جرائم الشرف بين الشريعة والقانون

بحث علمي

بإشراف

الاتحاد العام النسائي في سوريا                   برنامج هيئة الأمم المتحدة للمساواة               

                                                               بين الجنسين وتمكين المرأة

 

 

 

موقف الشريعة والقانون

من الجرائم التي ترتكب باسم الشرف

 

إعداد

الدكتور محمد حبش                       الدكتورة كنده الشماط

 

مراجعة

الأستاذ الدكتور عبود السرَّاج

 

دمشق

شباط 2011


مقدمة

1ـ ما تزال الجرائم المرتكبة باسم الدفاع عن الشرف تشغل ـ حتى هذا التاريخ ـ بال المفكرين من رجال التشريع والقانون والقضاء والاجتماع والتربية والنفس… ففي هذه الجرائم عدوان على المرأة الضحية، وهدر لحقوقها في الحياة والسلامة الجسدية والمادية والمعنوية، وفيها أيضاً عودة لشريعة الغاب وزمن القصاص الفردي، وتغييب لحق الإنسان في محاكمة عادلة أمام قضاء مختص، وفي عقاب تفرضه وتنفذه سلطة قضائية تستمد مشروعيتها من الشرائع الإلهية والدستور والقانون.

2ـ وقد نظر المشرع السوري في قانون العقوبات الصادر عام 1949 إلى المجرمين الذين يقترفون جرائم القتل أو الإيذاء ضد المرأة بذريعة الدفاع عن شرفهم، نظرة عطف ورحمة، ثم جاء القضاء ليتوسع في هذه النظرة عند تطبيق النصوص القانونية، وينزل بالعقوبة إلى حدٍ أدنى يتجاوز الحدود التي رسمها المشرع في تخفيف العقوبة للدافع الشريف. وقد كان لهذا الموقف التشريعي والقضائي المتسامح مع الرجل آثاره السلبية في تشجيع أوساط اجتماعية معينة على قتل المرأة أو إيذائها بذريعة الشرف، استخفافاً بالعقوبة، وإنكاراً للقيمة الذاتية للمرأة كإنسان يشكل نصف المجتمع.

3ـ ومنذ العقود الأخيرة من القرن الماضي، وبدايات الألفية الثالثة، تحركت جهات حكومية ونقابية وأهلية ودينية لنشر الوعي بخطورة تنامي ظاهرة جرائم الشرف، والمناداة بإنصاف المرأة ورفع الظلم عنها. وقد استجاب المشرع السوري لمطالب الجهات المذكورة وأصدر المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 1/7/2009 الذي تضمن إلغاء العذر المحل الذي نصت عليه المادة 548 من قانون العقوبات والاستعاضة عنه بالعذر المخفف لتكون العقوبة الحبس مدة سنتين في القتل. ولكن ما لبث المشرع أن أصدر بعد سنة ونصف التعديل الثاني للمادة 548 بالمرسوم التشريعي رقم 1 تاريخ3/1/2011 الذي شدد العقوبة في القتل إلى الحبس مدة لا تقل عن الخمس سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات.

4 ـ ومع ذلك فلم يكن هذا التعديل كافياً للأسباب الثلاثة الآتية:

السبب الأول: أن العقوبة هي جنحية الوصف، والفارق بينها وبين عقوبة القتل في التشريع السوري كبير جداً.

السبب الثاني: لم يوجه المشرع اهتمامه حتى الآن نحو إيجاد حل للإشكاليات الناجمة عن تطبيق أحكام المادة 192 من قانون العقوبات التي تخفف العقوبة للدافع الشريف.

السبب الثالث: ترفض الشريعة الإسلامية القصاص الفردي، وتوجب إرجاع الأمر إلى ولي الأمر، وهو في هذه الحالة، القضاء المختص بالنظر في التهمة الموجهة إلى المرأة من خلال محاكمة عادلة، وحكم مبني على الأدلة الشرعية والقرائن المتفقة مع العقل والمنطق.

وهكذا فان المشكلة ما تزال قائمة حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، ولا بد من حراك اجتماعي تقوده منظمات فاعلة، كالاتحاد العام النسائي، وهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وجهات أخرى حكومية وأهلية.

 

هدف الدراسة:

تهدف الدراسة إلى تحليل الواقع القانوني والشرعي لجرائم القتل بدافع الشرف في سورية، من خلال تحليل المواد القانونية والنصوص الشرعية ذات الصلة، والتعامل القضائي في هذا النوع من الجرائم.

