإيقاعاتها اللفظية من غير أن نتأمل حقيقة الانحراف الأخلاقي المريع الذي كان قد انحدر إليه السلوك العربي آنئذ، من تمجيد الغزو والسلب والنهب والإغارة على الجار وابن العم بقصد استلاب ثروته، وسبي حريمه.

إن كثيراً من روائع الأدب العربي التي خلد بها شعراء الجاهلية (بطولات) أقوامهم في وضح النهار، يمجد فيها البطش على الرغم من دناءة المقاصد وخستها، حيث تقوم عصابات الجريمة المنظمة بالعدوان والاغتصاب والسرقة، وليس ذلك أسوأ ما في الأمر، بل أسوأ ما فيه أن هذه الجرائم كانت تجد من يمجدها ويخلدها على أنها بطولات ومجد، ويسطرها في روائع الأدب العربي، ويعلقها على جدار الكعبة المشرفة !.

قال عنترة بن شداد يتغنّى ببأسه ويصف شدته مع قومه عبس في مقااتلة إخوانهم بني ذبيان :

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح كنهر تعاوره الكماة مكلم
فإذا شربت فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وحليل غانية تركت مجندلاً تمكو فريصته كشدق الأعلم
سبقت يداي لهه بعاجل طعنة ورشاش نافذة كلون العندم
وشككت بالرمح الأضم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
فتركته جزر السباع ينهشنه يقضمن حسن بنانه والمعصم

ومن معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي يصف لنا فيها تواطؤه وتآمره على قتل عمر بن هند اللخمي أمير المناذرة، والذي قتل بدوره بعض بني تغلب، فقتله عمرو بن كلثوم، وأنشد فيه قصيدته هذه التي علقها العرب على باب الكعبة:

نزلتم منزل الأضياف منا فأعجلنا القرى أن تشتمونا
قريناكم فعجلنا قراكم قبيل الصبح مرادة طحونا
كأن جماجم الأبطال فيها وسوق بالأماغر يرتمينا
نشق بها رؤوس القوم شقاً ونختلب الرقاب فتختلينا
نجز رؤوسهم في غير بر فما يدرون ماذا يتقونا
كأن سيوفنا منا، ومنهم
مخاريق بأيدي لا عبينا
كأنا والسيوف مسللات ولدنا الناس طرّاً أجمعينا
بغاة ظالمين وما ظلمنا ونبطش حين نبطش قادرينا

وهي المعاني التي أكدها حكيم شعراء العرب زهير بن أبي سلمى بقوله:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يضرَّس.. ومن لا يظلم الناس يظلمِ

وكان غاية ما فعله الحكماء أنهم أفلحوا في إعلان أربعة أشهر أياماً حراماً، يأمن الناس فيها على أموالهم وأعراضهم لأداء مناسك الحج والعمرة، على أن هذه الأشهر الحرم لم تسلم من النسيء الذي كان يفسد الأمن المؤقت فيها، وهو ما اعتبره الإسلام زيادة في الكفر وإلحاداً في الحرم:

{إنما النسيء زيادة في الكفر يضل بهه الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين}([2])

وكان شهر صفر هو الشهر الذي يستأنف فيه ا لعرب نشاطهم القتالي بعد انقضاء الأشهر الحرم، فتصفر فيه البيوت من الشباب الذين كانوا ينطلقون في كل وجه للغزو والسلب والنهب، ولهذا المعنى أطلقت العرب على هذا الشهر تسمية شهر صفر.

على أني لا أقصد إلى طمس خصال الخير المشرقة المكنونة في هذه الأمة العربية، من النجدة والشهامة والمروءة والكرم، وهي المآثر التي جعلت من هذه الأمة أهلاً لقيادة لواء الحضارة قروناً عدة، في تألق وإشراق.

وكان وصول الإسلام إلى بلاد الشام حدثاً سعيداً في تاريخ هذه المنطقة، فقد تحققت في سنوات قليلة أعظم النجاحات التاريخية لبلاد الشام على المستوى القومي والوطني والحضاري.

فمن الجانب القومي تحددت هوية الناس ولغتهم وانتماؤهم العربي، بعد أن تعاقب الاستعمار الفارسي واليوناني والرومي لمدة ثلاثة عشر قرناً على طمس هذه الهوية، وممارسة العبث المقصود بلغة الناس، حتى ضاع أهل الشام بين اللهجات السريانية والآرامية والآشورية والفينيقية والرومية، والتي هي جميعاً ـ باستثناء الأخيرة منها ـ لهجات عربية ضالة، تناولتها يد الزمان بالعبث حتى فقدت صلتها باللغة الأم، وهذا المعنى أصبح واضحاً لدى المؤرخين، وحان الوقت لنقول إن تسمية الشعوب السامية واللغات السامية تسمية لا أصل لها، وهي ليست إلا بدعة ابتدعها المؤرخ اللاهوتي النمساوي شلوزر Schlozer عام 1781 بقوله: (من المتوسط إلى الفرات ومن بلاد ما بين النهرين إلى شبه الجزيرة العربية التي كانت تسود كما هو معروف لغة واحدة، وعليه فالآراميون والسوريون والبابليون والعرب كانوا أمة واحدة، والفينيقيون أيضاً يتكلمون بهذه اللغة التي بودي أن أدعوها [سامية]).

ولا بد من تعرية هذه التسمية الدخيلة، والاعتراف بالعروبة التاريخية لهذه المنطقة، وتجلية الدور الإسلامي الرائد في تحقيق ذلك، وهو ما انتصر له كثير من المؤرخين المعاصرين، ونذكر منهم ا لمؤرخ الفرنسي بيار روسيه Pierre Rossi الذي قال: (إن التسمية (السامية) خالية من أي معنى، كل شيء يمكن أن يكون بسيطاً لو أننا بدل أن نتحدث عن الساميين الأبطال نتحدث عن العرب، عن الشعب الذي وجد له في في الواقع كيان اجتماعي وثقافي ولغوي دائم، الشعب العربي).

ومن الجانب الوطني فإن الفاتحين العرب أصبحوا أول حاكم وطني عربي لبلاد الشام منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وهكذا فإن حكم الناس لأرضهم وبلادهم كان أدعى لتحقيق العدل والخير من حكم الرومي الأجنبي الذي جرأه على المنطقة السقوط الاجتماعي المريع الذي انحدر إليه الناس، وكان أول رد فعل قام به هرقل إزاء تقدم الفاتحين أنه حول كرسيه من بصرى إلى دمشق ثم من دمشق إلى حمص ثم من حمص إلى أنطاكية، ثم قال: (وداعاً يا سوريا وداعاً لا لقاء بعده).

ومن الجانب الحضاري كان وصول الإسلام إلى بلاد الشام تحولاً واضحاً في دور سوريا الحضاري، فقد كانت من قبل محض تابعة تسويقية لروما، حكامها أسماء نكرات، دور حواضرها لا يتعدى تعيّش أهلها، ومن خلال الفتح الإسلامي وبسنوات قلائل أصبحت دمشق عاصمة تظلل بأفيائها حواضر زاهية متوزعة من السند إلى طليلطلة في الأندلس.

إن تقديم الأدلة الجلية على دور الإسلام على بناء مجد الأمة العربية تاريخياً يبدو من ترف القول، إذ يدرك كل باحث إلى أي مدى كان يمكن أن يمضي الذوبان القومي العربي، والسقوط الاجتماعي لو لم يقدر الله سبحانه قيام النبي محمد r .

وخلال نشاط الأمة الحضاري هل نحتاج إلى دليل يوضح هذا المعنى، وهل كان بالإمكان التحدث عن الحضارة العربية في مختلف الفنون إذا حيّدنا الدافع الإسلامي الذي كان وراء قيام هذه الحضارة.

إن أربعة أخماس الثقافة العربية التي ظهرت أيام المجد كتبت بأيد غير عربية، وليس هذا افتئاتاً على دور العرب الحضاري، ولكنه تقرير لواقع موضوعي إذ يشكل العرب من سكان العالم الإسلامي الخمس فقط، ولكن ثقافات الأمم المجاورة التي سعدت بالإسلام من فارسية وتركية وأوزبكية وأفغانية وبربرية وإيبيرية وهندية وعلى الرغم من عجمة مؤلفيها، فإنها كتبت بقلم عربي، توكيداً لحقيقة الانتماء إلى الإسلام، وبذلك أهدت هذه الحضارات ثقافاتها وإبداعها لمجد الأمة العربية، إكراماً لصاحب الرسالة محمد r .

كان ابن سينا أوزبكياً من أفشنه، والفارابي تركستانياً من فاراب، وابن البيطار إيبيري من مالقة، وابن الرومية وابن زهر أندلسيان من إشبيلية، والخوارزمي من خوارزم في تركستان، والمجريطي أندلسي من قرطبة، والجوهري تركستاني من فاراب، والجلدكي خراساني من جلدك، وعباس بن فرناس مولى أموي من الأندلس من أهل قرطبة، والرازي فارسي من مدينة الري.

والأمر نفسه في علوم اللغة والاجتماع والدين، ففي التفسير مثلاً فإن شيخ المفسرين بالمأثور هو الطبري وهو فارسي من طبرستان، وشيخ المفسرين بالرأي هو الفخر الرازي من مدينة الري، وشيخ المفسرين بالعربية هو الزمخشري من خوارزم.

وفي الحديث فإن الأئمة: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه والطبراني والطيالسي لم يكونوا عرباً.

بل إن اللغة العربية نفسها مدينة لجهود العجم، فالقاموس المحيط للفيروزابادي من جرجان بإيران، ولسان العرب لابن منظور من أفريقيا، بل إن صدر نحاة العربية سيبويه لم يكن إلا فتى فارسياً.

وحين يكتب هؤلاء جميعاً إبداعهم وثقافتهم وحضارتهم بلغة العرب وفي حواضر العرب، ندرك عندئذ إلى أي مدىً منح الإسلام المجد لهذه الأمة العربية.

وهكذا فإن كافة أشكال قراءة التاريخ العربي تقودنا إلى وجوب إعادة اكتشاف الإسلام، إذ هو ديننا وحضارتنا وثقافتنا وتاريخنا ومجدنا.

ولكن ما هو منهج العودة إلى الإسلام ؟

وهل هناك رسالة مطلوبة من رجال التجديد ؟

وهل الإسلام نمط سلوكي صارم ناسخ لدور العقل والتجربة ؟ وهل تنتهي رسالة التجديد عند حدود التصديق على خيارات الأولين ؟!

أم أن الإسلام منهج حياة منفتح مؤمن بالزمان والمكان يلتمس هداه من نصوص الوحي وكفاح الإنسان ؟

وكيف يمكن أن تكون هذه النصوص نوراً وهدى تحقق مجد الأمة ؟ وكيف يمكن أن تكون أغلالاً تحول بين الإنسان وبين سعادته: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}([3])

هذه الأسئلة الكبيرة هي التي أعكف اليوم على تحرير الأجوبة لها، وآمل أن أسعد بها القراء الكرام في وقت قريب، وهي الرسالة التي كرّست حياتي للدفاع عنها ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)) .

وهذه الصفحات التي بين يديك هي مقالات منشورة ألقيت بعضها في مؤتمرات دولية ومحلية، ونشرت طرفاً آخر منها في صحف ومجلات عربية، وأخرى في محطات تلفزيونية وإذاعية عربية ومعظمها في السنوات الأخيرة، وقد رأيت أنَّ نشرها للقارئ الكريم في كتاب واحد أيسر فائدة وأقرب منالاً، وهي ترسم لك ملامح جهد أدخره عند الله سبحانه في سبيل الإصلاح والتجديد .

وها أنا أدفعها للطباعة (بين يدي الرسالة) التي آمل أن تصدر في الأيام القادمة.


ولقد كرمنا بني آدم*

 

الإنسان في الإسلام أكرم خلق الله على الله، وخليفة الله في الأرض بأمر الله، ومن أجله تنزلت الشرائع، ولسعادته جاء الأنبياء الكرام، ومن أجله خلقت السموات والأرض.

وليس يتيسر لنا هنا مقارنة مناهج الديانات الأخرى، ومنهج الماديين عموماً في النظر إلى الإنسان وتحديد موقعه في هذا الوجود، ولكن سنكتفي بمنهج تكريم الله للإنسان مع مقارنة بسيطة مع الفكر المادي لنخلص من ذلك بفهم واضح للمنزلة التي يستحقها الإنسان، والتي تحدد رسالته وغايته في الحياة.

مظاهر تكريم الله للإنسان:

يمكن ملاحظة عدد من الحقائق التي أشار إليها القرآن الكريم بصدد تكريمه للإنسان نعد منها:

1ـ خلق الله الإنسان بيده سبحانه تشريفاً وتكريماً، {قال يا إبليس ما منعك ألا تسجد لما خلقت بيدي}([4]) فنسب خلق الإنسان إلى يده الشريفة سبحانه.

2ـ نفخ فيه من روحه، وهو نفخ لا يعلم حقيقته إلا الله، ولكن النص على أن ابن آدم من روح الله، نص يكشف لك عن منزلة الإنسان في الإسلام، {ثم سوّاهُ ونفخَ فيهِ من روحِهِ}([5]).

3ـ حسَّن خلقه وصوَّرهُ في أحسن تقويم: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}([6]).

4ـ اختاره من بين سائر خلقه، ليكون خليفة في الأرض، وأميناً على كلمة الله. {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون}([7]).

5ـ أمر الملائكة بالسجود لآدم، رمزاً لما خوّله من رسالة وأمانة: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}([8]). وليس السجود هنا سجود العبادة، بل هو سجود التسخير، وهو إيذان للملائكة جميعاً أن يكونوا في حاجة ابن آدم بالطاعة والمعروف.

6ـ خصَّه من بين سائر الموجودات بنعمة الإرادة، وجعلها مناط التكليف والمسؤولية، وعبر عنها في القرآن العظيم بلفظ الأمانة فقال: {إنــَّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}([9]).

7ـ شرفه سبحانه بالعلم والمعرفة، فعلمه سبحانه ابتداءً، وأمره بطلب العلم للسعي والتأمل والتفكر: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}([10]).

{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}([11]).

9ـ سخر له ما في السموات والأرض، فجعله سلطاناً علىالموجودات، وأمرها بطاعته من خلال تسخيرها له فقال: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}([12]).

 

مقارنة بين النظرة الإسلامية للإنسان والنظرة المادية:

تختلف نظرة الإسلام للإنسان اختلافاً كلياً عن النظرة المادية للإنسان، وذلك بحسب اختلاف كل من المنهجين في مصادره ونظرته إلى الكون والحياة.

يرى الماديون عموماً أن الإنسان كائن بيولوجي، أثمره صراع الأحياء، وانتقل على عربة الديالكتيك من مخلوق جامد أصم، إلى أن صادف وجود ظروف مناخيَّة وطقسية ملائمة، نتج عنها حصول الحياة في هذا الكائن، ثم قفز الديالكتيك قفزة أخرى فانتقل من طحلب راكد إلى كائن ذي صوت وحركة، وعاش ما شاء له الديالكتيك الأعمى أن يعيش مع إخوانه من البهم والحشرات والزواحف، إلى أن صادفته ظروف مناخية أخرى، اتخذ فيها الهيدروجين والكربون مصادفة، وبشكل غير مرتَّب ولا مبرمج كموماً متسقة متناسبة، أثمرت في النتيجة تركز خلايا وبنيات مكثّفة في مؤخرة الرأس، نتج عنها في النهاية جهاز عصبي مدرك اسمه الدماغ.

وهكذا انتقل هذا الإنسان في أطواره، حتى صار كما تراه، عبر درج طويلة من الانتخاب الطبيعي، تحكمها مصادفات سائبة، ما لأحد فيها فضل ولا حكمة فلا يعدو الإنسان بهذا الفهم أن يكون تركيباً هيدروكربونياً صدفياً عاثراً، قدمته رحى الديالكتيك بمنتهى العبث، وأُلقيَ في هذه الأرض بمنتهى اللامبالاة، وسيبقى كما أتى حائراً في أوله، جاهلاً في آخره، له رسالة واحدة يعيش لها ويموت عليها، وهي أن يبذل كل جهده لكسب اللذائذ التي يمكن أن يحصلها في هذه المرحلة، ويحاول قدر الإمكان أن يعطل قفزة الديالكتيك التالية، التي ستحمله إلى الهاوية المجهولة.

وهكذا فإن المفاهيم المادية للإنسان والحياة أفرزت على الأرض فوضى لا يعرف لها مثيل في الذات والسلوك، ودفعت الإنسان من حيث تريد أو من حيث لا تريد إلى ارتكاب كل أنواع العسف والمآثم من أجل تحقيق سعيه إلى المجد على هذه الأرض، التي ليس قبلها وليس بعدها في هذا الوجود الأعمى شيء.

وإنه لأمر بدهي أن ينشأ صراع تاريخي همجي، بين كل الإرادات المتنافسة على الحياة، من مستوى الفرد مع أخيه، إلى مستوى الأمة مع الأمة، فليس ثمة ما يبرر التزام أي مبادئ أخلاقية، يعجز عن رقابتها القانون، بعد أن أسقط الماديون من حساباتهم كل مكسب لا يمكن تقويمه بالدولار، وبذلك فإن مفاهيم الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، أصبحت مجرد ركام موروث، نصيبه من الحقيقة، نصيب الأوثان من البيت الحرام.

{نسوا الله فنسيهم}([13]).

أما الإنسان في المفهوم الإسلامي، فإنه أمر مختلف تماماً، إنه لم يكن يوماً واحداً من هذه الزواحف العجماء، يقاد من بطنه، ولم يكن أبداً حفيد نخلة غافلة لا تملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

إنه خلق يوم خلق في أكمل صورة وأحسن تقويم، وعلى ذلك أقسم  الله عز وجل فقال: {والتين والزيتون*وطور سينين*وهذا البلد الأمين*لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}([14]).

وناداه يستحثه على فهم حقيقته: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم* الذي خلقك فسواك فعدلك*في أي صورة ما شاء ركَّبَك}([15]).

إنه حقاً جوهر هذا الوجود، خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وما من موجود إلا ولابن آدم عليه أمر ونهي، لا يمكن أن يتخلف عن طاعته، وفق سنن سنّها الله في هذا الوجود وأحاطها بعلمه.

وهكذا فإن الذاريات ذرواً، والحاملات وقراً، والجاريات يسراً، والمقسمات أمراً، والمرسلات عرفاً، والعاصفات عصفاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، وغيرها من مخلوقات الله سبحانه، إنما هي في المفهوم القرآني كائنات خلقها الله سبحانه في خدمة ابن آدم، الذي هو جوهر الوجود.

ولقد أسلفنا في الفصل السابق بيان مظاهر تكريم الله للإنسان، وبصدد من هذه المقارنة بين الفهم المادي والفهم القرآني للإنسان، ندرك حجم المسؤولية التي ألقاها الله على كاهل ابن آدم.

 

مقارنة بين نظرة الإسلام للإنسان ونظرة الديانات الأخرى:

أما مقارنة النظرة الإسلامية للإنسان بنظرة الديانات الأخرى، فهي ظاهرة من خلال التبعات التي يلقيها كل منهج منها على الإنسان.

فاللاهوت المسيحي ينظر إلى الإنسان يوم يولد، على أنه ثمرة من ثمرات الخطيئة التي ارتكبها أبوه آدم، وبذلك فإن الإنسان يتحمل بشكل أو بآخر إرث هذه الخطيئة، التي يولد مطوقاً بها ومكبلاً بأغلالها، وعلى ذلك فإن كل سعي يسعاه في دنياه، إنما ينصرف إلى شيء واحد ألا وهو الخلاص.

ولن تحل عقدة الذنب هذه بتلك المسرحية الهازلة التي راح ضحيتها الرب الابن، والتي تصور على أنها حقيقة لا مرْيَة فيها، أريد منها تحقيق الخلاص لأولاد آدم.

وعلى كل حال، فإن المؤمن بفكرة الخطيئة يشب ويكتهل وينتقل، وهو لا يزال في حيرة من أمره، لا يفهم إن كانت أحاطت به خطيئته فعلاً، أم رفعت عنه بصلْب المخلّص ؟!..

إن المدنّس بالخطيئة المطرود من الجنة إلى الأرض، سيبقى هو وأولاده وأحفاده، ينظرون إلى هذه الأرض نظرة المنفيّ المناضل، إلى منفاه القسري، الذي يلقى فيه مختلف ألوان الاضطهاد، ولهذا المعنى اتخذت حركات الرهبنة شعارها: (إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها).

وهكذا فإن الإفراز الطبيعي لهذا الاعتقاد هو جيل سلبي خامل، يسير في غير اتجاه الحياة، لا يحبها ولا تحبه، ولن يحتفظ بها بشيء من الود، إلا الود الذي يعرفه العصفور للقفص الذي فر منه.

ولم تقم الحضارة المادية اليوم على أكتاف أي من هؤلاء، ولكنها قامت على كواهل قوم لا يعيرون للاعتقاد الديني أي معنى، دستورهم وإمامهم مكاسبهم ومرابحهم.

وأما الإنسان في النظرة اليهودية، فإنه يفتح عينيه على الدنيا، وأمامه رب غاشم لا يكف من الصراخ، والدعوة إلى بناء مجد إسرائيل، وإنه ليقرأ بكل جدية، نصوص هذا الرب الغاضب، وهو يأمر شعب إسرائيل الصلب الرقبة، العنيد المراس، أن ينقضَّ على من حوله من شعوب مجاورة ليبلغ بالحديد والنار، مآربَ هذا الرب الطماع الغاشم، في اكتساح رعايا زملائه من الآلهة.

وهكذا فإن ثقافة العهد القديم، تقذف إلى هذا العالم جيلاً مذنباً، يستبيح كل إثم حرام، ويستحل كل دم وعرض، من أجل بناء هيكل الرب وإعادة مجد إسرائيل.

 

الإنسان في الإسلام:

أما الإنسان في الإسلام، فإنه يولد حراً طاهراً بريئاً، ما عليه من تبعات آبائه من شيء، ولا يلحقه من أوزارهم من شيء.

قال رسول الله r :«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه إما يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصرانه».

وعقَّب على زلات الأمم وأخطائها بقوله: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}([16])، وحين ذكرت خطيئة آدم ذكرت على أنها خطأ فردي، انتهى بالتوبة، وليس على بنيه من تبعات ذلك من شيء {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}([17]).

وأما قصة الإنسان على هذه الأرض، فليست لعنة حلت على رأس بني آدم، بقدر ما هي رسالة أمر باستكمالها وإحيائها ابنُ آدم: {هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}([18]).

{وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}([19]).

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}([20]).

{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى}([21]).

وأورد القرآن الكريم مثلين اثنين، على وجه التقابل أشار فيها إلى مسؤولية الإنسان، موضحاً أن المرء وحده هو الذي يختار قدره دون أن يكون ثمة أي تأثير خارجي قاهر عليه.

الأول: في خبر إبراهيم الخليل، فقد أخبر المولى سبحانه أن إبراهيم عليه السلام كان في الأصل ابناً لصانع الأوثان آزر:

{وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً   آلـهة}([22]).

وهكذا فإن خليل الرحمن، وصل إلى مرتبة الخلة، وهي أرفع المراتب رغم أنه ينحدر من أب ليس له في هذا المقام نقير ولا قطمير.

الثاني: في خبر كنعان بن نوح عليه السلام، فبالرغم من أنه ابن صلبيٌّ لنوح عليه السلام، وهو من هو في مقام القرب والرسالة والنبوة، غير أنه اختار قدره بيده، وشاء أن يكون كافراً مشركاً فكان، ولم يكن لموقع أبيه في النبوة والرسالة أي أثر على إرادته الحرة، فاختار ويُسِّر له ما اختار:

{ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}([23]).

 

موقع الإنسان من سلم الكائنات:

وزيادة على توكيد الخيار الإنساني، فإنك تلاحظ من خلال استقراء نصوص الكتاب والسنة، أن الموجودات تتدرج في سلم تفاضلي:

1ـ الجمادات: وهي أدناها رتبة إذ إنها لا تملك خاصة الحياة ولا الحركة ولا الإرادة.

2ـ النبات: وهي أرقى من الجماد رتبة إذ إنها تملك الوجود والحياة، ولكنها لا تملك الحركة ولا الإرادة.

3ـ الحيوان: وهي أرقى من رتبة النبات إذ إنه يملك الوجود والحياة والحركة.

4ـ الملائكة: وهي أسمى الموجودات عنصراً.

أما الإنسان فإن موقعه إنما هو خيار إنساني، يسعى إليه، ولكنه لا يرغم عليه، وهو يولد حين يولد، وفي ذاته طاقات كامنة، مقيدة بإرادته هو فقد يكون أسوأ رتبة من الجماد، وذلك إن عطَّل إرادته واتبع هواه، وفيها قال الله عز وجل: {ويقول الكافر لايلتني كنت تراباً}([24]).

وقد يصبح أعظم من الملائكة، كما هو مقام الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم، وأولياء الله الصالحين.

وهكذا فإن الإنسان في الإسلام يولد حراً كامل الإرادة، بريئاً كامل الطهارة، ليختار بيده قدره، كما يليق بسيد هذه الأرض، وخليفة الله عليها.

وأخبر المولى سبحانه، أنه منح الإنسان وحده من بين سائر المخلوقات، كامل الحرية والإرادة، وأنه لو كان يريد أن يلجئ الإنسان إلى سلوك ما، فالبداهة تقضي أن يلجئه إلى طاعته، ولكن تركه حراً مختاراً.

{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}([25]).

{من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلاّم للعبيد}([26]).

 

الإنسان جوهر الحضارة الإسلامية:

تختلف النظم الاجتماعية اختلافاً شديداً في تحديد مقاييس الحضارة والرقي الاجتماعي، وثمة في العالم المعاصر اليوم مناهج متعددة لقياس التفوق الحضاري في طبيعة الإنتاج والاستهلاك، وهناك من يقيسه بواقع الدخل القومي والفردي، وهناك من يقيسه بنسبة الأطباء والمستشفيات والجامعات إلى عدد السكان، وهناك من يجعل القوة العسكرية مقياساً لتحديد مرتبة التفوق الحضاري.

أما الإسلام فإنه يجعل مقياس التفوق الحضاري هو مقدار ما يكون فيه الإنسان حراً وكريماً، فالحضارات إنما تحدد جدواها وفائدتها بمقدار ما تعود به على الإنسان من خير.

فالإنسان هو جوهر الحضارة في الإسلام، وهذه حقيقة يمكن أن نتلمسها في كثير من النصوص القرآنية التي تحدثت عن غايات نزول الشرائع في القرآن الكريم والسنة النبوية.

{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط  العزيز الحميد}([27]).

ولعل أوضح مثل يؤكد هذه الحقيقة يتمثل في كفاح موسى بن عمران عليه السلام، نبي بني إسرائيل، وقد فصلته لك في كتابي، أبلغ المثل، وها أنا أنقله بنصه:

“حينما توجه القرآن الكريم لموسى بن عمران عليه السلام، يأمره ببدء رسالة الإصلاح قال: {ولقد أرسلنا موسى إلى قومه أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور}([28]).

وقد يعن لسائل أن يسأل:

أي ظلمات كانت في مصر ؟؟.. وهي تعيش عصرها الحضاري الذهبي في عصر الفراعنة بإجماع المؤرخين !! لقد كانت مصر آنئذٍ تتفوق حضارياً على سائر بلاد العالم، بنسبة تفوق أوربا اليوم، على أدنى بلدان العالم الثالث !.

ثم أي نور نقلهم إليه موسى، أهو في غياهب ظلمات البحر، أم في صحراء التيه ؟ أم ماذا ؟؟..

إن البحث يتجه بنا للحديث عن مفهوم الحضارة في الإسلام ومقوماتها…

صحيح أن مصر في عهد الفراعنة كانت تعيش في حضارة، ولكنّ الحقيقة أن الأحجار والصخور ووسائل المواصلات هي التي كانت متحضرة، ولكن الإنسان كان في غاية التخلف والبدئية…

الحضارة كانت حضارة البناء والوسائل الطبيّة والمكنات الصناعية، أما الإنسان الذي هو جوهر الحضارة ومبناها، فإنه كان في حالةٍ من البدائية والتخلف والهمجيّة لا توصف، وأكبر معالم الحضارة الفرعونية، هو في الوقت نفسه أكبر معالم الظلم الاجتماعي عبر التاريخ بأسره.

في مصر قريب من 80 هرماً بنيت بأغرب الأشكال، لا تزال إلى اليوم تعتبر كبرى معالم الحضارة التاريخية في العالم القديم، ولنأخذ على سبيل المثال هرم (خوفو) حيث يبلغ طول ضلعه 230متراً، وارتفاعه 146متراً، ويتوضع فيه 2.300مليوناً وثلاثمائة ألف حجر، يتراوح وزن الجر منها من 2 إلى 6 طن، كانت أحجاره تجرّ من أسوان إلى الجيزة، عبر مسافة تتجاوز 200كم، اشترك في بنائه 100 ألف عامل، وقد استغرق البناء عشرين عاماً !!..

ماذا تعني هذه الأرقام ؟؟..

إن الأهرام في الحقيقة عمل فني عجيب، وقد اعتبرت كبرى عجائب العالم السبع في القديم، ولا تزال معجزة في بنائها، بحيث لا يتصور أن تستطيع دول كبرى بناء وحداتٍ عمرانية بحجمها بغير وسائل القرن العشرين المتطورة، كما لا يزال الكثير من معالمها غامضاً ومغلقاً عنا إلى حدّ بعيد..

لكن كل هذا وغيره من الأسرار الأعجب والأغرب لا يخرج من دائرة ضيقة هي حضارة الحجارة والصخور، وهي في تسمية القرآن حضارة الظلمات.

أمّا الإنسان وتحضره فهذا شيء آخر.

ماذا يعني أن يسخَّر مائة ألف عامل طيلة عشرين عاماً، لمجرد بناء قبر لفرعون ؟ قبره لا قصره !!…

أي معنى من معاني الظلم الاجتماعي فوق هذا المظهر ؟؟..

وتظلّ تعتقد أن هذا الرقم مبالغ فيه، حتى تشاهد هذه الأهرام بعينيك وأنت تعلم أنها بنيت منذ 6000عام، بوسائل عام 4000ق.م !!..

إنّ مائة ألف ابن آدم مسخوا دواباً لمدة عشرين سنة، وكانت مهمتهم جرّ الأحجار من أسوان إلى الجيزة، مسافة 200كم ثم وضعها حيث يرقد فرعون.. وهناك أحجار كان وزنها يقارب الـ(5 طن) كانت ترفع إلى علو 146متراً، بالأيدي والحبال، حيث لم يكن هناك أي وسيلة إلا الأيدي والحبال، فإذا أضفنا إلى ذلك ما هو مأثور في التراث الشّعبي من أنّ الفراعنة كانوا يقطعون لسان المهندس الذي صمم لهم بعض مداخل الهرم، لئلا يشي بشيء من أسرار الهرم !!. أي ظلم بعد هذا الظلم ؟. وإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا ما جاءنا في وصف بناء قبر فرعون، أما بناء قصره فنحن لا نعرف عنه الكثير، ولعله أدهى وأمر…

ذلك هو مجتمع الفراعنة، وتلك هي حضارتهم التي وصفها القرآن بأنها ظلمات، وهذا أكبر معلمة حضارية لديهم، وهو في الواقع أكبر دليل على تخلفهم إنسانياً، واتساع الشقة بينهم وبين التحضّر الحقيقي. قال عليه الصلاة والسلام صاحب جوامع الكلم: «الظلم ظلمات».

وهكذا فإن مقياس الحضارة في الإسلام هو مقدار ما تقدم للإنسان من سعادة وخير، ومقدار ما توفر للإنسان من أسباب كرامته وسعادته واستقراره.

يمنح الإسلام الإنسان سعادته واستقراره من اللحظة التي يطمئن فيها قلبه بالإسلام، وتتفتح له آفاق الدار الآخرة فتستبدل حياته من سعي منفصم لأجل صارم وقاس لا مفر منه، إلى حياة الخلد التي لا يعكرها شبح الموت، ولا خوف المجهول.

وهذه السعادة كانت سمة غالية في المجتمع الإسلامي الأول، وهي تحقيق ما قد جاء في الآية الكريمة، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وعلى ذلك فقد كان بلال بن رباح الحبشي، وهو على رمال الظهيرة يوضع الصخر على رأسه، كان أسعد من جلاديه، وكان خبيب بن عدي أسعد من قاتليه، وكان عمار بن ياسر أسعد من مجرمي مكة وشرارها، ولم يختر واحد منهم أن يكون في الطرف الآخر بدلاً مما هو فيه من نعمة.

لقد خرجت نفوسهم وقلوبهم من الظلمات إلى النور، وانكشفت لهم حقيقة الوجود الحق، في أنس الله عز وجل ورحمته ونوره، فالتفوا إلى هذه الدنيا، فإذا هي مهزلة فارغة باردة، ليست محلاً للفرح ولا للحزن ولا للأسى. لقد كان مصعب بن عمير فتى باذخاً مترفاً في قريش، وكان في إخوانه من السابقين الأولين من لهم في قريش وفرة ومنعة وثروة وجاه، وفجأة وجدوا أنفسهم مهاجرين غرباء في المدينة، ليس معهم من زخارف الدنيا شيء… ولكن هل بوسع أحد أن يقول إنهم كانوا في المدينة أقل سعادة وسروراً منهم في مكة ؟…

إن سعادة القلب والروح التي حباهم الإسلام إياها أقامت سائر القيم في مكانها الصحيح، وكشفت في مكامن الإنسان عن سر سعادته الحق، وأسباب هنائه وقرة عينه.

{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}([29]).


آثار التقريب بـين المذاهب الإسلامية*

 

 

بدعوة من المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيكو) انعقدت الندوة الخاصة بالتقريب بين المذاهب الإسلامية في الرباط خلال شهر آب 1996م.

شارك في الندوة أربعة عشر مفكراً إسلامياً، وقد عقدت برئاسة الدكتور عبد العزيز التويجري الأمين العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو)، كما شارك فيها الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور عباس مهاجراني والدكتور فاروق حمادة، كما شارك من سوريا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، كما شاركت ممثلاً سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية.

كانت كلمتي في الندوة تتناول محور (أثر التقريب بين المذاهب الإسلامية على المجتمع والثقافة والاقتصاد والسياسة).

وفيما يلي نص الكلمة:

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأشرف الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة :

خلق الله الإنسان اجتماعياً بطبعه، وأنزل شرائعه في مجتمعات إنسانية، ثم جاء بالرسالة الخاتمة على سيدنا محمد r، فقررت بصريح العبارة وجوب إقامة مجتمع الإيمان، على أساس حاجة الإنسان لأخيه الإنسان، {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}([30]).

ومن ثم فقد حرمت الشريعة الخاتمة الرهبنة والعزلة والانتباذ، إذ قال رسول الله r : ((لا رهبانية في الإسلام))([31]).

وإذا كان التعاون الإنساني حاجة وضرورة دلت عليها نصوص الشريعة فإن تحقيق الإخاء الإسلامي أشد تأكيداً، وهو مقصد رئيس من مقاصد الشريعة السمحة.

{إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}([32]).

والدعوة إلىالوحدة الإسلامية مطلب عظيم، ينبغي أن نسعى إلى تحقيقه على أسس علمية موضوعية، وأن نجرد هذه الدعوة الصادقة من الصيغ الخطابية والعاطفية، التي تتردد بين الحين والآخر، وتخلط بين تحقيق الوحدة الإسلامية، وبين إلغاء المدارس الاجتهادية الفكرية التي هي مظهر ثراء هذه الأمة في الفقه والتشريع وحرية الفكر.

إن البعض يتصور أن الوحدة الإسلامية لن تقوم إلا إذا ضربنا بمعاول الهدم جهود أئمة الفقه الإسلامي، وأعلنا البراءة من مذاهبهم، وأحرقنا فكرهم واجتهادهم، ولاشك أن ذلك يؤدي إلى ضياع الشريعة أكثر مما يؤدي إلى وحدة الأمة.

فهل من الخير أن نعلن في بلد كالرباط مثلاً عن توحيد المعرفة، فنحشر سائر طلبة الجامعات في قاعة واحدة، ونتفق على مدرّسٍ واحد، يلقي محاضرات المعرفة – ولو كان أكفأ مدرسينا -، ثم نتنكر لسائر المدرسين والمعلمين، ونغلق أبواب الجامعات والكليات، بدعوى تحقيق الوحدة المنشودة.

إن ذلك – لو حصل – سيكون بلا ريب لوناً من العبث، يتنزه عنه العقلاء، وسيكون مدعاة إلى الأسف والرثاء، وخنقاً للطاقات المبدعة في الناس.

وأين نذهب كذلك بالتنوع الطبيعي الذي خلقه الله عزوجل في الناس، والذي نلمسه أول مانلمسه في رقة أبي بكر وشدة عمر وحياء عثمان وإقدام علي، وهو تنوع يكشف لنا عن اتساع الفردوس الإسلامي، ليشمل أهل الإيمان كافة، على تنوع طبائعهم واختياراتهم.

ومن هنا كان لامندوحة من الحديث عن التقريب، التقريب الذي يتضمن احترام التراث الفقهي الذي أنتجته عقول أئمة كل مذهب، ثم البحث عن الخيوط الجامعة التي تؤلف بين تلك الحبائب، بسبب متين، يجعل اجتهادها وفكرها فقهاً متكاملاً، يكسب المشرّعين في دوائر القرار في العالم الإسلامي غنى فقهياً وعلمياً يكفل إيجاد الحلول لأكثر المشاكل استعصاءً في المجتمع، ولايحول دون الاحترام والإجلال لاختيارات سائر أئمة الفقه الإسلامي، سواء اعتمدت آراؤهم في التشريع أم لم تعتمد، وسواء اتفقنا على الأخذ برأي بعينه أم لم نتفق.

وقد مضى العمل خلال التاريخ الإسلامي على هذا السبيل،وكان الاتفاق دوماً وفق قاعدة : ( المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد)([33]).

 

من آثار التقريب على الحالة الاجتماعية :

إن المذاهب الإسلامية حقيقة موجودة في هذا العالم الإسلامي، لانملك تجاهلها، وهي منذ قرون قائمة في مختلف أطراف هذا العالم الإسلامي، وليست محسومة جغرافياً، بل تتداخل في البلدان والأمصار، حتى إنه ليعسر القول بأن ثمة بلداً إسلامياً واحداً لايوجد فيه اختلاف مذهبي، وكذلك فإنه لم يحصل أن عاش المسلمون قرناً واحداً من الزمان بدون اختلاف مذهبي، ومن هنا فإنه يمكن القول : إنَّ مايتصوره البعض من اتحاد المواقف الاجتهادية إزاء سائر القضايا الفرعية هو أمر لاوجود له في الزمان ولافي المكان في هذا العالم الإسلامي.

وقد قامت تاريخياً عدة محاولات سياسية لفرض مذهب إسلامي واحد، باستخدام الوسائل العسكرية والإدارية – لعل أشهرها محاولة المعتزلة فرض آرائهم الاجتهادية في العصر العباسي –([34])، ولكنها لم تؤد في النهاية إلا إلى إضافة الضغائن على الخلافات الفكرية الاجتهادية، التي كان ينبغي أن تبقى ضمن إطار الفكر لاتتعداه.

إن مانبحث عنه هنا ليس قراراً سياسياً يتبنى اتجاهاً محدداً في الفقه الإسلامي، ويحظر ماسواه، بل إن ذلك سيؤدي إلى نقيض مقاصدنا في تحقيق الوحدة الإسلامية، وقد رفضه بشدة سائر الحكماء في التاريخ الإسلامي، ونستشهد هنا بالموقف الحكيم للإمام مالك بن أنس(رضي الله عنه) حين قدم للعالم الإسلامي كتابه النفيس الموطأ، الذي ضمنه عصارة فكره، ونتيجة تمحيصه في الرواية والضبط، وحين طلب إليه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أن يحمل عليه الناس في القضاء والفتيا، ويجعله للناس إماماً، رفض إمام أهل المدينة ذلك بشدة، في موقف حضاري فريد، يسترعي الانتباه، وقال : إن أصحاب رسول الله r قد تفرقوا في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر حديث علموه، وكلٌّ مصيب، فقال المنصور : وفقك الله يا أبا عبد الله([35]).

وبذلك فإن الإمام مالك، وقد أظهر ترفعاً على اقتناص هذه الفرصة، التي يتمناها كثيرون، ليدخلوا بها التاريخ، فإنه أوضح بجلاء أن الوحدة الإسلامية تتناقض مع مصادرة الرأي، وأنه لامجال للحديث عن الوحدة إذا أردتَ بها هدم اجتهاد الناس، وترك الإفادة من جهدهم العلمي.

وهكذا فقد رسم لنا الإمام مالك t مذهب الوحدة الإسلامية الذي نبتغي، وهو الذي يضمن التكامل بين حركة الاجتهاد ووحدة الجماعة.

وهذا الفهم للوحدة المنشودة، ليس بدعاً في التاريخ الإسلامي، فقد عاش علماء هذه الأمة، عاملين متجاورين متزاورين، شافعية وحنفية ومالكية وحنابلة، وكان التعصب المذهبي خافتاً ضعيفاً في الجملة، توقظه السياسة بين الحين والآخر، ولكنه لايلبث أن يختفي في ساحة الفكر والعلم، وأياً كان، فإن من المؤكد أن هذا التعصب اليوم قد آل إلى زوال، وأصبح في حكم المتفق عليه أن سيرة الاجتهاد اليوم، منوطة بالمصادر المتفق عليها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومصالح المسلمين، دون التقيد باختيارات أئمة بعينهم في أصول الاستنباط من المصادر.

وهكذا فإننا قد حققنا بحمد الله التقريب المنشود على مستوى المذاهب الأربعة، ولكن هذا ليس إلا نصف الطريق، إذ علينا أن ننظر إلى التعصب الذي لازال موجوداً بين الصوفية والسلفية، وبين السنة والشيعة، وبين أهل التأويل وأهل التفويض، وكذلك غربة بعض الطوائف وعزلتها رغم سعي أجيالها الجديدة للاندماج بالعالم الإسلامي، والعودة إلى الأصول التي انبعثت منها، ومشاركتها الأمة الإسلامية في قضاياها الكبرى.

ويجب الاعتراف أن نصف الطريق الباقي الذي نتحدث عنه هوَ همٌّ إسلامي حاضر في كل مدينة في العالم الإسلامي، وفي الأقليات الإسلامية المنتشرة في العالم، إذ تجد مشكلة صوفية سلفية، أو سنية شيعية، في أكثر البلدان الإسلامية، كما تجدها بشكل واضح في المراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا، بشكل أصبح يعكس أسوأ ظاهرة تصد عن الإسلام في العالم الغربي.

ويتحدث سائر أطراف هذه العصبيات عن الوحدة الإسلامية، كغاية وهدف وأمل، وهو أمل لن يروه أبداً، إذا بقيت تصوراتهم لهذه الوحدة تقوم على أساس إلغاء الآخر ومصادرة رأيه، وهو أمر يحول باستمرار دون تحقيق الاندماج الاجتماعي بين أبناء الأمة الإسلامية.

إن التقريب والتوحيد سيقودان بالنتيجة إلى تذويب الكيانات المصطنعة غير الطبيعية والقائمة على قواعد التعصب والتفريق، وسيؤدي هذا إلى حالة من التمازج الاجتماعي ينمو ويكثر فيها الزواج بين كافة الأطراف، وتزدهر العلاقات الاجتماعية وتتشابك، فيظهر تبادل المنافع والزيارات، وحضور المناسبات المختلفة لدى كل طرف، وبالإرادة والصبر والتوجيه والتعليم المستمر يُمكن أن نصل إلى مرحلة متقدمة من الاندماج الاجتماعي التدريجي بين أبناء الأمة.

 

من آثار التقريب على الحالة الثقافية :

وعلى هدي ماقدمناه من حتمية السعي إلى التقريب، فإن انبعاثاً ثقافياً كبيراً ينتظرنا في العالم الإسلامي، إذ ستتضاعف الأعمال المعرفية، حين يكسر كل جانب عقدة الوهم من الجانب الآخر، ويتلمس الفائدة الحقيقية من مؤدى اجتهاداته فيما أصاب فيه، وسنجد برامج كثيرة للتعاون الثقافي والفكري، تبدد صورة الشقاق الدائم التي يلاحظها من يرصد النشاط الإسلامي في العالم.

يجب أن نتذكر دوماً أن ( الأزهر ) نفسه إنما وجد النور علىأيدي الفاطميين، وكذلك فإن أكبر مدارس السنة في الحديث إنما هي مدرسة نيسابور قرب مشهد، ومن إيران وأطرافها انبعث أئمة الحديث الستة : البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.

كذلك فإن ابن تيمية خص جزءاً كبيراً من فتاويه للحديث عن أئمة التصوف ونفائس أقوالهم، وفي فتاويه الآن مجلدان كبيران : الأول بعنوان التصوف والثاني بعنوان السلوك، كما استأنف تلميذه الكبير ابن القيم منهج شيخه فصنف كتابه الجليل : مدارج السالكين، الذي يعتبر درة ماصنف في التصوف القرن الثامن الهجري.

وهذا التمازج يكشف لك أن الأمة الإسلامية في سعي مستمر إلى غاية واحدة، هي التعريف بوحداينة الله، وأن بعض جهودها وإن تناقضت في الظاهر، فإنها تجد مع الأيام سبيل تكاملها وتواصلها.

 

من آثار التقريب على الحالة الاقتصادية :

ولاشك أن الدعوة إلى التقريب، ستعالج كثيراً من المصاعب الاقتصادية في العالم الإسلامي، فإنه حين تبلغ دعوة التقريب مبلغها في نفوس الناس، فإن من الطبيعي أن تتوقف تلك المشاريع التي تهدف إلى ( تشييع ) المسلمين أو ( تسنينهم )، وكذلك إلى قمع السلفية أو محاربة التصوف، وهي مشاريع تستنزف من خيرات العالم الإسلامي وموارده جانباً كبيراً، وقد تورطت للأسف دول إسلامية بحالها في مثل هذه المشاريع الهائجة، والتي لاتعود في النهاية إلا بتكريس العداوة والأحقاد بين المسلمين.

وتبلغ نفقات مثل هذه المشاريع مبالغ كبيرة ؛ إذ تشتمل على مبانٍ وإدارات، وكتب وإصدارات، وأجور دعاة، ومصاريف تأليف للقلوب، وتكاليف إذاعات ومحطات، وربما بناء مساجد تكرس لخدمة طوائف بعينها، وهذا كله في النهاية من الهدر البغيض، الذي يسير في عكس المصلحة الإسلامية، ويزيد في فرقة المسلمين وشتاتهم.

وإني أقدّر أن ربع هذه التكاليف كافية لتنشيط الدعوة الإسلامية على مستوى العالم كله، فيما توجه بقية تلك النفقات لجهة معالجة مشاكل العالم الإسلامي الاقتصادية المتفاقمة في جانب تحقيق الحياة الكريمة للشعوب الإسلامية الفقيرة.

كما أن التقريب سيزيل كثيراً من الحواجز النفسية التي تحول دون تعميق التبادل التجاري بين أبناء المذاهب في إطار الأمة الإسلامية الواحدة، وهذا ينعكس إيجاباً على التنمية الصناعية والزراعية، وكذلك على التكامل اقتصادياً في المحصلة.

 

من آثار التقريب على الحالة السياسية :

لايمكننا أن ننكر أثر الخلاف المذهبي في صناعة خصومات العالم الإسلامي وإذكائها بكل أسف، ولانجانب الحقيقة إن قلنا: إن بعض المتحاربين في حروب الخليج وأفغانستان والجزائر ولبنان، وغيرها في البلدان التي شهدت صراعاً إسلامياً إسلامياً، إنما وظفوا هذه المشاعر المذهبية في إضفاء جانب اعتقادي على حروبهم المختلفة، رغم أنني أجزم بأن أسباب اشتعال هذه الحروب إنما هي سياسية بحتة، ولكن كان من الممكن أن تكون أقصر أعماراً، وأقل أضراراً، لو أننا أفلحنا في بناء جسر التقريب الإسلامي، الذي يقوم على أساس احترام أهل التوحيد وعصمة دمائهم رغم الخلاف في كثير من  الآراء.

كذلك فإن كثيراً من الخلافات السياسية في العالم الإسلامي اليوم تعود إلى أسباب مذهبية، ويقوم بعض الفقهاء فيها – بكل أسف – بإذكاء نار هذه القطيعة، وتوفير المبررات والحجج التي تكرس القطيعة وتحول دون الوفاق، وتنقل الخلاف السياسي إلى خلاف شعبي، يجعل أمر الوفاق في غاية الصعوبة، وهو بالتأكيد ما يسعى إليه أعداء الإسلام والمسلمين.

وكلنا يمكن أن يتصور قوة الموقف السياسي الإسلامي على مستوى الأحداث العالمية لو أن التقريب والتوحيد أخذا الأبعاد المطلوبة على الساحة الإسلامية.

إن البحث عن الخطوط الجامعة بين مذاهب الأمة الإسلامية ليس عسيراً، فثمة كتاب واحد يتفق المسلمون على أنه منزل من الله عز وجل، وثمة قبلة واحدة يتفق سائر مسلمي الأرض أنها جهة صلاتهم وقلوبهم، وثمة أحكام متطابقة في العبادات والمعاملات ونظام الأسرة، فيها بعض الهوامش الاجتهادية، ولكنها لاتفقد هذه التشريعات معنى الروح الواحدة والمصدر التشريعي الواحد.

إن المغول حين اجتاحوا العالم الإسلامي لم يقسموا عدوهم إلى سني وشيعي، بل كانوا يسعون إلى هدف واحد، هو القضاء على العالم الإسلامي بمختلف شعوبه، وكذلك كانت سهام الصليبيين لاتفرق بين طائفة وأخرى من المسلمين، واليوم فإن العدوان الصهيوني على جنوب لبنان لم يفرق بين سني وشيعي، وصوفي وسلفي، لقد كان أوضح تطبيق لكلمة تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية سابقاً التي سمعتها بأذني تقول : ( لقد كان الغرب في صراع مع الشيوعية، وبعد أن انهارت الشيوعية في الاتحاد السوفياتي فإن العدو الوحيد للغرب هو الإسلام ! .. ).

وفي ختام كلمتي، فإنني أشكر الإخوة المجتمعين في هذا المؤتمر الكريم، لإتاحة هذه الفرصة التاريخية لإعلان أذان الوحدة الإسلامية.

وأرفع هنا توصياتي إلى هذا المؤتمر الكريم، وكلي أمل أن تواتي الفرصة المناسبة لترى هذه التوصيات طريق النور :

أولاً : عقد مؤتمر إسلامي عالمي يكون شعاره :

{ولاتقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً}([36]).

ثانياً : دعوة مندوبين من كافة المذاهب الإسلامية للمشاركة فيه، من الذين يرغبون في الدخول في رسالة التقريب، وإزالة مابينهم من حواجز.

ثالثاً : يقوم هذا المؤتمر بوضع ميثاق للتقريب والتوحيد يتضمن المبادئ والوسائل، ومن هذه الوسائل :

1ـ تأليف الكتب المشتركة في التفسير والسيرة والفقه المقارن، والاهتمام بإصدار كتاب موحد للسنة النبوية التي يتفق على صحتها المسلمون جميعاً.

2ـ إصدار مجلة تشرف عليها لجنة متخصصة منبثقة عن ندوة التقريب والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، تعتني بموضوعات التقريب والتوحيد.

3ـ تشكيل لجان فرعية لتمحيص الكتب الإسلامية القديمة والجديدة وحذف كل مايسيء إلى المذاهب الأخرى.

4ـ إقامة مؤتمرات تخصصية وندوات جماهيرية إعلامية لمعالجة التفريق، ودعم التقريب والتوحيد.

5ـ إقامة المخيمات السنوية لطلبة الجامعات الإسلامية تحت إشراف العلماء والمفكرين المتنورين للتعارف وإزالة حواجز الوهم بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة.

وفي الختام أسأل الله أن يبارك هذا السعي النبيل، وأن يحقق المقاصد المأمولة، وأن يكلل جهود العاملين المخلصين بالنجاح  والتوفيق.

{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلىعالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}([37]).

والحمد لله رب العالمين


رسالة الدعاة في محن العالم الإسلامي*

 

يعتبر المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة أكبر مؤسسة إسلامية تتولى التنسيق بين الحركات الإسلامية في مجال الدعوة والإغاثة، وهو ينعقد برئاسة شيخ الأزهر، ويضم نحو ستين منظمة إسلامية عاملة في حقل الإغاثة والدعوة ويشترط فيها أن تكون فاعلة على المستوى الدولي، بمعنى أن يقتصر نشاطها على المستوى الإقليمي.

انعقد اللقاء في القاهرة 21/10/1993، وذلك في ظل ظروف دولية معقدة، حيث كانت حرب الخليج الثانية لا تزال ماثلة في الأذهان والحديث عن النظام العالمي الجديد، على أن الهم الأكبر الذي ركزت الحديث حوله هو مسألة مصير الشعوب الإسلامية فيما كان يسمى سابقاً (الاتحاد السوفياتي).

وهكذا فقد انصرفت في الحديث إلى دور المجلس في رعاية هذه الشعوب الإسلامية، وتحدثت فيها عن تجربتنا في سوريا بهذا الجانب.

أبرز من شارك في هذا اللقاء:

الشيخ جاد الحق جاد الحق شيخ الأزهر رئيس المجلس.

فخامة المشير عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس السوداني الأسبق، نائب رئيس المجلس.

الشيخ محمد ناصر العبودي الرئيس المكلف لرابطة العالم الإسلامي.

الدكتور رمزي قرشي الأمين العام لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية.

معالي الأستاذ كامل الشريف الأمين العام للمجلس العالمي للدعوة الإغاثة.

الشيخ يوسف جاسم الحجي وزير الأوقاف الكويتي الأسبق.

الدكتور عبد السلام العبادي وزير الأوقاف الأردني.

الدكتور محمد أحمد الشريف أمين جمعية الدعوة الإسلامية العالمية.

إضافة إلى مشاركين من نحو خمسين منظمة دعوية إغاثية في العالم الإسلامي.

وقد ألقيت الكلمة الآتية ممثلاً للمجمع الإسلامي في سوريا الذي يرأسه سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية، وفيما يلي نص الكلمة:

 

 

سماحة رئيس المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الجامع الأزهر

السادة الوزراء

السادة أعضاء الـهـيـئـة التأسيسية

أيها السادة الأعلام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد

إنه لاختيار حكيم، أن ينعقد هذا اللقاء الكريم تحت ظل قوله سبحانه:

{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}([38]).

أيها الإخوة:

المسلمون أمة واحدة، تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، آخاهم الكتاب، ووحَّدهم الرسول، واصطفاهم الله على العالمين، {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}([39]).

وهذا المعنى من التكافل والتراحم بين المؤمنين، أصيل في تاريخ هذه الأمة، وبه حفظ الله لها كرامتها وعزتها وجهادها عبر تاريخها الطويل.

وهكذا فإن قيام هذا المجلس الكريم، إنما هو تواصل طبيعي مع جهاد هذه الأمة لبلوغ مرضاة الله سبحانه، ومعالجة مشاكل العالم الإسلامي في ظل الظروف العالمية الجديدة.

وإن من تمام التوفيق أن يتوزع نشاط هذا المجلس العالمي بين الإغاثة والدعوة، وإنه لفهم دقيق لمقاصد الإسلام الكبرى في رعاية الروح والجسد، وتأمين مطالب الدنيا والآخرة، وتكامل الأرض والسماء، وهو ما ألهمه الله للمؤمنين في قوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}([40]).

وسأترك الحديث عن الشق الثاني من رسالة المجلس في الإغاثة لإخواني من المتخصصين في هذا السبيل، الذين يقومون بجهاد كبير في زيارة مراكز البأساء في العالم الإسلامي، وتقديم المساعدة الواجبة للمسلمين الصابرين في الأرض، ولكنني سأشير إلى الشق الأول في رسالة المجلس العالمي في القيام بواجب الدعوة إلى الله في هذا العالم المعذب.

إن حاجة الإنسان إلى الإيمان لا تقل عن حاجته إلى الطعام والشراب، وتتعاظم هذه الحاجة كلما تعاظمت أختها، ذلك أن البؤس موجود في الأرض منذ مئات القرون، وبالرغم من سعي الإنسان المستمر لرفع البؤس والمعاناة فإن الجشع والطمع، وتسلط الأقوياء والمستبدين لا يزال يحول دون تحقيق عدالة كاملة في الأرض، وهنا يأتي دور الإيمان، فإنه يمنح الإنسان سعادته الحقيقية حين يعمر قلبه باليقين، وينطلق بأمانيه إلى السماء، ويحرره من قيود الأرض، بالرغم مما قد يكون فيه من وضع اجتماعي ومادي صعب وحرج، ثم يعلمه بعدئذ كيف يكافح وهو يبتسم.

لقد كان بلال بن رباح وهو تحت سياط أمية بن خلف أسعد من جلاديه، وذلك حين منحه الإسلام حلاوة اليقين، وعلقت أمانيه في السماء، فجعل يعلم الناس قرة الفؤاد، وأن بأساء الجسد مهما تعاظمت لا يمكن أن تبلغ قلب المؤمن الذي يسكن بالرحمن سبحانه.

وكانت سمية بنت خياط أسعد من جزارها اللئيم بالرغم من أنها قضت نحبها بين يديه، وكذلك كان المهاجرون في غربتهم وصبرهم أسعد من ظالميهم في تعنتهم وجبروتهم، حتى أولئك الذين كتبت لهم الشهادة كانوا يمسحون وجوههم بدمائهم راضين مغتبطين، قائلين: فزت ورب الكعبة بالرغم من أنهم يجرعون سكرات الموت…

لقد منحهم الإسلام السعادة أولاً، فاطمأنت قلوبهم بذكر الله، ورضيت نفوسهم عن قضائه وقدره، ثم علمهم بعدئذ كيف ينزعون السياط من أيدي جلاديهم، ليسرجوا بها خيول الفتح العظيم.

وهكذا فإن رسالة الدعوة جزء من جهود الإغاثة، وجهود الإغاثة واجب من واجبات الدعوة.

وكان القرآن العظيم كلما امتن على المؤمنين بنعم الله السابغة، يقرن دوماً نعمة الهداية ونعمة الإغاثة: ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى.

وهي حقيقة تتكرر كلما من الله سبحانه على عباده بالفضل والنعمة.

أيها الإخوة:

إن جهاد الدعوة الذي تقوم به مؤسسات إسلامية كثيرة في الأرض، فريضة واجبة، وهو إن كان واجباً في مجتمعات غير المسلمين، فإنه في المجتمعات الإسلامية أوجب وآكد، سيما تلك المجتمعات التي انجاب عنها الكابوس الأحمر، بعد أن عاشت عقوداً طويلة من الزمن صابرة ومكافحة مستمسكة بدينها الحنيف.

لقد انكشف سقوط الشيوعية في العالم عن أكثر من مائة مليون مسلم، كانت آمالهم وأمانيهم مخبوءة تحت الرماد الأحمر، وهي شعوب حية وغالية، سبق أن قدمت للإسلام الكثير، وبحسبك أن تعلم على سبيل المثال أن الإمام البخاري والترمذي والنسائي وأبا داود وابن ماجه والفخر الرازي والزمخشري كانوا جميعاً من تلك البلاد التي تعرضت لمظالم البغي والاضطهاد وطيلة سبعين سنة أو تزيد.

إننا مدعوون اليوم لنقدم ما نستطيع وفاءً مع هذه الشعوب الصابرة التي قدمت في سالف جهادها عطاءً إسلامياً كبيراً.

وأن من الوفاء أن تتوجه جهود الدعوة والإغاثة، إغاثة الروح والجسد، إلى تلك الشعوب الإسلامية الصابرة، وهي تستعيد عافيتها ورشدها لتقدم من جديد مثل ما قدمته لهذه الأمة في ماضيها المجيد.

لقد انفرط الحكم الشيوعي في هذه الأمصار مخلفاً وراءه ألف هم وهم..

ويبلغ عدد المسلمين في مناطق الاتحاد السوفياتي نحو 65 مليون مسلم، وهم يتزايدون بنسبة كبيرة تصل إلى 5ر3 بالألف، ويتوقع أن يصل عددهم عام 2000م إلى نحو77 مليوناً، ويعيشون على رقعة واسعة من الأرض، غنية بخيراتها، تبلغ مساحتها 5ر4 مليون كم2 وهو يساوي مساحة الدول العربية في آسيا مجتمعة، ومنها دولة نووية أساسية في العالم وهي كازاخستان، وهي إجمالاً غنية بثرواتها المعدنية قوية بانتاج الصلب.

وإذا كان هذا الخطاب موجهاً للمسلمين عموماً فإنه موجه بالدرجة الأولى لمسلمي بلاد الشام، إذ تقع على عاتقهم في هذه المرحلة مهمة تحقيق هذا الانفتاح والتواصل مع تلك الشعوب ونشر المعارف الإسلامية وبث الدعاة في ربوع تلك البلاد.

ويحتم لزوم هذه المسؤولية على أهل الشام اعتبارات أربعة:

أولاً ـ جانب جغرافي:

تشكل سوريا والعراق أقرب البلدان العربية جغرافياً إلى هذه الجمهوريات، ولا شك أن النهضة التاريخية المطلوبة في تلك البلاد ستتلازم بالتأكيد مع توجه إلى البلاد العربية، إذ إن عودة هذه الشعوب إلى ثقافتها الإسلاميــة مرتبطـة بتوجههـا إلى اللغـة العربيـة، وهـذه الأختيرة تلتمـس فـي عواصمهــا بالطـبع، وإذا كان العراق له في همه الداخلي شغل شاغل، فإن سوريا مؤهلـة أكـثر مـن أي مصـر آخـر للمسـاهمة بدور مصيري في صياغة هــذا التــوجه الجــديد.

ثانياً ـ جانب تاريخي:

فقد استقبلت بلاد الشام خلال التاريخ وجبات كثيرة من المهاجرين، الذين كانوا يفرون من المعارك المستعرة في تلك البلاد، وكانوا يختارون الشام لأسباب اعتقادية، تتعلق بفضائل الشام المنصوص عليها في الكتاب والسنة، ويمكنك اليوم أن تلحظ أحياءً كاملة في المدن السورية، وبلدات وقرى في أطرافها تسكنها جاليات إسلامية مهاجرة من آسيا الوسطى والقوقاز على سبيل المثال: حي المهاجرين في دمشق وقرى الجولان السوري وكذلك أسماء العوائل التي تشير إلى أصولها التاريخية فتجد عوائل: البخاري والكرمانشاهي والداغستاني والسمرقندي والطاشكندي والخوارزمي والتركماني والآذربيجاني والأباظة (الأفخاز)..

وهذه الحقيقة التاريخية تبعث المسؤولية في نفوس المقيمين من أبناء تلك البلاد في مختلف مواقعهم الاجتماعية والعلمية ليلتفتوا بمد يد الواجب لأرض آبائهم وأجدادهم فيصلوا ما انقطع ويرقأوا ما نكأ ويعمروا ما انهدم.

وهذا يُسهِّل غربة اللغة والثقافة، حيث يجد الوافدون من يحتضنهم ويرعاهم من إخوانهم وعشائرهم، ومن يرحل إليهم للدعوة والبلاغ من أصولهم وإخوانهم.

ثالثاً ـ الجانب الديني:

وهو اعتبار هام، إذ جاءت الأخبار الصحاح بفضل الشام ومنزلتها عند الله في آخــر الــزمان، ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنــه قال: سمعــت رسول الله r: (يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يؤمئذ).

ـ وروى الترمذي بإسناده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنا عند النبي r  يوماً نؤلف القرآن من الرقاع فقال رسول الله (طوبى للشام) فقلت: لم ذلك يا رسول الله؟ قال: (لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليها).

وهذه المعاني مستقرة في ذهينة تلك الشعوب، وهي تعرفها أكثر مما يعرفها أهل الشام، بل إن كلمة (شام) لا تكاد تجري على ألسنتهم إلا مقرونة بلقب التشريف (شام شريف)، وقد شهر التاريخ الإسلامي مئات العوائل التي تركت بلادها ويممت صوب الشام ابتغاء البركة المنصوص عليها في نصوص الكتاب والسنة كما ذكرنا..

ولا شك أن علاقة الأشواق هذه يجب توظيفها كما يتناسب مع مصالح تلك الشعوب في العلم والمعرفة والمواقف السياسية والمنافع الاقتصادية المتبادلة، وهي بلا ريب واحد من الاعتبارات التي تحكم السياسة العامة في تلك البلاد.

رابعاً ـ جانب موضوعي:

ويتمثل في توفر الخبرة والتجربة في المؤسسات الإسلامية في الشام لهذا الجانب من التواصل، فالمؤسسات العلمية والدعوية في الشام وعلى رأسها المجمع الإسلامي الكبير (جامع أبي النور) تقوم بدور ريادي في هذا الجانب آتى أكله في تخريج مئات الدعاة العاملين الذين راحوا يضربون في الأرض، يؤدون رسالتهم في الدعوة إلى الله عز وجل في مناطق آسيا الوسطى وقفقاسيا، وأذكر على سيبل المثال أنه تم اليوم إحداث أحد عشر معهداً شرعياً في القوقاز وآسيا الوسطى وذلك بالتنسيق والتعاون مع المجمع الإسلامي بدمشق.

وإنه ما من أمة إسلامية تتعرض لاضطهاد وبغي إلا وهي تواجه في ذات الوقت تآمراً خفياً على عقيدتها ودينها وإسلامها، وذلك ظاهر فيما يلقاه إخواننا المسلمون في البوسنة والهرسك وأذربيجان وليبريا وغيرها.

وهذه الحقيقة التي لا يجهلها تيار إسلامي مخلص، وجدت في الحقيقة الإطار القوي الرشيد، القادر على تنسيق الجهود، وتوجيه الطاقات وجهتها الصحيحة، حيث تجمعت مجموعة نادرة من أكفاء الرجال والمؤسسات الشريفة لتؤدي هذه الرسالة من خلال هذا المجلس الكريم والذي أصبح بحمد الله ملء والعين والقلب.

وأود أن أهنئ المجلس الكريم على برنامج العمل الحافل الذي قدمه خلال هذا اللقاء، وخصوصاً مشروعه الرائد بإنشاء هيئة للمحافظة على القرآن الكريم، وأنني أضع إمكاناتي المتواضعة في خدمة هذا المشروع الجليل.

وختاماً فإنني أتوجه بالشكر الجزيل إلى فخامة الرئيس حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية وهو يستقبل ولايته الدستورية الثالثة.

وأنقل لكم حب إخوانكم المؤمنين من علماء الجمهورية العربية السورية، وعلى رأسهم السيد الرئيس حافظ الأسد.

كما أشكر الإخوة القائمين على هذا اللقاء الكريم وعلى رأسهم سماحة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الجامع الأزهر الذي أسأل الله أن يبقيه منارة ينتفع بها المسلمون في الأرض.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.


وسائل جديدة في خدمة القرآن*

 

مؤتمر القرآن الكريم عطاء متجدد جهد إسلامي مبرور دعت إليه الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت، وهو يهدف إلى التنسيق بين الجهود الهادفة إلى خدمة القرآن الكريم ورعاية أهله، وهذه الجهود التي تبذل في العالم الإسلامي تحتاج إلى التنسيق والعناية حتى لا يأكل بعضها بعضاً، وحتى لا تتكرر الجهود في السبيل الواحد إذا كان في بعضها غنية عن بعض.

دعي إلى المؤتمر أهل القرآن الكريم من علماء ودعاة ومشرفين من مختلف البلاد العربية، وقد قدم كل منهم مختصراً عن تجربة بلاده في خدمة القرآن الكريم وأهله.

وقد دعيت إلى المؤتمر لأتحدث عن تجربتي كحافظ للقرآن الكريم ومشرف على معاهد القرآن في سوريا ومؤلفاً في علوم القرآن.

لقد كان المؤتمر تجربة رائدة في هذا السبيل وهو نشاط إسلامي فريد آمل له أن يتكرر بين الحين والآخر، وأن يتطور باتجاه الاهتمام بالتفسير، وإعادة فهم القرآن على أنه رسالة هدى ونور، وليس أغلالاً موروثة محكومة بخيارات السابقين.

وفيما يلي نص الكلمة التي ألقيتها في المؤتمر:

 

 

أيها الأخوة:

إنه لأمر عظيم أن تشد الأيادي الخيرة على المقاصد الشريفة من أجل بلاغ مرضاة الله عز وجل في خدمة كتابه الكريم وأهله الذين اصطفاهم الله عز وجل بقوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}([41]).

لقد تمت النعمة الألـهية على هذا الكون يوم تشرفت هذه الأرض بتلقي كلمة الله عز وجل الباقية: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم}([42]).

وتمت النعمة على هذه الأمة العربية يوم جعل الله القرآن الكريم لساناً عربياً غير ذي عوج، فشرف بذلك هذه الأمة، وجعل أفئدة الناس تهوي إليها، وعادت هذه الأمة إلى جماعتها ووحدتها واستحقت بالتنزيل الإلـهي وصف خير أمة أُخرِجَت للناس، وهديت سبيلها الأقوم الذي أراده الله عز وجل.

وقد عرف علماء الإسلام كيف يكون القرآن العظيم نبراس هدى ونور، فاشتغلوا بتفسيره والتمسوا دلالاته وأحكامه، وطهروا أفئدتهم بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.

ثم انتخبوا خيرة أذكيائهم وشرفائهم، فجعلوا من صدورهم صحائف نور يسيطر فيها كلام الله ويتعاقب الأبرار بروايتها عن الأخيار، وهو سعي مبرور مشكور، حفظ لهذه الأمة تواصلها مع الكتاب الكريم، والتزامها بالشريعة السمحاء، وجعل من قلوب الناشئة ضمانة أكيدة لاستمرار توجه الأمة نحو مقاصد الإسلام.

أيها الإخوة:

كان من الواجب أن ينعقد مثل هذا اللقاء منذ سنين طويلة، إذ المؤمن قوي بإخوانه، ورفيد العقل غذاء الجماعة، والإسلام دين جماعة، والأمة الإسلامية بحمد الله لا تعوزها الطاقات المبدعة، وإنما يعوزها التنسيق والتعاون المثمر بين هذه الجهود.

وعلى كثرة ما يعقد من لقاءات في عواصم العالم الإسلامي المختلفة فإن بوسعي القول إن هذا اللقاء هو الأول الذي يكرّس لهذا الاختصاص الواضح وهو تعاون أهل القرآن في ترشيد مهارات تحفيظ القرآن الكريم لنضع بين يدي أجيالنا أنجح السبل في تحقيق مجتمع صالح يكون القرآن الكريم فيه أنيس اللسان وغذاء العقل وشفاء الروح.

ولا شك أن عرض الخبرات المختلفة يثمر في الحقيقة تفاعلاً إيجابياً بناء في سبيل تحقيق نتائج أفضل للغاية التي نتوخاها، وإذا كان ذلك كذلك فإني أستميحكم عذراً أن أتجه في خطابي هذا لعرض تجربتنا في تحفيظ القرآن الكريم، ثم تقديم الوسائل التي توسلناها لتحقيق هذه المقاصد، ثم ما نطمح إلى تحقيقه من نتائج وثمرات.

أيها الإخوة:

كان علمنا في الشام في مجال تحفيظ القرآن الكريم تواصلاً طبيعياً مع مسيرة متواصلة قديمة في خدمة القرآن الكريم، فدمشق الشام دار ابن عامر، وبه طابت محلاً وعطاء، وقد تعاقب عليها أئمة القراء والحفاظ منذ فجر الفتح الإسلامي إلى أيامنا هذه، وقد مرت أيام على دمشق انتشر فيها ثلاثمائة وستون داراً لتحفيظ القرآن الكريم على ضفاف نهر يزيد في دمشق، وقد تواصل هذا العطاء بعد الخلافة الراشدة أيام بني أمية ثم بني العباس ثم الأيوبيين والمماليك، ثم تولى ذلك رجال الإفتاء والإقراء في بلاد الشام.

وفي مطلع السبعينات تأسس في دمشق المجمع الإسلامي الكبير الذي أخذ على عاتقه مسؤولية الدعوة إلى الله عز وجل عن طريق دعم الطاقات الإسلامية الكبيرة المنتشرة في المنطقة، وكان من بين أبرز نشاطاته جهوده في تحفيظ القرآن الكريم.

فقد توجه المجمع الإسلامي إلى شيوخ القراء في سوريا الذي يحملون الإسناد المتصل إلى رسول الله r، وجعل لحلقاتهم المنتشرة إطاراً موحداً تتعاون فيه جهودهم وتلتقي عليه، وتأسست فيه إدارة شؤون القرآن الكريم التي أَشرُف بإدارتها وخدمتها.

ومنذ مطلع الثمانينات تأسس معهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم بتوجيه من السيد رئيس الجمهورية وبإذن من وزارة الأوقاف في جامع الزهراء 1981م.

ثم قامت وزارة الأوقاف بتشكيل لجنة مركزية مهمتها إقامة فروع من معاهد الأسد في مختلف أنحاء البلاد، وقد كلفت برئاسة هذه اللجنة التي أدت دورها على أحسن وجه منذ عام 1990 ولا زالت كذلك .

وقد تم خلال هذه الفترة تخريج مئات من حفظة القرآن الكريم ذكوراً وإناثاً، وكذلك تم تأسيس مئات من حلقات الإقراء في مختلف المحافظات السورية.

وحتى لا نقع في شرك سرد السيرة الذاتية التي هي قطعاً ليست من مقاصد هذا اللقاء فإني أجمل للإخوة المشاركين أهم ما وفقنا الله عز وجل لتحقيقه خلال هذه الفترة من خدمة حركة تحفيظ القرآن الكريم.

1ـ اعتماد مناهج موحدة في حلقات الإقراء بحيث يتمكن الطالب من تخير الحلقة المناسبة لمقر إقامته زماناً ومكاناً وقد قدمت هذه المناهج لإدارة المؤتمر متمثلة بكتابي (كيف تحفظ القرآن) الذي اعتمدته وزارة الأوقاف منهاجاً موحداً لمعاهد القرآن الكريم بسوريا، وطبع نحو عشرين طبعة.

2ـ إصدار شهادات أصولية للحفظة موقعة من سماحة مفتي الجمهورية وتمنح الشهادة بعد اختبار شامل تجريه لجنة مختصة بناء على اقتراح من المشرف على فرع المعهد الذي هو فيه.

وقد تمكنا من تحقيق بعض الميزات لحامل هذه الشهادة منها: حق الأفضلية في تولي الوظائف الدينية، وفي الإستثناء من بعض شروط القبول في كليات الدعوة الإسلامية وأصول الدين القائمة في الشام، ونحن ماضون إن شاء الله إلى تحقيق امتيازات أخرى لهذه الشهادة.

3ـ إقامة مسابقة سنوية عامة يشارك فيها سائر حفاظ القرآن الكريم، ويتم بناء على المسابقة منح شهادات الحفظ، وتكريم الأوائل من الذكور والإناث، وقد جرى العمل على تقديم رحلة مجانية للعمرة لكل حافظ لكتاب الله، حيث يوفد المجمع نحو خمسين حافظاً إلى العمرة سنوياً في رحلة متميزة من التكريم والرعاية.

4ـ تشجيع الحفظة من خلال إقامة برامج إذاعية وتلفزيونية للتعريف بالحفظة، وتقديم الموهوبين منهم، وقد قدمت في الإذاعة السورية والتلفزيون السوري نحو ثلاثمائة حلقة تضمنت التعريف بأكثر من ثلاثمائة حافظ لكتاب الله.

5ـ إصدار مصحف التجويد الذي شرفني الله بإعداده وتنفيذه، وهو خطوة جديدة جريئة في مجال خدمة التجويد من خلال التعبير عن الأحكام التجويدية بالرمز اللوني، وقد صدرت عدة طبعات من هذا العمل النفيس بإشراف دار المعرفة بدمشق، ثم توالت القنوات الفضائية على تقديم هذا العمل على شاشاتها مشفوعاً ببيان الأحكام تحت اسم: التجويد المرئي.

6ـ إصدار عدة ختم قرآنية بالكاسيت والفيديو بأصوات الحفظة المجازين، وتوزيعها على المتفوقين، وقد سلمت إدارة المؤتمر نماذج من إصداراتنا في هذا السبيل.

7ـ إصدار برنامج متميز على قرص الليزر الكمبيوتري بالتعاون مع شركة المستقبل وتميز البرنامج بنوافذ متعددة تحقق للمتلقي البحث والانتقال وتعلم التجويد والأحكام والتفسير والترجمة، وقد قدمت لإدارة المؤتمر نموذجاً من هذا البرنامج.

8ـ إنجاز برنامج تلفزيوني من (300)حلقة لتعليم التجويد في القنوات الفضائية العربية.([43])

وبعد.. فهذه باختصار أهم الوسائل التي تمكنا من تحقيقها عبر تجربتنا في المجمع الإسلامي ومعهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم، وها أنا أضعها بين أيديكم بغرض عام هو تعميم الفائدة، وغرض شخصي هو الحصول على دعوة صالحة من أهل القرآن بالقبول، إذ لا فائدة من السعي مهما أجهدك إلا بالحصول على القبول من المولى سبحانه.

وأما ما نطمح إلى إنجازه من وسائل في مجال خدمة القرآن العظيم فها أنا أضعه بين يدي مؤتمركم الكريم وكلي أمل وثقة أنه سيكون ضمن المشاريع الرائدة التي سيقوم بها الصندوق الوقفي للقرآن الكريم وعلومه:

أولاً ـ تشكيل لجنة عليا لتوثيق مسانيد حفاظ القرآن الكريم

إن الإسناد أمانة، وهو من خصائص هذه الأمة، والإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وقد حفظت السنن بالأسانيد حتى اكتمل التدوين، وأما القرآن العظيم والقراءات المتواترة فإن التدوين الكتابي لم يقطع الحاجة الملحّة إلى الإسناد فيها لأن القرآن الكريم لا يؤخذ إلا بالتلقي، مشافهة من الأبرار إلى الأخيار، وهو بالفعل الحال الذي عليه القراء في هذا الزمان وكل زمان.

ولكن هذه الأسانيد أصبحت في الحقيقة كالعبث اللاغي، إذ لا توجد تراجم لرجال الإسناد، ولا جهة مرجعية تتولى أمر توثيق الأسانيد وهذا يؤدي إلى غاية خطيرة من العبث والضياع واختصار الإسناد على باعث التميز والإتحاف وضياع الغاية الأصل منه وهي التوثيق، ولهذا فإني أرجو أن تنبثق عن مؤتمرنا هذا لجنة تضم سبعة من كبار حفاظ العالم الإسلامي تجتمع مرة كل عام لإقرار الأسانيد التي تطمئن إلى صحتها والتي تعتمدها دوائر الفتوى ومشيخات القراء في البلاد الإسلامية ونشر هذه الأسانيد في إصدار سنوي يستأنس به أهل القرآن، ويعتمده رجال الاختصاص.

وتكون هذه اللجنة نواة لهيئة مرجعية إسلامية مختصة تعنى بشؤون حفظ القرآن الكريم وإقرائه، وتمنح البراءة العلمية للخدمات القرآنية المختلفة.

ثانياً ـ مشروع إصدار مصحف عثماني:

إن أي بحث في القرآن الكريم لا بد أن يتصل بالمصحف الأصل الذي كتبه الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومتابعة ما طرأ عليه من تحسينات وإضافات حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن، ولكن هذا المصحف الأصل الذي هو أبو الوثائق التاريخية والدينية لدى العرب والمسلمين لا سبيل إليه الآن إلا من وراء زجاج المتاحف، حيث تتنازع شرف النسبه إليه متاحف ثلاثة: طشقند واستانبول والقاهرة.

والمشروع الذي أقترحه الآن هو إصدار طبعة فاخرة من هذا الأثر التاريخي العظيم وفق الكتبة الأولى التي كتبها الصحابي الجليل عثمان بن عفان، وذلك عن طريق تصوير هذه الوثائق ومعالجتها عن طريق الكمبيوتر، أو استنساخها من جديد وفق الكتبة الأولى.

إن هذا العمل قليل التكاليف ولكنه هائل الفائدة من الجوانب العلمية والدينية والتاريخية.

فمن جانب علمي يتيح للباحثين بسهولة الاطلاع على الوثيقة الأصل التي تقوم عليها مئات الدراسات العلمية في العالم الإسلامي كل عام.

ومن جانب ديني يوفر للأمة الإسلامية ذكرى رائدة تتشوف إليها وهي تلك التي تتصل بتوثيق القرآن الكريم على أيدي الصحابة الكرام.

ومن جانب تاريخي فإنه يزين المتاحف الإسلامية والمراكز العلمية بأهم أثر تاريخي عربي وإسلامي على الإطلاق، وقد جرت العادة أن تقوم الأمم بتخليد أوابدها العظيمة عن طريق إصدار نماذج منها كما نجد في الأهرام وتمثال الحرية وتاج محل ونوادر المخطوطات.

إن هذا العمل ليس ضرورياً لعامة المسلمين، ولكنه غاية في الأهمية للجامعات الإسلامية ومراكز البحث العلمي، وللحفظة الجامعين للقراءات المتواترة.

ومنذ اكتشفت أهمية هذا العمل خلال أطروحتي للدكتوراه حول أثر القراءات المتواترة في الحكم الشرعي والرسم القرآني فإنني حاولت كثيراً أن أحمل بعض الناشرين على هذا العمل رغم بساطة تكاليفه غير أني لم أنجح بسبب طبيعة هذا العمل التي لا تتصل بالدافع التجاري.

ثالثاً ـ مشروع تدوين القراءات المتواترة:

أجمعت الأمة أن هذا القرآن العظيم نزل بقراءات متواترة أقرأ بها رسول الله r أو أذن بها، وهذه القراءت في المحصلة قرآن منزل، وليس بعضها أولى بالرواية والإقراء من بعض، وتعدد القراءات ينزل منزلة تعدد الآيات.

وقد تولى أشراف هذه الأمة أمر تدوين هذه القراءات حتى وصلت إلينا غاية في الضبط والإتقان والعناية بالوسائل التي كانت معروفة في أيامهم من الكتابة والمشافهة المقيدة بالإسناد.

وفي هذا الزمان فإن الله عز وجل يسر وسائل التدوين الصوتي من خلال الكاسيت الذي تم بحمد الله تسجيل عدة ختمات قرآنية كريمة بقراءة عاصم ونافع وأبي عمرو لأربع من رواتهم الستة وهم حفص وقالون وورش والدوري.

ولكن هذه التسجيلات لم تكن مخصصة لمسألة التوثيق، كما أنها كما نرى لم تدون إلا أربع روايات من أصل عشرين، وهذا ما يجعل التدوين الصوتي لم يبدأ على وجه وثائقي حتى الآن.

وبعد دخول الكمبيوتر إلى مجال التوثيق العلمي فإن بالإمكان الآن البدء بإصدار برنامج كمبيوتري على أقراص الليزر تدون عليه القراءات المتواترة جميعاً، بالصوت والصورة، وثيقة للضبط والتاريخ، نؤدي بها واجب التوثيق المحتم الذي هو مسؤولية الأمة، وهو بلا ريب من أهم مقاصد الصندوق الوقفي للقرآن الكريم وعلومه.

وقد قدمت لإدارة المؤتمر الكريم مذكرة تفصيلية حول سبل تحقيق هذه الطموحات، وهي ميسرة وسهلة في حدود الإمكان لدى إقراء مؤتمركم الكريم لهذه المقاصد.

أيها الإخوة:

اسمحوا لي في النهاية أن أتوجه بالشكر القلبي باسم المجمع الإسلامي بدمشق ورئيسه سماحة الشيخ المفتي العام للجمهورية العربية السورية الشيخ أحمد كفتارو، وباسم معهد الأسد للقرآن الكريم الذي أشرف بإدارته، وإدارة شؤون القرآن الكريم في المجمع الإسلامي، لهذا البلد المضياف الكريم، كويت الخير، وإلى أميرها الكريم سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح، وولي عهده الأمين سمو الشيخ سعد العبد الله الصباح، وإخوانه القائمين على رعاية كويت الخير.

كما أتوجه بالشكر للأمانة العامة للأوقاف وأخص بالشكر رئيس مجلس إدارة الصندوق الوقفي للقرآن الكريم وعلومه محمد صقر المعوشرجي.

وأشكركم أيها الأحبة لصبركم على طول خطابي، وحسن إصغائكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.   والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


رسالة الوحدة عند أهل البيت*

 

قامت كلية الشريعة في جامعة دمشق والمستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق بتنظيم مؤتمر أهل البيت عند المسلمين وذلك في مكتبة الأسد الوطنية في 18ــ19/12/1996 وذلك بقصد إبراز دور أئمة أهل البيت في تحقيق الوحدة الإسلامية، ودور هذه الرسالة في واقع الأمة ومستقبلها.

وقد ألقيت هذه الكلمة نيابة عن سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية، وذلك في حفل الافتتاح لهذا المؤتمر.