كما تهدف هذه الدراسة إلى تمكين عامة الشعب من إحداث تغيير إيجابي للمفاهيم المتعلقة بجرائم الشرف، وإجراء تغيير في أنماط السلوك السائدة المرتبطة بهذه الحالة، وبخاصة فيما يتصل بالتفسير الديني لسلوك الدفاع عن الشرف وغسل العار، كما تهدف أيضاً إلى مساعدة صانعي القرار (قضاة، محامون، إداريون، أعضاء مجلس الشعب، الخ) من فهم هذه الحالة من كافة جوانبها، وتمكينهم من المساهمة في تغيير القوانين والسلوكيات الناظمة لها.

 

إشكالية الدراسة:

تعد جرائم القتل بدافع الشرف من القضايا التي ما تزال تثير جدلاً في الأوساط القانونية والقضائية، والمرجعيات الدينية والاجتماعية، إذ تنطوي هذه الجرائم على تسامح قانوني تجاه عنف غير مبرر شرعاً، وتمييز واضح ضد المرأة، يرتبط بأبعاد تاريخية، واجتماعية ما تزال تضغط بقوة لحماية الجناة من العقوبة، وهو ما يوجب العمل على إيجاد حلول قانونية مقبولة ومناسبة، بالإضافة إلى الجهود الواجب تكريسها لتعديل النظرة الاجتماعية السائدة إزاء هذا النوع من الجرائم.

 

منهج الدراسة:

يستخدم هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي النظري القائم على رصد عناصر الظاهرة وموقف القانون والقضاء منها، وإخضاعها للتحليل والتفسير.

أهمية الدراسة:

ترجع أهمية هذه الدراسة إلى عدة أمور منها:

1ـ إن ظاهرة جرائم القتل بدافع الشرف من الظواهر التي تنطوي على أبعاد قانونية، واجتماعية، وبالتالي لا بد من تحديد الإشكاليات القانونية المترتبة عليها، وموقف المشرع السوري منها.

2ـ إلقاء الضوء على أبرز النقاط التي تساهم في انتشار هذه الظاهرة من الناحية القانونية.

3ـ سوف تساهم هذه الدراسة في رسم خطوط عامة لآليات الدعم والحماية والوقاية الممكن تقديمها لمختلف الأطراف للحد من هذا النوع من الجرائم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعريف الشرف لغة واصطلاحاً([1]):

لا شك أن كلمة الشرف كلمة محببة، وهي مطلب يسعى الإنسان لتحصيله والدفاع عنه، ولا شك أنه أعز ما يدافع عنه ويسعى لتعزيزه وحمله لأبنائه من بعده.

قال الجوهري في الصحاح: الشرف العلو والمكان العالي.([2])

وقال ابن منظور في لسان العرب: الشرف الحسب بالآباء، شرف يشرف شرفاً وشرفة وشرافة فهو شريف والجمع أشراف. والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء، ويقال رجل شريف ورجل ماجد له آباء متقدمون في الشرف. قال والحسب والكرم يكونان وإن لم يكن له آباء لهم شرف، والشرف مصدر الشريف من الناس، وشريف وأشراف مثل نصير وأنصار وشهيد وأشهاد والجمع شرفاء وأشراف.([3])

وكلمة الشرف لم ترد على الإطلاق في القرآن الكريم، في أي معنى، وفي أحاديث الرسول (عليه السلام) وردت مرة واحدة بمعنى الشرف من الأرض، وهي الأرض البارزة([4]).

وجرى إطلاق تسمية الشرف على المشاعر الغاضبة التي يكابدها المرء في مواجهة الاتهامات التي تمس أسرته أو قراباته من النساء، وهو أمر عرفي تكرس خلال الحياة الاجتماعية، تأسيساً على حق الإنسان في تحصيل سمعة طيبة، ومنع اتهامه بما يشين أو يعيب.

أما إطلاق تسمية جرائم الشرف للتعبير عن الجرائم الخاصة بالانتقام من الأنثى أو الرجل إذا اشتبه في مقارفتهما الفاحشة، فهو أمر مستهجن وغير مقبول لا لغوياً ولا شرعياً. وهو على كل حال استخدام مستحدث، ولا ندري في الواقع من الذي سبق إلى استعماله، ولكن من المؤكد أنه شاع في الاستعمال عبر الخطاب الصحفي وليس عبر لغة الفقهاء.

والحقيقة أنه لم يكن من الصواب إطلاق كلمة الشرف على أي نوع من الجرائم، خاصة هذا اللون من الجرائم الملتبسة.

 

 

 

 

تاريخ جرائم الشرف([5]):

يعود تاريخ الجرائم التي ترتكب في البلاد العربية بحجة الدفاع عن الشرف إلى تاريخ أسبق من ظهور الإسلام، وفي روايات الشعر الجاهلي كثير من المواقف التي يباهي بها الشعراء في غضبتهم وانتقامهم للشرف العائلي، وهو يكشف لنا عن طبيعة ما كان يجري خلال تلك المراحل المتقدمة من ارتكاب لهذا اللون من الجرائم بحجة الدفاع عن الشرف.