وقد كان لهذه الكلمة وقع هام في إطار الدعوة إلى إحياء ذكرى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه، حيث أدت رسالته في الصلح إلى جمع كلمة الأمة على راية واحدة نحو ربع قرن، وبقيت دلالاتها ماثلة على مدى القرون.

وفيما يلي نص الكلمة:

 

 

فرض الله سبحانه على هذه الأمة محبة أهل البيت، وجعلهم سفينة النجاة، والعترة الباقية، تجتمع عليهم قلوب المؤمنين، ويحسُّون فيهم أثر النبي r في عطائه وكفاحه وجهاده فقال عز من قائل: {إنما يريدُ اللهُ ليُذْهِبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيتِ ويطهِّرَكُم تطهيراً}([44]) وقال: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}([45]) وقال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}([46]) ولا شك أن هذه الآية العظيمة من أكبر دلائل النبوة، إذ تقف بك أمام هذا النبي العظيم، وقد بذل حياته وشبابه في سبيل الرسالة، ثم وقف أمام الخلق، وقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، من الضلالة إلى الهدى، ومن الفرقة إلى الوحدة، فيكون غاية ما يسألـهم من أجر، (المودة في القربى)، سأل ذلك وهو أدنى مراتب الوفاء، ولو سألهم أرواحهم وأموالهم وبيوتهم، لم يسألهم شططاً، ولكن كان غاية ما سألهم: المودة في القربى، أخرج النسائي والترمذي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «أيها الناس.. قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب اللهِ وعترتي ـ أهل بيتي ـ»([47]) وقد عرف المسلمون منزلة أهل البيت عبر التاريخ، واتخذوهم سواداً للعيون، وسكناً للقلوب، ومشاعل في الفكر، وأصبحت حياتهم وسيرتهم مصدر إلهام وتوجيه، من زوجات طاهرات، وذرية كريمة، وأصهار وأظئار، وعشيرة هاشمية ومطلبية شريفة كريمة.

وقد عرفت هذه البلاد بحمد الله الحب والتكريم لأهل بيت رسول الله r واتخذت من مراقدهم الشريفة في الشام، مستمطراً للرحمات، وأطلقت أسماءهم الشريفة على شوارع هذا البلد وأحيائه وساحاته ومرافقه كجزء من الاعتراف بالفضل لأثرهم العظيم في بناء الإسلام، وترسيخ جذور الإسلام في البلاد.

ويمكنني أن أقول من موقع قيادة العمل الإسلامي في الشام أن أكثر من ثلث مساجد سورية سميت باسم أهل بيت رسول الله r، فهناك مئات المساجد سميت باسم علي رضي الله عنه، وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وجعفر والعباس وحمزة وغيرهم من أهل بيت رسول الله r، بل إن الأمة الإسلامية اختارت لأولادها أسماء أهل بيت النبي r، وإنه لأمر ظاهر أن تسمع اسم علي وحسن وحسين وجعفر وعباس وحمزة، ربما أكثر من أي اسم آخر، وكذلك في النساء خديجة وعائشة وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، ولا شك أن كثرة هذه الأسماء تكشف لك عن جذور هذا الحب المتقد في نفوس الناس لأهل بيت النبوة عليهم سلام الله ورضوانه وإكرامه.

وبعد أيها الأحبة.. فإن بسط القول في منزلة أهل البيت لا يتسع له زمن هذه المحاضرة ولا هذا المؤتمر برمته، ولكن المطلوب من مثل هذه اللقاءات أن نتمكن من توجيه هذه المشاعر الصادقة إلى مشاريع في الوحدة والمحبة، وأن نتخذ من أهل بيت رسول الله r منبراً أُمّاً تزول عنده سائر خلافات الأمة، ويلتقي عليه جهادهم في سبيل الله، وتحقيق مصالح الأمة.

إن الإحصاءات الأخيرة لسكان العالم الإسلامي تشير إلى تجاوزهم المليار وأربعمائة مليون مسلم ولن يمضي عشرون عاماً حتى ينيفوا على المليارين وفق التزايد الطبيعي وبذلك فإن الإسلام سيكون أكثر الأديان أتباعاً في العالم، ويستمر ذلك متوازياً مع صحوة إسلامية تشمل العالم كله، في وقت تتفكك فيه الحضارات شرقاً وغربا، ويصحو الغرب على قنوط ديني مخيف، أجلى مظاهره تقطُّع رباط الإنسان بالسماء، وإخلاده إلى الأرض، وعبادة الهوى.

فماذا أعد المسلمون لهذه الرحلة التي أصبحت ميعاداً آتياً لا يفصلنا عنها إلا بعض دورات الفلك المعتادة، وعد الله لا يخلف الله وعده، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وفي هذه المرحلة فإن أعظم ما تحتاجه هذه الأمة إنما هو وحدتها وأخوّتها، واجتماع كلمتها، وفي هذا الإطار فإن الدعوة إلى مؤتمر أهل البيت يمكن أن تكون معلم وحدة وجماعة إن تولَّتها أيدٍ أمينة، ويمكن أن تكون غير ذلك ـ وهذا ما أحذر منه ـ إن كان المقصود نبش الخلاف الطائفي لجهة الانتصار لقول، والتشنيع على قول.

إن سائر الأحاديث التي نوهت بفضل أهل البيت إنما قرنت ذلك بدورهم الوحدوي في جمع كلمة الأمة إذ لا شيء أدعى إلى الوحدة من التحلق حول الآل الكرام الذين هم بضعة المختار r.

ومن هنا فإنني أدعو الأمة إلى مشروع رشد فيه خير وبركة ونور، يكون هذا اللقاء مبعث إلهامه، وهو إحياء عام الجماعة والوحدة الذي أطلقه في هذه الأمة، عميد أهل البيت، سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه.

فقد درج المسلمون على إحياء ذكرى استشهاد الحسين يوم عاشوراء، وهو يوم البطولة والفداء، وإحياؤه يبعث في الناس مشاعر الجهاد، على أن هذه الأمة قد قصَّرت في تكريم الإمام الحسن الذي قال عنه سيدنا رسول الله r: «إن ولدي هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([48])

لقد كان الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه خليفة والده الإمام، وقد أقبل عليه الناس يمنحونه البيعة بعد أبيه، حتى بايعه من الناس اثنان وأربعون ألفاً كفلاء على من وراءهم من الأمة، يبايعونه الدم الدم والهدم الهدم، حتى إذا مضت على بيعته شهور، ونظر حال العالم الإسلامي حينئذ، ورأى ما يتقلب الناس فيه من الفرقة والضياع، آثر جانب الله على هوى أصحابه، وجعل يتصل بخصومه يدعوهم إلى مشروع رشد وجماعة، وواعد الناس بمسجد الكوفة آخر ربيع الآخر، واجتمعت في مسجد الكوفة الألوف المؤلفة غاضبة ثائرة، مشرعة السيوف، على جباههم عصائب الدم، وقد ادهنت بالقطران، حتى إذا صارت جماجم العرب بين يديه يحاربون من حارب ويسالمون من سالم، فوجئ الناس حينئذ بإمامهم وزعيمهم عميد أهل البيت يدخل المسجد يداً بيد مع خصمه معاوية، ومشى حتى قام على المنبر، وألقى كلمته الخالدة التي ينبغي أن تكون دستور الوحدة الإسلامية الباقية، وها أنا أجمع أطرافها من روايات ابن عساكر والطبري.

قال: (يا أيها الناس.. إنما نحن أمراؤكم ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله عز وجل فيهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً..) فكررها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يخن بكاء([49])..

ثم قال: (أيها الناس.. إن الله هداكم بأولنا.. وحقن دماءكم بآخرنا.. وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه مع معاوية لا يخلو أن يكون حقاً له فأنا أدفعه إليه أو حقاً لي فأنا أنزل عنه إرادة صلاح المسلمين وحقن دمائهم)([50]).

ثم قال: (إن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر الله ونزل)([51])

وحين كانت الملائكة تحف بالبشرى ذلك اللقاء الوحدوي الخالد وتحقق معجزة البشارة النبوية بدور الحسن في الإصلاح، جاء شقي من الأشقياء وهمس في أذن الحسن: يا مذل المسلمين !!.

فالتفت إليه عميد أهل البيت، وقال له كلمته الخالدة: (العار ولا النار)([52]).

وكان يقول بعد ذلك: (قد كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، ولكني خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً تنضح أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه؟..)([53])

إنها أيها الأخوة معجزة النبي r وبشارته لعميد أهل البيت، وعطيته الباقية في جمع كلمة المسلمين.

«تركت فيكم الثقلين لن تضلوا إن تمسكتم بهما: كتاب الله وعترتي»([54])

وقد عرف المسلمون فضل ذلك اليوم، وسموا ذلك العام كله عام الجماعة، وعرفوا فضل الإمام الحسن، الذي نشهد الله أنه أقدم على ما أقدم عليه من غير جبن ولا خور، ولا شك، ولا وهن، وقد علمت سائر الأمة أن الحسن خير عند الله من طلاع الأرض من أخصامه، ولكنها رسالة الوحدة التي ألقاها الله على عاتق قيادات هذه الأمة.

هكذا أيها الإخوة يكون اجتماعنا ملهماً لمعاني الوحدة الإسلامية من خلال استمساكنا بحب أهل بيت رسول الله r.

وإني أغتنم هذه الفرصة لأدعوا الإخوة في المستشارية الإيرانية وكلية الشريعة الذين يقيمون هذا اللقاء، أن يقيموا احتفالاً لائقاً لذكرى الحسن رضي الله عنه، ذكرى عام الجماعة، ذكرى البيعة العظيمة التي جمع الله بها أمة محمد، والتي تصادف كما حققتها يوم 28/ربيع الآخر/عام واحد وأربعين للهجرة، وتصادف يوم 1/أيلول/661 للميلاد([55]).

وفي الختام فإنني أتوجه بالشكر إلى سائر الإخوة الذين قاموا بالإعداد لهذا اللقاء الإيماني الكبير، وأخص منهم عميد كلية الشريعة الدكتور فاروق عكام، والسيد المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية بدمشق سيد مرتضى نعمت زادة، وأشكر لكم حسن إصغائكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الجهاد والسلام

 

كان الشهيد فتحي الشقاقي رمزاً من رموز مقاومة الاحتلال الصهيوني، وقد أدرك من البداية أن السبيل الوحيد لتحرير هذه الأرض المقدسة إنما يكون عبر إحياء جذوة الإيمان بالحق والعدل والخير في مواجهة جذوة الشر والغدر التي يتبناها الغاصبون.

لقد كنت أشهده في مسجد أبي النور في ليالي رمضان، يقف في صفوف المتضرعين المستغيثين، وكانت مدامع الذاكرين في ليالي الأنس تكشف عن الشوق الذي يعصف بقلب هذا الناسك، خلف شخصيته العنيدة كانت تختبئ أرق بوارق الحب السامي، المتعلق أبداً بمجد الملأ الأعلى، وهو شوق الأبرار الذي أبرمه حكم الدهر وصالاً، فجر يوم 26/10/1995 في مالطة، حيث قضى الشهيد واقفاً كما تموت الأبطال.

وكان إخوانه في الجهاد يدعونني كلما أقاموا لأبي إبراهيم ذكرى، وكنت أتحدث باسم سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الشيخ أحمد كفتارو وعلماء سوريا، وكنت أبثهم مواجيد قلبي كل لقاء، فتحدثت عند دفنه، وفي أربعينه، وفي ذكرى مرور عام على وفاته، ومن ذكراه اخترت لك هذه الكلمة التي نشرها مركز يافا للدراسات والأبحاث في كتاب بعنوان (فتحي الشقاقي شهيداً).

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله سيد المجاهدين.

{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}

الأخ الدكتور رمضان عبد الله الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، الإخوة الضيوف.

كان من المقرر أن يكون بيننا سماحة مفتي الجمهورية الشيخ أحمد كفتارو ولكنه في اللحظة الأخيرة لم يجد في صحته قدرة أن يحضر هذا اللقاء وأسند إلي أن أتحدث إليكم نظراً للأخوَّة التي كانت بيني وبين أخي أبي إبراهيم حيث كنا نلتقي في مجالس العبادة في مسجد “أبو النور” كلما جاء رمضان وكلما آبت القلوب والأرواح إلى خالقها.

أيها الأخوة والأحبة، مضى أربعون يوماً على وداع الشهيد الذي لا يموت أبداً وهي فرصة نتحدث فيها عن تركة هذا الشهيد في الأرض، وعن الرسالة التي يتعاقب إخوانه من بعده والمجاهدون في فلسطين وإخوانه من المجاهدين في الأرض على القيام والنهوض بها.

والحق أيها الإخوة إن الإسلام دين السلام، وربنا سبحانه وتعالى اسمه السلام، ولروضة الحبيب الأعظم باب يقال له باب السلام، وللكعبة المشرفة باب يقال له باب السلام، وتحية المسلمين في صلاتهم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحية المسلمين في الأرض وفي الجنة هي السلام، ولكن كلمة السلام هذه كلمة مطاطة يتعاقب الناس على فهمها في مظان كثيرة، والإسلام حدد تماماً مفهوم السلام حين جعله متلازماً مع الجهاد، ذلك أنه لا يحق لنا أن نفهم أن السلام أن نقاتل بترس دون سيف، والإسلام لم يخولنا أن نفهم السلام أن نجلس جلسة النساء ثم ننتظر فجأة عدونا حتى يقوم على رؤوسنا وبعد ذلك نقول نحن رجال سلام، السلام يا سادة أن تقدم ساعة الإقدام وتحجم ساعة الإحجام، وأن تحفظ ماء وجهك حينما لا تتكافأ الفرص والقوة.

من أجل السلام خرج رسول الله عليه الصلاة والسلام خارج حدود مدينته 180كم ليواجه العدو في بدر، ومن أجل السلام خرج من مكة إلى حنين ليفاجئ عدوه وهو غارٌ غافل، والسلام لا يعني أن نقاتل بترس دون سيف، والسلام لا يعني أن نمكن عدونا من رقابنا، حتى إذا وضعت سكين الجزار على رقاب المظلومين قمنا نقول للعالم بعدئذٍ نحن مظلومون ونطالب بالسلام، لذلك كان رسول الله على صهوات جواده رجل سلام وكان تحت وميض سيفه رجل سلام، وهو الذي قال: «الجنة تحت ظلال السيوف».

هكذا كانوا يفهمون السلام سلام القوة.. في كل وزارة دفاع في العالم جهاز خاص يقوم بأعمال في عمق أرض العدو وكل ذلك يدرج تحت اسم الدفاع فلا يكون عندئذ متناقضاً ولا يمكن أن نفهم حينئذ أي تناقض بين السلام الذي هو دعوة الإسلام وبين الجهاد الذي هو دعوة الإسلام.

لماذا يطالبوننا بترك الجهاد أيها الإخوة؟ لماذا نطالب بترك الجهاد؟ هل كف الجزار المجرم عن نحر ضحاياه البريئة وتحول إلى زاهد وناسك حتى نترك نحن مواقعنا في خندق الجهاد؟.. مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً، مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً، إن عدونا في فلسطين لازال فيه من يقيم القداس والجناز من أجل نجاة إيغال عامير قاتل رابين !. إذا كان في المجتمع الصهيوني من لا يزال مستعداً أن يحمل السلاح ليقتل رابين !.. فبماذا تتصورون مشاعرهم تجاه الأمة الإسلامية، تجاه الأمة العربية، تجاه فلسطين ؟!، إذا كانوا يستعدون ليباركوا من قام بقتل رابين لمجرد أنه يتاجر بشعارات السلام؟ ماذا تتصورون في أعماق مشاعرهم اتجاه هذه الأمة الإسلامية ؟ لذلك يا سادة، الجهاد ماض إلى يوم القيامة، لا يبطله عدل عادل، ولا جور جائر.

هنا دمشق الأسد، احتضنت حركات الجهاد وهي ترفع راية السلام لأن السلام والجهاد لا يتناقضان أبداً ولا يكون سلام إلا من ورائه دماء زكية لشهداء أحرار يقدمون أرواحهم في سبيل الله وفي سبيل أمتهم.

وللحرَّيةِ الحمراء بابٌ             بكل يدٍ مضرَّجةٍ يدقُّ

وبعد.. يا رجال الجهاد فليس من حقي أن أتكلم وفي الجمع هنا عددٌ من أصدقاء الشهيد وإخوانه وفي نفوسهم كلام كثير ولكن بقية الكلام الذي أريد أن أذكر به المجاهدين هو الصفحة الغائبة لحياة شهيدنا فتحي الشقاقي، وهو الصفحة الباقية له في فردوس السماء، لقد كان الشهيد إضافة إلى واجبه الذي يقوم به كل يوم في التخطيط والتدبير وقيام الحالة الإسلامية، لقد كان أيضاً بكّاء من خشية الله وطالما رأيته واقفاً بين يدي الله، وكان يعرف مواسم ربه وكان من الذين وصفهم سفير كسرى لكسرى: رأيت قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة، رأيت قوماً إذا كان الليل كانوا رهباناً وإذا كان النهار كانوا فرساناً، تأتي عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم.

أيها المجاهدون:

لقد اغتصبت فلسطين خلال التاريخ ثلاث مرات، وطالت غربتها فيها، ولكن كان الإسلام هو الذي يعيد لهذه الأرض حريتها وقدسيتها.

ضاعت فلسطين أول مرة يوم تسلط عليها الغزو الأوربي وتعاقب عليها اليونان والروم قروناً طويلة، وظلت أسيرة أطماعهم حتى وصل رجال الفتح الإسلامي وأخرجوا الروم من أرض الشام واستلم عمر بن الخطاب رضوان الله عليه مفاتيح بيت المقدس في دلالة واضحة لمنزلة الأرض المقدسة في الإسلام.

وضاعت مرة أخرى حين زحفت أوربا عبر الحروب الصليبية في تآمر عالمي تحت غطاء تحرير قبر المسيح، واستمرت القدس تحت حرابهم وبغيهم تسعين عاماً حتى قيّض الله صلاح الدين الأيوبي فجمع كلمة الأمة وقاد بهم يوم حطين حتى أكمل تحرير بيت المقدس.

وضاعت مرة ثالثة يوم اكتسح الغزو المغولي هذا العالم الإسلامي نتيجة فرقة المسلمين وضياعهم وظلت في الأسر إلى أن قيّض الله لهذه الأمة الملك المظفر قطز فقاد جهاد الأمة في عين جالوت حتى عادت فلسطين حرة أبية.

ثلاث مرات ضاعت فلسطين وفي المرات الثلاث حررها الإسلام، وهذا الاغتصاب الرابع الذي تعيشه فلسطين اليوم ليس إلا تكراراً لمحنة الأرض المقدسة عبر التاريخ، ولا شك أن السبيل الوحيد لتحريرها اليوم هو السبيل ذاته الذي تحررت به بالأمس وهو العودة إلى الله سبحانه وتعالى وجمع كلمة الأمة على شريعة الجهاد الحق.

إنها حقائق التاريخ الدامغة التي لا يجادل فيها إلا مكابر وهي الحقيقة التي دفع الشقاقي دمه من أجلها وتستمر من بعده قافلة الشهداء.

وبعد أيها المجاهدون، فثمة وصية ينبغي أن نتواصى بها وهي وحدة كلمة المجاهدين، لقد كانت الأمة الإسلامية في الأرض صفاً واحداً خلف الجهاد الأفغاني ولكن ذلك الجهاد لم يتأسس على صحوة رشيدة راسخة فتحول كما نرى اليوم إلى كارثة، وإنني لأكْبِرُ في أم إبراهيم في وقوفها في هذا المقام وتحيتها لكل فصائل الجهاد الفلسطيني الإسلامي على اختلاف مشاربهم وألوانهم، وإنها بشارة وحدة دائمة باقية إن شاء الله يسعد بها الإنسان وتسر بها الأرض المقدسة إن شاء الله.

أيها الإخوة والأحبة بارك الله في جمعكم هذا وكتب الله لشهيدنا معارج الخلود والجنان والرحمة وأسأل الله أن يكتب التوفيق لحركة الجهاد الإسلامي ويبارك جهادكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


عالمية الإسلام ومظاهرها في الحج الأكبر*

 

ما هي آفاق المستقبل الإسلامي في الألف الثالثة؟..

كيف ينظر حكماء الغرب إلى الوعد الإسلامي القادم؟..

هل يتناقض الحديث عن عالمية الإسلام مع روحه العربية؟..

أجوبة هذه التساؤلات نشرتهها مجلة نهج الإسلام التي تصدرها وزارة الأوقاف السورية في باب خطبة الجمعة المختارة التي ألقيتها على منبر جامع الزهراء.

 

أيها المؤمنون:

انقضى شهر رمضان، بما فيه من نفحات إيمانية وأنوار ربانية، وبركات إلـهية، لعل أوضحها وأقربها قول النبي r :

«من صام رمضان إيماناً، واحتساباً، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»

ورمضان أيها المؤمنون، ليس أياماً تنقضي، بقدر ما هو معانٍ تدوم، ودلالات تتواصل واستقامة في السلوك والجوارح تدوم في حياة المؤمن، ويمنحها رمضان أسباب قوتها، ووسائل بقائها.

كان السلف من أصحاب رسول الله r يودعون رمضان بمدامع الأشواق، ويكون دعاؤهم ستة أشهر بعد رمضان، اللهم تقبل منها صيام رمضان، ويكون دعاؤهم ستة أشهر بعد ذلك: اللهم أهل علينا هلال رمضان.

وذلك يرسم لك صورة دوام أثر هذا الشهر العظيم في سلوك الأمة الإسلامية وحياتها.

ولعل من أهم وظائف شهر شوال إذ يجيء بعد رمضان أن يحقق تواصل المسلم مع نفحات رمضان الإيمانية والروحية فقد قيل: رمضان يرمض الذنوب، أي يحرقها، وشوال يشيل الذنوب، أي يرفع أثرها.

ومن وظائف شوال صيام ستة أيام منه، فقد قال النبي r: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله».

وحكمة ذلك أيها الإخوة أن رمضان ثلاثون يوماً، والحسنة بعشر أمثالها، فيكون صائمه كمن صام في الأجر ثلاثمائة يوم، فإذا أتبعها بستة أيام كان كمن صام ثلاثمائة وستين يوماً، وهو العام كله.

وكلذك فإن مراد الشارع العظيم أن يعين المرأة على التعجيل بقضاء ما أفطرت فيه أيام عذرها، إذ تصوم قضاءها ويصوم الزوج نافلته، فتعمر موائد شوال كموائد رمضان، ويكون ذلك إيذاناً بدوام نفحات رمضان وبركاته سائر الأيام.

أيها المؤمنون:

يودع الناس رمضان بما يحمل من دلالة واضحة لوحدة هذا العالم الإسلامي الكبير، ويتهيؤون لاستقبال موسم الحج الذي يؤصل معاني الوحدة هذه وبجذورها.

فمن الوحدة الصامتة في الصيام إلى الوحدة الناطقة في الحج، ومن وحدة القلوب إلى وحدة السلوك والمناسك، حيث تضج جنبات البيت الحرام في الأرض المقدسة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

وهذه المعاني المتواصلة من الوحدة والإخاء، تفتح لنا آفاق الحديث عن عالمية الإسلام، ووحدة الأمة الإسلامية.

لقد حقق النبي r وخلفاؤه الراشدون من بعده وحدة نصف العالم القديم، بعد أن كانوا أشلاء أمة ضائعة، وبالإسلام وصلت جيوشهم من تخوم الصين إلى أعماق الأندلس، وهم يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً.

واليوم أيها الإخوة: هل ذوت تلك الرسالة الخالدة التي حملها جيل الحق من طلائع الفجر الإسلامي الأول، وهل استنفد الإسلام أغراضه حتى نبحث عن منهج جديد ؟

إن الصحوة الإسلامية المتوثبة في العالم الإسلامي، قد تعاظمت وشملت سائر العواصم الإسلامية والعربية، بل طرقت عواصم الغرب والشرق، وهي تشهد ألقها واكتمالها في مناسك الحج الأعظم، وشعائر الإسلام الظاهرة، وهي اليوم في سورية بحمد الله في بهائها وإشراقها.

ولكن هذه الصحوة بحاجة إلى توجيه وترشيد حتى لا تقاد إلى ما لا مصلحة للإسلام فيه، وحتى لا تنحرف عن مراد الله وهدي رسوله، وإنها والله مظهر من مظاهر البشارة الإلهية التي جاء بها القرآن العظيم.

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}([56])

أيها الإخوة:

ومن بين النداءات الصادقة من الغرب والشرق، حول ضرورة دراسة الإسلام والاستفادة من شعائره وتعاليمه فإنني أختار لك هذه الفقرات التي كتبها مفكر لا يتهم بالعاطفة مع العرب والمسلمين، ولا يمكن وصفه بأنه متعصب للإسلام أو أصولي متطرف، إنه الرئيس الأمريكي السابق نيكسون، فقد كتب كتابه الأخير المسمى: (الفرصة السانحة)، وهو يتضمن رؤيته وأمانيه في فهم العالم الجديد، وقد كتبه قبل موته بعام واحد، وتناول في حديثه هموم العالم الإسلامي وقضاياه، وكان مما صرح به قوله: “إن العالم الإسلامي حقيقة واقعة، وإنه يشهد صحوة حقيقية، وإن أي تيار يقوم فيه لا يحترم القيم الإسلامية محكوم بالفشل والخيبة، فهذه الشعوب تعتز اعتزازاً لا حد له بالإسلام، والإسلام يشكل أعظم معاني وحدتها وحضارتها، ومن الخيانة أن تُطالب تلك الشعوب بالتخلي عن الإسلام”.

لقد قال كلمته تلك وهو يكابد مرض الموت، حيث يؤمن الكافر ويتوب الفاجر.

ولعل من أبرز آثار تلك الصيحة الواعدة قدوم أحد كبار مستشاريه وهو السيد روبرت كرين، الذي جاء إلى دمشق هذا العام، يتحدث بأوضح عبارة عن مستقبل هذا العالم بقوله: “إن الغرب وهو المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسن قانوناً أخلاقياً للعالم، وإن أي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى”.

ثم قال: “إن العلاج الوحيد لمشاكل هذا العالم يمكن أن ينبثق فقط من قادة الإسلام الروحيين لأنهم الوحيدون الذين يستطيعون أن يجمعوا بين حكمة النبي r والتراث الفكري للشريعة في قيادة حركة صادقة أصيلة لتغير العالم، وتقدم منهاجاً جديداً للعدالة قائماً على أصل متألق للحقيقة”.

وقد أعلن كرين دخوله في الإسلام، ونطق بشهادة التوحيد، وتسمى فاروق عبد الحق، وأطلق مشروعاً إسلامياً دعوياً في قلب المجتمع الأمريكي، ستأتي فيه بشائر قوله سبحانه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}([57])

وليست هذه البشائر إلا غيضاً من فيض مما يمكن أن نسمعه ونقرأه في كل يوم.

كان عدد المراكز الإسلامية في نيويورك عام 1935 ثلاثة مراكز وهي اليوم ثمانية وتسعون، وهي في سائر الولايات تجاوزت ثمانية آلاف وخمسمائة مركز إسلامي.

وفي فرنسا تجاوز عدد المساجد ألف مسجد منها أربعمائة في باريس وحدها.

والمسلمون في الغرب أكثر الناس ثقافة وتعليماً، ففي أمريكا تتجاوز نسبة الحاصلين على الدكتوراه ثلاثة وثلاثين بالألف من المسلمين، فيما لا تزيد نسبة سواهم عن سبعة عشر بالألف.

إن المآذن التي تنزرع في عواصم العالم، رمز لما يبشر به الإسلام، من شموخ الإنسان إذا انبعث في قلبه الإيمان، حيث تتصل الأرض بالسماء، ويتسامى الناس فوق مطامع الهوى والأنانية.

إنها أيها المؤمنون الرسالة الخالدة التي شرفت بها أمة العرب، والتي تمثل أكبر ثروة قومية لهذه الأمة لا يمكن أن تبلغها أمة من الأمم.

لقد استقبل الرئيس الأسد الزعيم الإسلامي الأمريكي لويس فرقان، وكان بذلك يريد أن يؤكد أن رسالة الإسلام الخالدة، لا زالت رحماً تربط أبناء هذا الدين في الأرض، على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأوطانهم وأزمانهم.

أيها العرب.. ألا يدهشكم أن تتزاحم الأمم اليوم من الشرق والغرب لتتعلم لغة القرآن، لغة العرب، لتأتي إلى دمشق عاصمة العرب لتتعلم المعارف الإسلامية، في الشام، وتكون عوناً ورفيداً لقضايا العرب في مختلف عواصم العالم.

ومع ذلك فإن بعض من لا يعلمون يقلل من أهمية الإسلام في حياة العرب، ولا يرى مبرراً للحديث عن عالمية الإسلام.

لماذا يتنكرون للإسلام؟.. وهل في تاريخ العرب صفحة طافحة بالنور أشد ضياءاً من صفحة المجد الإسلامي؟.

لماذا يتنكرون للإسلام؟.. وهل ثمة رجل قدم للأمة العربية مجداً كالمجد الذي قدمه سيدنا محمد r ؟.

لماذا يتنكرون للإسلام؟.. وهل كان للعرب من المحيط  إلى الخليج لغة باقية لو لم يتنزل القرآن بلسان عربي مبين ؟.

لماذا يتنكرون للإسلام؟.. وهل حرر التراب العربي من المستعمر البيزنطي والساساني إلا جيوش أصحاب محمد r ؟.

أيها المؤمنون:

إن واجب الوفاء لتاريخ هذه الأمة وعظمائها يقتضينا عودة صادقة إلى الإسلام، الذي هو وحده كفيل بتحقيق عالمية هذه الأمة، وخلودها في الأرض.

أيها المؤمنون:

إن دلالات عالمية الإسلام يبعثها في نفوسنا صيام رمضان، ويؤكدها من بعد الحج الأكبر، في الأرض المقدسة حيث تلتقي أمم الأرض على اختلاف ألوانها وأعراقها لتقيم عرس الوحدة الإنسانية في ظلال الإسلام..

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..

لبيك حقاً حقاً.. لبيك تعبداً ورقاً.. لبيك وسعديك.. والخير كله لديك.. والشر ليس إليك.

ربنا أرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.


موقف مجتهدي الشيعة من مسألة سلامة النص القرآني*

 

لعل أقوى وسائل الوحدة في العالم الإسلامي هذا القرآن الكريم، الذي أجمعت الأمة بجميع فرقها ومذاهبها على أنه كتاب الله، وحروفه العربية المنيرة هي أكبر صحائف المجد التي خلدت في التاريخ.

هذا الرمز الأكبر لوحدة المسلمين يطاله سيف الفرقة، حين تنبعث في العالم الإسلامي بين الحين والآخر أصوات فرقة وتشرذم، واتهامات باطلة عبر سراديب الريبة، تقيم الظن مقام اليقين، أهون حصائدها فرقة الأمة.

لقد مني العالم الإسلامي على مستوى الفكر بثلاث ضربات قاصمة بمشرط الفرقة: فانقسم أولاً إلى سنة وشيعة، وثانياً إلى ظاهرية ومؤولة، وثالثاً إلى صوفية وسلفية.

وهذا التقسيم المثلث يضع دعاة الوحدة الإسلامية أمام أكبر تحدٍ فكري، حتى لا تتشرذم أمانيه في هباب الريح في صيغ خطاب رافضي ناصبي، وأصحاب وثنية نصية وأهل ابتداع، أو غنوصية وقرنية، وما ترمز إليه هذه التسميات من تفكير تناقضي اتهامي لا سبيل له إلى سكة الجماعة.

في هذا المقال حاولت أن أدفع التهمة القائلة بأن للشيعة قرآناً آخر وهي دعوى يعلم الراسخون في العلم أنها محض أوهام، ولكن ثمة ظنون يتلقاها جمهور كثير بريبة ظاهرة، رأيت أن من الحكمة أن أضعها على بساط البحث والنقد.

وهذا المقال جزء من رسالتي للدكتوراه التي قدمتها في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالخرطوم عام 1996، ونلت بها درجة الدكتوراه بمرتبة ممتاز.

وفيما يلي نص المقالة:

أجد من الأمانة العلمية أن أتطرق إلى أمر غاية في الأهمية، وهو موقف الشيعة من فرية تحريف القرآن، ومسألة سلامة النص القرآني، فقد كثر الحديث حول هذه المسألة، واتخذها بعض الناس سبباً للطعن في إيمان القوم ووصمهم بالزندقة، واعتقاد النقص والزيادة في كتاب الله.

والحق أن الطعن في سلامة النص القرآني منقول عن بعض علماء الشيعة بل في بعض الكتب والمصادر عند القوم، وهو ما يزيد المسألة تعقيداً إلا أن اجماع العلماء والفقهاء عند الشيعة يجزمون بعدم تحريف القرآن الكريم فقد ورد على سبيل المثال في الكافي للكليني([58]) وهو أوثق مراجع القوم في الرواية النصوص التالية:

(عن جعفر بن محمد قال: لم يجمع القرآن كله إلاّ الأئمة، وإنّ القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد r، كان سبع عشرة ألف آية)([59]).

(وعن أبي الحسن المضاي قال: قرأ أمير المؤمنين: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (من خلافة علي) وإنْ لم تفعل فما بلغت رسالته، فقلت: تنزيل؟ فقال: نعم)([60]).

(وفي الكافي للكليني أيضاً في تأويل قوله تعالى:

{فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم}

(إنّ الله تعالى لما قبض نبيه r، ونوزعت فاطمة في ميراثها من رسول الله r، فاعتزلت الناس خمسة وسبعين يوماً حتى كتبت مصحفها، فأرسل الله جبريل إليها، حتى كتبت مصحفاً فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلى يوم القيامة)([61]).

(عن محمد بن جهم الهلالي أنّ أبا عبد الله قال: (أمة هي أزكى من أمة) في سورة النحل، ليست كذاك، ولكنّها: (أئمة هي أزكى من أئمتكم)([62]).

ومثل ذلك ما نقله الزرقاني في المناهل: (ومنهم من قال: إنّ القرآن كانت فيه سورة تسمّى سورة الولاية، وأنّها أُسقطت بتمامها، وأنّ أكثر سورة الأحزاب سقط، إذ أنّها كانت مثل سورة الأنعام، وكذلك فإنّ منهم من زعم أنّ الصحابة أسقطوا لفظ (ويلك) قبل: {لا تحزن إن الله معنا}، وكذلك أسقطوا (عن ولاية علي) بعد {وقفوهم إنهم مسؤولون} وأسقطوا لفظ (بعلي) بعد {وكفى الله المؤمنين القتال}([63]).

وقد أدى ورود مثل هذه الروايات عن القوم إلى فتح باب الطعن في عقائد الشيعة، وانبرى بعض المتشددين من أهل السنة إلى الحكم بكفر القوم وفساد عقائدهم([64]).

والحق أنّ من يعتقد تحريف القرآن الكريم غير مسلم بالإجماع، مخالف لهذه الأمة، ولكن ينبغي أن لا نتعجل على الناس حتى نتبين حقيقة ما يعتقدون، فليس مجرد وجود الرواية في كتبهم دليلاً على أنّها لهم اعتقاد، وكذلك فإنّه ينبغي أن نتبين مذهبهم في تأويل ما يروون.

والمحققون من الشيعة لا يعتقدون صحة سائر ما في الكافي للكليني، ولم ينزلوه عندهم منزلة صحيح البخاري عند أهل السنة ـ كما يعتقد عامة الناس، بل إنّهم يذكرون أنّ فيه ضعيفاً ومرسلاً كثيراً، وإنّ الشيخ المتقي الكليني صنف كتابه في عشرين سنة، يسند عمن يسمع، فالعهدة على الإسناد، كما صنع الإمام الطبري، إذ أثبت لك أسانيده، وقال هذا إسنادي، ومن أسند فقد أعذر.

يقول السيد هاشم معروف الحسيني وهو من الرجاليين الشيعة المحققين (علماء الرجال): (إنّ المتقدمين لم يجمعوا على جميع مرويات الكليني جملة وتفصيلاً)([65]).

ويقول: (إن أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين، يكون الصحيح منها خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثاً، والحسن مائة وأربعة وأربعين حديثاً، والموثق ألفاً ومائة وثمانية وعشرين حديثاً، والقوي ثلاثمائة وحديثين، والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وثمانين حديثاً)([66]).

الصحيح الحسن الموثق القوي الضعيف مجموع ما في الكليني
5072 144 1128 302 9480 16199

وقد تعقب النقاد من الشيعة روايات تحريف القرآن الواردة في الكافي فإذا هي نحو ثلاثمائة رواية وردت من طريق أربعة وهم: أبو عبد الله السياري، ويونس بن طبيان، ومنخل بن جميل الكوفي، ومحمد بن حسن بن جهور([67]).

وهؤلاء الأربعة مطعون في عدالتهم عند الرجاليين (علماء نقد الرجال) من الشيعة، وإليك ما قالوه فيهم: يقول الغضائري([68]) عن السياري: (ضعيف متهالك غالٍ منحرف)([69])، ويقول عنه الشيخ النجاشي([70]): (ضعيف الحديث، فاسد المذهب)([71]). وقال الشيخ النجاشي في يونس بن ظبيان: (ضعيف جداً، لا يلتفت إلى كل ما رواه([72])، بل كل كتبه تخليط).

وقال عنه ابن الغضائري: (كوفي غالٍ كذاب، وضاع للحديث)([73]).

وأما منخل بن جميل فقد نقل السيد هاشم الحسيني عن علماء الرجال أنّه من الغلاة المنحرفين([74]).

وقال العلاّمة الحلي([75]) في محمد بن حسن بن جهور: (كان ضعيفاً في الحديث، غالياً في المذهب، فاسداً في الرواية، لا يلتفت إلى حديثه، ولا يعتمد على ما يرويه)([76]).

وهكذا، فإنّ تواثب القوم على توهين رواية هؤلاء وتجريحهم والطعن في صدقهم وأمانتهم دليل واضح على تبرؤ مراجع الشيعة من هذه الأوهام ويبقى ورودها في الكافي مشروطاً بصحة إسناد، وهو لم يتحقق كما رأيت.

وقد نقل عن علماء الشيعة نصوص كثيرة تدفع توهم اعتقادهم بشيء من التحريف، وأنا أنقل لك طائفة منها:

1ـ العلاّمة أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المشهور بـ(الصدوق) المتوفى 381هـ([77]) (واعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد r هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنّنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب)([78]).

2ـ السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي المتوفى([79]) 436هـ: (إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه شيء آخر.

إنّ القرآن كان على عهد رسول الله r مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه في ذلك الزمان حتى عين النبي r على جماعة من الصحابة حفظهم له، وكان يعرض على النبي r ويتلى عليه، وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي r عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث.. وإنّ من خالف الإمامية والحشوية لا يعتقد بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قومٍ من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته)([80]).

3ـ الشيخ أبو علي الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان([81]).

(الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فأمّا الزيادة فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه، فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من الحشوية العامة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه)([82]).

ولنترك الكلمة الفصل في هذا المسألة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 461هـ([83])، إذ يلخص اعتقاد الشيعة في سلامة النص القرآني، وأسباب هذه الشائعة عنهم بقوله:

(وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها وأمّا النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذاهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى رضي الله عنه، وهو الظاهر من الروايات، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة  الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد ولا يستوجب علماً، فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها، لأنه لا يمكن تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين، فإنّ ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه، وروايتنا متناصرة على قراءته والتمسك بما فيه، وردِّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه فما وافقه عوِّل عليه، وما خالفه يجتنب ولم يلتفت إليه، وقد ورد عن النبي r رواية لا يدفعها أحد أنّه r قال: «إنّي مخلف فيكم الثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي وأهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» وهذا يدل على أنّه موجود في كل عصر لأنّه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك به، كما أن أهل البيت عليهم السلام ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن يتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه)([84]).

هذا وقد قام صاحب كشف الارتياب في رد فصل الخطاب بنقل مجموعة من توكيدات علماء الطائفة الإمامية بشأن سلامة النص القرآني، فعد منهم:

1ـ أبو جعفر ابن بابويه القمي، ت 381هـ.

2ـ السيد المرتضى علي الموسوي، ت 436هـ.

3ـ شيخ الطائفة الطوسي، ت 461هـ.

4ـ أبو علي الطبرسي، ت 548هـ.

5ـ السيد ابن طاووس، ت 644هـ.

6ـ ملا محسن الفيض الكاشاني، ت 1091هـ.

7ـ محمد بهاء الدين العاملي البهائي، ت 1030هـ.

8ـ محمد بن الحسن الحر العاملي، ت 1104هـ.

9ـ المحقق زين الدين البياضي.

10ـ القاضي سيد نور الله التستري([85]).

إضافة إلى عدد من علماء الشيعة ومراجعهم المعاصرين كالسيد كاشف الغطاء ومحمد جواد البلاغي ومهدي الطباطبائي والسيد محسن الأمين العاملي ومحمد مهدي الشيرازي وشهاب الدين النجفي مرعشي والسيد عبد الحسين شرف الدين العاملي والسيد محمد رضا الكلبايكاني والسيد آية الله الخميني وغيرهم كثير([86]).

ويجب القول هنا بأنّ كثيراً من الروايات التي حملها المتجادلون محمل التحريف، إنما هي أوهام رجال توهموها ثم فاؤوا إلى رشدهم فيها، وهي موجودة في كتب السنة كما في كتب الشيعة، ولا مسوغ لاتهام إحدى الطائفتين الأخرى، بأنّها تعتقد شيئاً من ذلك بعد أن ثبت سلامة مراجع اعتقاد الطائفتين جميعاً بسلامة النص القرآني.

ومما أخذه الشيعة على السنة من دعاوى التحريف الواهمة:

ـ أخرج البخاري عن أبي الدرداء أنّه قرأ: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى) وقال: أنا سمعتها من فيِّ النبي r وهؤلاء يأبون علينا)([87]).

ـ أخرج البخاري عن  عمر بن الخطاب قوله: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي)([88]).

ـ أخرج مسلم عن أبي موسى الأشعري أنّه قال لقراء البصرة: (إنّا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب).

وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنّي حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون يوم القيامة)([89]).

ـ أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن)([90]).

وثمة رويات كثيرة بهذا المعنى في  غير الصحيحين لا نطيل ببسطها، وبحسبك ما استقصاه ابن أبي داود السجستاني([91]) في كتابه المصاحف، حيث ذكر اختلافاً كثيراً بين الأصحاب، فأورد اختصاص بعض الصحابة بمصاحف متخالفة كمصحف عبد الله بن الزبير([92])، ومصحف عبد الله بن عمرو بن العاص([93])، ومصحف عائشة([94])، ومصحف حفصة([95])، ومصحف أم سلمة([96])، وما ورد من إنكار ابن مسعود للمعوذتين([97]) وغير ذلك كثير.