وقد اتخذ الأمر في الجاهلية شكلاً أبشع إذ لم يتوقف عند حدود القتل بدافع الشرف، بل تطور الأمر إلى حد القتل خوفاً من احتمال تلطخ الشرف، مع أنه كان محض احتمال بعيد ولكن على الرغم من ذلك فقد عرف العرب وأد البنات وهو جريمة بشعة كان الدافع الأول لها هو الخوف من وقوع الفتاة في العار.

ومع أنه لا يوجد في الدنيا أبشع من دفن طفلة بريئة وهي حية لمجرد الخوف من العار، ولكن ذلك وقع في الجاهلية بكل تأكيد، وسجله القرآن الكريم منكراً عليهم هذه الجرائم، وهناك أسماء كبيرة عرفت في التاريخ بأنها ارتكبت جرائم الوأد وقتل النساء ولأسباب مختلفة، ومع ذلك ظل هؤلاء يتصدون للزعامة في أقوامهم دون نكير، ولا شك أن ذلك من أبشع مظاهر الجاهلية.

وقد أثار هذا الظلم القبيح عدداً من شرفاء العرب، فقاموا بدور رئيس في مواجهة هذا اللون من الجاهلية، ومحاربة هذا النوع من الجرائم، واشتهر منهم زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى ابن عم عمر بن الخطاب، وهو أحد الحنفاء الذين اشتهروا في الجاهلية بالتوحيد ورفضوا عبادة الأصنام وآمنوا بوحدانية الله تعالى، ورفضوا أن يأكلوا من الأنصاب التي تذبح لغير الله تعالى، وكان عدواً لوأد البنات، واشتهر بأنه كان يحيي الموؤودة، ولا يعلم من هي،  إلا إذا قصد أباها وكفاه مؤنتها، فيربيها حتى إذا ترعرعت عرضها على أبيها فإن لم يأخذها بحث لها عن كفؤ فزوجها به.([6])

ويعكس موقف زيد بن عمرو مواقف كثير من الأشراف الذين كانوا يتألمون لهذا اللون من المظالم ويحاولون تغييره بشتى الوسائل الممكنة ابتغاء مرضاة الله سبحانه.

وحين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم نزلت الآيات البينات بإنكار هذه الجرائم البشعة أياً كانت دوافعها، واعتبر القتل بغير حق من أكبر الجرائم في الإسلام وأعظم الذنوب عند الله تعالى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى عدد من شرائع الجاهلية التي كانت تعاني منها المرأة، ولعل أوضح صورة لهذا الانحراف الخطير هو ما ورد في سورة التكوير في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}([7]).

لقد كان قتل الأنثى يجد تبريره الكافي لمجرد الخوف من العار وليس بسبب الوقوع في العار، وهكذا فإن الوأد كان أبشع أشكال جرائم الشرف لأنه كان تبريراً للقتل لمجرد الخوف من العار مع أن الفتنة ليست في وارد ذلك بأي وجه من الوجوه.

وفي سياق آخر أشار القرآن الكريم إلى بشاعة هذه الجريمة في سورة النحل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} ([8]).

وهكذا فقد كانت ولادة الأنثى، مجرد الولادة! تبرر للرجل التفكير في جناية القتل لأنه من المحتمل بعد عشرين عاماً أن تقع الفتاة في العار وبذلك يتدنس عرضه، وقد أنكر القرآن الكريم هذا الوهم الجاهلي المقيت داعياً إلى احترام كرامة المرأة الإنسان مؤكداً على أن النساء شقائق الرجال، وأن الله خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن إليها.

وإذا تقرر أن الإسلام جاء لحماية المرأة وإعادة اعتبارها ومنع الظلم عنها فإن من الطبيعي أن يشتد الإنكار على من يروج للقتل باسم الدفاع عن الشرف، وخاصة القتل وفق الطريقة التي منحت فيها بعض القوانين الأعذار المحلة التي تعفي الإنسان من أي لون من القصاص وبذلك تهون الدماء والأعراض على وجه لا يرضاه الله ورسوله.

 


 

 

الفصل الأول

 

موقف الشريعة

من الجرائم التي ترتكب باسم الشرف


خطة البحث

 

موقف الشرع والعقل من الفواحش

  • عقوبة القتل
  • عقوبة الزنى
  • عقوبة القذف

موقف الشريعة من جرائم الشرف

  • دراسة في الكتاب والسنة
  • دراسة في مذاهب الفقهاء
  • مناقشة الفتاوى التي تدعم القتل بدافع الشرف

مناقشة شرعية للنص القانوني

  • أخطاء في التشريع
  • أخطاء في التطبيق

التوصيات

 

 


موقف الشرع والعقل من الفواحش

 

أكدت جميع الشرائع السماوية حرمة دم الإنسان وتحريم الاعتداء عليه بغير حق، وتواترت النصوص في أن قتل النفس الإنسانية يعتبر عند الله تعالى أفحش الجرائم وأبشع الفواحش.