وقد أطال العلماء في توجيه هذه المرويات، وليس هذا محل بسط القول فيها، ولكنّي أردت بذلك أن أشير إلى أنّه لا مسوغ لاتهام طائفة عظيمة من المسلمين بالقول بتحريف القرآن، بسبب هذه المرويات التي يجب حملها على واحد من أربعة محامل:

1ـ الطعن في إسنادها ورواتها.

2ـ حملها على أنّها أوهام رواة.

3ـ حملها على أنّها من باب المنسوخ.

4ـ حملها على أنّها مما كتبه الصحابة في مصاحفهم على سبيل التفسير.

ومن أراد تفصيل القول في هذه الوجوه فليرجع إلى الإتقان للسيوطي أو البرهان للزركشي أو مناهل العرفان للزرقاني.

ولا بد هنا أن نذكر أنّ الشيخ محمد تقي النوري الطبرسي([98]) وهو من علماء الشيعة الإمامية المتوفى 1263هـ قد صنف كتاباً أسماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب) وهو كتاب مشؤوم ولا ريب، وقد استغله خصوم الشيعة أشد الاستغلال، وجعلوه رمزاً لاعتقاد الشيعة في الكتاب العزيز، وأثار عليهم عاصفة من الاحتجاج لم تهدأ من بعد، حتى عاد النوري نفسه في مستدرك الرسائل([99]) واعتذر عنه، وقال إنّه أراد أن يثبت محاولات المنافقين لتحريف الكتاب ثم عجزهم عن ذلك، وقال: إنّما أردت أن أثبت سلامة القرآن الكريم من التحريف رغم مكائد أعداء القرآن، وقد أخطأت العنوان، وكان عليَّ أن أسميه: (فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب).

أيّاً ما كان، فهذا كتاب مشؤوم، ولكنه لا يمثل موقف الشيعة من سلامة النص القرآني، وهو على  عهده قائله، وقد صحّ عنه الرجوع عنه، فلا مسوغ بعدئذ لتحميل القوم أوزاره، بعد أن تبرّؤوا منه، ويجب أن تكف الأقلام الشريفة عن المتاجرة بمثل ذلك، وحمل ما تبقى من هذه الروايات الموهمة محامل التأويل كما صنعنا فيما ورد من روايات في البخاري ومسلم وغيرهما توهم وقوع التحريف، وفي ذلك سلامة الأمة ووحدتها واجتماع كلمتها.

وإنّ المرء لا يملك إلاّ أن يأخذه العجب وهو يرى اليوم ما تقدمه المؤسسات الدينية القائمة في إيران اليوم من عناية فائقة بالقرآن الكريم رسماً ولفظاً وتلاوة وطباعة وترجمة وتحفيظاً.


فلسفة الأمل في الإسلام

(جلالُ الدين الرومي وكتابه الخالد «المثنوي»)*

 

 

كيف يصبح الإيمان فلسفة الأمل في (ما بعد القيامة)؟

إلى أي مدى يمكن أن يكون الإيمان ركناً صلباً في إعمار الأرض؟

ولماذا نكرس حياتنا للدفاع عن جذوة الإيمان؟

يمكننا أن نقرأ الإجابة الدقيقة لهذا السؤال الكبير من خلال جولة في رحاب المثنوي، مع فيلسوف الأمل والإيمان: جلال الدين الرومي.

إن تأملات الرومي الدقيقة هي التي كانت وراء تحول فلاسفة العصر أمثال غارودي وهوفمان وكرين إلى الإسلام، بعد أن طال سعيهم في الأرض ابتغاء رحيق الروح، فما هو هذا المثنوي ؟..

المثنوي عبارة عن مجموعة شعرية من نحو 24000 بيت زاد عليها النساخ والشراح حتى بلغت 48000 بيت. نظمها الفيلسوف المسلم جلال الدين الرومي (604 ـ 672هـ) باللغة الفارسية وضمنها أغلب فلسفته وحكمته.

وترجم الكتاب إلى التركية والأوردية والهندوستانية كما ترجم إلى الانجليزية والألمانية، وتأخرت ترجمته إلى العربية إلى القرن الأخير حيث ترجمه نثراً د. محمد عبد السلام كفافي.

والمقال الذي بين يديك دراسة في الكتاب مع دعوة إلى نظمه والإفادة منه في الأدب العربي وقد تقدمت بمحاولات من نظم المثنوي في هذا المقال.

وها أنا أطرح فلسفة الأمل عند الرومي بين يدي المثقفين العرب بديلاً عن فلسفة سارتر التي طرحت اليأس والقنوط والأنانية حلاً لمشاكل الإنسان.

 

جلال الدين الرومي

فيلسوف الأمل والإيمان

 

كان عصر (جلال الدين الرومي) أعقد عصور التاريخ الإسلامي على الإطلاق فحياته التي تمتد من 604هـ إلى 672هـ هي فترة الغزو المغولي التتري الذي حظم معالم الحضارة الإسلامية، وأسقط كثيراً من أوابدها ورموزها.

و(الرومي) لم يكن غائباً عن الأحداث في تلك الفترة الصاخبة بل كان يتنقل بين عواصم العالم الإسلامي المشتعلة فمن بلخ إلى نيسابور إلى بغداد إلى قونية في أرض الروم التي استقر فيها عام 637هـ وتصدر للإفتاء الحنفي كواعظ وفقيه، ولم يؤثر عنه أنه كتب شيئاً من الشعر حتى بلغ الثامنة والثلاثين من العمر([100]).

ولم يكن أصحاب جلال الدين وإخوانه يعلمون أن ذلك الفقيه الهادئ يطوي في صدره فلسفة كامنة ستمكث غير بعيد لتتبوأ محلها في تاريخ الفلسفة الإسلامية كواحدة من أنضج وأشمل الحلول لكل مشاكل الإنسان ومآسيه.

والتقى جلال الدين بصاحبه الصوفي الكبير شمس الدين التبريزي وخلال سنتين من الخلوة والصحبة المتواصلة بين الرجلين تحول جلال الدين الرومي من مجرد واعظ وفقيه حنفي إلى سلطان معرفة الأذواق..!

لقد كانت فلسفة رومي فلسفة حرب نشأت في وقت كانت فيه مذابح المغول والتتار تصخ آذان العالم الإسلامي، ولكن الرومي كان يقدم في روائعه الرقيقة فلسفة الكفاح والنضال مخاطباً أولئك الذين أفلتوا من المجزرة وهم يرتقون جراحهم ويعيشون مآسيهم أنه لم ينته كل شي وأن أمام الإنسان كثيراً من النضال والكفاح في هذه الأرض.

الروح عند جلال الدين هي حقيقة الإنسان وهي خلوده والروح ـ حتى وهي في هذا القفص الجسدي العابر، لا يمكن أن تكون شيئاً تافهاً على الإطلاق، بل هي في سجنها وأرقها تسخر الوجود وتملؤه بالحب والجمال.

استمع إليه وهو يستنطق الروح المتعبة:

قالت الروح وقد أرهقها قفص الأبدان في طول العمر
أنا كالبدر الذي قوسه ألم العشق وأضناه السهر
لست بالميت ولو غيبني عبث الدهر وآذاني القدر

 

سوف أغدوا مشرقاً من غربتي وأعيش الدهر في كر  وفر([101])

ثم يمضي جلال الدين يستنطق الجماد الصامت ويبني على أساس سلوكه فلسفة الكفاح:

حبة القمح إذا تدفنها تجعل القبر مخاضاً مستمر
وإذا تطحنها صلب الرحى فهي خبز فيه طعمى للبشر
وإذا تسحقها أسنانهم فهي للعاقل روح وفكر([102])

لقد كانت صورة الحضارة الإسلامية آنذاك على غاية من الضعف والشيخوخة وكان (جلال الدين) يعلم ذلك ويفهمه ولكنه كان لا يرضى لروح المسلم أن تشيخ بل كان يريدها في شباب دائم لا توهنه عوارض السقم وفي ربيع مشرق لا يقنطه برد الشتاء فكان جل خطابه للروح يقدسها ويمجدها ويأمرها أن تبعث الحياة من جديد في تلك الأبدان الواهنة الزاغبة بسكرات الموت. والوجود عند جلال الدين ليس مشكلة مفروضة بل هو ثمرة إنسانية يعكس طموح الناس وأمانيهم.

فالروح هي دائرة الوجود الكبرى، والمشكلة هو الإنسان وما هذا الوجود إلا مرآة تظهر فيها أفعال العباد.

فالمطموس الغائب البصيرة يرى الوجود قفص قبائح وكنف فضائح والصوفي العارف يرى الوجود صورة للجمال في أعماق روحه الطاهرة.

وهو يروي ذلك على صورة خبر طريف:

كان في المشرق طاغوت كبير مفسد في الأرض كذاب مبير
قبح ما يظهر من أعماله واضح في حاله وقاله
أخذ المرآة من كف الوزير فبدا فيها كقرد في سرير
حطم المرآة في حنق الديوك ثم نادى: أين مرآة الملوك؟
ويلكم هاتوا المرايا أجمعين أنا وجهي قبلة للعالمين

 

ويلكم… بئس المرايا للمليح ليس فيها غير تمثال قبيح.!
فأتى زركوب([103]) ذو الوجه الحسن صاحب الحكمة والحكمة فن
قال يا مولاي: ما تنقم من صدقها… ما الصدق مدعاة الحزن
ليس للمرآة ذنب إن من يعشق المرآة ذو الوجه الحسن([104])

الذنب ليس للمرآة وهل المرآة إلا صورة للوجود والوجود ليس إلى صورة يجمعها خيال الناظر يحسنها ويقبحها.

وكل ما في الوجود من مظاهر النقص فإن الصوفي العارف يراها باب كمال وهل يعرف الكمال بغير النقص:

أتدري شبابك لولا الهرم أتدري وجودك لولا العدم
أيظهر جودك لولا الفقير أتعرف فقرك لولا القصور
ومرآة قلبك لولا الفناء لما أدركت سبحات البقاء([105])

 

هكذا كانت دعوة جلال الدين للتعامل مع الحياة والأحداث، وعلى العكس ما كان يفترض أن تقوم عليه فلسفة ما بعد الحرب من بأس وقنوط جاءت فلسفة رومي طافحة بالأمر والحب والبشر.

والرومي ينظر إلى الأشياء على أنها مظاهر حكمة إلهية ويبلغ به اليقين في ذلك درجة يستنطق بها الصخر والطير والجماد والحجر حتى كأننا ننظر بعينين وينظر بأربعين عين، انظر إليه في موقف تأملي يسمعك غرور الأشياء، أمام مظاهر الكمال:

 

يقول الجدار إذا ما استنار أنا كالثريا أضيء النهار
فتبتسم الشمس ثم تقول ستعلم شأنك بعد الأفول
وعشب الحقول إذا ما اخضرم يقول أنا أخضر من قدم
فينطق صيف الزمان اللطيف ستعرف لونك عند الخريف

 

ثم يتحدث عن الغرور الأكبر وهو تعالي الجسد على الروح فيتحدث في ذلك مخاطباً عبيد الماء والطين:

 

ويزهو على الأرض لحم وطين يقول أنا جوهر العالمين
فتسمعه الروح في عرشها ينازعها المجد وهو مهين
قريباً ستدفن تحت التراب وتبصر ذُلَّك عين اليقين([106])

 

وهو لا ينأى بعيداً حتى يفهم قارئه غايته من الحديث عن الإشراق فليس الإشراق صدفة عابثة ينالها قوم غافلون، بل هو سعي متصل مرتبط بالقصد والكفاح الإنساني، إنه توجه دقيق لمكامن الإشراق وما على المريد إذا أراد أن يشرق قلبه إلا أن يتوجه إلى العارف المتصل بالجلال الإلهي:

 

قالت الأنجم للبدر المنيف أي سر ذلك الوجه الوضي
قال إني بشر من حمأ مثلكم لكنه يوحى إلي([107])

 

فلم تعد في الكون ومضة بارقة إلا ولله فيها تجل وإشارة، والناس في فهم إشارات الرحمن على درجات متفاوتة.

هكذا عرض جلال الدين فلسفته الحية وقدمها لأمة كانت على وشك أن تموت بل قل إنها ماتت وبعثت من جديد من بعد أن نزلت برأسها أوجع ضربات التاريخ، ولم يكن لها أن تعود إلى الحياة لولا فلاسفة الإيمان ورجال الدعوة إلى الإسلام.

لقد احترق العالم مرة أخرى هذا القرن ولم يقم النازيون بأفظع مما قام به المغول والتتار وقامت عقب الحرب العالمية الفلسفة الوجودية في دعوة صارخة إلى الفوضى والغثيان واليأس وهو مصير كل فلسفة لا تقوم على أساس من الإيمان.

أما قيامة الشرق التي أفرزها غزو التتار فقد أيقظت فلسفة (الرومي) على أساس من الإيمان فكانت فلسفة الحب والحياة والخير والأمل.

والمثنوي يتناول كل قضايا الحياة والغيب بلسان الشاعر الفيلسوف، ويستعير الرومي لعرض قضاياه قصصاً حقيقية وخيالية لملوك وأنبياء وسلاطين وفلاسفة وحكماء ويستنطق كذلك الحيوان والجماد والطير ويوجه ذلك كله لخدمة المثل الأعلى الذي يراه في سلوك الصوفية وآدابها.

وقضايا الكتاب تتوزع بشكل يكاد يكون عبثياً، بحيث لا ترتد إلى وحدة ناظمة، ولكنها في جميع أشكالها ذات مضمون فلسفي واحد: وهو تحقيق السمو الروحي والسعي نحو الكمال.

أنت تدخل المثنوي شاكاً متردداً ولكنك سرعان ما تجد نفسك في زورق جلال الدين في عباب البحر وهو يمد مجدافه إلى قاع المحيط ثم يقلب به القمر والنجوم ويعود بكثير من رمال الصحراء وخضرة المزارع، ويمنحك في كل حال دفء حكمة، ونور معرفة.

لقد دخل المثنوي عمق الأدب الفارسي خلال فترة وجيزة، ولكن رسالته لم تكن كذلك فحسب فسرعان ما جاوز حدود بيئته وتلقفه الأدب العالمي.

 

تاريخ دوائر المعارف في الإسلام*

 

المقال الذي بين يديك هو إحدى الصيحات التي اجتهدت في إسماعها لمراكز القرار في العالم الإسلامي من أجل إنشاء مركز علمي لإصدار دائرة المعارف الإسلامية.

ومع أنه ظهرت في الفترة الأخيرة دائرة معارف إسلامية نشرته دار صحارى بدمشق، ولكن المطلب لا زال ملحاً، وسيبقى كذلك إلى أن تقوم جهة مرجعية في العالم الإسلامي بالنهوض بهذا المشروع ليكون صوتَ إجماع يتلقاه الناس على أنه الرأي الفصل في القضايا الإسلامية.

آمل أن تكون إعادة نشر هذا المقال إلحاحاً آخر على قيام هذا المشروع الرائد، خدمة للفكر والثقافة والتنوير.

 

 

 

يقصد بكلمة دائرة المعارف إعادة تصنيف جانب حيوي من جوانب المعرفة، على أساس علمي، يشتمل على تبويب ألف بائي دقيق، لخلاصة ما كتبه أهل الاختصاص في كل جانب.

ويرجع التفكير في إصدار دوائر المعارف بالمعنى المتداول اليوم إلى فترة حديثة نسبياً، وقد أكدت هذه الضرورة حاجة الإنسان للجزم في قضايا معرفية شديدة التنوع بزمن قياسي.

غير أنك تجد في تاريخ الثقافة الإنسانية عموماً محاولات مستمرة، لتقديم هذه الخدمة الدقيقة، غير أنها لم تبلغ نضجها وكمالها إلا مع مطلع القرن التاسع عشر.

تجارب مبكرة لدوائر المعارف في أعمال المسلمين:

وفي التاريخ الإسلامي على سبيل المثال، يمكنك تلمس محاولات جادة، لإصدار دوائر معارف متخصصة، نعد منها:

1ـ جمع الجوامع:

وهو أكبر دائرة معارف متخصصة في مجال تدوين السنّة النبوية، وقد قام بإعدادها الإمام الجليل، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، وقد ظهرت فيما بعد باسم (كنز العمال) واشتملت على ترتيب ألفبائي لسائر السنن المنسوبة إلى  النبي r، فكانت بحق أوسع دائرة معارف متخصصة لجمع وبيان السنّة النبوية.

2ـ معاجم اللغة العربية:

كانت هذه المعاجم عموماً، تصنّف على الترتيب الألفبائي، لجذور الكلمات العربية، ومع أنّها كانت تهتم بإبراز الجانب اللغوي للكلمة، ولكنّ التوسّع في الشواهد والاستدلال وإيراد النظائر والأشباه، جعل من هذه المعاجم نماذج مفيدة من دوائر المعارف، وبإمكانك تلمّس هذه الحقيقة بوضوح في لسان العرب لابن منظور مثلاً، حيث تشكّل كل مادة من مواده مفتاحاً واسعاً لدراسة ما يتصل بالكلمة تراثياً ومعرفياً.

وتأسيساً عليه فإنّه يمكن القول إنّ لسان العرب أقرب تجربة كتبها العرب إلى دوائر المعارف العامّة الحديثة.

3ـ كتب التراجم المختلفة:

فقد كتبت معاجم متخصصة كثيرة للبلدان والأشخاص والكتب والقبائل، ورتبت ألفبائياً بحيث يمكنك قراءة تاريخ علم من الأعلام بيسر بالغ، ونعد منها (معجم البلدان) لياقوت الحموي، و(معجم طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة، و(الطبقات الكبرى) لابن سعد، و(معجم كشف الظنون) لحاجي خليفة، وغير ذلك.

وبالجملة فقد تضمنت تلك المعاجم ما يمكن أن يكون لدى جمعه دائرة معارف كاملة باستثناء جانب المفاهيم والمصطلحات.

4ـ كتب الفقه الكبرى:

كالمغني لابن قدامة، ومجموع فتاوى شيخ الإسلامن والمبسوط للسرخسي والمجموع للنووي، فقد كانت هذه الكتب تمثل دوائر معارف فقهية، تشتمل على الجانب التشريعي في الإسلام، غير أنّها لم تكن سهلة الترتيب، وكذلك فإنّها تمثل نظرة فردية، أو مذهبية، للمسائل المطروحة، وهذا أمر يقلل من أهميتها كدوائر معارف.

وبعد.. لقد كان في أعمال المسلمين وتراثهم، تجارب واضحة لإعداد كتب نهائية، في كل فن تكون غنية عمّا سواها، ولا يستغني عنها بسواها.

ويلاحظ أنّ هذه التجارب كانت تسير صعداً في كل مرحلة تاريخية، وأنّها تكثر وتنضج مع تقدّم حركة الثقافة والمعرفة في الإسلام.

نشوء دوائر المعارف في الغرب:

وكان من نتيجة السيطرة الاستعمارية الأوربية على العالم خلال القرون الأخيرة، إنّ معارف الشعوب المغلوبة صارت ملكاً للمؤسسات العلمية في البلدان الغالبة، وراحت تلك المؤسسات تعيد ترتيب المعارف المستوردة على أساس ألفبائي، يسهل الرجوع إليه.

كما إنّ تعاظم المعارف العلمية وتنوّعها ألجأ إلى ضرورة ترتيب هذه المعارف من قبل أهل الاختصاص بحيث يمكن للقارئ العادي الإطلاع عليها والإفادة منها.

وهكذا فقد ظهرت دوائر معارف مختلفة في علوم كثيرة، حتى صارت الصورة الغالبة للثقافة والإطلاع في الغرب هي طريقة دوائر المعارف التي يمكن للمرء أن يجد فيها كل ما يرغبه ويبحث عنه في أي فرع يريد.

واليوم فإنّ جيل الثقافة الجديد، في العالم المتحضر، هو جيل مبرمج على أساس دوائر المعارف، التي تشكّل العمود الفقري للثقافة الغربية في كل فرع من فروع العلوم.

وقد انتشر هذا النظام المعرفي انتشاراً هائلاً، وصار جزءاً من التركيبة الوطنية، لأيّ أمّة ذات ثقافة، وصارت دوائر المعارف الوطنية تؤسس كما تؤسس الوزارات ويرصد لها وينفق عليها أموالاً طائلة، ويتفرغ لها أمهر الإختصاصيين في كل فن، لتصدر وبشكل متسارع دائرة المعارف التي تمثل رؤية هذه الثقافة لغيرها من المعارف والثقافات.

وهكذا فقد صدرت دوائر المعارف البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية والإيطالية، وخصّصت لها كوادر دائمة لإجراء التعديل المطلوب كل فترة زمنية معقولة لتظلّ مواكبة لكل تطور حضاري وعلمي جديد.

وقد تناوبت حاجة الناس إلى هذه الدوائر، وسعي هذه الدوائر إلى الناس، تناوبتا التأثير والتأثّر، فأصبح هناك دوائر معارف كاملة شاملة، كما أصبح لدى الناس ثقة مفرطة في دوائر المعارف على أنّها تمثل القول الفصل في كل مسألة يثور فيها جدل أو ينتابها غموض وريبة.

خصائص دوائر المعارف:

والحق أنّ لدوائر المعارف خصائص جدّية يمكن أن نجملها فيما يلي:

1ـ الشمولية: فهي تتحدث في سائر جوانب المعرفة من رجال وبلدان ولغات ومحطّات تاريخية ومفاهيم ومصطلحات ومصنّفات، وهذا ما يجعلها دوماً الكتاب رقم واحد في كل مكتبة شخصية أو عامة.

2ـ الموضوعية: فالمفترض في دوائر المعارف أن تلتزم الحياد إزاء المسائل التي تناقشها وتتحدث عنها، إذ أنّها لا تمثّل رأي فرد واحد، بل هي رأي جماعة من الاختصاصيين كلّ في فنه، يخضع في النهاية لجملة من إجراءات التصحيح والمراقبة، وقد أكسبتها هذه الموضوعية قدراً كبيراً من احترام الناس وثقتهم، حتى أصبحت المرجع النهائي في الأحكام لدى طائفة عظيمة من المثقفين.

3ـ الجماعية: فهي عمل تشترك فيه جهود المئات من الخبراء، ولا شكّ أنّ هذه الجماعية والمشاركة في دوائر المعارف منحت هذه الدوائر رصانة علمية، ودقّة استنتاجية، يمكن من خلالها أن يطمئن القارئ إلى أنّه يقرأ المادة على يد صاحب الاختصاص الأعلى فيها.

إضافة إلى أنّ هذه الجماعية هي التي تخول الدائرة الكلام في فروع شتّى، ومهما كانت محاولة فردية لكتابة دائرة معارف، فهي تنطع وغرور، رغم ما قد يكون فيها من جهد مشكور.

4ـ التطور: فدوائر المعارف عادة مؤسسات دائمة، لا تنتهي رسالة أفرادها لدى طبع الموسوعة، بل ثمة خبراء يتلمسون الجديد في كل مادة، وما طرأ من تطور في مجالات مختلفة، ويقفون كذلك على ردود أفعال الناس على ما صدر ويصدر من دائرة المعارف ليتم في النهاية استدراك ذلك كلّه في طبعات لاحقة، أو على شكل نشاطات فكرية مسموعة أو مشهودة أو مقروءة تكون على هامش الموسوعة.

وهكذا فليست دائرة المعارف كتاباً أصمّ، كتب لمرحلة ما، ثم استهلكت مقاصده مع التطور العلمي، بل هو عمل متجدد دائم يتصل بكل جديد في شتى فروع المعرفة.

5ـ السهولة: وهذه في الحقيقة أهم خصائص دوائر المعارف التي أكسبتها موقعها وانتشارها ونفوذها، ففي عصر تعقدت فيه المعرفة، وكثرت مشاغل الإنسان، فإنّ تيسير العلم جزء من العلم نفسه، وإنّ ترتيب دوائر المعارف على شكل ألفبائي، وإضافة الفهارس الموضوعية والإعلامية والمتخصصة في أعقاب كل دائرة، كل ذلك جعل المعرفة أقرب منالاً، وأيسر مطلباً، وأمكن للمرء أن يطلع على جوانب كثيرة لم يكن الإطلاع عليها ممكناً أو ميسوراً.

وأعظم ما يبدو أثر هذه الميّزة، فيما يشهده العالم اليوم من تحوّل حقيقي إلى نظام التثقيف بالكمبيوتر، فبعد أن تبوّأ الكمبيوتر موقعه المتقدم في مجال المحاسبة والإحصاء والمعلومات، فإنّ الزمن في صالحه أيضاً ليصبح رائد المراجع الثقافية، وإنّ سبيله إلى ذلك بلا ريب هو دوائر المعارف بشكل رئيس.

دائرة المعارف الإسلامية:

وفي نهاية القرن الماضي، بدأ المستشرقون يفكرون جدياً في كتابة دائرة معارف إسلامية ،بعد أن لاحظوا خلوّ المكتبة الإسلامية من دائرة شاملة معتمدة، وعلى أساس ذلك عقدت عدّة مؤتمرات للمستشرقين في العواصم الأوربية، بغرض بحث السبل الكفيلة بإنجاز دائرة معارف شاملة تتناول القضايا الإسلامية من أعلام ومصطلحات وفرق ومفاهيم، تستوعب جملة ما انتهت إليه الدراسات الاستشراقية.

وهكذا فقد تمّت الدعوة إلى إنجاز دائرة المعارف الإسلامية عام 1895 وبدأ تحريرها مباشرة بثلاث لغات:

بالإنجليزية وتولّى تحريرها: أرنولد.

بالألمانية وتولّى تحريرها: هارتمان وبوير.

بالفرنسية وتولّى تحريرها: رينه باسه.

ومع مطلع هذا القرن ظهرت الطبعات الأولى لهذه الدائرة، وكتب عند كل مادة اسم المستشرق الذي كتبها، وصدرت الدائرة حينئذ في أربعة وستين مجلداً، وبسرعة اخترقت المجامع والمراكز العلمية، وأخذت مكانها في رفوف مكتبات الغرب، وأصبحت المصدر الرئيس للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وثقافة وتراثاً، وتلقتها المجامع العلمية في الغرب بالقبول من غير اعتبار كاف لدوافع واضعيها وبواعثهم.

ومن الإنصاف أن نشير بداية إلى أنّ الدائرة التي صدرت بعد جهود علمية متواصلة، وأنّها جاءت بجديد كثير، وثمّة مواد لا يستغنى عنها أفردتها الدائرة بالدراسة خصوصاً فيما يتعلق بالبلدان والأنساب الإسلامية، وواقع المخطوطات الإسلامية، ومجالات الإفادة منها.

غير أنّ إنصافنا لما دونوه من الصواب لا يشغلنا عن تفنيد ما دوّنوه من الزغل.

غايات المستشرقين من كتابة الدائرة:

ولن نحتاج إلى جهد كبير لنفهم مقاصد هذه الأقلام التي كتبت أهم كتاب في الذهنية الغربية يتناول التعريف بالإسلام ورجاله وتراثه، بل يمكنك معرفة هذه المقاصد جميعاً بمطالعة يسيرة لما كتبته أقلام المستشرقين في القضايا الإسلامية الحساسة التي أريد لها عمداً أن ترسم صورة سيّئة عن الإسلام بالغة التأثير، دقيقة الحبكة والإخراج، تعود بك إلى صورة الأديان البائدة التي استهلكت مع التطور الحضاري والعلمي.

ويمكن إجمال أهم الأغراض السيئة المتناثرة في الدائرة بما يلي:

1ـ التشكيك بظاهرة الوحي، وتكرار القول بأنّه ظاهرة افتراها النبي r، وتقبلها الصحابة الكرام ـ تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.

ويمكن مراجعة أهم ما كتبوه حول هذه المسألة في مواد:

ـ جبريل، بقلم Carra do Vaux كاراده فو.

2ـ محاولات إثبات أنّ الإسلام ما هو إلاّ بدعة نصرانية ويهودية، وأنّ النبي الكريم r قد جمع قرآنه وسنَّته من لقاءاته برجال الدين المسيحي واليهودي، وقد تمكّن من خلالهم وبمساعدتهم من تكوين أصول دينية كاملة.

وأهم ما كتبوه في ذلك:

ـ مادة: تميم الداري، بقلم ليفي دلافيدا Della Vida .

ـ مادة: إنجيل، بقلم كاراده فو Carra de Voux .

ـ مادة: تحريف، بقلم بول Fr. Buhl .

3ـ محاولة التشكيك بالسنّة النبوية من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة، فقد أفاضت الدائرة في الحديث عن إمكانية الوضع في السنن واختلاط الصحيح بالموضوع فيها، ثم راحت تؤكّد أنّ السنّة حتى في حال ثبوتها لا تمثل مصدراً تشريعياً مستقلاً.

ويمكنك مراجعة هذه الافتراءات في مواد:

ـ سنة: بقلم فنسنك Wensinck

ـ حديث: بقلم جوينبل Juynboll

4ـ محاولة التشكيك في عدالة الصحابة وإلقاء التهم جزافاً عليهم بالكذب والنفاق، ويراد من ذلك هدم جسور الثقة بالمركب الذي عبرت عليه الشريعة الإسلامية حتى وصلت إلينا، وكذلك قطع ما بين الحاضر والماضي على أساس أنّها أقيمت أصلاً على جسور من الزيف، وأكثر ما يظهر ذلك في مادة.

أبو هريرة، بقلم جولد تسيهر Goldziher

5ـ محاولة التشكيك في الحضارة الإسلامية عموماً، وبيان أنّها سرقت بالكامل من الثقافة اليونانية، والتنكّر لكل جهد بذله المسلمون في خدمة المعارف والعلوم الإنسانية.

ويلتمس ذلك لدى حديثهم عن العلوم الكونية والنظرية في مختلف مواد الدائرة.

6ـ عرض قضايا التشريع الإسلامي بأسلوب مبتور، يخيّل للقارئ من خلاله أنّ الإسلام خلق المشكلات وعجز عن حلّها، بدلاً من إبراز الحقيقة الناصعة في أنّ الإسلام تعامل مع المشاكل الاجتماعية المتفاقمة أصلاً بأسلوب الحكمة والمتابعة المنطقية.

ويراجع في ذلك مواد:

ـ طلاق، بقلم: شاخت Schacht

7ـ التأكيد على انتشار الإسلام بالسيف، وتوجيه معنى الجهاد توجيهاً يتصل بالبغي والتسلّط دون إظهار ما في الجهاد من معنى الدفاع المشروع الذي تقرّه كل شرائع العالم المتحضر.

ويراجع في ذلك مواد:

ـ الجهاد، بقلم ماكدونالد L.B. Macdonald

ـ السيرة، بقلم ليفي دلافيدا Vide

وليست هذه النقاط السبع التي أشرت إليها إلا إشارة يسيرة للافتراءات المتراكمة التي تتجمع في الدائرة، ورغم ذلك كلّه فإنّنا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا: إنّ هذه الدائرة لا تزال أهم مرجع يعرّف بالإسلام ورجاله وتراثه في العالم الغربي عموماً !!.

وهذا يكشف لك عن القصور الشديد الذي أصاب المسلمين عموماً في مجال التعريف بشريعتهم وتراثهم في المؤسسات العلمية والثقافية الغربية.

والحق أنّ المسلمين عموماً لا ينتبهون للأثر السلبي الخطير الذي تمارسه هذه الدائرة، ذلك أنّهم لا يلمسون هذا الأثر في الحواضر الإسلامية إلاّ بشكل باهت ويسير.

ذلك أنّ الدائرة اعتبرت من البداية عملاً مريباً غير مشكور، لدى كل المراكز العلمية والثقافية في البلدان العربية والإسلامية، وكذلك فإنّ مترجميها قاموا بدور الرقيب الدقيق إزاء كل ما دون فيها، حتى لا تكاد تسلم مادة من مواد الدائرة من النقد والتعليق والتصويب، ورغم ذلك كله فإنّ ما حرّروه من افتراءاتها وأكاذيبها أكثر مما فنّدوه، وكانت ردودهم في كثير من المواطن أضعف من الشبه التي ترجموها.

ولكن مع ذلك، فإنّه لا ينكر أنّ كثيراً من المدارس الفكرية في العالم الإسلامي تأثّرت بالدائرة بنسب متفاوتة، ونعد من ذلك الحركة التغريبية في الهند وباكستان، وكذلك جماعة أهل القرآن في لاهور وفروعهم المختلفة، وكذلك تيّار العلمنة والتسيّب في مصر.

ولكن كل ذلك يعتبر ضئيلاً إذا ما قيس بتأثير هذه الدائرة في الغرب عموماً ولدى المهتمين منهم بالدراسات الإسلامية خصوصاً، لا سيما بعد أن أصبح البحث العلمي في الغرب عموماً، يبدأ من دوائر المعارف ويُحسم فيها.

ولا شك أنّ تأثير الدائرة آخذ بالازدياد نظراً لازدياد اهتمام الغرب بمشكلات العالم الإسلامي ومعاناته، وسيبقى تأثيرها قوياً حتى تظهر دائرة المعارف الإسلامية التي يكتبها كتاب مسلمون موثوقون، بأيد نظيفة.

فمتى تنهض المؤسسات الإسلامية القادرة، بواجبها التاريخي في إصدار دائرة معارف إسلامية أمينة نظيفة، قادرة على اختراق الثقافات المختلفة، وباللغات الحيّة لتكون لسان الإسلام الناطق في الغرب، ولترفع الستار عن تلك الافتراءات والمظالم التي ألقتها دائرة معارف المستشرقين في أذهان الغرب طوال قرن كامل.


القراءات القرآنية

 

كتب الله لي شرف خدمة القرآن الكريم منذ كنت طفلاً، حين أكرمني بحفظه وإقرائه وجمع قراءاته المتواترة، وقد تيسرت لي المشاركة في المسابقات الدولية في إيران والسعودية وليبيا ولبنان وحصلت فيها على المراكز المتقدمة.

وقد حصلت على الإجازة العليا في القرآن الكريم من الفتوى السورية بإسناد الشيخ محمد سكر، وتشرفت بأن تخرج على يدي مئات الحفظة المتقنين الذين أستمع إلى قراءاتهم ونشاطاتهم في عواصم إسلامية كثيرة.

ففي المجال العلمي:

صدر لي كتاب (كيف تحفظ القرآن) وكتاب (كيف تقرأ القرآن)، وقد طبعت منه عشرات الطبعات، وقرر الأول منهاجاً تعليمياً في سائر معاهد القرآن بسوريا منذ عام 1990، كما أنجزت رسالتي للدكتوراه بعنوان (أثر القراءات المتواترة في الحكم الشرعي)، وناقشتها أعلى لجنة علمية في السودان في مجال القرآن الكريم ونلت بها درجة الدكتوراه بمرتبة ممتاز وهي رتبة الشرف الأعلى.

وكذلك فقد قمت بإنجاز (مصحف التجويد) وهو خدمة جليلة للقرآن الكريم، جهدت فيها أن أكمل ما بدأه أئمة القرآن الكريم في النقط والشكل، حيث رمزت للأحكام التجويدية في القرآن من خلال اللون، وقد كتب الله لهذا العمل انتشاراً عظيماً حيث قامت على خدمته دار نشيطة، طبعت منه ـ كما أخبرتني ـ أكثر من مائتي ألف نسخة، ومع أنه لا يصيبني من أرباحه شيء ومع أنني غير راض عن أسعاره المرتفعة، ولكنني مسرور، نصيبي من ذلك رضا الإمام الشافعي حين قال: “وددت أن الناس انتفعوا بعلمنا وأنه لم ينسب إلينا منه شيء”.

وأكرمني الله بصوت حسن فأصبحت أتغنى بالقرآن الكريم، وبدأت بإمامة الناس في التراويح أقرأ كامل القرآن الكريم وقصد ذلك مؤمنون كثير يعدون بالألوف.

وقد صدرت لي ـ بحمد الله ـ أول ختمة صوتية مصورة للقرآن الكريم، على عشرة أشرطة فيديو، كما صدرت على ثلاثين شريط كاسيت والناس يستمعون إليها، أسأل الله أن يحرمني دعاءهم كلما خشعت منهم القلوب.

وقد عرضت سبع قنوات فضائية عربية كامل القرآن الكريم مع مصحف التجويد بصوتي في ثلاثمائة حلقة قرآنية، وقدمت عشرات الحلقات القرآنية في الإذاعات والتلفزيونات العربية، فيكون مجموع ما قدمته في الإعلام العربي من حلقات قرآنية وتفسيرية حتى شهر تموز 1998 نحو 2466 حلقة.

وقد صدر لي بحمد الله برنامج كمبيوتري لتعليم القرآن الكريم والبحث فيه والترجمة، يتضمن الترجمة لثمان لغات إسلامية وأوربية، ويتضمن القرآن الكريم كاملاً بصوتي، ويتضمن تعليم أحكام التجويد وفق كتابي (كيف تحفظ القرآن).

وأقوم الآن بتسجيل سائر المتواتر من القرآن في قرص كمبيوتري واحد، ليكون أول وثيقة علمية ناطقة جامعة لسائر المتواتر من التنزيل الحكيم.

وفي المجال العلمي شرفني الله سبحانه بتأسيس أول معهد للقرآن الكريم في سوريا عام 1982م وقد قمت بإحداث عدد من الفروع له، ثم صدر قرار وزاري عام 1990 بتشكيل لجنة عليا للإشراف على شؤون معاهد القرآن الكريم في سوريا، وقد كلفت برئاستا، وقامت بعملها على أتم وجه حتى صار لها اليوم في سوريا ثلاثمائة معهد للقرآن الكريم.

وأعمل الآن مشرفاً عاماً على هذه المعاهد في وزارة الأوقاف السورية، وعضواً في اللجنة التأسيسية للمعهد العالي للقرآن الكريم بسوريا.

كما درّست القرآن الكريم وعلومه في كلية الشريعة بجامعة دمشق وكلية الدعوة الإسلامية وكلية أصول الدين، وأشرف حالياً على بعض رسائل الماجستير والدكتوراه في بحوث تتعلق بعلوم القرآن.

وعهدت إلي الأوقاف بمهمة تدقيق المصاحف الصادرة في سوريا وهو شرف آمل أن أكون له أهلاً.

وكذلك أشرف على إدارة شؤون القرآن الكريم في المجمع الإسلامي بدمشق، ومن الأنشطة التي وفقني الله إليها منذ نحو عشر سنين تكريم حفظة القرآن الكريم في سوريا برحلة مجانية للعمرة الشريفة حيث يتم سنوياً مكافأة الثلاثين الأوائل على مستوى سوريا بهذه الرحلة الكريمة.

كما كان لي شرف إحداث ثلاث مسابقات سنوية عامة للقرآن الكريم تقوم في سوريا سنوياً من خلال وزارة الأوقاف، والمستشارية الثقافية الإيرانية، ومجمع أبي النور الإسلامي. وليس شيء من ذلك بنافع ما لم يصحبه قبول وعفو من الله سبحانه وإني آمل أن يكون ذلك كله تمهيداً لرسالتي التي كرّست حياتي لأجلها وههي إعادة فهم القرآن الكريم على ضوء المقاصد الإلـهية وقراءة النبي الكريم r .

بين يديك الآن أربع مقالات منشورة تتصل بخدمة القرآن الكريم:

الأول ـ كلمتي في مؤتمر القرآن الكريم عطاء متجدد.

الثاني ـ مقابلة مع صحيفة البلاد حول واقع تعليم القرآن الكريم في سوريا.

الثالث ـ مقال عن القراءات المتواترة نشرته مجلة نهج الإسلام.

 


القراءات القرآنية*

 

أنزل الله عز وجل القرآن رسالة عامة خاتمة وجعل في فيها سعادة الناس وحدد لهم منهج حياتهم في الدنيا والآخرة.

والقرآن كلام الله القديم الذي وصفه النبي r فقال:

«لا تزيغ به الألسنة ولا تلتبس به الأهواء ولا تمله القراء»

وهو الذي وعد الله عز وجل بحفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}([108])

ويتساءل بعض الناس اليوم حول موقع هذا الحفظ الإلهي من مسألة القراءات السبع وكيف نفى الله عن القرآن الاختلاف بقوله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}([109]).

ثم يختلف القراء فيه من بعد على سبع قراءات أو عشر أو أكثر من ذلك، حتى ذهب بعض من لا يفقه إلى حد الافتراء على هذا الكتاب المجيد واعتبار القراءات السبع مصاحف سبعة مختلفة في مبانيها ومقاصدها ومعانيها !..

وقد رأيت دفعاً للالتباس وإيضاحاً للمشكل أن أوضح بعض النقاط في هذا الموضوع الدقيق.

مصدر القراءات القرآنية:

ينبغي أن تعلم بادئ ذي بدء أن القراءات القرآنية المتواترة جميعاً قد قرأ بها النبي r مباشرة وعلمها أصحابه من بعده، وأنها جميعاً توفيقية لا مجال للاجتهاد فيها.

وكان غاية ما فعله القراء السبعة أن تخصص كل واحد منهم بنوع من أنواع القراءة التي سمعها عن أصحاب النبي r كما نقلوها عنه r، وخدمها وتفرغ لإقرائها وتلقينها، فنسبت إليه لا على سبيل أنه أنشأها وابتكرها، بل على سبيل أنه قرأ بها وأقرأ عليها وإلا فالمنشأ واحد وهو فم المصطفى r عن الروح الأمين عن رب العالمين.

حكمة القراءات:

إذا استقر لديك اليقين على أن هذه القراءات المتواترة جميعاً قد قرأ بها النبي r وأقرأها لم يكن لك أن تسأل عن العلة التي أدت إلى ذلك التعدد، ولا عن الضرورة التي ألجأت إليه، فهو وحي أمين، وهي إرادة الله عز وجل، وهو: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.

ولكن.. تعال معي نتلمس بعض الحكمة من هذا التعدد في القراءات. فقد نزل القرآن والعرب يختلفون في منطقهم ولفظهم اختلافاً عظيماً شأنهم شأن أي لغة ليس لها قواعد نحو وصرف مدونة، ناهيك عن قواعد لفظ وتحقيق.

وقد ثبت اليوم بالحفريات أن عرب الجنوب كانوا يلفظون العربية ويكتبون بها من غير حروف صوتية !. (الألف والواو الياء).

كما كانت العرب تعرف الشنشنة والطمطمة واللكنة والتمتمة.

وكانت بعض قبائل العرب تبدل لام التعريف ميماً حيثما وردت وهم الذين وفدوا على النبي r فسألوه: أمن أمبر أمصيام في أمسفر ؟ وهم يعنون: أمن البر الصيام في السفر ؟. وبوسعك أن تتصور مستقبل لغة فيها هذه الفوارق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام !.. خصوصاً إذا خرجت هذه اللغة من إطارها التقليدي ضمن الجزيرة العربية لتمتد من خراسان وأذربيجان إلى الهلال الخصيب فالأندلس مروراً بالشمال الإفريقي كله.

لا شك أنها ستصبح حينئذ ركاماً هائلاً من اللغات واللهجات التي لا يضبطها ضابط ولا يجمعها قانون.

ولولا القرآن العظيم ودقة الضبط في روايته وتلقينه ضمن حدود القراءات لأصبحت العربية أثراً بعد عين، ولصار جمع العرب على لغة واحدة أشبه بجمع شعوب القارة الإفريقية اليوم على لغة واحدة.

لذلك فقد شاءت عناية الله عز وجل ولطفه أن يجعل القراءة على أشكال يتمكن سائر العرب من النطق بها من  غير تكلف ولا عناء.

فكانت قراءة النبي r بهذه القراءات المختلفة رحمة وعناية بتلك البطون من العرب التي لم يكن بالإمكان جمعها على لسان واحد مع ما بينها من اختلاف ثقافي بيئي ومكاني وذلك كله بنص من الوحي الأمين ليس للقراء فيه أدنى اجتهاد.

شروط القراءة المقبولة:

حينما قام القراء باستقصاء القراءات القرآنية وجمعها في صدر الإسلام الأول وضعوا شروطاً ثلاثة في غاية الدقة والإحكام لقبول أي قراءة وهي:

1ـ أن توافق وجهاً من وجوه النحو فلا يكون فيها شذوذ عن القواعد التي أصلها النحاة لضبط كلام العرب.

2ـ أن توافق رسم المصحف العثماني على الشكل الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك قبل النقط والشكل.

3ـ أن يتواتر سندها متصلاً إلى رسول الله r بأن يرويها جمع عن جمع من أول السند إلى منتهاه.

وكل قراءة لم تتحقق فيها الشروط السابقة كلها أو بعضها فقد اعتبرت قراءة شاذة تحرم القراءة بها ويحرم الاعتقاد أنها من القرآن.

وفي ذلك يقول ابن الجزري:

ولك ما وافق وجه النحو وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصح نقلاً فهو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل شرط أثبت شذوذه لو أنه في السبعة

وبالاستقراء والتتبع أحصى العلماء القراءات التي تحققت فيها هذه الشروط فإذا هي قراءات سبع سميت بـ(القراءات المتواترة)

وهناك ثلاث قراءات أخرى لـم يثبت تواترها فسميت قراءات الآحاد إلا أن ابن الجزري عاد فأثبت تواترها وألحقها بالقراءات السبع.

وكان الإمام القاسم بن فيرة الشاطبي قد صنف منظومته الشهيرة المسماة (حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع) وهي قصيدة من الشعر من (1173) بيتاً بيّن فيها أحكام القراءات السبع أصولاً وفرشاً.

ثم جاء ابن الجزري المتوفى سنة (833)هـ فنظم قصيدته المسماة: (الدرة المعينة في القراءات الثلاث وفيها ذكر القراءات الثلاث تتمة العشر وأثبت تواترها وألحقها بالقراءات السبع.

ثم عاد فنظم قصيدته: (طيبة النشر في القراءات العشر) وبين فيها القراءات العشر أحكاماً وفرشاً.

ولا علاقة على الأرجح لحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف فاقرؤوا منها ما استطعتم» في مسألة القراءات، فهذا الكلام وارد عن الأحرف السبعة التي نسخت في عهد النبي r .

أما القراءات فإنها لم تتحدد بسبع على سبيل الحصر إلا على يد أحمد بن موسى بن مجاهد المتوفى عام (324)هـ. الذي صنف كتابه القراءات السبع واختار فيه هذه السبعة دون سواها واختار لكل قارئ من السبعة راويين يرويان له قراءته حتى اشتهر ابن مجاهد بأنه أول من سبع القراءات.

حدود اختلاف القراءات

ولا تحسب أن القراءات تختلف في متون النص القرآني العثماني، بل إن اختلاف القراءات في الغالب لا يتعدى حدود تحقيق الهمزات وتسهيلها ومد البدل والمتصل والإدغامات وأشباه ذلك وقد أحصيت اثنتي عشرة لفظة في القرآن هي أكثر ما اختلفت فيه المعاني بين القراءات غير أنها جميعاً محمولة على زيادة معنى وفائدة مقصودة في النص القرآني ولا مظهر فيها لأي تناقض، وهذه الألفاظ هي:

1ـ {ما ننسخ من آية أو نُنْسِها} قرئت: نَنْسَأها     البقرة 106

2ـ {واتَّخِذوا من مقام إبراهيم} قرئت: واتَّخَذوا   البقرة 125

3ـ {ولا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ} قرئت: يَطَّهَّرْنَ  البقرة 222

4ـ {أو لامستُمْ النساء} قرئت: أو لَمَسْتُم           النساء 43

5ـ {لمن ألقى إليك السَّلام} قرئت: السِّلم           النساء 94

6ـ {برؤوسِكم وأرجلَكم} قرئت: وأرجلِكم         المائدة 6

7ـ {ولْيحكمْ أهل الإنجيل} قرئت: وليحكُمَ         المائدة 47

8ـ {إن الذين فرقوا دينهم} قرئت: فارقوا         الأنعام 159

9ـ {إنه عَمَلٌ غيرُ صالح} قرئت: عَمِلَ غيرَ      هود 46

10ـ {فناداها مِنْ تحتِها} قرئت: مَنْ تحتَها        مريم 24

11ـ {وَقَرْنَ في بيوتكن} قرئت: وقِرْنَ            الأحزاب 33

12ـ {وخاتَمُ النبيين} قرئت: وخاتِمِ                الأحزاب 40

مناط اختلاف القراءات:

ولا تحسب كذلك أن وجوه القراءات سبعة في كل كلمات القرآن، كلا، بل إن غالب كلمات القرآن يقرأ على وجه واحد من جهة الميزان الصرفي والنحوي وهناك (1183) كلمة في القرآن تقرأ على وجهين.

و(73) كلمة تقرأ على ثلاثة وجوه.

و(21) كلمة تقرأ على أربعة وجوه.

و(3) كلمات تقرأ على خمسة وجوه.

وهناك كلمة واحدة فقط قرئت على ستة وجوه وهي قوله عز وجل: {أرجه وأخاه}

فقد قرأها ابن كثير وهشام وابن عامر: أرجئه وبواو بعد الهاء لفظاً.

وقرأها أبو عمرو البصري: أرجئه بضم من غير الواو.

وقرأها نافع والكسائي: أرجهي بغير همزة وبجر الياء.

وقرأها الحلواني عن نافع: أرجِهِ بكسر الهاء بغير إشباع.

وقرأ عاصم وحمزة: أرجهْ بالسكون بلا همز.

وقرأ ابن عامر: أرجئهِ بكسر الهاء بغير إشباع.

وكما ترى فإن هذه الخلافات جميعاً لا تتعدى حد النطق وهي في المعنى واحدة ولا يوجد في القرآن أي كلمة قرئت على سبعة وجوه في القراءات السبع.

فإذا أخذنا بعدد كلمات القرآن للسيوطي في الاتقان بأنها 74950 كلمة أمكننا أن نقول أن 98.3% من كلمات القرآن لا تقرأ إلا على وجه واحد من جهة  البناء الصرفي والإعرابي.

القراء العشرة ورواتهم:

وأذكر لك فيما يلي أسماء القراء العشرة وأمام كل قارئ منهم راويان له نشرا قراءته بعده من بين الناس وهذا الاختيار هو الذي اختاره ابن مجاهد في القراءات السبع ثم ابن الجزري في الثلاث التالية وهو الذي نظم به الشاطبي (حرز الأماني) ونظم به ابن الجزري (الدرة البهية) ثم (طيبة النشر) وهو الذي يقرأ به سائر قراء العالم الإسلامي اليوم:

1ـ قراءة نافع في المدينة:

وتنسب إلى نافع بن عبد الرحمن المدني (70ـ169هـ) وهو أصبهاني الأصل استقر في المدينة وأخذ عن أعلام القراء فيها من التابعين أمثال: الزهري وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج.

وأخذ القراءة عن الإمام مالك بن أنس والأصمعي والليث بن سعد واشتهر بالرواية عنه راوياه: قالون وورش.

قالون: وهو عيسى بن مينا (120ـ220هـ) وهو من أئمة النحو والقراءة في المدينة رغم أنه عاش أصم.

ورش: وهو عثمان بن سعيد (110ـ197هـ) وهو مصري قبطي رحل إلى نافع بالمدينة فقرأ عليه عدة ختمات ثم رجع إلى مصر فأقرأ بها نحو (35) سنة.

2ـ قراءة ابن كثير في مكة:

وتنسب إلى عبد الله بن كثير (45ـ120هـ) وهو إمام مكة في القراءة وكان ابن كثير عالماً بالعربية واشتغل برواية الحديث وقد روى عن أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير ثم أخذ القراءة عن درباس مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر وغيرهم فتصدر بعدئذ للإقراء وانتهت إليه مشيخة القراء في مكة، وممن قرأ عليه حماد بن سلمة والخليل بن أحمد الفراهيدي وأبو عمرو بن العلاء البصري وراوياه هما: البزي وقنبل.

البزي: وهو فارسي الأصل واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله (170ـ250هـ) وكان مؤذن المسجد الحرام وتلقى القراءة عن أبيه وعن عكرمة بن سليمان.

قنبل: وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي (195ـ291هـ) وقد أخذ القراءة عن البزي.

وكلا راويي ابن كثير لم يعاصراه وإنما تلقيا قراءته من قراء آخرين.

3ـ قراءة أبي عمرو البصري في البصرة:

وتنسب إلى أبي عمرو زبان بن العلاء المازني البصري (68ـ154هـ) وهو النحوي الشهير الحجة، وقد قرأ على الحسن البصري وعاصم وابن كثير وعكرمة وروى عنه الأصمعي وسيبويه وأبو زيد الأنصاري. وراوياه: حفص الدوري وصالح السوسي.

الدوري: وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز توفي عام (246هـ). وهو أول من جمع القراءات السبع وأقرأ بها وقد أخذ قراءة أبي عمرو البصري عن يحيى اليزيدي.

السوسي: وهو صالح بن زياد السوسي توفي عام (261)هـ أخذ قراءة أبي عمرو عن اليزيدي كما قرأ على حفص.

4ـ قراءة ابن عامر الشامي:

وتنسب إلى عبد الله بن عامر اليحصبي (8ـ118هـ) وقد أخذ القراءة عن الصحابة مباشرة فقرأ على أبي الدرداء في دمشق وقرأ على المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان بن عفان، واشتهر فضله وعلمه في سائر بلاد الشام وسادت قراءته فيها نحو خمسة قرون.

وراوياه: هشام وابن ذكوان.

هشام: وهو هشام بن عمار السلمي الدمشقي (153ـ245)هـ، أخذ القراءة عن أيوب بن تميم وغيره من الأئمة واستقر في دمشق وتفرغ للاقراء فرحل الناس إليه.

ابن ذكوان: وهو عبد ا لله بن أحمد الفهري (173ـ242هـ) وقد انتهت إليه رياسة الإقراء في الشام بعد هشام وقد أخذ القراءة أيضاً عن أيوب بن تميم، كما كتب عدداً من الكتب في التجويد والقراءات.

5ـ قراءة عاصم في الكوفة:

وتنسب إلى عاصم بن أبي النجود الكوفي الغاضري توفي (127هـ) وهي القراءة السائدة في معظم أقطار العالم الإسلامي اليوم، وقد أخذ عاصم القراءة عن أئمة الإقراء من التابعين: زر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي.

وقد قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وحفص بن سليمان وحماد بن زيد وأبو بكر بن عياش وغيرهم. وراوياه: حفص وشعبة.

حفص: وهو حفص بن سليمان الكوفي البزار (90ـ180هـ) وروايته عن عاصم هي السائدة في معظم بلدان العالم الإسلامي اليوم وقد قرأ على عاصم مباشرة.

شعبة: وهو أبو بكر شعبة بن عياش الأسدي الكوفي (95ـ193هـ) قرأ مباشرة على عاصم وقرأ عنه جماعة من أئمة العربية منهم الكسائي.

6ـ قراءة حمزة في الكوفة:

وتنسب إلى حمزة بن حبيب الزيات (80ـ156هـ). أخذ القراءة عن الأعمش وجعفر الصادق وقرأ عليه إبراهيم بن أدهم والكسائي والفراء واليزيدي وغيرهم.

وراوياه: خلف وخلاد.

خلف: وهو خلف بن هشام الأسدي البغدادي (150ـ229هـ) وهو صاحب القراءة التاسعة التي أثبت ابن الجزري تواترها وقد أخذ القراءة عن أبي زيد الأنصاري وسليم بن عيسى وغيرهم. وقرأ عليه أحمد بن إبراهيم وأحمد بن يزيد الحلواني.

خلاد: وهو خلاد بن خالد الشيباني ولاءً الصيرفي الكوفي توفي (220هـ) وقد روى عنه الوزان وأحمد الحلواني وغيرهم.

7ـ قراءة الكسائي في الكوفة:

وتنسب إلى علي بن حمزة الكسائي ولقب بالكسائي لأنه تسربل بكسائه إلى إحرامه وهو مولى فارسي لبني أسد عاش (119ـ189) وقد أخذ القراءة عرضاً عن حمزة وابن أبي ليلى وغيرهم. وهو إمام معروف في العربية وقد تلقاها عن الخليل بن أحمد، وأخذ عنه القراءة حفص الدوري وخلف بن هشام وراوياه الليث والدوري.

الليث: وهو أبو الحارث البغدادي الليث بن خالد توفي (240)هـ.

الدوري: وهو حفص بن عمر راوي أبي عمرو البصري توفي (246هـ) وقد تقدمت ترجمته.

أما القراءات الثلاث التي أثبت ابن الجزري تواترها وضمها إلى السبع فهي:

8ـ قراءة أبي جعفر:

وتنسب إلى يزيد بن القعقاع المخزومي المدني توفي (130)هـ وقد أخذ القراءة عن الصحابة مباشرة: عبد الله بن عباس وأبي هريرة.

وراوياه: عيسى بن وردان وسليمان بن مسلم بن جماز.

ابن وردان: توفي (169هـ) وقرأ على أبي جعفر ونافع.

ابن جماز: توفي (170هـ) وقد قرأ أيضاً على أبي جعفر ونافع.

9ـ قراءة يعقوب الحضرومي:

وتنسب إلى يعقوب بن إسحاق بن زيد (117ـ205هـ) وقد كان مرجعاً في حجة القراءات وتصدر لرياسة الإقراء في البصرة وراوياه رويس وروح.

رويس: وهو محمد بن المتوكل توفي (238)هـ وقرأ على يعقوب عدة مرات.

روح: وهو روح بن عبد المؤمن البصري توفي (234هـ) وقرأ على يعقوب.

10ـ قراءة خلف:

وتنسب إلى خلف بن هشام البزاز البغدادي وهو رواية حمزة صاحب القراءة السادسة.

وراوياه إسحاق الوراق وإدريس الحداد.

إسحاق الوراق: رحل من مرو إلى بغداد فأخذ عن خلف وأقرأ في بغداد توفي (286هـ)

إدريس الحداد: (189ـ192هـ) وأخذ عن خلف وتصدر للإقراء في بغداد.

وكل ما سوى هذه القراءات العشر فهو قراءات شاذة تروى على أنها من كلام العرب ولا يجوز القراءة بها في الصلاة، وقد عرف منها أربع مدونة وهي قراءات، يحيى اليزيدي، وابن محيصن، والأعمش، والحسن البصري، وما سواها فهو غير مدون لا ضابط يضبه ولا داع لجمعه ولا لروايته.

وينبغي أن نشير إلى أن غالب منشأ هذه القراءات الشاذة هو تلك الملاحظات التي كان يدونها أصحاب المصاحف الخاصة كابن مسعود والحسن البصري على مصاحفهم على سبيل التفسير والإيضاح فيتناقلها الناس من بعده على أنها القرآن.

غير أن جهابذة الإقراء والرواية كانوا لذلك بالمرصاد وكشفوا عورها وخطلها، ولا يوجد اليوم أي مسلم يعتقد بثبوت أي من هذه القراءات.

وهكذا فإن القراءات مظهر ضبط لا مظهر اختلاط، وقضية توقيف من الله لا مسألة تلفيق من القراء، وأن أثرها كان بالغاً في الحفاظ على الفصيح من العربية واندثار الملحون والمدخول.

نسأل الله أن ينفعنا بذلك إنه نعم المعين.

انتشار القراءات اليوم:

أخذ كل إمام من أئمة القراءة ينشر ما اختاره من القراءة في بلده ويقرئ به خلال القرون الماضية ولم يجد الناس حرجاً في التحول من قراءة إلى قراءة طالما صحت القراءتان فقد تحولت بلاد الشام كلها من قراءة ابن عامر الشامي إلى قراءة أبي عمرو البصري في أول القرن السادس الهجري ثم تحولت كلها إلى قراءة عاصم برواية حفص قبل أقل من ثلاثة قرون.

أما القراءات اليوم فقد أصبحت اختصاصاً يسعى إليه العلماء في حين أن القراءة السائدة في معظم بلدان العالم الإسلامي اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص. وأنا أذكر لك بعون الله مواطن القراءة في العالم الإسلامي على الشكل التالي:

1ـ قراءة نافع: في ليبيا وبعض القطر التونسي رواية قالون.

2ـ قراءة نافع: برواية ورش في المغرب والجزائر وتونس ووسط أفريقيا.

3ـ قراءة أبي عمرو البصري: في جزء من السودان.

وهذا ما ذكره الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير.

4ـ وقد رأيت في اليمن من يقرأ على قراءة ابن عامر.

5ـ كما ذكر أستاذنا الشيخ محمد سكر أنه لقي فيها من يقرأ بقراءة ابن كثير.

6ـ وفيما سوى ذلك من البلاد فلا توجد إلا قراءة عاصم برواية حفص.

ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

1ـ قراءة نافع برواية قالون 0.7%

2ـ قراءة نافع برواية ورش 3%

3ـ قراءة أبي عمرو البصري 0.3%

4ـ قراءة ابن عامر الشامي 0.5%

5ـ قراءة ابن كثير المكي 0.5%

6ـ قراءة عاصم برواية حفص 95%

وهذا إحصاء تقديري بلا ريب.

وهكذا ـ فإنك ترى ـ كأن القراءات كانت رخصة من الله زماناً معيناً ثم يشاء الله أن يجتمع الناس على قراءة واحدة، وتبقى تلك القراءات الأخرى اختصاصاً يسعى إليه القراء وحدهم.

ولجمع القراءات طريقان مشهوران اليوم

الأول: طريق الشاطبية وهي منظومة من 1173 بيتاً من الشعر من البحر الطويل نظمها الشاطبي وذكر فيها القراءات السبع وأحكامها وفرشها ثم أكملها ابن الجزري بمنظومته (الدرة المضيئة) وذكر فيها القراءات الثلاث الأخرى تتمة العشر.

الثاني: طريق طيبة النشر وهي منظومة من 1012 بيتاً من الشعر من بحر الرجز نظمها ابن الجزري واستوعب فيها أحكام القراءات العشر أصولاً وفرشاً.

وغالب قراء البلاد الشامية جمعوا القراءات عن طريق الشاطبية ومنهم من جمع الطريقين معاً.

 

دور معاهد القرآن في سوريا*

 

س:  باعتبار أن لكم أياد بيضاء كمشتغلين في حقل تحفيظ القرآن الكريم وعلومه، نرجو اعطاءنا فكرة عن معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم.. من حيث استهدافاتها والدور الموكل إليها في تنشئة جيل مؤمن واعٍ لقضايا دينه ومتحصن بإسلامه.

ج ـ معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم ما هي إلا حلقة من سلسلة تاريخية متواصلة في خدمة القرآن الكريم في بلاد الشام، فبلاد الشام تاريخياً مركز من مراكز العلم الشرعي يقصده طلبة العلم من أنحاء العالم الإسلامي، ويمكن أن ندرك ذلك من خلال عشرات المدارس التاريخية التي لا زالت قائمة في دمشق، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك المدرسة العمرية في الصالحية ـ قرب جامع أبي النور ـ التي كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين قاعة تدريس للعوم العربية والإسلامية.

وقد انطلقت هذه المعاهد عام 1982 من جامع الزهراء بدمشق منطقة المزة ثم انتشرت في سائر المحافظات السورية وقد كتب الله لي شرف رئاسة لجنة الإشراف على هذه المعاهد وهي اللجنة التي أنيط بها تأسيس هذه المعاهد في المحافظات وتشجيع نشاط التعليم القرآني في سوريا، وقد أدت رسالتها خلال خمس سنوات أمكن فيها إرساء الأسس لعمل إسلامي متخصص في رعاية الناشئة وتربيتهم تربية سلوكية وعلمية رشيدة.

ولا شك أن هذه المعاهد تشكل رصيداً حيوياً في توجيه الصحوة الإسلامية توجيهاً يلتزم هدي القرآن الكريم الذي هو بلا ريب عمادة الوحدة الإسلامية.

س:  هناك صحوة إسلامية شملت الوطن العربي والعالم الإسلامي ترافقت مع متغيرات في بنية النظام الدولي ساهمت من حيث النتيجة في إعادة الاعتبار لدور الدين في المجتمع عموماً والدين الإسلامي بشكل خاص.. ما تعلقيكم على ذلك؟

ج ـ الصحوة الإسلامية إفراز طبيعي للاتجاهات التي مضى فيها العلمانيون بالشعوب الإسلامية، حيث قادوا شعوبهم إلى آمال موعودة، جاءت الأيام في ما بعد لتكشف أن تلك الوعود لم تكن غير سراب كاذب، وأن الإنسان لا يمكن أبداً أن يحل محل الله، وأن هذا العالم الإسلامي، لا يمكن أن يسلم قياده لتشريع غير إلهي.

في السنوات الأخيرة صدر كتاب (الفرصة السانحة) لريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق، وفيه يتحدث نيكسون عن تجربته الكبيرة في البيت الأبيض حيث تولى الرئاسة الأمريكية لمدة ست سنوات عبر فترتين رئاسيتين، وحين تكلم عن العالم الإسلام أشار بوضوح إلى أن أي تيار يقوم في العالم الإسلامي يهمِّش الدور الإسلامي والحكم محكوم بالفشل، وإن هذه الشعوب الإسلامية من نسيج آخر ولا يمكن أن تقتنع بمجدٍ آخر غير ذلك المجد الذي أقامه الإسلام حقيقة على أرض الواقع.

ومع أن دوافع كتابة هذا الكتاب ونشره معروفة، إذ هو موجه أصلاً إلى الجهاز الإداري في الحكومة الفيدرالية الأمريكية، ولكنه يكشف لك حقيقة واحدة يتجاهلها كثير من الذين يتولون شؤون العالم الإسلامي وهي أن أي منهج يستهدف قيادة العالم الإسلامي وهي أن أي منهج يستهدف قيادة العالم بدون رعاية الجانب الديني محكوم بالفشل.

س:  هناك من حاول وضع العروبة في وجه الإسلام، أو وضع الإسلام في مواجهة العروبة..  كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقة بين العروبيين والإسلاميين في الظروف الحرجة التي تمر بها المنطقة، خصوصاً وأن التحديات التي تواجه الأمة من أشرس التحديات التي واجهتها في العصر الحديث؟.

ج ـ من أخطر المزالق التي تنحرف فيها الحركات الإسلامية محاربة القومية، القومية التي ينبغي أن تكون رديفاً معاوناً للحركة الإسلامية، فليس كل ما هو قومي معادٍ للإسلام، وليس كل ما هو إسلامي عدوٍ للقومية. وإذا كان هذا الفصام بين القوميات المختلفة والإسلام له بعض المعاذير الناشئة من قصور الفهم فإن ما لا يمكن فهمه وتبريره هو ذلك الفصام بين العروبة والإسلام!!..

فالإسلام حقيقة هو مجد العرب والعرب هم لحمة الإسلام وسداه، فقد جاء الإسلام لخدمة لغة العرب ولسانهم وأعاد للعربية موقعها تحت الشمس، ولا يحتاج المؤرخ الموضوعي لمن يصف له واقع اللغة العربية قبل الإسلام، فقد كانت حبيسة الجزيرة العربية، ولم تكن لها أمّ تضبط قواعدها ومنطقها، فالشام كانت تتكلم لساناً رومياً وسريانياً، كما كانت لغة لبنان الغالبة فينيقية رومية، والعراق كان فارسياً، ومصر قبطية، أما المغرب العربي فقد كان يتكلم خليطاً بربرياً، وبدون القرآن الكريم وحركة الفتح الإسلامي، فإنه لم تكن للغة العربية أو للأمة العربية المركوزة من المجد في رقعة البلاد العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج.

ثم هذا التعاطف الهائل الموجود في العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط مع الثقافة العربية والقضايا العربية واللغة العربية، وهو تعاطف وتواصل لا يوجد له ما يشبهه في نشاط الشعوب في العالم، كيف يمكن تبريره وفهمه إذا حيَّدنا دور الإسلام من الثقافة العربية.

غاية الأمر.. إن علينا أن نحدّد ساحة النشاط التي ينبغي أن يتحرك فيها القوميون وموقعها من فلك الحركة الإسلامية التي ينبغي أن تفيد من نشاط القوميين في إقامة مصالح الناس وإلفتهم وتعاونهم.

س:  التعددية الدينية والمذهبية في مجتمعاتنا، كيف يمكن أن تكون عامل قوة وإغناء وتضامن انسجاماً مع جوهر الدين ومقاصده بدل أن تكون عامل فرقة وتنافر وتنازع؟

ج ـ التعددية الدينية والمذهبية حقيقة أشار إليها القرآن الكريم  في نصوص كثيرة: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}([110]) وهكذا فإن التعددية في مختلف جوانب الحياة مظهر من مظاهر الإرادة الإلهية التي قضت بتنوع الحياة وإغنائها وإعمارها على أساس التنافس الفطري، والإسلام لا يجد في هذا التعدد عقدة مربكة، إنه يسعى حقيقة لتوحيد الدين ضمن إطار التسليم لله عز وجل، وقد تم بالفعل تحقيق وحدة الأديان في الإطار الفكري على يد النبي r الذي جاء بالدين الخاتم والجامع والناسخ.

ولكن تحقيق هذه الوحدة الدينية على أرض الواقع لم يتم في أي مرحلة تاريخية، ذلك أن الوسائل التي منحها القرآن الكريم لرجال الدعوة لبلوغ هذا الهدف المنشود مقصورة على وسائل الحجج والإقناع والبرهان {لا إكراه في الدين}([111]) و{أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}([112]) وهكذا فإن المجتمع الإسلامي عبر التاريخ كان مجتمعاً تعددياً، تعايشت فيه الطوائف والديانات في ظروف مختلفة، فعلى  الرغم من الانتصارات الساحقة التي حققها النبي عليه الصلاة والسلام فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي، ومزارعه في فدك وتيماء في أيدي فلاحين يهود، ومضت الفتوح الإسلامية في اختراقها المذهل للعالم القديم بجانب كنائس النصارى ومعابد اليهود ومجامع الصابئة لم تهدم منها شيئاً، وسجلت الطوائف المسيحية واليهودية والصابئة مشاركة كبيرة في الحياة العامة وهي حقيقة تتلمسها ظاهرة كلما قرأت صفحة في أي كتاب تاريخي معتمد. وهكذا فإن التعددية الدينية كانت عبر التاريخ الإسلامي مظهر تسامح وتكامل، ولم تشكل عقدة مربكة إلا عندما كانت هذه الطوائف تحاول القفز فوق التاريخ والجغرافيا لإنشاء كانتونات طائفية ضمن جسد الأمة الواحدة.

إن في هذا الجزء من المنطقة (ما يسمى الهلال الخصيب) فسيفساء طائفية لا يمكن تجاهلها، وهو أمر لا يبدو ذا بال في مناطق أخرى من العالم الإسلامي كالجزيرة العربية مثلاً أو الجزائر أو باكستان وأفغانستان، وهذا يضع القيادات الإجتماعية وعلى رأسها القيادات الإسلامية أمام مسؤولية حقيقية لإنشاء صيغ من التعامل والتكامل مع الآخرين، تفيد من هذا التنوع وتستثمر اتجاهاته المختلفة من دون أن تفقد خصيصتها الباقية كأمة سعيدة رابحة بالتشريع الإسلامي الخاتم تبشر به وتدعو إليه في حدود الأطر المأذون بها شرعاً.

س:  كثير من الدول الإسلامية وحتى المنظمات والشخصيات الإسلامية لا تسلم من تهمة الإرهاب وكثيراً ما حاول أعداء الإسلام عبر إعلامهم استخدام كلمة الإرهاب كمرادف للمسلمين. كيف تنظرون إلى هذه التهمة وما وسائل الرد عليها.

ج ـ إن الحديث عن الإرهاب أصبح موضة العصر في مقاومة الحالة الإسلامية في كل مكان في العالم.

وأعتقد أنه لا فائدة من التحدث مع الغربيين في وجهة نظرنا طالما أننا لم نتفق بعد على تحديد معنى الإرهاب والتفريق بينه وبين النضال الوطني المشروع، وبغير ذلك فإن حوار الطرشان ماضٍ إلى غير فائدة في ظل غياب وضوح مصطلحي يتفق عليه الناس.

لقد طرح الرئيس الأسد قبل سنوات نداء لعقد مؤتمر عالمي بغرض تحديد معنى الإرهاب، حتى لا نتورط في اتهام سائر المناضلين في الأرض من أجل حريتهم وأوطانهم بتهمة الإرهاب.

س:  إخواننا في فلسطين المحتلة، وفي جنوب لبنان يقدمون نموذجاً رائعاً للعقيدة الجهادية.. تلك العقيدة التي تحرض المسلم على حب الاستشهاد وطلبه دفاعاً عن الأرض والعرض والحقوق. كيف تقيمون ذلك وخصوصاً وإنه بين فترة وأخرى يخرج إلينا بعض وعاظ السلاطين ممن يفتون في الصلح مع العدو الصهيوني؟

ج ـ الجهاد الحق هو ذلك الجهاد الموجه حقيقة ضد العدو الصهيوني، لأن هذا الكيان الغاشم يستجمع كل صفات العدو الإستراتيجي للإسلام والعروبة، وهي حقيقة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل، وغني عن القول إن الجهود العسكرية التي بذلت في العالم الإسلامي خلال نصف قرن كانت كفيلة أن تغير كل شيء لو وُجِّهت إلى وجهتها  الصحيحة.

ولكن الذي حصل أن السياسات العربية والإسلامية أشاعت روحاً من التخاذل واليأس، فالترسانة العسكرية التي أسسها العراق على سبيل المثال حاربت في كل اتجاه إلا اتجاه فلسطين مع أن الشعب العراقي قد دفع فاتورة هذه الترسانة من عرقه وجهده لغرض واحد وهو تحرير فلسطين، ونصرة ذلك الشعب الإسلامي المظلوم، ودرء أخطار الحلم التوراتي الذي قام على أساسه ذلك الكيان المشؤوم. إن النقطة المضيئة في العالم الإسلامي اليوم هي تلك العمليات الجهادية التي ينطلق فيها شباب الهدى في جهاد شريف يبعث بوارق الأمل في الواقع المحزن للأمة العربية والإسلامية.

 

تجديد الفكر الإسلامي ومشروعه عربياً

 

في آذار 1998 دعت جامعة دمشق نخبة من المفكرين العرب لإحياء الموسم الثقافي الخامس الذي جرت العادة أن يقوم على مدرجات جامعة دمشق.

وقد دعيت للحوار في هذا الملتقى مع الكاتب المصري خليل عبد الكريم، وفي الحقيقة فقد كان اللقاء حافلاً، وقد امتلأت سائر المدرجات قبل بدء اللقاء، حيث ظن كثيرون أنهم ماضون إلى نزاع إسلامي علماني (طوشة)، وأن كلا المتحاورين مهتم بإهانة خصمه، وهذا ما جعل جواً من التحفز والتربص يسيطر على المدرجات!..

ولكن الحوار جرى بأسلوب حضاري، وكان الاختلاف في الرأي واضحاً، ولكن احترام أدب الحوار كان حاضراً هو الآخر، وأضاء جوانب هامة من محنة التجديد في الإسلام.

وقد دعا التلفزيون العربي السوري إلى ندوة مماثلة، وقد جرت بالفعل، ولكن تم بث أجزاء محدودة منها بدافع ضيق الوقت.

والمقال الذي بين يديك هو النص الكامل الذي نشرته مجلة صدى الجامعة الصادرة في دمشق عقب انتهاء الحوار :

ولكن أحب قبل نشر الحوار أن أشير إلى نقطة لم تنشرها مجلة الجامعة ولم تأت في الندوة التلفزيونية من الأفكار التي طرحها السيد خليل عبد الكريم وهي مسألة الحجاب، حيث صرح بأن الحجاب إنما هو في الحقيقة عادة عربية قرر الإسلام الاحتفاظ بها لتمييز الإماء من الحرائر كما يظهر ذلك من حديث عمر مع دفار الجارية حين خفقها بالدرة لأنها كانت ترتدي الحجاب وقال لها: “يا دفار أتتشبهين بالحرائر”!..

والحق أنني أجد نفسي مختلفاً اختلافاً حاداً مع محاوري في هذه النقطة، ومع أن هذه المسألة تثير منذ أمد بعيد خلافاً فكرياً بين العلمانيين والفقهاء ولكنها تطرح بهذا الشكل لأول مرة.

لقد كنّا نختلف مع إخواننا العلمانيين في جدوى الحجاب، ولكن القدر الذي لم نختلف عليه أبداً هو أن هذا الحجاب إنما هو تضحية تقوم بها المرأة المسلمة للحفاظ على عفاف المجتمع، وبينما كنا نجد أن هذه التضحية مشروعة ومبررة كان إخواننا العلمانيون يرون أن هذا المقصد نفيس ونبيل ولكنه لا يتطلب هذه التضحية، ويمكن الحفاظ على العفاف من دون الالتزام بهيئة الحجاب، وإحياء الحجاب الداخلي بدلاً منه، على حد ما عبرت عنه الدكتورة نجاح محمد: “العفاف مسؤولية أخلاقية يتحمل كل من الرجل والمرأة واجب القيام بها فردياً دون أي تمييز بينهما، ودون أي اتكال لأحدهما على الآخر في أنه مسؤول عن غوايته، وهنا تبرز ضرورة الحجاب الداخلي والحجاب الأخلاقي ـ الضميري في نظامنا المعرفي القيمي، إنه الحجاب الذي عبر عنه الإسلام القرآني الكريم بقوله: {ولباس التقوى خير}، أي لباس وقاية النفس وصونها التي هي الهدف المحوري للطاعة الإلـهية هي الحجاب الحقيقي”.

“وهنا نرى أن نؤكد أنه ليس معقولاً أن نطلب من أصحاب المطاعم وبائعي الفاكهة والخبز والحلويات أن يغلقوا محلاتهم، أو أن يغطوها حتى لا تستثير معروضاتها غريزة الجوع عند المارين بها، حتى لو كانوا من الجائعين أو الصائمين، وإنما نطلب من هؤلاء جميعاً أن يربوا أنفسهم ذاتياً من خلال حجابهم الأخلاقي الضميري الداخلي أن لا تستثار شهيتهم فيما ليس لهم الحق فيه”([113])

ولكن هذه أول مرة أسمع فيها أن المرأة المسلمة ترتدي الحجاب بدافع من الأثرة والاستعلاء على الإماء، وأن غرض الشارع من الحجاب هو هذا المقصد الدنيء !..

ومع أن البحث عن حكمة التشريع ليس تقريراً في الواقع لعلة الحكم، وهو ما يعبر عنه علماء الأصول بالمئنة والمظنة، فالمئنة علة الحكم والمظنة حكمته، مع ذلك فإن محاوري فيما أعتقد أخطأ المظنة والمئنة جميعاً، ولم يتوفر عبر التاريخ الإسلامي أن أحداً قال: إن غايات الحجاب تقتصر عند حد هذا المقصد التمييزي، بل إني أرفض أصلاً أن يكون غرضاً من أغراض الحجاب أو غاية من غاياته، وما قصة دفار التي يستند إليها المحاور إلا حكاية حال([114])، لو صحت فإنها ليست مخولة بتقرير حكمة الشريعة في تقرير الحجاب، ولا تعني شيئاً أمام سيل النصوص المتضافرة التي تكشف أن تشريع الحجاب لم يكن إلا بغرض تحقيق العفاف الاجتماعي، وسد الذرائع أمام التفلت الأسري، وبناء العلاقات المحرمة.

ومع أني أميل إلى وجوب إصلاح مفاهيمنا عن الحجاب، وقد يكون حديث دفار هذا مرشداً في إصلاح نظام الحجاب والتخفيف من صرامته ومطلقيته، والاستفادة من التفاوت الشديد لآراء المذاهب في حدود العورة، وتقرير دور ظروف المرأة وسنها وصحتها وبيئتها في تقدير حدود ما تحتجب به على نهج ما أخبر به القرآن الكريم: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن}

ولكن المنطق الذي اختاره محاوري لإصلاح نظام الحجاب منطق غير معقول ولا مبرر، ويضع سائر الشريفات المحجبات في دائرة الريبة حيث يكون عناؤهن عبر التاريخ الإسلامي في خدمة قضية طبقية غير أخلاقية، يفترض أن الإسلام جاء أصلاً لمكافحتها ومحاربتها.

إن العفاف (الفضيلة الشرقية الكبيرة) هو في الواقع أكبر أسباب تماسك الأسرة، وهذا العفاف ـ كما يظهر لكل مراقب ـ موجود في العالم الإسلامي بنسب لا تقارن مع العالم الغربي، وهذه الظاهرة الواضحة يمكن أن نلتمسها في صور كثيرة من مقارنات الشرق بالغرب.

في الصيف الماضي كتب لي زيارة للبرازيل وكانت جمعية خيرية في سان باولو، تنشر إعلاناً عقب كل نشرة أخبار تدعو فيه الأجاويد فيه إلى التبرع لمواساة لقطاء سان باولو حيث ترعى هذه الجمعية وحدها اثنين وثمانين ألف لقيط في سان باولو !…

وأعتقد أن هذا الرقم جد مناسب لإجراء مقارنة مقاربة مع سوريا مثلاً، فسان باولو يبلغ تعداد سكانها سبعة عشر مليوناً وسوريا كذلك سبعة عشر مليوناً، وفي الإحصائيات الرسمية فإن دار اللقطاء الوحيدة  في سوريا تستقبل سنوياً من أربعين إلى خمسين حالة، فإذا اعتبرنا أن الحالات المكتومة تبلغ مثل ذلك أيضاً فإن الرقم يتضاعف إلى نحو ثمانين لقيطاً.

وهكذا فإن عملية حسابية بسيطة تكشف لك أن المجتمع الإسلامي لا زال أنظف من المجتمع الغربي من الناحية الأسرية بألف مرة على أقل تقدير.

هذا إذا لم نتعرض للمواليد غير الشرعيين، فهؤلاء يبلغون أرقاماً خيالية، ذلك أن القانون البرازيلي.. والقوانين الغربية عموماً تلزم أحد الأبوين إذا اعترف بالمولود بالإنفاق عليه جبراً ولا تسميه لقيطاً، ولا أملك هنا إحصائيات دقيقة عن أعداد هؤلاء في البرازيل، ولكن أذكر بالمشكلة التي أثارها الإعلام في العام الماضي حول واقع (الجرذان البشرية) وهم اللقطاء المهملون في أقبية المترو، حيث زاد عددهم في البرازيل عن 800ألف طفل، حيث طالب بعض النواب بمنح الشرطة سلطات استثنائية بإطلاق النار  عليهم ليريحوا ويستريحوا.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عدد المواليد غير الشرعيين دون سن البلوغ تسعة عشر مليون إنسان، وهذا الرقم يتزايد في كل عام بمعدل مليون مولود سفاحاً !..

إن هذه الأرقام لا تحتوي على أدنى مبالغة، والمشكلة أن المجتمع الغربي لا ينظر إلى هذه الأرقام بالسوداوية التي ننظر، سيما بعد أن اعترفت كثير من الكنائس بالشذوذ الجنسي، وطرحت في البرلمانات مسألة نكاح المحارم على أنها من حقوق الإنسان.

وهنا بودي أن أسأل قليلاً عن حقوق الإنسان التي اعتمدتها الأمم المتحدة في يوم مبارك في 10/12/1948، والتي تعتبر بحق مفخرة إنسانية رائعة، ولكن هل من الصواب أن نتصور أن هذه الحقوق نزلت وحياً مكتملاً بحيث يلزم إلحاقها بالنصوص المقدسة، أم أن منطق الحياة يقتضي أن تكون هذه الحقوق رؤية إنسانية تبحث عن اكتمالها من خلال التجربة والملاحظة والتطبيق؟..

أليس من حق الإنسان (أن يولد بين أبوين) أليس هذا حقاً مقدساً ينبغي أن تحفظه القوانين والنظم والإدارات الحكومية، وما الذي جناه هؤلاء الأطفال حتى يصطلح على تسميتهم بـ(الجرذان البشرية) وتطرح مسألة حقهم في الموت كبديل حضاري عن الحياة المزرية المنتظرة لهم !؟..

إن هناك من وجهة نظري تسعة عشر مليون جريمة اعتداء على حقوق الإنسان مورست في الولايات المتحدة وحده برعاية القانون الأمريكي، اشترك في ارتكابها ثمانية وثلاثون مليون جانٍ !…

وأرجوا من القراء الكرام أن يعذروني في إيراد هذه الإحصائية اضطراراً ذلك أنني لست متحمساً لرسم صورة سوداء للغرب، الذي يعتبر ـ من وجهة نظري ـ مثالاً يقتدى في الجوانب التكنولوجية والمعرفية والديمقراطية وبعض الجوانب الأخلاقية ، ولكن مسألة العفاف هذه هي محنته التي يعانيها حكماؤه، وهي الجانب الذي لا يزال الشرق في عافية من شروره إلى حد كبير.

إني لا أزعم أن الشرق يعيش حالة عفاف تامة، فالمسائل هنا نسبية ولكن لا مقارنة بما يجري هنا في الأقبية والظلام وغفلة الرقابة وبنسب محدودة ينظر إليها عادة بازدراء وريبة وسقوط مع ما يجري هناك في وضح النهار وبوسائل قانونية معتبرة، وأسواق مشهورة لهذه الأغراض، واعتبار مناهضة هذا السقوط عدواناً على حرية الأفراد.

والذي ينبغي أن نقرره هنا أن العفاف الذي نعيشه في الشرق ليس في الواقع إفرازاً بيولوجياً مرتبطاً بالنشوء والإرتقاء، وهذا ما لا يقوله أحد، إذ كلنا لآدم وآدم من تراب، ولا أظن أننا نختلف في أن منشأ هذا التفاوت حقيقة إنما هو التربية، والمفاهيم التي تحكم سلوك الناس، فبينما بقي التوجيه الديني هنا حاكماً في إطار الأسرة، فإن المجتمع الغربي تفلَّت من هذه الحاكمية واختار أن يمضي في نهمه وأهوائه إلى آخر مدى، فكانت هذه النتيجة الحتمية.

والحجاب في الحقيقة هو العمود الفقري لهذه التربية، وهو رمز واضح وحاسم لوجود محرمات صارمة لا ينبغي تجاوزها، وهي الفاصل بين مجتمع العفاف ومجتمع الهوى.

وإني آسف لأن خصوم الحجاب عادة ما يطرحونه بصيغة (الحرملك العثماني) أو (ملاءة الزم) على عجائز الريف، أو وفق الطرح الأفغاني الطالباني وكأنها هي المسألة التي نختلف عليها، ولا يطرحونه في صيغة الوزيرات والنائبات والأستاذات الجامعيات والمذيعات المحتشمات اللائي أصبحن اليوم ظاهرة نعتز بها، حين يصبح الحجاب هنا رمزاً لا غلاً، وحصاناً لا إساراً، ولا يحول دون مشاركة المرأة في الحياة العامة، وتقديم الخدمات التي تنفرد بها لخدمة الأسرة والوطن والناس.

وإن ما اختاره الفقه الإسلامي فرضاً أكدت عليه المسيحية استحباباً، فالراهبات يلتزمن الحجاب في صيغة جد صارمة، في إيماءة واضحة إلى استحباب هذا السلوك في التوجيه المسيحي، وإلى عهد قريب كانت المجتمعات المسيحية عموماً في الشام تلتزم الحجاب.

ويطيب لي أن أختتم هذا التوضيح بموقف طريف أثار تساؤلي حين كنت في فلوريدا صيف عام 1995، فقد التقاني شاب مغربي هو عضو في المنتخب الوطني لبلاده لكرة القدم ومعه فتاة أمريكية بالغة الجمال، تضع حجاباً أبيض على شعرها وتلبس زياً محتشماً، وحين سألتها: متى أسلمت ؟ قالت لي بلطف: إنني غير مسلمة !. قلت: ولكن حجابك لا ترتديه عادة إلا المسلمات ؟ قالت لي: نعم.. أنا أحب من دينكم هذا الحجاب، إنني أشعر بسعادة غامرة حين أضع هذا الحجاب، إنها الطريقة الوحيدة التي يفهم الناس هنا أنني عفيفة، وأفكر ببناء أسرة لا بقضاء نزوة !…

وختاماً فإني أحب أن أشير إلى أن الفقه الإسلامي حافل باختيارات الفقهاء التي تقدم صيغاً حضارية لحجاب المرأة المسلمة يحقق الحشمة ولا يفرض الرهق، وهو ما أتمنى أن نبعثه باجتهاد فقهي جديد.

وفيما يلي الحوار كما نشرته مجلة صدى الجامعة([115]):

 

 

ألقى الدكتور خليل عبد الكريم من مصر محاضرة بعنوان (تجديد الفكر الإسلامي ومشروعه عربياً) أوضح فيها بأنه منذ أكثر من قرن ونصف والبحث مستمر في مسألة تجديد الفكر الإسلامي، وما زلنا حتى الآن في نقطة البداية لأننا ندور في حلقة مفرغة والعلة في ذلك، حسبما يراها المحاضر أن الذين تناولوا (المسألة) تناولوها إما عن عدم انتباه من ناحيتهم وإما تجنباً وهذا يرجع لدوافع عديدة.

وأشار المحاضر إلى أن هذه الدوافع هي عدم مواجهة الحقائق والانطلاق في حدود ذات المضمار، فمنهم من يسير مهلاً ومنهم جنباً ومنهم تعداءً ولكن أبداً لم يحاول أو يجرؤ واحد منهم على كسر حواجز الجمود التي تكبل الفكر الإسلامي منذ قرون والذي من المستحيل تجديده دون الإقدام على ذلك.

وبين المحاضر بأن لنا في صاحب الشريعة محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي قدوة وأسوة إذ أنه عندما واجه كفار مكة بدعوته كان رد صناديد (قرية القداسة) أنها مخالفة لما كان عليه آباؤهم.

وأوضح بأن مفهوم الموافقة على هذا الرد أن محمداً خلق تقاليدهم الفكرية في دائرة العقيدة، وإذ أنه كان يتمتع بعبقرية فذة لم تتكرر بعده في بني يعرب بين يشجب، فقد أدرك أن ذلك الفكر أو تلك العقيدة لم تعد موائمة لموجبات العصر ولا متطلبات المجتمع ولا ظروف البيئة في كافة تجلياتها وأن الحاجة ماسة لفكر آخر وعقيدة تدعو إلى التوحد.

وقسم المفكر بحثه إلى شطرين الأول سماه (الروافع) وهي الآليات التي تساهم في عملية التجديد، والثاني أطلق عليه (الخوافض) وعنى بها العوائق والعقبات التي تقف حجر عثرة في طريق كل من يحاول التجديد.

بعد ذلك عقب الدكتور محمد حبش على محاضرة الدكتور خليل عبد الكريم بقوله: التجديد رسالة إسلامية شريفة، ألهمها المسلمون من البيان النبوي، ولم يكن البيان النبوي محض إرهاص تشوف إليه الرسول بقدر ما كان تجاوباً حقيقياً مع طبيعة الرسالة الإسلامية التي كانت تتحرك في الزمان والمكان عبر وسائل التطوير والتجديد التي تجلت في حياة النبي الكريم.

وبداهة فأنا لا أوافق على عبارة المحاضر الأستاذ خليل عبد الكريم التي استهل بها حديثه من أن كل ما جرى في إطار التجديد لا يعدو أن يكون (طق حنك) أو وفق عبارته الأخرى (مكانك راوح).

هناك نشاط كبير تحقق للاجتهاد والتجديد عبر التاريخ الإسلامي، وكانت الروح المتوثبة التي خلفها النبي الكريم في الأمة، تقود نشاطهم في التجديد، ولهذا فإن عمالقة التجديد الكبار هم أولئك الذين كانوا أقرب الناس إلى الرسول r كالخليفة الراشدي عمر بن الخطاب والإمام علي كرم الله وجه، ثم تتحدد مناهج التجديد على يد جيل آخر من كبار المجتهدين، وهم أبو حنيفة والشافعي ومالك، وإن المرء لا يملك إلا أن يأخذه العجب، وهو يطالع ما حرروه في تلك الحقبة المتقدمة من التاريخ الإسلامي، ويمكنك أن تدرك هذه الآفاق من خلال قراءة المصادر الشرعية التي جعلوها معيناً للأحكام، كالقياس والاستحسان والاستصلاح والعرف والذرائع، وهكذا فقد كانوا يتحركون في التشريع في آفاق جد واسعة، أمكنهم من خلالها أن يتخيروا للأمة أحكامها الشرعية لعدة قرون، ويسايروا الأحداث والوقائع.

لم يكن بالطبع منهج الفقهاء الكبار في الانفتاح والتجديد مقبولاً لدى المتشددين، وكان طبيعياً أن يتهموا بالمروق والزندقة، وبدأ الخلاف أولاً بين مدرستي الرأي والحديث، وتحددت ملامحه عند قيام المدرسة الظاهرية على يد داود بن علي وابن حزم، وبدا الصراع جلياً بين الفقهاء والظاهرية على وجه فصله ابن حزم في كتابه الاحكام في أصول الأحكام.

ولكن الخصومة التي اندلعت بين الظاهرية والفقهاء سرعان ما حسمت لمصلحة الفقهاء، وتجاوز الزمن الفكر الظاهري، وصار قطعة من الماضي، وذلك نتيجة حتمية لواقع الأمة الحضاري وتألقها وتطورها.

ولكن نكوص الأمة في القرون التالية أوقف عجلة الاجتهاد وأعاد الأمة إلى طريقة التفكير الظاهري، بل إن مواقف الفقهاء الأولى تحولت بدورها إلى نصوص متراكمة، وأصبح المسلم (رهين المحبسين) وتعطل بالتالي دور الفكر بمناهجه الأصيلة كمصدر لاستنباط الأحكام.

إن الواقع الذي تشهده الأمة اليوم هو في الحقيقة تكرار لما حصل في القرون الأولى من الصراع بين الفقه وظاهر النص، ولكن ما نخشاه هو انتصار المنهج الظاهري، وغياب رسالة الفقهاء في التجديد.

إن شعار (العودة إلى الكتاب والسنة) لا ينكره أحد، وهو ما تعلنه سائر الحركات الإسلامية شرقاً وغرباً، ولكن المطلوب هو إحياء دلالات هذا الشعار، بحيث لا تنطفئ المصادر الشرعية العظيمة الأخرى القائمة إلى جواره كالإجماع والقياس والاستحسان والمصالح والعرف، إنه لا حكم إلا لله، وهي كلمة حق، أريد بها باطل، وهذا الوصف الذي جزم به الإمام علي رضي الله عنه، لم يكن إلا رفضاً لتعطيل دور العقل، والأمة في التشريع.

وأجد من الضروري هنا أن أشير إلى أنني غير موافق على المنهج الانتقائي الذي تخيره الأستاذ خليل عبد الكريم ونظره إلى النصوص حيث جزم بعلة النصوص، ليقوم بأعمال القاعدة: (الحكم يدور مع علته وجوداً أو عدماً) وهي قاعدة اجتهادية مقررة، ولكن عندما نملك الجزم بعلة النص.

فالخمر مثلاً حرمت لإسكارها، وهذه العلة في التحريم محل اتفاق، فلو زال الإسكار من الخمر فتخلل لم يعد حراماً لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

ولكن أن نجزم بأن علة تربص المرأة في العدة هي استبراء الرحم دون سواه، وأن ذلك ممكن بالوسائل العلمية دون تربص ثلاثة قروء وبذلك توفر للمرأة فرصة الزواج السريع، فإن ذلك في الحقيقة تحكم غير مبرر، بل إن الشريعة قد تكون قصدت الى تجنيب المرأة هذا الزواج السريع (الكيدي) ومنحها فرصة أكبر من الفكر والاختيار حتى لا تقع ضحية رد الفعل، الانتقامي، وطالما أننا لم نقف على يقين بالجزم بعلة الحكم فلا سبيل إلى أعمال قاعدة: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً) والأمر نفسه في علل الأحكام التي ساقها في مسائل الحجاب والهجرة وسواها.

كما أعترض بشدة على تعبير الأستاذ خليل عن الفتوح الإسلامية، ذلك أن أعظم حدث شهدته هذه المنطقة في الحقيقة كان هذه الفتوح، فمن الجانب القومي: كنا هنا في الشام في محنة قومية وكانت لغتنا العربية قد أوشكت على الضياع بين اللهجات السريانية والآرامية وغيرها نتيجة مررو نحو ثلاثة عشر قرناً من الاستعمار الروماني والفارسي واليوناني، لذلك فإن مجيء الفاتحين كان تخليصاً للمنطقة من الاستعمار وإعادة للدور القومي العربي، ولولا الفتوح الإسلامية لم يكن لنا أصلاً أن نتحدث في هذه القاعة بهذه اللغة العربية الجميلة.

ومن الجانب الوطني: كان الفتح الإسلامي إيذاناً بانتهاء الاستعمار، وإعلاناً لقيام أول حكم وطني عربي في المنطقة، وانتهى حكم نسطاس بن نسطوس ولذريق وأمثالهما، وقد عرف الشعب العربي هنا هذه الحقيقة، ولا نحتاج للتدليل أن أكثر تسميات الناس في سورية هي خالد وسعد وأبو عبيدة، وهم في الحقيقة قادة الفتوح الإسلامية.

ومن الجانب الحضاري: تحولت المنطقة إلى مركز حضاري لأول مرة، بعد أن ظلت أكثر من ثلاثة عشر قرناً تابعة تسويقية رومية، ولم تتعد بلاد الشام هنا دورها الإقليمي ليصبح لها تأثير دولي إلا في ظلال الفتح الإسلامي.

وإن ما أوردته من أمثلة تتصل بفتوح الشام هو ذاته ما حصل في العراق ومصر العربية والشمال الإفريقي العربي، وإنني أخاطب رجال التجديد بأن لا يتنكر بعضهم لجهاد بعض، فالتجديد رسالة لا تنبثق وحياً في خاطر إنسان بل هي نتيجة تضافر الجهود وتكاملها، وإن أجدى التجديد هو ما يقوم به الزعماء الدينيون أنفسهم، كما فعل في الماضي أبو حنيفة ومالك والماوردي، وكما فعل في الحاضر جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهاوي ومحمد عبده ومالك بن بني وآخرون.

وأخيراً أتوجه بالشكر لجامعة دمشق ولرئيسها الدكتور عبد الغني ماء البارد وإلى كلية الآداب وعميدها الدكتور حامد خليل وسائر الإخوة أعضاء الهيئة التدريسية والباحثين الكرام الذين أغنوا هذه المحاضرة بعلمهم ومداخلاتهم القيمة. وشكراً.


آفاق التجديد*

 

س:  باعتباركم مختصاً بعلوم القرآن الكريم ـ من أين نتبع أهمية القرآن في حفظ شخصية الأمة الإسلامية وإنهاضها لتقوم بمهمتها الريادية من جديد؟

ج ـ لكل أمة أوابد تتعلق بها لتحفظ شخصيتها وخصوصيتها، وغني عن القول بأن أهم ما يحفظ للأمة الإسلامية والعربية خصوصيتها هو القرآن الكريم، ويمكنني الجزم بأن القرآن الكريم هو سبب وجود الأمة العربية وسبب احتفاظها بخصوصيتها.

وقد يبدو هذا الكلام مبالغاً فيه ومتناقضاً تاريخياً، و معارضاً لمقولة (إننا عرب قبل أن نكون مسلمين وإننا حافظنا على ذاتنا وكياننا منذ قرون) كما يقول ذلك القوميون، والحق أن في هذه المقولة مغالطة لأننا مسلمون قبل أن نكون عرباً، وإن كان يقصد بالوجود الوجود الزماني والمكاني فنحن وجدنا قبل الإسلام عرباً أفراداً وقبائل ولم نوجد بوصفنا أمة عربية، والتاريخ يشهد أنه يكن للعرب وللأرض الممتدة من المحيط إلى الخليج ما يدعو إلى أن تسمى أمة عربية وبلاد عربية وذلك أنه وبسبب توالي الاستعمار الروماني واليوناني والفارسي كانت الثقافة العربية والآمال العربية والوجود القومي غائباً بشكل شبه تام عن رقعة الوطن العربي ولم تكن اللغة العربية سائدة إلا في أرض الجزيرة.

أما في العراق فكانت اللغة الفارسية وكانت الشام ضائعة بين اللهجات السريانية والرومية والفينيقية، وفي مصر خليط من القبطية والرومانية وفي ليبيا والمغرب سادت البربرية والرومانية وحتى في الجزيرة العربية كانت اللغة العربية مهددة بالإنقراض.

وعلى هذا لم يكن في الحقيقة وجود لكيان عربي واضح ولم يكن هناك مرجع أم للغة العربية قبل وصول الفتح الإسلامي.

ولكن حين نزل القرآن تحولت تلك القضايا فجأة واتجهت إلى لغة قريش التي سادت وأعقب الفتوحات الإسلامية للبلاد العربية عودة للغة العربية في تلك البلاد، إذن نحن في الحقيقة لم نكن نعرف هويتنا قبل الإسلام.

فعلى صعيد اللغة إنما وجدنا خصوصيتنا اللغوية العربية بالقرآن الكريم وعلى صعيد أنماط الحياة المتحررة من العبودية والتبعية إنما وجدنا استقلاليتنا وشخصيتنا في ظلال القرآن أيضاً والفتوحات الإسلامية وبهذا كله يتضح أن القرآن الكريم هو العمود الفقري أيضاً لوجود الأمة العربية وحفظ لغتها وصياغة شخصيتها.

أما فضل القرآن في إنهاض الأمة: فإن الاسكندر المقدوني حقق فتوحات كبيرة وكذلك يوليوس قيصر ولكنهما لم يفعلا ذلك فجأة من فراغ، بل اعتمدا على كون الرومان (أمة) لها فلسفتها ولها حضارتها وحضورها إضافة إلى الجهود التي سبقتهما للفتوحات على يد الملوك قبلهما ـ أما العرب فإنهم فجأة صاروا أمة وصارت لها شخصيتها وفلسفتها الخاصة وكما قال رستم لربعي بن عامر (نحن لم نعرفكم إلا قوماً تأكلون الدم وتأتون الموبقات والآن فجأة صرتم تطالبون بحقوق العالم) وهذا الأمر (أعني نهوض العرب فجأة كأمة حضارة وفلسفة) حير المؤرخين الغربيين الذين لم يستطيعوا تفسير السبب في ذلك حتى قال بعضهم (حتى الآن لا يوجد تفسير تاريخي منطقي لما حصل في القرن السابع للميلاد) ونحن نعلم أن السبب في ذلك هو القرآن الكريم والإسلام الذي نهض بالعرب حتى صاروا أمة تسعى لقيادة العالم والانتصار له من مظالم الطغاة.

ولست أعني بالقرآن هنا مجرد الحروف والأوراق المطبوعة فلو كان الأمر كذلك فقط فعندنا الآن من الحفاظ يفوق عدد الحفاظ من الصحابة بعشرة آلاف ضعف، وعندنا من نسخ القرآن ما يفوق عدد النسخ التي كانت بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بأكثر من مليون ضعف ولكننا مع هذا في أسوأ العصور من ناحية إحياء هذا القرآن في الحياة والسلوك والعمل.

ليس هذا وحسب بل إن اللجنة التي تألفت لجمع القرآن ونسخه والقيام بأخطر مهمة في التاريخ لم تكن تتجاوز أربعة أفراد.

أما في زماننا هذا فإن عدد الذين يعملون في إطار نص القرآن (في عهد عثمان) وطباعته وترتيله يبلغ أرقاماً قياسية. فكيف تتعطل الأمة كلها من أجل مهام كان السلف الأول يرصد لها عدداً منطقياً ومعقولاً من الأفراد.

لقد كان أربعة أشخاص من الصحابة يشتغلون بتدوين القرآن في حين كان أربعة ملايين يشتغلون بالفتح والإعمار وإنشاء المستشفيات والمدارس ونحوها مما يخدم الحياة ومما هو مأخوذ من مقاصد القرآن الكريم.

إذن نحن لا نعاني من نقص في كوادر خدمة القرآن ولكننا نعاني من عدم في كوادر إحياء النص في السلوك والعمل وإنهاض الأمة.

لقد قام سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام ببناء السفينة بنفسه ولم تنزل عليه من السماء، وفي سورة الحديد امتن الله تعالى علينا بإنزال الحديد الذي هو عنصر الحياة في الصناعات العسكرية والصناعات المدنية.

فهل المطلوب منا هو أن نجعل كل الأمة علماء وخطباء أم نكتفي بطائفة تتخصص في ذلك وتنصرف بقية الأمة إلى دراسة العلوم النافعة في بناء حياة الأمة واستغنائها عن غيرها من الأمم فيما يتعلق بالصناعات وغيرها.

إذن ليس المقصود بقيادة القرآن للحياة هو البحث عن نسخ المصاحف المذهبة والمزركشة بل المقصود أن نبحث عن القرآن في الصدور وقلوب الناس ليقود عملهم وحياتهم لإنشاء مجتمع إسلامي قوي.

س:  لكم تجربة غنية في تعليم القرآن وتحفيظه فهل من أساليب جديدة قدمتموها في هذا الصدد؟

ج ـ كل مسلم مأمور بأن يأخذ من القرآن حظه شريطة ألا يكون هذا بحيث يطغى على العمل والبناء، وقد شرفني الله تعالى بخدمة هذا الجانب منذ الصغر، فقد أكرمني بحفظ القرآن صغيراً وأُجزت بقراءته وإقرائه من دوائر الإقراء السورية ثم قمت بتحفيظه لمجموعات من الشباب، وتشرفت بأن توليت الإشراف على معاهد لتحفيظ القرآن وتطويرها.. وقد تأسست إدارة مركزية عبر وزارة الأوقاف السورية لرعاية هذه المعاهد وانطلقنا من قفزة نوعية في طريقة تحفيظ القرآن فلم نكتف بالأساليب التقليدية وقد منّ عليّ الله عز وجل فأصدرت كتاباً اسمه (كيف تحفظ القرآن) وأظنه الآن في الطبعة 25 وهو منتشر بشكل مستمر وقد نبهت فيه إلى بعض الطرق المتميزة في تحفيظ القرآن الكريم والتي يمكن أن تساعد الناس على حفظه، وأيضاً انطلقنا لخدمة القرآن من الأوجه الحديثة للطباعة واستغلال تقدمها فحرصنا على وضع نموذج جديد لطباعة المصحف وفق الألوان المختلفة (بعد أن كان يطبع بلون واحد) وذلك ليساعد على التذكير بمواضع أحكام التجويد بحيث يمكنك من خلال قراءة هذا المصحف أن تتذكر كل أحكام التجويد فمثلاً وضعنا للممدود اللون الأحمر ووضعنا اللون الرمادي للحرف الذي لا يلفظ واللون الأخضر للغنة، وهذا كما صنع أجدادنا العلماء حينما لم يكن القرآن مشكولاً بحركات الإعراب فكان القارئ العادي يتساءل قبل القراءة هل هذه الكلمة مفعول به أم فاعل ثم يقرأ فوضعوا له علامات الإعراب لتسهيل الأمر عليه وكذلك نحن تسهيلاً لأحكام التجويد وضعنا الألوان بحيث لا يتساءل القارئ عن الحكم أثناء القراءة.

وفي الحقيقة لم أتوقع لهذا العمل الذي قمنا به كل هذا التأثير في الأوساط العامة في البلاد الإسلامية التي تلقته بالقبول والسرور، وقد أصدرناه أولاً كمصحف أصدرته دار المعرفة في دمشق، وثانياً أصدرناه بشكل شريط تسجيل، وقد آتاني الله صوتاً حسناً فقرأت القرآن كله بصوتي وسجل بالفيديو، ولأول مرة تصدر ختمة كاملة للقرآن عن طريق الفيديو وهي توزع الآن في العالم الإسلامي، وثالثاً أصدرناه على هيئة أقراص ليزرية بالكمبيوتر وهذه أول مرة أيضاً يصدر فيها المصحف ليزرياً ويعتمد الألوان عبر أقراص وأنا أقرأها بتلاوتي والحمد لله انتشر هذا اللون وقد اعتمدنا الكمبيوتر في ذلك، وشريط الكمبيوتر الآن فيه نوافذ لترجمة القرآن إلى اللغات الثمانية ونوافذ للتفسير وإعادة البحث والتحليل لأي كلمة في القرآن، ورابعاً أخرجنا هذا البرنامج في ثلاثمائة حلقة تلفزيونية وهو يبث يومياً الآن في تلفزيون البحرين والسعودية ودبي وقطر ومصر وبهذا يتبين مدى الاهتمام الذي لقيه عملنا ذلك.

هذا بالإضافة إلى أننا بالتعاون مع وزارة الأوقاف ومجمع أبو النور الإسلامي في سوريا نظمنا أنشطة لتشجيع حفظ القرآن الكريم منها رحلة للعمرة لكل حافظ مع التكريم والرعاية والحمد لله الأمور تسير نحو الأفضل والأحسن.

س:  تعليم القرآن اقتصر في الماضي على التحفيظ اللفظي ولم تكن هناك عناية كافية بمعانيه وربطه بواقع الحياة ـ كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

ج ـ هذا سؤال هام ولعلك لاحظت في كلامي السابق التأكيد على ضرورة الاهتمام بالمعنى، ولكن يجب أن يكون هذا ضمن عملية تربوية. ففي التعليم الشرعي عموماً هناك منهج هو استعمال الذاكرة، واستعمال الذاكرة في المناهج الحفظية منطق سديد جداً وقد كان العلماء سابقاً يعتمدون على حشو ذاكرة الطفل بالقرآن والمتون والمنظومات مما لو كانت أغنية تعلمها للغلام فالغلام عنده ذاكرة كبيرة ينبغي ملؤها قبل أن تتناقص تدريجياً لتتضخم القدرة على الفهم فإن الغلام ذا السنوات العشر في ذاكرته 90% للحفظ و10% للفهم ثم تتناقص الذاكرة ويزيد الفهم كلما مرت فترة زمنية من عمره إلى أن يصير في ذاكرته في سن الثلاثين 90% للفهم و10% للحفظ وقد فطن علماؤنا الأقدمون لهذا فلم يرهقوا الغلام بفهم دلالات المنظومات وإنما أمروه بحفظها فقط، فصرت تجد الغلام في سن 15 يحفظ القرآن، ومنظومة السيوطي، وغيره، ذلك بحيث يسارع إذا كبر إلى استحضار ما حفظه ووجده حاضراً على لسانه إذا أراد الكلام وهذا معروف عنهم الآن ومعروف تميز علماء المسلمين بهذه الطريقة في ميدان تخريج طالب العلم. وهذه الطريقة في تحفيظ القرآن والعلوم الإسلامية طريقة علمية جداً وأنا أعجب لإهمال المناهج الحديثة لهذا المنهج مع كونه هاماً جداً في إنشاء طالب العلم القوي، لكنني هنا أعيد التأكيد على ضرورة تفهيم الطالب للنصوص المحفوظة وإنه لا يجوز الاقتصار على التحفيظ وهذا مع التأكيد على استغلال ذاكرة الطفل.

س:  هل تحبون إضافة شيء آخر في موضوع تجربتكم في تعليم القرآن وتحفيظه قبل الانتقال إلى مواضيع أخرى؟

ج ـ أودُّ التنبيه على أن لمعاهد تحفيظ القرآن دور تربوي هام جداً إضافة إلى دورها في التحفيظ، وهذا الدور التربوي ينبغي ألا يغفله القائمون على تلك المعاهد وذلك أن التحفيظ وسيلة إلى غاية جوهرية جداً هي بناء شخصية المسلم وهذه الوسيلة لها أثر بالغ في ذلك وأثرها ملحوظ على الناشئة.

س:  قضية الناسخ والمنسوخ من القضايا التي شغلت الباحثين في الآونة الأخيرة وهناك من يرفض القول بوقوع النسخ في القرآن فما موقفكم من هذا؟

ج ـ سائر أهل السنة والجماعة متفقون على وقوع النسخ في القرآن الكريم وأنكر ذلك من أهل السنة أبو مسلم الأصفهاني ولكن لا يعتد برأيه في مقابلة كبار علماء الإسلام.

وتعالوا بنا نتوجه إلى أولئك الغيورين على الإسلام والذين يرون في الناسخ والمنسوخ كارثة فما معنى أن يتغير حكم برغبة بعض الصحابة؟!. وأنا أقول لهؤلاء: الناسخ والمنسوخ من أعظم الأدلة على خصيصة المرونة في هذا الدين مما يستلزم خلوده وبقاءه. فأما من الجانب العقدي: فليس في النسخ تغير لحال المخلوقين. وليس النسخ أمراً بدا لله عز وجل وإنما هو أمر ابداه الله عز وجل وليس أمراً ظهر لله بل أمر أظهره الله فهو عند الله قديم ولكنه تعالى أراد أن يطلع المسلمون على حكمه الأول بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة في مكة وأراد أن يطلعوا أيضاً على حكمه الثاني بالتوجه إلى الكعبة في الصلاة في المدينة.

وإن من أعظم مواقف الرأي في الإسلام وحرية الرأي في الإسلام مواقف علماء تاريخ التشريع الإسلامي في إثبات ظاهرة النسخ، فنحن هنا أمام نصوص تنزل من السماء من أعلى سلطة تشريعية من الله تعالى، ومع هذا تعلم المسلم في عهد رسول الله عليه السلام أن يناقش حتى في الآيات والأوامر القرآنية فينزل القرآن الكريم لتعديلها، هذا أمر عظيم جداً فيما يبدو ولكنه في الحقيقة يحملنا على احترام هذه الطريقة في التشريع الإسلامي، احترام الرأي بل إن علم أسباب النزول كله أنا أسميه علم الرأي، واحترام الرأي في الإسلام حيث كانت الآية تنزل فيقول الصحابي: يا رسول الله، الله أعدل من ذلك. وهكذا يبين الصحابي موقفه أمام الله. هذه روعة الناسخ والمنسوخ في الإسلام. جاءت الآية: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاء الصحابي الأعمى ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، الله أعدل منها أي أنا لا أتصور أن يقول الله ذلك بإطلاق ـ طيب وأنا مالي ـ أنا أعمى، ولو كنت بصيراً لقاتلت. فينزل الوحي بهذه الآية: {ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج} وهذا المعنى يجب ألا نخجل منه لأنه لا يستلزم فساداً من الناحية العقدية  فقد أراد الله تعالى أن يشرك الإنسان في التشريع بإبدائه الرأي في ذلك التشريع ولقد تكرر هذا مراراً فمثلاً عندما فرض الله الصلاة خمسين صلاة في  اليوم والليلة كان يعلم أن الخمسين كثيرة على الناس ولكنه تعالى أراد أن يراجعه الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك وأن يستشير إخوانه من الأنبياء ليعلمنا حرية الرأي، وفعلاً عندما صارت عند النبي عليه السلام قناعة بأن الخمسين كثيرة قال رأيه أمام الله وسأله تعالى التخفيف فينسخ الحكم من الخمسين إلى الصلوات الخمس، وهذا الحديث هو في صحيح البخاري ومع هذا حاول بعض الناس أن يطمسوه، وقالوا: إنه لا يعقل أن الله يناقش ويحاور، ولكنهم غفلوا عن الحكمة التي أشرنا إليها من ذلك، أن الناسخ والمنسوخ هو صورة روح الشريعة وتطورها ومرونتها.

ولكنني أود التنبيه هنا إلى أن بعض العلماء أفرطوا في الناسخ والمنسوخ فزعموا مثلاً أن آية السيف نسخت سبعين آية وفي الحقيقة وعند التمحيص نجد أن المنسوخ لم يتجاوز إحدى وعشرين آية كما حققه السيوطي، أو ست آيات كما حققه حجة الله البهلوي في كتابه (زاد المسير في علم التفسير) وعلى هذا نقول إن نسبة المنسوخ ضئيلة ولكننا لا نقول هذا لطمس حقيقة وقوع النسخ بل إننا نعتبر النسخ نقطة مضيئة في تاريخ التشريع الإسلامي، وهو من أعظم الأدلة على مرونة الشريعة وتطورها ومسايرتها للحوادث، ووقوعه في التشريع الإسلامي لا يستلزم إحراجاً لرجل تعامل حتى مع تشريع الله عز وجل بالنظر والتمحيص والمناقشة.

س:  نعيش الآن في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب والأفكار؟ بنظركم كيف تعامل القرآن الكريم مع التعدد الديني والفكري؟

ج ـ لا شك أن الرسول r بعث في أمة فيها طوائف متعددة ولسوء الحظ كانت بعض هذه الطوائف غير أصلية وهم اليهود فلم يكونوا طائفة من أهل تلك البلاد وإنما كانوا مستعمرين وامبرياليين بالمعنى الحديث، وكنت أتمنى لو كان منهم طائفة كما وصفها الله تعالى بقوله {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله وهم يسجدون} لكنهم كانوا غير ذلك وكانت هناك أيضاً طائفة نصرانية موجودة في الجزيرة العربية، وهؤلاء وجدوا في المجتمع الإسلامي ظلاً قوياً وتمكنوا بذلك من حفظ ذواتهم وحقوقهم في المجتمع الإسلامي، وفي كنائس هؤلاء الآن خزائن يحتفظون فيها إلى الآن ـ بوثائق إسلامية فمثلاً في كنيسة نجران وثيقة كتبها لهم النبي عليه الصلاة والسلام في الحفاظ على كنائسهم وأساقفتهم، وأقر الإسلام وجودهم ودعاهم إلى الحوار، وعندما رفضوا الدخول في الإسلام لم يفتح الإسلام معهم حرباً وبقوا في المجتمع الإسلامي.

وكدلالة على ذلك توفي عليه السلام ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير، وقد شكك بعض العلماء في هذا الحديث وقالوا: لا يعقل أن النبي عليه السلام يقترض من يهودي وعنده صحابة يقرضونه ما شاء، وصاع من شعير لا يعجز أحداً منهم خصوصاً بعد فتح مكة وخيبر وغنائم حنين فما الذي يدفع الرسول عليه السلام إلى أن يقترض من يهودي؟!

وفي رأيي أن هذا الحديث صحيح وهو في البخاري ولا مبرر للشك فيه وهو يتضمن دلالتين: الأولى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يرضى الاقتراض من أصحابه لأنهم إذا أقرضوه لم يطالبوه، ولم يكن أحدهم ليطالبه برد ما اقترضه، والدلالة الثانية أنه عليه الصلاة والسلام أراد التأكيد على إمكانية التعايش في المجتمع الإسلامي بين المسلمين والطوائف الأخرى، فإن قيل: ولكنه عليه السلام أجلى يهود بني قنيقاع وبني النضير وقريظة فكيف يدل هذا على التعايش؟ وهنا نقول: إنما أجلاهم لأنهم كانوا دولاً داخل الدولة، وكانوا كيانات تنشئ علاقات مع أعداء الدولة الإسلامية ولم يكونوا مجرد أفراد من أهل الكتاب حتى إذا صاروا كذلك (أعني مجرد أفراد من أهل الكتاب اعترف بهم الإسلام ويقبض رسول الإسلام عليه  السلام ودرعه مرهونة عند فرد يهودي منهم بصاع من شعير، وأولئك اليهود المحاربين الذين كانوا دولاً وكيانات في الدولة الإسلامية هم الذين قال الله تعالى عنهم: {ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} وأنا أرى أن سورة آل عمران وهي ثاني سور القرآن تتحدث كلها عن إمكانية الحوار مع النصارى.

وهنا أحب أن أقول لشباب الصحوة الإسلامية إنه علينا أن نبحث في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه المواقف المضيئة وبخاصة أننا نعيش هنا في سوريا والأردن وفلسطين ولبنان بين طوائف غير مسلمة بخلاف الحال في شمال إفريقيا والجزيرة العربية وما لم نبحث في سيرة النبي عليه السلام عن هذه النقاط المضيئة في التعامل مع أفراد أهل الكتاب فإننا سنتحمل وزر الحروب الطائفية التي تجري في لبنان وغيره.

س:  ساد في الأوساط الإسلامية مؤخراً مصطلح وحدة الأديان والدعوة إليه ما هي وحدة الأديان المقبولة لديكم على ضوء فهمكم للقرآن الكريم؟.

ج ـ وحدة الأديان تطلق ويراد بها معنيان: الأول خلط الأديان جميعاً واستخراج دين واحد منها، والثاني وحدة الأديان في أصولها ومنابعها.

فأما المعنى الأول وهو خلط الأديان لاستخراج دين واحد فهذا قد حصل فعلاً عدة مرات في التاريخ كالأوزبكية في الماضي والبهائية في الحاضر ولكن هذا كان دائماً ينتج ديناً جديداً بحيث نعود إلى نفس الأمر. أديان متعددة زادت ديناً جديداً هو خليط منها وهذا بالتأكيد عبث يتنزه عنه العقلاء، وهو نوع من أنواع التفكير الأحادي الذي يلجئ الناس إلى رأي واحد وهو أيضاً توجه معاد للأديان جميعاً فلا أحد يقبل التخلي عن عقيدته وتراثه الديني إلى ما يستجد من هذه المعاني.

أما المعنى الثاني وهو وحدة الأديان في أصولها فهذا صحيح، وقد قام به الرسول r فعلاً وحققه على الأرض فهو عليه السلام قد بعث بدين مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ولم يأت ليبطلها بل ليبطل التحريف فيها وأتى الرسول عليه السلام بدين خاتم ودعا الناس جميعاً إلى العودة إلى منابع الأديان السماوية وأصولها الصحيحة لأننا إذا عدنا إلى ذلك فلن نختلف وذلك لاتفاقنا على أصول العقيدة التي لا تختلف من دين سماوي إلى آخر قبل تحريفها.

وإن مما يميز الإسلام عن الأديان الأخرى أنه يؤمن بجميع الأنبياء والرسل من قبله في حين لا يؤمن اليهود إلا بموسى ومن قبله ويكفرون بمن بعده، ولا يؤمن النصارى إلا بعيسى ومن قبله ويكفرون بمن بعده، وكلهم يدعي أن دينه هو الحق. ولا يوجد دين الآن في الأرض يؤمن بجميع الأنبياء إلا الإسلام وهذا لا ينازع فيه أحد ولا حتى الملاحدة، وعلى هذا لا يوجد دين يقبل الاعتراف بكل الأديان إلا الإسلام وعلى هذا أيضاً لا يوجد دين يستوعب كل الأديان إلا الإسلام، فالمسيحية التقليدية لا يمكن أن تستوعب كل الأديان لأنها تنكر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، واليهودية لا يمكن أن تستوعب كل الأديان لأنها تكفر بعيسى ومحمد عليهما السلام، ولهذا كان الإسلام هو الدين الذي ينبغي أن يجتمع الناس عليه ولهذا أيضاً كان هو الدين الخاتم. إذن نحن المسلمين الوحيدون المؤهلون للحديث عن وحدة الأديان وتماماً على الطريقة التي جاء بها النبي عليه السلام حينما دعا هؤلاء جميعاً إلى خطوط عامة {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً}

ولا يضيرنا بعد ذلك أننا  ننكر الأنبياء الذين يأتون بعد رسول الله محمد r لأنه لم يبعث نبي بعده ولا عبرة بالدجالين الذين ادعوا النبوة بعده واقتصرت فتنتهم على أفراد محدودين، فهم لم يبلغوا أن يكونوا ديناً كالأديان الكبرى الموجودة في العالم الآن وهم في انحسار مستمر.

س:  كلمة أخيرة توجهونها إلى شباب العالم الإسلامي عن القرآن الكريم.

ج ـ أقول إننا نتحمس كثيراً للحديث عن الاقتصاد الإسلامي والشورى في الإسلام والصناعة والتجارة في الإسلام وغير ذلك، وأنا أقول إن هذا الكلام جميل ومبارك ولكنني أصارح شباب الصحوة بأن العالم الغربي والشرقي عموماً وحتى بلادنا (وأقول هذا بجرأة) إنهم لا ينتظرون منا حلاً اقتصادياً.. نعم، واقعنا الاقتصادي منهار وعندنا له حلول اقتصادية من أعماق الفقه الإسلامي ولكن العالم قد اختار نظماً اقتصادية لا يفكر بتغييرها ولا يبحث عن بديل لها، وكذلك النظم الإدارية والسياسية وعلى هذا فالبديل الذي نحمله نحن المسلمين والذي يبحثون عنه هو البديل الإيماني والروحي، هذا العالم بلغ في الجانب التكنولوجي كل ما يريد وليس لدينا ما نقدمه له في هذا الجانب ولكننا يمكن أن نقدم له الكثير من الجانب الإيماني والروحي، فنحن لم نكتشف أضرار الخمر بل هم اكتشفوها ووضعوا الكتب والدراسات والأبحاث في مضارها، وكذلك هم الذين اكتشفوا مضار الزنا والأمراض الجنسية ووضعوا فيها الدراسات والأبحاث أيضاً، ولكن ماذا كانت النتيجة؟!. إنهم بكل بساطة لم يمتنعوا عنها! بينما نحن في الإسلام كان الرسول r يبني فينا الإيمان أولاً ثم تجيء النصوص القرآنية بالأمر والنهي فيستجيب المجتمع المسلم كله طائعاً راضياً لأنه أوتي الإيمان بالنص قبل النص.

وقد امتلأ الغرب بأولاد الزنا واللقطاء وامتلأ بالخمر ومضارها في حين أن المجتمع الإسلامي نظيف جداً بالنسبة إلى الغرب وأنظف بألف مرة بالأرقام، وهذا الشيء يحسدنا عليه الغربيون وقد تمكن الإيمان من ضبط حياتنا على أسس حققنا فيها الفضيلة ولو بمستويات متفاوتة بين بلد إسلامي وآخر.

فهذه ملكة السويد تقول في مؤتمر للحديث عن جرائم الأطفال: (إن هذا النوع من الجرائم غير موجود اطلاقاً في العالم الإسلامي)

وهذا الأمير تشارلز يقول في كلمة ألقاها في إحدى المناسبات: (إن الناس جميعاً الآن يتعلمون اللغة الإنكليزية وأنا أنصح بريطانيا والدول المتطورة أن تتعلم القرآن الكريم وأن نتعلم بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا)

وهذا الكلام ليس كلاماً عابراً لأمير ويلز الذي هو في الوقت نفسه رأس الكنيسة الأنكليكانية بل هو كلام يؤكده دائماً وفي كلمة أخرى يقول: (نحتاج هنا في بريطانيا أن نتعلم بقلوبنا كما يتعلم المسلمون بقلوبهم، هذا التعلم الذي جعلهم يحققون مجتمعاً نظيفاً، إني أقول الآن أن العالم الإسلامي هو أنظف بقعة في العالم من الخمور، وهو أنظف بقعة في العالم من الزنا)

وأنا أنصح شباب الصحوة أن ينتبهوا إلى هذا المعنى، إن الناس يبحثون عن شيء ينقذهم من الضياع، وهذا الشيء موجود عندنا، وحينما نتكلم عن المجتمع الإسلامي الآن فإننا نتكلم عن مجتمع يعيش على بقايا الإسلام ورائحته، ومع هذا فإن هذه البقية منه جعلتنا الآن أنظف بقعة في الأرض من الخمر والفحشاء فكيف إذا رجعنا إلى الإسلام كله وإلى جوهره؟!.


الإسلام رسالة تحرر وبناء *

 

أتاحت لي جامعة طهران أن ألقي كلمة على مدرج كلية تربية المدرسين وذلك على هامش احتفالات إيران بالذكرى الخامسة لوفاة الإمام الخميني في حزيران عام 1994 .

وقد اخترت أن تكون كلمتي في إطار الحديث عن دور رجال الدعوة في النباء والإعمار، وعلاقة التكامل ما بين رسالة الثورة ورسالة الدولة في التوجيه القرآني.

كما ألقيت هذه الكلمة أيضاً في جامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم، خلال مؤتمر حوار الديانات الذي انعقد في الخرطوم 1994 وشاركت فيه ممثلاً عن سوريا.

آمل أن تكون هذه الرسالة قد أدت دورها باتجاه إحياء رسالة المجتمع المدني في الحياة العامة عقب قيام الثورات الإسلامية، وأن يهتم رجال الثورة بالإعمار المطلوب لإقامة مجتمع إسلامي قوي حضاري متماسك، وفيما يلي نص الكلمة:


 

بسم الله الرحمن الرحيم.. يطيب لي أن أتحدث إليكم هنا في جامعة الإمام الصادق، وهي قلعة من قلاع الإسلام الحصينة، بعد مضي خمسة عشر عاماً على ثورة الإمام الخميني التي تكللت بالمجد، وغيرت الموقف العالمي من الإسلام.

حين قدمت في المرة الأولى إلى إيران عام 1982 كانت إيران تعيش أفراح الثورة وظروفها، وفي كل صباح كانت على موعد جديد من مكائد المستكبرين الذين كانوا لا يفتأون يكيدون لإيران الإسلام من أجل استعادة مكاسبهم الحرام التي أوقفتها ثورة العدل والحرية.

ومن أجل ذلك فقد قدمت إيران قوافل من الشهداء على درب الحسين، وحين جبلوا بدمائهم الزكية أرض إيران، كانوا يعلمون أنهم يؤدون بذلك ضريبة الحق التي لا بد منها لكل أمة تختار الله وتحارب الطاغوت، تماماً كما فعل الجيل الأول من أصحاب النبي r:

يا سيد الرسل طب نفساً بطائفة باعوا إلى الله أرواحاً وأبداناً
أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم والناس تزعم نصر الدين مجاناً
أعطوا ضريبتهم صبراً على محن صاغت بلالاً وعماراً وسلماناً

واليوم.. وبعد خمسة عشر عاماً على نجاح الثورة، فإن حقائق جديدة تفرض نفسها على العالم الإسلامي، وتستوجب على رجال الثورة في إيران أن يقرؤوا الواقع قراءة أخرى، ويبنوا مواقفهم وفق ما استجد على الأرض من حقائق، وهذا ما أخصص له حديثي هنا، والذي أرجو أن يكون دقيقاً ومفيداً.

ينبغي أن يكون واضحاً أن أي ثورة إسلامية في الأرض يجب أن تكون محكومة بواقع الزمان والمكان والظروف المتغيرة، وهكذا فما تتطلبه الثورة يختلف عما تتطلبه الدولة، وهذه الحقيقة التي هي اليوم مسلَّمة سياسية هي في الواقع حقيقة قرآنية نبه إليها التنزيل في أوضح خطاب من خلال سيرة نبيين كريمين هما داود وسليمان.

فقد كان الأول رجل الثورة، وأتى القرآن الكريم على ذكر جهاد داود وإعمار سليمان، فوصف داود بقوله: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون}([116])

وأخبر عن تفوقه في الصناعة العسكرية الحربية بقوله: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب، وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}([117]). وفي آية آخرى: {ولقد آتينا داود منا فضلاً، يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد، أن اعمل سابغات وقدِّر في السَّردِ واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير}([118])

وظاهر هذه النصوص التي قدمناها أن داود إنما كان منصرفاً إلى العناية بالصناعة الحربية، وإعداد الجيوش، وصناعة الدروع (السابغات) والتقدير في السر، وكلها من لوازم الثورة التي كان داود عليه السلام يوقد جذوتها، ويقود جماهيرها.

حتى إذا تم النصر لداود، وأنجز الله له ما وعده من الفلاح والنصر، وأسلم الراية من بعده لولده سليمان، أخبر سبحانه أن لسليمان رسالة مختلفة، فقد تحقق انتصار الثورة على يد داود، وسليمان الآن رجل الدولة، وينبغي أن يكون جهاده في سبيل آخر، وهو العمران والبناء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله:

{ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير* يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور}([119])

الآية ليست بحاجة إلى مزيد بيان، فالفارق جلي بين اهتمام كل من النبيين العظيمين، فصناعة الثورة: صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ـ سابغات وسرد ـ سيوف ودروع.

وصناعة الدولة: محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، والفرق جلي واضح، داود حقق الثورة، وسليمان عمر الدولة، وكل منهما كان معلماً رائداً فيما تحتاجه المرحلة.

فالثورة تحتاج إلى الصناعة الحربية وهذا ما حققه رجل الثورة داود، أما رجل الدولة سليمان فهو الذي جاءء من بعد، يستأنف ما أنجزته الثورة، ويقود حركة الإعمار والبناء، وهو ما عبرت عنه الآيات التي شرحت نشاط نبي الله سليمان: يعملون له ما يشاء من محاريب، وهي زخرفة عمرانية، وتماثيل وهي الأوابد الفنية التي كانوا يخلدون بها مجد أوائلهم، والجفان: جمع جفنة وهي قدر الطعام الذي يطبخ به، والجواب: جمع جابية وهي حوض الماء الذي يركم للسقاية، وهكذا فإن الآية تصف حال الرفاهية التي وصل إليها المجتمع المدني أيام سليمان، إذ لا تكون هذه الموائد العظيمة إلا في مجتمعات آمنة مستقرة.

أيها الأخوة: لقد أصبح الأمر واضحاً، فالمثال الذي اخترناه من التنزيل العزيز يوضح الأمر كله، والمطلوب أن يتم التمييز بين مرحلة الثورة ومرحلة الدولة، في بناء المجتمع الإسلامي في إيران.

إن مؤسسات كثيرة تكون ضرورية إبان الثورة، بحيث لا يطمئن لنجاح الثورة بدون هذه المؤسسات، ولكن هذه المؤسسات تصبح ـ حينما تستقر الدولة ـ عبئاً على الناس، يأكل بعضها بعضاً، إذ لا محل في الديالكتيك السياسي لهامش سكوني، ولا بد أن توظف تلك الطاقات المتحمسة في إطار نافع لتعود اعتبارات المجتمع المدني إلى موقعها الطبيعي في قيادة الحياة.

إن هذه المسلَّمة البدهية لا تزال غائبة ـ على الأقل في الإطار العملي ـ بحيث نمضي في الإطار الذي رسمه لنا مقدَّمونا دون تعديل، بدافع الحفاظ على روح الثورة، وكأننا لم نفقه دلالات الشريعة التي كانت تتحرك في إطار الزمان والمكان، والتي خلدت مبدأ التدرج في الأحكام، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، ثم بعد ذلك كله مبدأ الناسخ والمنسوخ.

فإذا صح على مستوى التشريع الإلهي ـ مبدأ نسخ الآخر للأول، فكيف لا يصح هذا على مستوى التطبيق البشري !..

إن كثيراً من المؤسسات الثورية تستهلك من شباب الأمة ومواردها طاقات كثيرة كانت مبررة في مرحلة ما، ثم أصبحت اليوم بعد استقرار الثورة عبئاً يرهق كواهل الأمة، كبئر معطلة وقصر مشيد.

وهنا ينبغي أن نقرر أن العمائم التي قادت كفاح الناس في الثورة، مدعوة أن تقود نضالهم في الإعمار والبناء، بحيث تحقق تفوق المجتمع الإسلامي في البناء الحضاري.

لقد وصل النبي r إلى المدينة، وأعلن قيام أول دولة إسلامية في الأرض، ولكنه لم يقف عند حدود إعلان شعار الولاء لله، والبراءة من الطاغوت، بل كان لديه مشروع حقيقي لبناء المدينة عمرانياً واجتماعياً بحيث تصبح النموذج الذي يحتذى في سائر البلاد، في الخصب والخير والأمن والإعمار.

على سبيل المثال.. في المجال الزراعي أمر بحفر الآبار في المدينة، هكذا خلال شهور قليلة تم حفر أربعة وخمسين بئراً في المدينة بإشراف طلحة بن عبيد الله ولأول مرة أصبحت المدينة تروى بالقنوات بعد أن كانت تروى بالنضح من قبل، وتحول أرض المدينة إلى بقعة خضراء يجتنى منها أطيب التمر، بعد أن وزعت الأيدي العاملة من المهاجرين على بساتين المدينة، كما دعا إلى إحياء الأرض الموات بقوله r : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق» فدفع الناس إلى زراعة الأراضي ووعدهم بتملكها، فالأرض لمن يعمل بها، ولم تعد خطوة آبائية يحابى بها كسول خامل.

وفي مجال الإنارة فقد عهد r إلى تميم بن أوس الداري وهو الذي نوَّر المسجد الشريف، عهد إليه بتنوير عوالي المدينة بالسرج، وأمده بمجموعة من فتيان الصحابة، وخلال شهور أصبحت المدينة كأنها قطعة لؤلؤ، منوَّرة كما سماها الزمان، وفي حفل تكريم بهيج أقامه النبي r لتدشين أكبر مشروع إنارة في تاريخ العرب، نادى r : «نوّر الله قلب تميم، لو كانت لي بنت لزوجتها لتميم الداري»، وهو لون من تكريم أبطال الإنتاج لا يوجد له مثيل.

وهكذا فإن رسالة النبي الأعظم r في نشر التوحيد، وتحقيق العبودية، لم تحجبه عن دوره أيضاً في إعمار الأرض، وتسخيرها لمصلحة الإنسان وفائدته.

ومباشرة أتوجه بالسؤال الآتي: إلى أي مدى يمكن أن يكون قد تحقق هذا المعنى في الثورة الإسلامية؟.

قال رسول الله r : «لا تستضيئوا بنار المشركين»

وهي إيماءة واضحة إلى وجوب تحقيق نظام طاقة إسلامي حقيقي، يتولى المسلمون فيه إنتاج الطاقة واستثمارها، بأيد إسلامية نظيفة.

والسؤال الآتي: ربما كان في هذه القاعة التي أحاضر فيها أكثر من مائة مصباح، فكم من هذه المصابيح تمت إنارتها بأيد إسلامية مستقلة؟

قد يكون هذا محض مثال، لا تشترط صحته، ولكنه يحمل إلينا دلالات كثيرة في بناء الأمة.

إن المجتمع الإسلامي الذي لا يزال يعيش على الاستهلاك من يد الأجنبي، لا يزال بعيداً عن الرشد الذي تشاء النبوة أن تبلغه الأمة الإسلامية.

لقد سبقت إيران في وجوه كثيرة من استثمار كنوز الأرض، ولكن عطاءً كثيراً لازال مطلوباً حتى يتحقق للأمة مجدها وانتصارها.

وفي ختام هذه الكلمة اسمحوا لي أن أروي لكم موقفاً لحكيم إسلامي كبير هو الشيخ أحمد كفتارو مفتي سوريا.

زار سماحته باكستان أيام أيوب خان، وطاف به رجال المراسم في أشهر مساجد باكستان ومعالمها الإسلامية، وحين التقاه الرئيس الباكستاني أيوب خان في التالي سأله: كيف وجدت باكستان ؟.

قال الشيخ: في الحقيقة لم أجد ما كنت أتمناه !…

سأله أيوب خان: كيف ؟.. ألم تجد المساجد ملأى بالمصلين، وترتيل القرآن في كل مكان ؟..

قال الشيخ كفتارو: لقد زرت باكستان قبل عشرة أعوام، وأزورها اليوم أيضاً وأعتقد أن عدد المصلين في ازدياد، ولكن ليس هذا وحده، ما أتمناه للأمة الإسلامية..

كنت أتمنى أن أجد أمام كل مئذنة مسجد مدخنة مصنع !…

أليس هذا بالضبط ما أشارت إليه الآية الكريمة: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}

وبعد.. فهذا ما اتسع له الوقت المخصص للمحاضرة، آمل أن أكون قد قدمت فيه كل كلمة خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


فصل في تزكية النفس*

 

ـ هل في الوعد والوعيد عدوان على الحرية الإنسانية؟.

ـ الثواب والعقاب مقولة متناسبة مع أحوال العباد..

ـ العباد يتوجهون إلى الله على جناح الشوق والرغبة والعبيد يعبدونه بسلطان القهر والرهبة..

هل يعني الوعد والوعيد في الإسلام نوعاً من انتهاك الحرية الإنسانية؟

سؤال طالما ردده خصوم الإسلام وهم يمارون في الحق لما جاءَهم، ويجادلون في آيات الله .

ويقولون: كيف يمكن للعقل أن يفكر بحريته، وبين عيني الإنسان صورة الحور والنور والنعيم وصورة الزقوم والجحيم والعذاب؟ ثم ما جدوى هذه النار المستعرة التي وقودها الناس والحجارة، ولم لا يسع الله من أمر العباد ما ألزمهم به من العفو عن الظالم والإحسان إلى المسيء ؟..

فنقول وبالله التوفيق: لقد ورد الوعد في القرآن في نحو 1000 آية وورد الوعيد في نحو 1000 آية أخرى.

والمؤمن مطمئن بأن هذا المنهج هو منهج إصلاح الإنسان لا ريب، لأنه اختيار خالق الإنسان، وهو أدرى بحال عباده، وأعلم بالذي يصلحهم.

{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}

والنفس لو تركت على أهوائها، لما أشبعت نهمتها أرزاق العالمين، ولو ترك الناس بلا قانون ينظم حياتهم لأكل القوي منهم الضعيف، وغلب القادر على رزق القاصر، حتى لا تسود إلا شريعة الغاب.

والنفس خامة تنشأ على ما تربيها عليه:

والنفس كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

والنفس من طمع، إن تعلقت بحبل الهوى فلن تشبع أبداً.

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع

والنفوس ثلاثة:

النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة.

فالنفس الأمارة بالسوء، لا يقنعها ما في الآخرة من نعيم، ولا يردعها ما في النار من جحيم، تأمر صاحبها بالسوء كلما غفلت عين الرقيب، وتركب به مزالق الحرام، وتحمله على الآثام، لا يردعها إلا صوت القاضي وسوط الجلاد، ولا يشبعها إلا نهمة الجسد وامتلاء البطن.

فلهؤلاء شرع الله الحدود الرادعة إن أساؤوا، وأذن بـبـذل العطايا المجزلة إن أحسنوا، فأعينهم في ظلمة الدنيا عليها غشاوة تحجبها عن نور الآخرة، والطين لا يهديه إلا الطين، فجاء التشريع بجانبيه: الثواب والعقاب، ليصلح أهواءهم ويقوِّم اعوجاجهم: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}([120]).

يحبون العاجلة، ويذرون الآخرة، فكان حسابهم في الأولى أشد وأنكى، ولعذاب الآخرة أخزى لو كانوا يعلمون.

وكانت عطية الدنيا أرغب عندهم وأوقع في قلوبهم من عطية الآخرة، فآتاهم منها وما عند الله خير وأبقى لو كانوا يعلمون.

والنفس اللوامة:

لم تزل في صراع مع الهوى، تسعى بصاحبها إلى الردى، ولكن وقع في قلبه صدق وعد الله، وانتصب بين عينيه نعيم الآخرة، وجحيمها، فصار يرجو الجنة ويخاف من النار، فصار يعبد ربه خوفاً وطمعاً، يحذر الآخر ويرجو رحمة ربه، فصلحت بذلك أحواله، وحسنت خصاله، وصار إن قصر يوماً عن طاعة تلومه نفسه وتعنفه، وإن تهاون بمعصية تؤنبه وتزجره.

فلهؤلاء أنزل الله وعده ووعيده، وفصَّل نعيم المتقين في الجنة، وعذاب الهالكين في النار، فهم يدورون في خوفهم ورجائهم، بين مدارج الأخيار، ومدارك الفجار، يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً، إنها ساءت مستقراً ومقاماً، ويقولون ربنا أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وأما النفس المطمئنة:

فقد أنِسَت بالله، واطمأنت به، واشتاقت إليه، فاكتملت عندها بالوصال أسبابُ النعيم، فصار رجاؤها ودعاؤها: رب أرني أنظر إليك، وصار خوفهها من الحجاب أعظم من خوفها من العذاب.

فهؤلاء لا حاجة بهم إلى عطية مجزلة، ولا إلى عقوبة مخجلة، فهم في شوقهم إلى الله في غنى عن عطايا من سواه، وفي خوفهم منه أزجر منهم في خوفهم من سواه.

وإذا نظروا في الآخرة لم تقع أبصارهم على حور عين، ولا على ماء معين، ولم تلفح وجوههم نار موقدة، ولا حجر موصدة، وإنما يممت أبصارهم وجه الحبيب، فهو جنَّتهم ونارهم، إن أشرق بالرضا كان لهم نوراً وحبوراً، وإن أعرض بالسخط كان عليهم حجاباً وثبوراً، فهم إليه يرغبون ومنه يرهبون.

وهو سبحانه حين ناداهم ليكرمهم بما يشتهون، قال: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

فلم يذكر لهم صنوف الثمار، ورحيق الأزهار، ولا ذكر لهم ما في الجنة من أنهار العسل المصفى، واللبن الذي لم يتغير طعمه، والحور العين والولدان المخلدين فليس لهم مطلب في شيء من ذلك وما لهم به من رغبة.

بل أخبر النفس المطمئنة بأنها ترجع إليه: ارجعي إلى ربك، وأخبرها بأنها تدخل في عباده، فادخلي في عبادي، فجعل العبادة أخصَّ أوصاف القوم وأطلقها عليهم كالعَلَم اللازم، والاسم الدائم.

والمرء لا يصير من العباد، حتى يرقى في حبه عشقاً، فشوقاً، فغراماً، فهياماً، فكلفاً، فَوَلَهاً، فعبادة، وكل من لم يعبر إلى العبادة من هذا المدخل فهو من العبيد لا من العباد.

وإذ أورد القرآن ثناء الصالحين قال: والله رؤوف بالعباد.

وإذا أورد ذم الطالحين قال: وما الله بظلام للعبيد.

العباد يعبدون الله حباً وشوقاً.

والعبيد يستعبدون له قهراً واضطراراً.

وما أثنى عليهم في القرآن في مقام إلا سماهم عباداً.

{وإذا سألك عبادي} {وعباد الرحمن} {فادخلي في عبادي} {فبشر عباد} {يا عبادي}…الخ

وما ذكرهم بالذم في مقام إلا سماهم عبيداً:

{وما ربك بظلام للعبيد} {وما أنا بظلام للعبيد} {وليس الله بظلام للعبيد}

وإذا ذكر لهم الجنة نسبها إليه: {وادخلي جنَّتي}

ولم ينسبها إلى ذاته سبحانه في غير هذا المقام .

فالنفس الأمارة بالسوء لا يصلحها إلا تشريع حازم، يسهر على تطبيقه ولاة عارفون، يكرم المحسن، ويعاقب المسيء .

والنفس اللّوَّامة يصلحها الوعد والوعيد، ولها من داخلها ضمير زاجر، ويقين آمر، بغيتهم في الآخرة، ومناهم جنة الرحمن.

والنفس المطمئنة يصلحها الحبّ، وهي أكبر من أن تساق بعصا، أو تزجر بقيد، غاية أمانيها: وجه الرحمن .


قراءة في فقه الوحدة الإسلامية

 

كان مؤتمر القمة الإسلامي قد أوصى بإنشاء لجنة عليا لتنسيق العمل الإسلامي المشترك في مجال الدعوة، وقد تم اختيار هذه اللجنة بعناية، وتمت تسمية أعضائها الثمانية عشر يمثلون أهم مؤسسات الدعوة الإسلامية في العالم الإسلامي، واعتبرت القمة مجمع أبي النور الإسلامي بدمشق أحد أبرز مراكز الدعوة الإسلامية في العالم.

وفي أيار 1998 كلفت بالمشاركة في أعمال الدورة الحادية عشرة للجنة التنسيق التي انعقدت في طهران ممثلاً عن المجمع الإسلامي بدمشق:

وفي يوم 25/5/1998 وجه سماحة آية الله الخامنئي الدعوة لأعضاء الوفود المشاركة للقائه في منزله، وقد تحدث في بداية اللقاء كل من السيد عز الدين العراقي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمشير عبد الرحمن سوار الذهب رئيس منظمة الدعوة الإسلامية الإفريقية، ثم تحدث السيد خامنئي مطولاً عن الوحدة الإسلامية وآفاقها والآمال المعقودة على منظمة المؤتمر الإسلامي ولجنة التنسيق.

في نهاية اللقاء طلب الدكتور مانع حمود الجهني أمين الندوة العالمية للشباب المسلم وهو سعودي الجنسية طلب الكلام، وتحدث فيه عن الخلاف بين السنة والشيعة، مطالباً الشيعة بتغيير عقيدتهم نظراً لأنهم الأقلية في العالم الإسلامي، واتهم ثورة إيران بأنها كانت ثورة مذهبية لا إسلامية، وأنها خيبت آمال المسلمين الذين هللوا لها، وقال: إن سبب تحسن العلاقات مع السعودية مؤخراً كان هو تحويل إيران لأفكارها، وتمنى أن يستمر هذا التقارب من إقبال الأقلية على الأكثرية.

كانت الكلمة في الحقيقة قاسية وغير مبررة، سيما بعد هذا الجو الأسري الذي كان سائداً، وعلى الفور طلب السيد خامنئي الحديث ليرد عليه، ولكنني طلبت أن أتحدث قبله، ومع أنهم تعجبوا من طلبي ولكن الإمام الخامنئي استجاب لرغبتي.

وتجد فيما يلي نص الكلمة التي ألقيتها ـ كما أذكرها لأنها كانت مرتجلة ـ  ووضحت فيها موقف الثورة الإسلامية من القضايا العربية والقضية الفلسطينية خصوصاً، وما نرجوه منها.

وأشرت إلى الأسس الراسخة التي ينبغي أن تقوم عليها الوحدة الإسلامية وفق دلالات التاريخ والواقع.

وعند اختتام الكلمة تهلل وجه السيد خامنئي، وسر سروراً عظيماً، وأثنى على السيد الرئيس حافظ الأسد ثناءً طيباً، وسألني عن صحة الشيخ أحمد كفتارو، فأجبت إنها بخير ونحن نتمنى أن نراك في دمشق.

بعد كلمتي تحدث الدكتور عبد الله التركي وزير الأوقاف السعودي معتذراً عن كلمة الجهني ومؤيداً ما جاء في كلامي.

وقد نقل اللقاء عبر القناة الفضائية الإيرانية، وبعد وصولنا إلى الفندق حضرت ثلاث قنوات تلفزيونية إيرانية وإذاعة إيران، وأجروا معي أربعة وثلاثين حواراً تلفزيونياً حول القضايا الإسلامية الكبرى لا يزال التلفزيون الإيراني يبثها أسبوعياً حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

وقد أخبرني سعادة السفير السوري في إيران السيد أحمد الحسن بأن كلمتي كان لها وقع إيجابي كبير لا سيما أنها صدرت عن جهة غير حكومية، مما يعكس انسجام الشعب والقيادة على الموقف ذاته، وهذا انعكس إيجابياً على العلاقات السورية الإيرانية، وأخبرني أنه طلب الشريط الكامل للقاء من الخارجية الإيرانية.

إني آمل أن تكون هذه الكلمة لبنة في جدار الوحدة الإسلامية الذي ينبغي أن يتعاون على إشادته سائر الشرفاء الذين يعملون لمصلحة الخير والعدل.

وفيما يلي نص الكلمة([121]) :


سماحة الإمام آية الله خامنئي

معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي

أصحاب السيادة والفضيلة والسماحة أعضاء لجنة التنسيق في منظمة المؤتمر الإسلامي

أود في البداية أن أستميحكم عذراً إن تحدثت فيكم، إذ يبدو أني أصغركم سناً، وربما تعوزني التجارب الكبيرة التي تحملونها ومسؤولياتكم التي تقومون بها لخدمة الإسلام والشعوب الإسلامية.

ولكن الذي يدفعني للحديث هو أنني هنا أمثل مفتي سوريا سماحة الشيخ أحمد كفتارو ورئيس مجمع أبي النور الإسلامي في سوريا، ونحن في سوريا نعتز بأننا ـ ومن خلال قيادة الرئيس حافظ الأسد ـ أدركنا منذ البداية مقاصد الثورة الإسلامية الإيرانية، وبنينا جسور الثقة منذ الأيام الأولى للثورة، متجاوبين بذلك مع النداءات الشريفة التي كان ينادي بها آية الله الخميني حول نصرة الشعب الفلسطيني، ومكافحة الكيان الصهيوني، والمناداة بالوحدة الإسلامية.

وقد كان هذا الخيار مكلفاً، نظراً لأن كثيراً من جيراننا العرب لم يتفهموا مقاصد هذه الثورة، ووقعوا في أحابيل التضليل الإعلامي الذي يمارسه الغرب ضد أي دعوة للوحدة الإسلامية.

وأظن أن فخامة المشير عبد الرحمن سوار الذهب كان يشير إلى هذه المقاصد في حديثه قبلي حين تحدث عن ضرورة  الوحدة الإسلامية على مستوى الأفراد والشعوب والحكومات.

والحق أن ما جوبهت به الثورة الإسلامية من ظنون الريبة التي أشار إليها الدكتور مانع الجهني هي في الواقع نتيجة إرث تاريخي طويل، يتوالى على إثارته كل من أهل الجحود وأهل الجمود.

وقد أدركت الثورة الإسلامية في إيران هذا الأمر، وقامت بإعلان ما هو أصيل وتمييزه عما هو دخيل، ومن أجل ذلك تأسست رابطة العلاقات الإسلامية التي يرأسها حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد علي التسخيري، وأعتقد أن من أولى مهامها أن تنتصر لصوت الوحدة، وتتبرأ بوضوح من نداءات الفرقة، وكم كنت أتمنى أن توجد هذه الرابطة مع بداية الثورة ولكنها تأخرت خمسة عشر عاماً.

وأنا أدعو الأخوة المسؤولين في المنظمات الإسلامية إلى تحمل مسؤولياتهم، ومحاسبة كل قلم يسعى إلى التفرقة، وهكذا نسهم جميعاً في إطفاء آثار ذلك الموروث التاريخي من خصام الأولين.

وهكذا فإن قيام لجنة التنسيق هذه عبر منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل سائر الدول الإسلامية جعل الأمر أكثر إمكانية وجلاء، وأصبح بإمكاننا أن نضيء صوت الجماعة، ونمنع صوت الفرقة.

يجب أن تتوقف الجهود الرامية إلى تشييع السنة، والجهود الرامية إلى تسنين الشيعة، فإنها جهود غير مبرورة ولا مشكورة، والأموال التي تنفق في هذا السبيل هي إلى سبيل الشيطان أقرب منها إلى سبيل الله، والذي أحب أن أشير إليه هنا أن هذا الخلاف التاريخي الذي ظهر في القرن الأول الهجري والذي لا يزال كثير من المسلمين يظنونه موجوداً قد تم حله حقيقة على أتم وجه على يد عميد أهل البيت إمام أهل السنة وأهل الشيعة الإمام الجليل الحسن بن علي رضي الله عنه.

كان ذلك بعد استشهاد الإمام علي رضي الله عنه يوم أقبل أصحاب الإمام علي عليه رضوان الله يبايعونه على الخلافة بعد أبيه، وكانت بيعة حق وعدل، وكان الإمام الحسن يبايعهم على أن يكونوا ((سلماً لمن سالمت، وحرباً لمن حاربت)).

وقد بايعه على ذلك ثلاثة وأربعون ألفاً كانوا كفلاء على من وراءهم من الناس وواعدهم مسجد الكوفة على رأس ستة أشهر من استشهاد علي رضي الله عنه.

وخلال ستة أشهر لم يترك عميد أهل البيت الإمام الحسن لحظة من دون عمل، وكان يجتهد في مراسلة معاوية حتى تم بينهما الصلح الذي فيه جمع كلمة المسلمين.

وحين جاء اليوم الموعود وأقبل الناس على مسجد الكوفة يصرخون بالحرب، كان للإمام الحسن رأي آخر، وفوجئ الناس حين رأوه يدخل المسجد مع خصمه معاوية، وقد اشتبكت أيديهما بالمصافحة، ويصعد الإمام الحسن المنبر، ويقول في كلمة جامعة: ((أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا نحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ثم مضى يقول والناس في ذهول: أما بعد.. فإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه مع معاوية لا يخلو أن يكون حقاً لي فأنا أنزل عنه لمعاوية، أو حقاً لمعاوية فأنا أدفعه إليه، إرادة صلاح للمسلمين)).

وبايعه حين بايعه وإن الأمة الإسلامية لتعلم أن الإمام الحسن أفضل عند الله من طلاع الأرض من مثل معاوية.

وقال بعدئذ: ((والله ما يسرني أن لي خلافة محمد وأنه يراق من المسلمين قدر محجمة من دم)).

وقد عرف المسلمون في الصدر الأول هذا اليوم، وسموه (يوم الجماعة) بل وسموا العام كله (عام الجماعة) نظراً لما تحقق فيه من خير وهدى ورشد للأمة الإسلامية.

إني أرى ـ ومن وجهة نظري ـ أن أمر الخلاف بين الصحابة قد تم حله نهائياً على يد عميد الأمة الإسلامية الإمام الحسن الذي قال فيه r : «إن ولدي هذا سيد ولعل الله يجمع به بين فئتين من المسلمين»

وأما من الجانب الفقهي، فإن المطلوب أن نؤصل بناء التفكير لدى المسلمين على أساس الوحدة والجماعة، في إطار المدارس الفقهية الإسلامية.

إن اختلاف مذاهب الفقه الإسلامي يجب أن ينظر إليها على أنها مصدر ثراء فقهي وعلمي وليس على أنها ركام خصام.

لقد عشنا في التاريخ الإسلامي مذاهب متعددة، ولم يكن الراسخون في العلم يجدون أي مشكلة في وجود المذاهب، كان الإمام أحمد بن حنبل تلميذاً للشافعي وكان الشافعي تلميذاً لمالك وأخذ مالك عن أصحاب أبي حنيفة وكان أبو حنيفة تلميذاً لجعفر الصادق عليهم جميعاً رضوان الله.

كان الشافعية يتناولون المسألة بالقول: الرأي عندنا كذا وعند السادة المالكية بخلافه، وكان المالكية يقولون: الرأي عندنا كذا وعند السادة الإمامية بخلافه، لقد أدركوا كيف تكون المذاهب صورة تكامل وتواصل لا تقاطع وتدابر.

ولعل الاستثناء الوحيد لهذا التسامح الرائع هو ما شهده المسلمون يوم تسلط المعتزلة على قرار الخلفاء، وعرضوا رقاب الناس على السيف، وقالوا للناس: هذا أو الطوفان.

وإني أعتقد أن الثورة الإسلامية في إيران كانت بصيرة بهذه المعاني، وقد تعاملت في الحقيقة مع هموم الأمة الإسلامية على أساس قول الله عز وجل: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.

ولكن يجب ألا نتغافل عن تيارات أخرى موجودة في كلتا المدرستين، لا تتحدث بهذه الصيغة المتسامحة، وتحترف صيغة الاتهام وتحميل أوزار الماضي لأهل الحاضر، وهؤلاء حقيقة موجودون، وإذا أردنا أن نكون أكثر تواضعاً فإن عناوين كبيرة مثل: إطلاق الاتهامات بحق الصحابة الكرام، وبعض أهل البيت، وتبادل الاتهام على أساس ناصبة ورافضة وغير ذلك، لا زال موجوداً في إطارات مختلفة، وإنه لا يملك أحد أن ينهي هذه الظواهر بقرار يتخذه بل لا بد من الجهد الفكري المتواصل لهدم هذه الحواجز الموهومة وبناء جسور الوحدة والأخوة والتكامل.

تماماً كما توقف الشافعية عن نقل الحنابلة إلى مذهبهم، وكما توقف المالكية عن نقل الحنفية إلى مذهبهم، بعد أن أدرك الكل أن وجود هذه المذاهب ليس سبباً للتفرقة والمخاصمة، وإنما هو مظهر ثراء وبناء للفقه والاجتهاد، وقد كان الأمر في منتهى الوضوح حيث طرح مجمع التقريب العالمي بالأمس أصول الدين الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، وهي محل اتفاق سائر الأمة، وأشار بأن الأصل الرابع والخامس هما العدل والإمامة من لوازم المذهب وليسا من أصول الدين، وهكذا فإن خطى الجماعة أصبحت جلية واضحة.

إني أعتقد أن هذه المعاني كانت في ضمير الثورة الإسلامية منذ قامت، وقد عرف القائد الحكيم حافظ الأسد ذلك منذ الأيام الأولى للثورة، في الوقت الذي كانت فيه قيادات كثيرة عربية وإسلامية، ضحية الإرث التاريخي الظالم من جحود وجمود، وأنفقت أموالاً طائلة وجهوداً كبيرة عادت على الأمة بعكس ما تبتغيه من وحدة وقوة وجماعة.

وفي الختام فإني أحب أن أختم حديثي هذا بكلمة سماحة الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية حين التقاكم في طهران عام 1982 وقال فيما قال:

إذا كانت السنّة هي العمل بكتاب الله وسنة رسوله فكلنا سنة، وإذا كانت الشيعة هي حب أهل بيت رسول الله r فكلنا شيعة، وإذا كانت السنة والشيعة اصطلاحان يراد بهما تفريق الأمة وتوهين وحدتها فنحن نبرأ إلى الله من كلا الاسمين ونعود إلى الاسم القرآني  هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول عليكم شهيداً وتكونوا شهداء على الناس.

إني سعيد يا سماحة الإمام أن ألتقيكم اليوم بعد أن التقيتكم قبل سبعة عشر عاماً يوم شاركت طفلاً في المسابقة القرآنية التي أقامتها إيران وحصلت حينئذ على الدرجة الأولى، وقد كرمتني بيدك الكريمة بهدية ثمينة لا تزال تزين داري، وطبعت قبلة طاهرة على خدي تحمل في جوانحي الاعتزاز والبركة.([122])

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


فقه الحوار والتسامح في الإسلام

 

في آب 1995 دعيت إلى سان باولو لحضور مؤتمر مسلمي أمريكا اللاتينية، وهو اجتماع سنوي يحضره عادة العاملون في حقل الدعوة الإسلامية من مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية.

كانت الجالية الإسلامية في البرازيل واعية وحكيمة، حين طرحت اللقاء كمنتدى ثقافي للجالية العربية، وتعاونت في ذلك مع جهات الاختصاص في البرازيل، كما كانت السلطات المحلية متجاوبة مع هذا اللقاء، حيث جرى افتتاح المؤتمر في برلمان سان باولو، وحضره رئيس البرلمان وهو برازيلي مسيحي، وألقى كلمة عن الحوار بين الحضارات وأشار إلى اعتزازه بالحضارة الإسلامية، ومساهمات الجالية الإسلامية في بناء البرازيل.

كما تحدث عدد من النواب المسيحيين في البرلمان وتحدثوا بإعجاب عن القيم الإسلامية وأعربوا عن مساندتهم للقضايا الإسلامية في فلسطين والبوسنة والهرسك.

وعقب الافتتاح أقام رئيس البرلمان حفل عشاء للمشاركين في مبنى البرلمان.

كانت أول كلمة بعد الافتتاح لأحد الأخوة العرب العاملين في جامعة سعودية، وكانت بعنوان (الولاء والعداء في الإسلام) وقد تحدث فيها المحاضر عن وجوب معاداة غير المسلمين !… وعدم جواز ظهور الود أو المحبة بين المسلم وغير المسلمين، وقال فيها بالحرف الواحد: “إن علاقة المسلم بغير المسلم يجب أن تتأسس على العداء، مهما ظهر من غير المسلم من ود أو محبة أو إحسان !…”

كان لهذا الكلام أثر بالغ السوء في نفوس المشاركين وأثار جواً متوتراً متحفزاً، سيما بعد هذا الافتتاح البهيج والمشاركات التي قدمها عدد من المسؤولين البرازيليين في المؤتمر، إضافة إلى وجود صحافة وخدمات وتراجمة في المؤتمر من غير المسلمين، وفوق ذلك كله فإن هذا المنطق في الأصل مرفوض إسلامياً وقرآنياً، ويؤدي أسوأ الأثر في تأسيس الريبة وسوء الظن بين المسلمين وجيرانهم من مختلف الديانات.

وكيف يمكن لمجتمع مدني أن يتفهم أو يوافق على غايات مؤتمر كهذا يتدافع فيه واعظون من آفاق بعيدة من وراء البحار ليجتمعوا بجالية صغيرة في مجتمع كبير فيكرسوا في أحشائه أفكار البغض والكراهية والأحقاد ؟..

ومتى تبلغ رسالتنا الإسلامية غايتها في قلوب الناس إذا كانت نفوسنا تنام على هذه الضغائن ؟..

كان المقرر أن تكون كلمتي بعده مباشرة عن القدوة الحسنة، فاستخرت الله وتوجهت في كلمتي لإصلاح هذا الفهم ونشر المحبة على أساس القدوة الحسنة.

وفيما يلي النص الكامل للكلمة([123]):

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى أبيه سيدنا إبراهيم، وعلى أخويه سيدنا موسى وسيدنا عيسى، وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وبعد..

فإني أشكر الله سبحانه الذي يسر لي هذا اللقاء بإخوان لنا في الدين، يقومون على ثغر بعيد في العالم الجديد، يتمسكون بدينهم، ويسبحون الله، ويرجون أن يكتب جهادهم وجهدهم في سبيل الله.

لقد قطعت تقريباً نصف الكرة الأرضية حتى وصلت إلى سان باولو، وهذا ما جعلني أشعر بقسوة التحدي الذي يواجه إخواننا من المؤمنين في عالم الغربة هذا، ولكن المؤمن من المؤمن قريب، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم.

وقد طلبت إلى إدارة المؤتمر أن أتحدث عن القدوة الحسنة في حياة المسلم، وهو معنى أتحمس له كثيراً، وأعتقد أنه من أهم المطالب التي ينبغي أن يوجه إليها المسلم في أرض الغربة.

إن قراءة واعية لرسالة النبي r كما بينها القرآن الكريم تكشف لنا أن أعظم أسلوب تربوي كان ينهجه الرسول r إنما هو نهج القدوة الحسنة: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} وكذلك قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}([124])

وكذلك فإن التاريخ الإسلامي يؤكد لنا أن أعظم التحولات التاريخية التي تمت إلى الإسلام إنما كانت أثراً من آثار القدوة الحسنة لرجال الدعوة إلى الله الذين كان سلوكهم الملتزم يقود الناس من الإعجاب الشخصي إلى الإعجاب بالرسالة إلى التحول إلى الإسلام.

ومن خلال هذا المنطق فإن كل أخٍ منا هنا في الغربة يمكن أن يكون داعية إلى الله عز وجل بسلوكه واستقامته وهو المعنى الذي نجد أوضح تجربة له في هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة.

فقد هاجر الأصحاب إلى الحبشة فارين بدينهم من أذى قريش، وقد أرشدهم إليها رسول الله r بقوله: «اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد أبداً»

وهناك ظهرت من الأصحاب أدق فصول الحكمة حين رسموا بسلوكهم وأخلاقهم مظهراًً رائعاً جعل النجاشي يتولى بنفسه رعايتهم وحمايتهم، ويصد عنهم أذى أصدقائه من رجال قريش حين جاؤوا يريدون من النجاشي أن يدفعهم إليهم ليردوهم إلى الاضطهاد في مكة، حينذاك وقف النجاشي وقال: “لا والله لا أسلمهم بشيء أبداً”، ثم التفت إليهم وقال: “أنتم آمنون في أرضي من سبكم غرم”.

وحفظ الأصحاب للنجاشي هذا الود فكانوا أعواناً له على الخير، وحين ظهر بعض المنافسين للنجاشي يحاربونه ويقاتلونه لم يتخلف الأصحاب عن نصرة النجاشي، وفاء للتراب الذي آواهم وأحسن إليهم، وكان الزبير بن العوام على رأس كتيبة اجتازت النيل سباحة من أجل نصرة النجاشي، وهكذا فقد ضرب الأصحاب أروع مثال في الإخلاص للتراب الذي آواهم، والوفاء للملك والشعب الذي أكرمهم، وهو المعنى الذي نتمنى أن يتحقق في كل أرض ينزل فيها مغتربون مسلمون.

وقد استمر الصحابة الكرام في إخلاصهم ومحبتهم للنجاشي على الرغم من اختلاف الدين بين الطائفتين، حتى إن النجاشي حين رزق بمولود اختار أن يسميه (جعفر) وهو اسم غير مألوف في الحبشة، وذلك وفاءً وحباً مع رئيس المهاجرين الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب.

ومع أن النبي r هاجر إلى المدينة ووجد بها سلامة وأمناً، وأقام فيها المجتمع الإسلامي الجديد إلا أن المهاجرين بقوا في الحبشة سبع سنوات أخرى بعد أن نشأت حبال الود بينهم وبين النجاشي حتى قرت عيونهم باستجابة النجاشي لدعوة النبي r، وأرسوا في الحبشة ذكرى طيبة متألقة جعلت أمر الإسلام فيها على كل لسان.

وهذا النجاح الذي تحقق للمسلمين في الحبشة يجب أن يتكرر اليوم في البرازيل وفي كل مكان تنزل فيه جالية مسلمة، وذلك وفق قواعد الحب والألفة التي أدى المهاجرون بها نشاطهم في الحبشة.

وهنا ـ تحديداً ـ أجد نفسي مضطراً أن أعطف على كلمة المتحدث قبلي الدكتور الدويشان، فعلى الرغم من الأفكار القيمة التي استمعنا إليها في محاضرته حول وجوب التمسك بالكتاب والسنة، فإنني أجد نفسي أختلف معه اختلافاً حاداً فيما أشار إليه حول وجوب المحافظة على كراهية غير المسلمين وعدائهم، وعدم جواز حصول الود والمحبة بين المسلم وغير المسلم.

والحق أن هذا الكلام خطير ودقيق إلى درجة أنه لا يمكن تجاوزه إذا كنا نريد أن نحافظ على الوجود الإسلامي محترماً محفوظاً مصاناً.

ومع أني لا أتنكر للقصد الشريف الذي يتشوف إليه، وهي المحافظة على خصائص الجماعة المسلمة في الغربة فإن هذا الغرض الأبيض لا يبرر في نظري هذه الوسيلة الرمادية، إذ ينبغي أن نتوصل إلى المقاصد الشريفة بالوسائل الشريفة.

فهل من الصواب القول: إن على المسلم أن يحافظ على العداء والبغض لغير المسلمين، وهل هذا المطلب هو المقصود بقول النبي r : «إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» ؟..

ولماذا يتوجب على المسلمين أن تتأسس علاقتهم بغير المسلمين على أساس العداء؟.. ولم لا تتأسس على البر والقسط كما قال الله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}([125])

وأما العداء فهو موجه ضد أولئك الذين يحاربون الإسلام، ويغتصبون أرض المسلمين، وهو ما نجده اليوم في العدو الصهيوني تماماً كما قال الله عز وجل في الآية التالية: {إنما ينهاكم  الله  عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}([126])

وهكذا فإن من الواجب أن تكون قراءتنا للعالم من حولنا دقيقة وواضحة، ولا نأخذ الكل بعصا واحدة، لقد كان النجاشي وكسرى غير مسلمين، ولكن لم يتعامل معهما الإسلام بطريقة واحدة، كان أبو لهب وأبو طالب غير مسلمين، ولكن لم يصدر فيهما حكم سواء، فينما جاءت الآيات بالهلاك والتب لأبي لهب، جاءت الآية الكريمة الأخرى في وصف أبي طالب بقوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}([127])، وهذا تصريح قرآني لحالة الحب والود التي كانت بين رسول الله r وبين أبي طالب، وهي نتيجة طبيعية لحالة النصرة والموالاة والاحترام التي كانت بين رسول الله r وبين أبي طالب، خلافاً لما نتصوره من وجوب البغض والعداء بين المسلم وغير المسلم !..

عاش النجاشي مسيحياً، وكان غاية ما ظهر من وده أن قال: “إن هذا والذي جاء به عيسى بن مريم ليخرج من مشكاة واحدة”، وقام بنصرة الصحابة في أرضه وحمايتهم من عدوهم كفار قريش، ومع ذلك فقد حظي بأكرم ثناء واحترام من النبي r ومن أصحابه الكرام ومن التنزيل العزيز.

ومع أن بعض الرويات ذكرت أنه دخل في الإسلام على يد عمرو بن أمية الضمري وجعفر بن أبي طالب، فإنه بقي على شعائر دينه الأول، ولم يورد أحد أنه استقبل قبلتنا أو أقام صلاتنا أو آتى زكاتنا أو حج إلى البيت وقد وجد إليه سبيلاً، أو أنه هاجر إلى النبي r وقد قال الله عز وجل: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}([128]) ولم يروِ أحد أنه غير بطارقته أو رهابنته وأقام حاكمية الشريعة الإسلامية، أو أنه دعا قومه إلى الإسلام، أو منع التثليث في حكومته أو غير ذلك..

لقد كان غاية ما فعله أنه أقر بنبوة النبي r ورسالته، وأقر بوحدانية الله عز وجل وهذا ما بوأه مكانة جليلة في الإسلام، حتى أن النبي r يوم مات النجاشي نعاه لأصحابه وصلى بهم عليه صلاة الغائب، وقال: «مات الليلة أخوكم أصمحة بن أبحر النجاشي فقوموا بنا نصلي عليه».

وحين صلى عليه النبي r استغرب بعض الصحابة ممن لم يدركوا تسامح الإسلام وقالوا: يصلي على علج من علوج الروم لم يصل صلاتنا ولم يهاجر إلينا، فأنزل الله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيــات الله  ثمناً قليلاً  أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب}([129])

بل أورد ابن كثير وهو إمام المفسرين في خبر آخر أن بعض الأصحاب أنكروا ذلك وقالوا: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس، ولم يكن يصلي إلى الكعبة، فأنزل الله عز وجل:

{ولله المشرق  والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}([130])

وهكذا فإن موقف النبي r من النجاشي ينبغي أن يرسم لنا ملامح التسامح والود والإخاء والحب الذي لا بد أن ينشأ بين المسلم وبين المنصفين من الناس ولو لم يحصل اتفاق كامل في سائر الجوانب الفكرية والعقائدية.

لقد كان القرآن واضحاً حين أثنى ـ نعم أثنى ـ على جماعة من النصارى المنصفين جاؤوا إلى النبي r واستمعوا إلى ما أنزل الله عليه فقال:

{لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً  وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق  يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين*وما لنا لا نؤمن بالله وجاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين}([131])

وأجد من الضروري أن أتعرض لإشكال يثيره بعض الكتاب وهو أن هذه الآية واردة فيمن دخل في الإسلام منهم، وهذا ـ من وجهة نظري ـ تأويل بعيد لا مبرر له، ذلك أن الآية واضحة في وصفهم أنفسهم بقوله: {إنا نصارى} وليس (كنا نصارى) وكذلك في قوله: {بأن منهم قسيسين ورهباناً} ولم يقل (بأن منهم صحابة وشيوخاً وخطباء وأئمة)!..

إننا ينبغي أن نكون واضحين فيما نطرحه من مبدأ التسامح، فنحن لا نتحدث عن توحيد الدينين، فهذا منطق لا يعود بالفائدة على أي منهما، ولا يقبله أحد من أتباع الديانتين، بل نتحدث عن التعايش والتسامح والود، الذي يمكن أن يقوم بين المنصفين على اختلاف أديانهم، إننا والنصارى دينان، التوحيد دين والتثليث دين، ولكن لماذا يكون الاختلاف العقدي سبباً في إيقاد البغض والعداء والبراء الذي هو أول فتيل الحرب والعدوان.

نعم لقد نهى الله عز وجل عن محبة قوم من غير المسلمين، والآية واضحة في ذلك بقوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم ا لآخر يوادون من حاد الله ورسوله لو كانوا آبـــاءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم أولئك  كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار}([132])

والآية واضحة في وصف القوم الذين لا تجوز مودتهم ومحبتهم، وهم الذين (يحادون الله ورسوله)، الذين يحاربون الله ورسوله، وينشؤون في الحروب والقتال ضد المسلمين، وهذا ما لا ينكره عاقل.

وهكذا فإنني أجد انطلاقاً من ذلك أن أول شروط القدوة الحسنة التي نتوخاها في المسلمين في الغربة هنا، إنما هي أن يقدموا صورة الإسلام المتسامح الذي جاء رحمة للعالمين.

إنكم هنا في أمريكا اللاتينية تعيشون حياتكم في وسط مسيحي، وليس من العقل أن نأمر المسلم بدخول شرنقة العزلة، ونغذيه بالبغض وسوء الظن بالآخر ثم ننتظر من الناس بعدئذٍ أن تحب ديننا وشريعتنا، وتنتصر لقضايانا.

إن ما أؤكد عليه هنا أن نحس التمييز بين العدو والصديق، نتمسك بديننا وشريعتنا، ولكن نتفهم مقاصد الآخرين ونبسط حبال الود للكل، والحوار مع أقرب الناس إلينا مودة، وفق ما أخبر بذلك القرآن لاكريم بقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلــهنا وإلــهــكم واحد ونحن له مسلمون}([133])

وهكذا فإن الحوار الإسلامي المسيحي جزء من رسالة {البلاغ المبين} التي أُمر بها المرسلون، ودعي بها الخلق إلى الكلمة السواء: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}([134]).

وهذا الحوار الديني الذي نتحدث عنه هو في صلب مقاصد القرآن الكريم، لم تتناوله الآيات عرضاً، بل يكاد يتلمسه المسلم في أكثر آيات الكتاب الكريم:

سورة الفــاتـحـة التي هي أم الكتاب، تبدأ بتقرير أن الله رب العالمين {الحمد لله رب العالمين}([135]) وهو ما يعني براءة الدين الحق من الفهم العنصري الذي انجرفت إليه بعض الحركات الدينية في الشرق والغرب.

سورة البقرة تفتتح بقوله سبحانه: {الذين يؤمنون بما أُنزِلَ إليك وما أُنزِلَ من قبلك}([136]) وهي إشارة واضحة إلى ركن الإيمان اليقيني: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

والإيمان بالكتب والرسل يفتح الباب واسعاً أمام دعوات الحوار لنقف على الكلمة السواء.

وتختتم سورة البقرة بقوله سبحانه: {آمن الرسول بما أُنزِلَ إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}([137]) وهو تقرير واضح لأخوة الإيمان بين الأنبياء الكرام، والتي ينبغي أن تتجدد في أبنائهم.

وما بين مفتتح سورة البقرة وخاتمتها تتجدد قضايا دعوة الحوار أكثر من أربعين مرة، بل إن اسم سورة البقرة إنما يومئ إلى قصة طافحة بالعبر من قصص أهل الكتاب الذين هم المقصود الأول بالحوار.

وسورة آل عمران تفتتح بقوله تعالى: {ألم * الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان}([138]) وهو استهلال عظيم يكشف عن مقاصد السورة العظيمة في دفع الحوار إلى ساحة يشعر فيها أبناء الأنبياء بتكامل مقاصدهم كما كان آباؤهم الأنبياء يُبعثون مصدقين برسالات من سبقهم من إخوانهم الأنبياء.

وتختتم السورة بتقرير سعة رحمة الله للمؤمنين بالأنبياء جميعاً ولا يفرقون بينهم بقوله تعالى: {وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أُنزل إليكم وما أُنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات  الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب}([139]).

وما بين المطلع والخاتمة تتكرر صور الحوار ومشاهده وغاياته وآدابه، حتى يوشك أن يكون المقصد الرئيس لدلالات هذه السورة العظيمة، حتى إن اسم السورة (آل عمران) يكشف عن تلك المقاصد، إذ هم أهل بيت السيد المسيح عليه سلام الله ورضوانه.

وفي سورة النساء تفتتح السورة بخطاب إنساني عام يحمل دعوة الحوار والإخاء {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً}([140]) ويجيء في آخر السورة بيان واضح جلي باجتماع مقاصد الأنبياء على تحقيق العدل والخير، وتكامل الرسالة الواحدة: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً * ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلَّم الله موسى تكليماً}([141])

ولو مضينا في استعراض سور القرآن الكريم واحدة واحدة لطال بنا المقام، وتأكّد لكل مسلم أن مسألة الحوار بين الديانات موجودة في كل صفحة من صحائف هذا القرآن المجيد، (فالفائدة) اسم لمعجزة من معجزات السيد المسيح، وهي في الوقت نفسه تعبير عن اجتماع المخلصين حول (مائدة الحوار)، (وسورة الأنعام) حافلة بأخبار إبراهيم وذريته من الأنبياء الكرام الذين دُعينا لاتباع هديهم ونهجهم {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}([142])، وتمضي السورة في التوكيد على الحقيقة ذاتها.

وتتتابع (سور الأنبياء يونس وهود ويوسف) حتى تنتهي إلى (سورة الكهف) وهو الغار الذي لجأ إليه مؤمنون من النصارى فراراً بدينهم من مظالم الرومان، حيث ذكر القرآن جهادهم، وأمرنا بترتيل خبرهم هذا كل أسبوع مرة إظهاراً لوشائج القربى، ثم تعطف إلى (سورة مريم) أم السيد المسيح (وسورة طه) التي تضمنت تفصيل حياة نبي الله موسى ومعجزاته، ويكتمل الإيحاء في سورة خاصة أنزلها الله عز وجل، وسميت (سورة الأنبياء).

إنه لمن الغريب بعد ذلك أن يكون موضوع الحوار الديني بين الإسلام والمسيحية خاصة محل خلاف، إذ ما جدوى أن نؤمر بالإيمان بالرسل الكرام وتصديق شرائعهم واتباع نورهم ثم لا يقودنا هذا المعنى إلى حوار جدي وصادق مع أتباع هؤلاء الأنبياء.

وما جدوى أن نتحدث بالتصديق والإكبار والإعجاب عن الرسل الكرام عليهم سلام الله وهم في عالم البرزخ، ثم نتبع هذا الثناء والإكبار بتبادل اللعن المستمر وتتابع الشحناء والبغضاء مع أتباع هؤلاء المرسلين سواء كانوا مقتصدين أو خلاف ذلك، ولا نجادلهم بالتي هي أحسن اتباعاً لمنهج القرآن الكريم.

إن كثيراً من مواقف بعض الإسلاميين المتشنجة من مسألة الحوار مبعثها في نظري عدم إدراكهم لحقيقة ما قرره القرآن في مبدأ الحوار، إذ قرر القرآن الكريم أن تعميم الحكم على النصارى مزلق خاطئ، وأنه لا يمكن تعميم الحكم على النصارى من خلال مواقف قادة الصرب المجرمين وأمثالهم قديماً وحديثاً الذين مارسوا أفظع الجرائم في حق المسلمين، كما لا يمكن تجاهل وجود تيارات جماهيرية مخلصة في الغرب يهمها نشدان الحقيقة، وفتح آفاق الحوار الصادق للتعرف على الإسلام.

ويرد هنا سؤال بسيط:

إن نصوص القرآن الكريم لا تجيء دوماً على هذه الطريقة من التسامح والحوار، وتنص صراحة في مواطن كثيرة على كفر النصارى وضلالهم:

{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم}([143])

وكذلك قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا اليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون}([144])

وكذلك قوله تعالى: {يا اأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}([145])

وهكذا.. يبدو للمرء في نظرة أولى أن الآيات متعارضة الدلالة، فكيف يسوغ لنا أن نوفق بين هذه الآيات ؟

ومبعث هذا التوهم إنما هو تعميم الحكم، فالقرآن الكريم حين يتحدث عن أهل الكتاب لا يأخذهم بحكم واحد، وإنما يميز بين صالحهم وطالحهم، ويميز من عمل الصالحات ممن عمل السيئات.

وهذا التمييز بين المحسن والمسيء ليس خاصاً في مسألة الحكم على أهل الكتاب، بل إنه يشمل المسلمين أيضاً، قال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً}([146])

وقد جاء القرآن الكريم في وصف بعض المسلمين المنحرفين: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين لهم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم}([147])

وهكذا فإن النصوص التي تدعوا إلى قتال أهل الكتاب إنما هي خاصة بمن بدأنا منهم القتال، وتآمر مع العدو، وهذا المعنى واضح في سورة الممتحنة.

{لا ينهاكم الله  عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}([148])

ومراراً نهى القرآن الكريم عن تعميم الحكم على أهل الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}([149])

وكذلك قوله تعالى: {ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين * وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين}([150])

وهكذا فإن سائر الآيات التي تتحدث عن مقاتلة أهل الكتاب، ومعاداتهم إنما هي خاصة بأولئك الذيين ينشؤون الحرب والعداوة ضد المسلمين، ولذلك فليس من الصواب تعميم الحكم على أهل الكتاب بصيغة واحدة دون التمييز بين خيارهم وشرارهم.

إنها حقيقة عبر عنها القرآن الكريم بكلمتين اثنتين: {ليسوا سواءً}

إن عبارة {ليسوا سواءً}ترسم منهاجاً حقيقياً لتأصيل فكرة الحوار وترشيدها وتوجيهها وجهها الصحيح..

إنني أعتقد أن إضاءة هذه المعاني من التسامح والود هي الرسالة التي تجعل المسلمين هنا في العالم الجديد يؤدون رسالة القدوة الحسنة التي لا يحافظون بها على أنفسهم فحسب، بل يعلقون بهم آماال الناس، ويبعثون حب الإسلام في قلوبهم، حتى يدرسوه بشوق ينتهي بهم إن شاء الله إلى الهداية.

وإني أحب أن أسجل هنا ملاحظتي أن هذا السقوط الأخلاقي المنتشر في الغرب عموماً وأمريكا اللاتينية خصوصاً التي أخذت تخلف الشرق وفساد الغرب لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، وإن البديل الطبيعي لهذا السقوط هو العودة إلى الله، والبحث عن شريعة يتوافق فيها هدى العقل مع نور الوحي، وهذا لن يجده العالم أبداً إلا في الإسلام، وهو يؤكد على أبناء هذه البلاد من المسلمين وجوب القيام بواجبهم كرسل مبشرين بالرسالة الإسلامية في أي موقع كانوا.

وفي الختام أتوج بالشكر القلبي إلى الإخوة الكرام الذين نظموا هذا اللقاء الكريم في هذه الأرض الطيبة، وآمل أن نحقق خلال مؤتمرنا هذا رصَّ الصفوف ومعالجة الهموم والحفاظ على الذات في خضم الاضطراب الروحي والفكري الصاخب، وعلى هدى من الود والحب والفكر الذي جاء به القرآن الكريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

كتب للمؤلف

 

 

المعتمد

في أصول الفقه

 

1402هـ ـ 1982م

المعتمد في أصول الفقه، نظم من 644 بيت من الشعر في أصول الفقه، نظمه الأستاذ محمد الحبش وفق مقرر جامعة دمشق، يتناول أصول الفقه وفق المذاهب المعتمدة، وهو مقرر في عدد من الحلقات العلمية. ويهدف الكتاب إلى إحياء دور مصادر الشريعة المنطفئة كالاستحسان والاستصلاح والعرف بعد أن تعرضت للتهميش والاتهام من قبل أصحاب الظاهرية الجديدة.

قدم له الدكتور محمد الزحيلي ـ طباعة جمعية الأنصار الخيرية

 
 

مصحف التجويد

 

1413هـ ـ 1993م

وهو عمل إبداعي في خدمة القرآن الكريم، إذ تم من خلال ثلاثة ألوان هي الأحمر والأخضر والرمادي ترميز أكثر أحكام التجويد، وهو يشكل خدمة فريدة لكتاب الله، ومرحلة هامة من مراحل خدمة الرسم القرآني.

الإشراف العلمي والتنفيذ: د. محمد الحبش ـ إصدار دار المعرفة

 
كيف تحفظ القرآن

 

1408هـ ـ 1986م

وهو كتاب مختصر تم إعداده لمعاهد القرآن الكريم، وتم إقراره منهجاً تدريسياً على سائر معاهد القرآن الكريم في سوريا بالقرار الوزاري رقم145 لعام1990م .طبع أكثر من عشر طبعات ـ إصدار دار الخير بدمشق
 
 

أحكام التصوير

في الفقه الإسلامي

 

1406هـ ـ 1986م

دراسة علمية لموضوع التصوير في الإسلام، وقد اشتمل على توكيد رعاية الإسلام للفنون النافعة، وتحديد الضوابط الدقيقة لما روي في تحريم التصوير، وربط ذلك بالعلة الواضحة في مناهضة الوثنية، وتحرير ذا الحكم في زماننا هذا، ودعوة المسلمين إلى الاستفادة من فنون التصوير في الجوانب المعرفية والإنسانية والاجتماعية. مع مجموع فتاوى لكبار العلماء المعاصرين، وقد تضمن تحقيقاً علمياً لمخطوطة قديمة هي: الجواب الشافي في التصوير الفوتوغرافي للشيخ نجيب المطيعي ـ إصدار دار الخير بدمشق
 
المسلمون وعلوم الحضارة

1411هـ ـ 1991م

دراسة علمية تكشف عن أثر القرآن الكريم في بعث المعارف الحضارية والعلوم التطبيقية ومساهمة علماء الإسلام في الحضارة وخدمة المعارف الكونية والتراثية، ويتضمن الكتاب إضاءات جديدة لدور المسلمين في خدمة الجيولوجيا والبيولوجيا والبيبليوغرافيا ـ إصدار دار أفنان ـ الطبعة الثانية
 
أبلغ المثل

 

1409هـ ـ 1989م

إضاءة لجانب جديد في الإعجاز القرآني، وهو ظاهرة أبلغ المثل من خلال حياة خمسة من الأنبياء الكرام وهي ظاهرة في الإعجاز لم يكتب عنها من قبل ـ   إصدار دار الخير ـ الطبعة الثانية
 
الشيخ

أمين كفتارو

1409هـ ـ 1989م

ترجمة مفصلة لحياة العارف بالله الشيخ أمين كفتارو، تتضمن وصفاً تاريخياً لدمشق مطلع القرن العشرين، ودور العلماء في الجهاد والتربية.  الطبعة الثالثة ـ  إصدار دار الشيخ أمين كفتارو
 
 

مذكرة الخطابة

 

1410هـ ـ 1990م

 

مقرر دراسي في المعهد الشرعي للدعوة والإرشاد، يتضمن الأحكام الفقهية للخطابة، كما يتضمن أصول الخطابة الدينية، وتوجيهات لا يستغني عنها الخطيب الناشئ ـ إصدار دار المحبة ـ الطبعة الرابعة
 
خطب الجمعة والعيدين

1415هـ ـ 1995م

مجموعة من خطب الجمعة ألقاها المؤلف على منبر جامع الزهراء بدمشق، تتناول عدداً من القضايا الإسلامية الهامة كما ضم إليها طرفاً من مذكرة الخطابة السابقة  ـ إصدار دار المحبة.
 
 

أشواق داغستان

 

1413هـ ـ 1993م

دراسة هامة في المسألة الشيشانية، وهموم الاتحاد السوفياتي السابق ودور المسلمين العجم في الانتصار للقضايا العربية، وبيان العمق الاستراتيجي للأمة العربية خلال شعوب العالم الإسلامي، مع تحقيق هام لرائعة الأدب العربي، وهي قصيدة الشاعر الداغستاني، نجم الدين بن دنوغونة الحزي في المديح النبوي، مع دراسة عن حياته ـ  إصدار دار النور ـ الطبعة الثانية
 
 

الثقافة الإسلامية

1409هـ ـ 1989م

مجموع محاضرات ألقيت في كلية الدعوة الإسلامية عام 1989م، يتناول التعريف بأهم الأعمال العلمية التي كتبت في المعارف الإسلامية، وأثر كلٍ منها.
 
سيرة رسول الله r

(صفوة السير)

 

409هـ ـ 1989م

دراسة فريدة لحياة النبي r تعتمد التبسيط والإيضاح، وهو مقرر في عدد من المعاهد الشرعية، غني بالجداول الإيضاحية وشجرات الأنساب، وهو من أنجح الكتب التربوية التي تعتمد سيرة رسول الله r .

إصدار دار النور ـ الطبعة الحادية عشرة 1997

 
الشيخ أحمد كفتارو ومنهجه في التجديد والإصلاح

1416هـ ـ 1996م

دراسة في الصحوة الإسلامية وترشيدها، من خلال تجربة الشيخ أحمد كفتارو ونشاطه في العمل الإسلامي، وتتناول منهج الشيخ في التجديد والإصلاح، والكتاب غني بالصور الملونة و النادرة عن أعلام دمشق.

إصدار دار الشيخ أمين كفتارو ـ الطبعة الثانية 1996م

 
القراءات المتواترة وأثرها في الحكم الشرعي

 

1416هـ ـ 1996م

رسالة دكتوراه، قدمت في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالخرطوم، بإشراف العلامة الدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور أحمد علي الإمام، وهي أول بحث علمي يتناول بالإحاطة والحصر الأحكام الشرعية التي تنشأ من اختلاف القراءات. طبعة خاصة بالمناقشة
 
شرح المعتمد

في أصول الفقه

1416هـ ـ 1996م

شرح مبسط لمنظومة المعتمد في أصول الفقه التي نظمها المؤلف عام 1402هـ، مع بعض الإضافات الهامة، وقد وضع في آخر الشرح مسرد كامل للمنظومة.

الطبعة الثانية ـ دار النور

 
إضاءة الدجنة

في عقائد أهل السنة

1416هـ ـ 1996م

شرح مبسط لمنظومة المقري في العقيدة المسماة إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، والنظم يقع في خمس مئة بيت من الشعر  ـ الناشر  دار النابغة
 
الشامل في   القراءات المتواترة

تحت الطبع

دراسة لطيفة تتضمن مذاهب القراء الأئمة، وتجعل هذا العلم في متناول كافة الدارسين، بعد أن كان وقفاً على أهل الاختصاص.

إصدار: دار ابن كثير والكلم الطيب، قدم له الشيخ صادق حبنكة.

 
دلالات التنزيل الغائبة

تحت الطبع

دراسة تتناول الأحكام الشرعية التي تنشأ من اختلاف القراءات وهي جزء من رسالة المؤلف للدكتوراه، وهو بحث في غاية الأهمية لكل مفسر.

إصدار دار الفكر ـ دمشق، تقديم الشيخ محمد سكر

 
كيف تقرأ القرآن

 

 

تحت الطبع

كتاب منهجي يتضمن أحكام التجويد مع مقدمة هامة عن أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، مع شرح للمنظومة الجزرية، وجداول مهمة، وهو يشتمل على محاضرات ألقاها المؤلف في كلية الشريعة ومركز التدريب الإذاعي والتلفزيوني بدمشق. إصدار دار إقبال
 
فتوح الشام

 

تحت الطبع

دراسة تشتمل على مجموعة من خطب الجمعة ومعلومات عن ندوة فتوح الشام التي نظمها المؤلف في جامع الزهراء بدمشق بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على فتوح الشام ـ إصدار دار النور

 

الإصدارات الصوتية والمرئية

 

 

مع الحبيب المصطفى

 

1403هـ ـ 1983م

لوحة رائعة تتضمن الهدي النبوي خلال اليوم والليلة، أعدها الدكتور محمد الحبش، وطبعت أكثر من عشرين طبعة بمئات الألوف من النسخ وتنتشر في المساجد والمدارس في كافة أنحاء العالم الإسلامي.
 
برنامج القرآن الكريم

 

1416هـ ـ 1996م

برنامج كومبيوتري على أقراص الليزر، يتضمن تلاوة كاملة للقرآن الكريم بصوت الشيخ محمد الحبش مع عرض لمصحف التجويد، وخيارات مختلفة تتضمن ترجمة القرآن وتفسيره وتحفيظه، وإحصاءات في غاية الأهمية ـ إصدار دار المعرفة ـ تنفيـذ دار المستقبل.
 
 

المصحف المرئي

 

1415هـ ـ 1995م

تسجيل كامل للقرآن الكريم المرتل بصوت الشيخ محمد الحبش، مع عرض لمصحف التجويد بإخراج بديع، على أشرطة الفيديو، حيث تسمع القرآن وتتعلم التجويد من خلال الألوان الموجودة على صفحات المصحف على الشاشة ـ إصدار دار المعرفة
 
 

المصحف المرتل

 

1414هـ ـ 1994م

تسجيل كامل للقرآن الكريم المرتل بصوت الشيخ محمد الحبش، على ثلاثين شريط كاسيت مع محفظة أنيقة ـ إصدار دار المعرفة ـ توزيع دار المناهل.
 
برنامج التجويد المرئي

 

1417هـ ـ 1997م

برنامج تلفزيوني من (300) حلقة، للتعريف بتجويد القرآن الكريم يتم تقديمه بشكل كامل يومياً في قنوات: دبي، والبحرين، والسعودية، وقطر، والكويت، والشارقة، وذلك منذ رمضان 1417هـ .

إضافة إلى نحو (90) ندوة وبرنامج تلفزيوني في مختلف المحطات الفضائية ونحو (50) مقالة في دوريات عربية وإسلامية.

 

([1]) [سورة الزخرف،  الآية : 44 ].

([2]) [سورة  التوبة، الآية : 37].

([3]) [سورة  الإسراء، الآية : 82].

* بحث نشر في صدى الإيمان، عدد تموز 1997، ص16 .

([4]) [سورة ص، الآية : 75].

([5]) [سورة السجدة، الآية : 9].

([6]) [سورة التين، الآية : 4].

([7]) [سورة البقرة، الآية : 30].

([8]) [سورة البقرة، الآية : 34]

([9]) [سورة الأحزاب، الآية : 72].

([10]) [سورة البقرة، الآية : 31].

([11]) [سورة العنكبوت، الآية : 20].

([12]) [سورة الجاثية، الآية : 13].

([13]) [سورة التوبة، الآية : 67].

([14]) [سورة التين، الآيات : 1-4].

([15]) سورة الإنفطار.

([16]) [سورة البقرة، الآية : 134].

([17]) [سورة البقرة، الآية : 37].

([18]) [سورة هود، الآية : 61].

([19]) [سورة الحديد، الآية : 7].

([20]) [سورة البقرة، الآية : 30].

([21]) [سورة ص، الآية : 26].

([22]) [سورة الأنعام، الآية : 74].

([23]) [سورة هود، الآية : 42].

([24]) [سورة النبأ، الآية : 40].

([25]) [سورة السجدة، الآية : 13].

([26]) [سورة الجاثية، الآية : 15].

([27]) [سورة إبراهيم، الآية : 1].

([28]) [سورة إبراهيم، الآية : 5].

([29]) [سورة الإسراء، الآية : 70].

* نشرت الكلمة في كتاب الدورة التأهيلية العالمية الخامسة بمجمع أبي النور الإسلامي، جـ1ص509 .

([30]) [سورة الحجرات،  الآية : 13].

([31]) رواه الطبراني كما أخرجه أحمد بصيغة : ((عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي)).

([32]) [سورة الأنبياء،  الآية : 92].

([33]) قاعدة أصولية مشهورة، وقد رواها البخاري حديثاً بصيغة : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران)). انظر صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب 21.

([34]) انظر مقدمة المنتقى للباجي.

([35]) انظر العواصم من القواصم ص251 .

([36]) [سورة النساء، الآية : 94].

([37]) [سورة التوبة، الآية : 105].

* كلمة سماحة الشيخ الدكتور أحمد كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى. في اجتماع الهيئة التأسيسية للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة. القاهرة 20-21/10/1993 .

([38]) [سورة المائدة، الآية : 2].

([39]) [سورة الأنبياء، الآية : 92].

([40]) [سورة البقرة، الآية : 201].

* كلمة الدكتور محمد الحبش  في مؤتمر القرآن الكريم عطاء متجدد ـ الكويت 9-12/3/1997م

([41]) [سورة  فاطر، الآية : 32].

([42]) [سورة الأنعام، الآية : 115].

([43]) تقوم الآن سبع قنوات فضائية عربية ببث هذا البرنامج وهي: البحرين، الكويت، قطر، السعودية، دبي، الشارقة، السودان.

* نشرت هذه الكلمة في مجلة الثقافة الإسلامية التي تصدرها المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق، عدد شهر نيسان 1997م .

([44]) [سورة الأحزاب، الآية : 33]

([45]) [سورة هود، الآية : 73]

([46]) [سورة الشورى، الآية : 23]

([47]) أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر، وأخرجه الإمام أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت.

([48]) أخرجه البخاري عن أبي بكرة.

([49]) تاريخ ابن عساكر جـ7 ص35 .

([50]) المصدر السابق ص36 .

([51]) المصدر السابق ص37 .

([52]) المصدر السابق ص37 .

([53]) السيوطي، تاريخ الخلفاء ص192 .

([54]) انظر الهامش رقم (4).

([55]) تم تحديد اليوم استناداً إلى ما رواه ابن عساكر في تاريخه جـ7 ص38، أن بيعة الحسن لمعاوية كانت بعد سبعة أشهر وعشرة أيام، والمعروف أن بيعة الشيعة للحسن كانت عقب مقتل أبيه في 17/رمضان/40هـ، وقد حقق المسعودي في مروج الذهب أنه كان يوم 25/ربيع الآخر/41 هـ.

* خطبة الجمعة المختارة، نشرت في مجلة نهج الإسلام، العدد 64، لعام 1996، ص72 .

([56]) [سورة النور، الآية : 55].

([57]) [سورة  التوبة، الآية : 33].

* بحث نشر في مجلة الثقافة الإسلامية، العدد 68 ، عام 1996 ، ص138 .

([58]) الكليني (ت 329هـ) هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحق الكليني الرازي، فقيه ومحدث ومؤرخ إمامي، من أهم رواة الشيعة الجعفرية، اشتهر بكتابه: الكافي، وهو مجموع يتضمن 16199 حديثاً تصبح عند حذف المكرر منها 8781 حديثاً، وقد كتبت عليه مئات الشروح والتعليقات، ويعتبر من أوسع كتب الرواية عند الشيعة.

([59]) الكافي للكليني، جـ4 ص446ـ باب 471 ح28 .

([60]) أصول الكافي للكليني، كتاب الحجة، باب النكت من التنزيل في الولاية، ج1ص412، رقم الباب في المعجم المفهرس 166 .

([61]) الكافي، باب فيه ذكر الصحيفة، ج1ص240، وانظر كذلك باب 98 ح1 و2 و3 و4 ج1 ص344 وقد عنون الكليني لهذا الباب بقوله: باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام.

([62]) الكافي للكليني، باب 9 ح7 .

([63]) مناهل العرفان للزرقاني، ج1 ص280 .

([64]) انظر على سبيل المثال: الخطوط العريضة للأصول التي قام عليها دين الشيعة الإمامية لمحب الدين الخطيب، وكذلك كتاب الشيعة والقرآن لإحسان إلهي ظهير، وكذلك فتاوى الشيخ ابن باز وإخوانه في السعودية.

([65]) دراسات في الحديث والمحدثين للسيد هاشم معروف الحسيني، ص132-134 .

([66]) المصدر نفسه، ص137 .

([67]) أكذوبة تحريف القرآن بين السنة والشيعة، تأليف الشيخ رسول جعفريان ص46 .

([68]) الغضائري: (000ـ441هـ) وهو الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري (أبو عبد الله) شيخ الإمامية في عصره، كثير الترحال، كان حمه أنفذ من حكم الملوك، يرمى بالغلو، له كتب منها: البيان في حياة الإنسان، النوادر في الفقه، وأدب العاقل وتنبه الغافل في فضل العلم، وفضل بغداد وعدد الأئمة، وما شذ عن الأئمة في ذلك، ويوم الغدير، والرد على الغلاة والمفوضة، انظر الأعلام، ج ص243 .

([69]) قاموس الرجال، ج1 ص403 .

([70]) النجاشي: (373ـ450هـ) هو أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي (أبو العباس) مؤرخ إمامي، يعرف بابن الكوفي، ويقال له الصيرفي من أهل بغداد وتوفي بمطير آباد، له كتاب: الرجال، في تراجم علماء الشيعة وأسماء مصنفاتهم، والكوفة وما فيها من الآثار والفضائل، وأنساب بني نصر بن قعين وأيامهم وأشعارهم، وهم أجداده. انظر الأعلام ج1ص172 .

([71]) معجم رجال الحديث، ج3 ص290 .

([72]) رجال النجاشي، ص838 .

([73]) خلاصة الرجال للعلاّمة الحلي، ص266 .

([74]) دراسات في الحديث والمحدثين، ص198 .

([75]) ابن المطهر الحلي (648ـ726هـ) هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي جمال الدين ويعرف بالعلاّمة من أئمة الشيعة وأحد كبار علمائها وله كتب أكثر من أن تحصى منها: تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، كنز العرفان في فقه القرآن، نهاية المرام في علم الكلام، القواعد والمقاصد، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، وغيرها، انظر الأعلام ج2 ص227 .

([76]) خلاصة الرجال للحلي، ص251 .

([77]) ابن بابويه القمي (…ـ329هـ) هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أبو الحسن، القمي، شيخ الإماميين بقم في عصره، مولده ووفاته فيها، له كتب في التوحيد، الإمامة، التفسير، ورسالة في (الشرائع) وغير ذلك. انظر الأعلام، ج4 ص277 .

([78]) الاعتقادات للشيخ الصدوق، ج1 ص57 .

([79]) الشريف المرتضى (355ـ436هـ) هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم نقيب الطالبيين وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر، مولده ووفاته ببغداد له تصانيف كثيرة منها: (الغرر والدرر) و(الشهاب في الشيب والشباب) و(الشافي في الإمامة) وغيرها كثير. انظر الأعلام ج4ص278 .

([80]) مجمع البيان للطبرسي، ج1 ص15 .

([81]) الطبرسي (…ـ548هـ) هو الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، أمين الدين، أبو علي، مفسر محقق لغوي، من أجلاء الإمامية، نسبته إلى طبرستان له: مجمع البيان في تفسير القرآن والفرقان مجلدان، جوامع الجوامع، في التفسير أيضاً، تاج المواليد، غنية العابد، مختصر الكشاف، إعلام الورى بأعلام الهدى، وغيرها كثير. انظر الأعلام ج5 ص148 .

([82]) تفسير مجمع البيان للطبرسي، ج1 ص15 .

([83]) أبو جعفر الطوسي، شيخ الطائفة (385ـ460هـ) هو محمد بن الحسن بن علي الطوسي، مفسر من فقهاء الشيعة ومصنفيهم، استقر بالنجف إلى أن توفي فيها، وأحرقت كتبه عدة مرات، من تصانيفه الإيجاز في الفرائض، الجمل والعقود، في العبادات، الغيبة، التبيان الجامع لعلوم القرآن، تفسير كبير، الاقتصاد في العقائد وغيرها كثير. انظر الأعلام ج6 ص84 .

([84]) تفسير الصافي ج1 ص55 عن الشيخ الطوسي .

([85]) كشف الارتياب في رد فصل الخطاب، ص57 .

([86]) انظر: أكذوبة تحريف القرآن، تأليف رسول جعفريان، ص60 .

([87]) صحيح البخاري بحاشية السندي، ج3 ص139 .

([88]) صحيح البخاري باب الشهادة عند الحاكم في ولاية القضاء.

([89]) صحيح مسلم، ج3 ص100 .

([90]) صحيح مسلم، ج4 ص167 .

([91]) ابن أبي داود السجستاني (23-316هـ) عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ابن المحدث المشهور أبي داود، محدث حافظ، مقرئ، مفسر، ولد بسجستان، ورحل مع أبيه شرقاً وغرباً، من تصانيفه: الناسخ والمنسوخ، المصاحف، المصابيح في الحديث.

([92]) المصاحف للسجستاني، ص92 .

([93]) المصدر نفسه، ص92 .

([94]) المصدر نفسه، ص93 .

([95]) المصدر نفسه، ص94 .

([96]) المصدر نفسه، ص95 . وأورد السجستاني كذلك ذكر مصحف عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن أبي مسعود وعبد الله بن عباس، وطائفة من مصاحف التابعين، وما تخالف كل منها مع المصحف الإمام، وهي محمولة بلا ريب على أنّ اختلافاتهم إنّما كانت اختلافات تفسير وليس اختلافات تحريف.

([97]) المصاحف للسجستاني، ص64 .

([98]) محمد تقي النوري الطبرسي (1201ـ1263هـ) هو محمد تقي بن عليه بن تقي النوري الطبرسي، فقيه أصولي، مشارك في بعض العلوم، ولد في نور من قرى طبرستان وهاجر إلى أصفهان وتلقى فيها العلوم ثم سافر إلى العراق وأخذ عن محمد المجاهد وغيره، ثم عاد إلى وطنه فاشتغل في القضاء بين الناس والتدريس والتأليف، توفي في قريته ودفن في مقبرة باب السلام بالنجف، من تصانيفه: دلائل العباد في شرح الإرشاد، المدارج في أصول الفقه، رسالة في الرضاع، وغيرها.. انظر معجم المؤلفين ج2 ص132 .

([99]) مستدرك الوسائل، المقدمة ص7 .

* بحث نشر في مجلة نهج الإسلام، العدد 37 ، لعام 1989 ، ص162 .

([100]) من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية.

([101]) مثنوي جلال الدين، ترجمة د. كفافي جـ1 نظم الصفحة 410 .

([102]) نفس المصدر السابق، نظم ص369 .

([103]) زركوب: حكيم كان جلال الدين يحبه ويؤثره.

([104]) مثنوي جلال الدين، ترجمه د. كفافي جـ1 نظم ص369 .

([105]) نفس المصدر، نظم ص422 .

([106]) نفس المصدر، نظم ص387 .

([107]) نفس المصدر، نظم ص413 .

* مشروع مقدم للجنة البحوث الإسلامية في الأوقــاف ـ نشرته مجلة وزارة الأوقاف (نهج الإسلام)، العدد 50 ، لعام 1992م ، ص74 .

* بحث خاص أعد بمناسبة مسابقة القرآن الكريم لمعاهد الأسد في سوريا، نشرته مجلة نهج الإسلام في العدد 33 ، لعام 1988م، ص38 .

([108]) [سورة الحجر، الآية : 9].

([109]) [سورة النساء، الآية : 82].

* مقابلة مع مجلة البلاد، نشرت في العدد 243 ، عام 1995 ، ص52 .

([110]) [سورة البقرة، الآية : 251].

([111]) [سورة البقرة، الآية : 256].

([112]) [سورة يونس، الآية : 99].

([113]) الدكتورة نجاح محمد، بحث بعنوان (المرأة العربية: الواقع والآفاق).

([114]) لم أعثر على أثر لهذه الحكاية في كتب الحديث التسعة المعتمدة. ثم وجدتها بنسخة ابن أبي شيبة برواية ضعيفة.

([115]) مجلة صدى الجامعة، دمشق في 4/4/1998م .

* لقاء مع صحيفة الوسط، عمَّان، العدد 4، جمادى الأولى 1418هـ .

* كلمة ألقيت في جامعة طهران بالذكرى الخامسة لرحيل الإمام الخميني، حزيران، عام 1994 .

([116]) [سورة الأنبياء، الآية : 80].

([117]) [سورة ص، الآية : 18].

([118]) [سورة سبأ، الآية : 11].

([119]) [سورة سبأ، الآيات : 12-13].

* مجلة نهج الإسلام، العددان 67 ـ 68، عام 1417هـ .

([120]) [سورة المؤمنون، الآية : 71].

([121]) ألقيت في الدورة الثانية عشرة للجنة تنسيق العمل الإسلامي المشترك في طهران بتاريخ 23ـ25 أيار 1998م .

([122]) في نهاية الكلمة قال لي السيد خامنئي مبتهجاً: والآن.. والآن، وفتح ذراعيهه وقربني وقبلني مسروراً سعيداً، وأثنى على كلمتي هذه ثناءً طيباً.

([123]) ألقيت بمؤتمر مسلمي أمريكا اللاتينية في برلمان سان باولو، آب  1995م .

([124]) [سورة الأحزاب، الآية : 21]

([125]) [سورة الممتحنة، الآية : 8]

([126]) [سورة الممتحنة، الآية : 9]

([127]) [سورة القصص، الآية : 56]

([128]) [سورة الأنفال، الآية : 72]

([129]) [سورة آل عمران، الآية : 199]

([130]) [سورة البقرة، الآية : 115]

([131]) [سورة المائدة، الآية : 83]

([132]) [سورة المجادلة، الآية : 22]

([133]) [سورة العنكبوت، الآية : 46]

([134]) [سورة  آل عمران، الآية : 64].

([135]) [سورة الفاتحة، الآية : 1]

([136]) [سورة البقرة، الآية : 4]

([137]) [سورة البقرة، الآية : 285]

([138]) [سورة آل عمران، الآيات : 1-3]

([139]) [سورة آل عمران، الآية : 199]

([140]) [سورة النساء، الآية : 1]

([141]) [سورة النساء، الآيات : 163-164]

([142]) [سورة الأنعام، الآية : 90]

([143]) [سورة المائدة، الآية : 73]

([144]) [سورة التوبة، الآية : 29]

([145]) [سورة المائدة، الآية : 51]

([146]) [سورة النساء، الآية : 124]

([147]) [سورة التوبة، الآية : 67]

([148]) [سورة الممتحنة، الآية : 8]

([149]) [سورة آل عمران، الآية : 75]

([150]) [سورة آل عمران، الآيات : 113-115]

 

 

تحميل الملف بين يدي الرسالة

اضف رد