كما جاءت الشرائع السماوية بحماية الأسرة ورعاية النسل، واعتبر الاعتداء على الأسرة عملاً سيئاً ومحرماً، ولأجل ذلك فقد شرعت الأحكام الشرعية المختلفة الهادفة إلى حماية الأسرة من العبث والاستهتار، ولدى المقارنة مع الشرائع الوضعية فإننا سنجد الاهتمام نفسه بحماية الأسرة ورعاية النسل، وبالتالي ضرورة وجود قوانين رادعة لمن تسول له نفسه العبث بقيم الأسرة، واضطهاد النسل.

وقد أنجزت الأمم المتحدة ميثاق حقوق الطفل الذي اعتمدته معظم دول العالم وهو يطالب بحماية الطفولة وتوفير استقرار وكفاية لكل طفل في العالم، وهي مطالب إيجابية بكل تأكيد، ولكن الأديان نبهت إلى حق عظيم من حقوق الطفل لم تشر إليه المواثيق الدولية وهو حق الطفل في أن يولد بين أبوين ليحظى بحياة كريمة هادئة.

ولأجل توفير هذا الحق للأطفال في كل مكان في العالم فقد جاءت الشريعة صارمة واضحة في منع الفحشاء بكل أشكالها لما تعنيه من تهديد حقيقي لكيان الأسرة، ومظالم قاسية بحق الأطفال الذين يأتون إلى الحياة في ظروف معقدة ولا يجدون أنفسهم في أسرة واعية مسؤولة.

وسندرس موقف الشريعة في حماية الأسرة واستقرارها من خلال ثلاثة من الحدود التي قررتها الشريعة لحماية استقرار الأسرة، وهي جرائم تتصل مباشرة ببحثنا هذا، نبينها هنا في الحدود الثلاثة: حد القتل وحد الزنى وحد القذف.

 

حد القتل

القتل من أكبر الكبائر في الإسلام، وهو نظير الكفر، وقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على حرمة الدم وتحريم قتل النفس الإنسانية قال تعالى: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}([9]).

وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}([10]).

وفي خطبة الوداع أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه الأخير: «أيها الناس!! إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا!! ألا هل بلغت؟؟ اللهم فاشهد»([11]).

ولا شك أن النص هنا جاء شاملاً لتحريم كل أنواع القتل بغير حق، وجاء الخطاب بصيغة يا أيها الناس، فشمل كل نفس، والنفس معصومة في الإسلام لا يحل قتلها إلا ببينة وبرهان وعبر قضاء وخصومة صحيحة.

وكما قررت الشريعة عصمة الدم لسائر الناس، فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الحق يشمل العبيد والإماء. وعن سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه ومن خصاه خصيناه»([12]).

وفي تحذير شديد من جريمة القتل أخرج ابن ماجه عن البراء بن عازب أن رسول الله (عليه السلام) قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق»([13])

وزيادة في التحذير من قتل الإنسان فإن الرسول (عليه السلام) نبه صراحة أن القتل بغير حق جريمة سواء كان الضحية مسلماً أم غير مسلم، ذمياً أو معاهداً، موحداً لله أو مشركاً به، طالما أنه لم يقم بما يستوجب القصاص. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا من قتل نفسًا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة»([14]).

وتأكيداً على هذه الحقيقة فقد روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما»([15]).

وفي تحذير خاص من القتل على وفق شرائع الجاهلية وتقاليدها من الثأر والوأد والبغي، فقد روى ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية»([16]).

وذحول الجاهلية عاداتها وتقاليدها، والمراد هنا الثأر الجاهلي وأمثاله.

وشمل تحريم القتل تجريم القاتل والآمر بالقتل والمتواطئ فيه، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله (عليه السلام): «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز و جل مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله»([17]).

وأخرج أبو داود عن عبادة بن الصامت عن النبي (عليه السلام) أنه قال: «من قتل مؤمناً، فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»([18]).

ونرى أن هذين الحديثين يمكن أن يكونا نصين في «تحريم القتل بدافع الشرف» لأنهما يأتيان هنا تماماً على ذحول الجاهلية وتقاليدها، والفرح والاغتباط بقتل المقتول.

بل إن الشريعة جاءت بالوعيد الشديد على قتل الحيوان بدون سبب موجب، ونهى النبي (عليه السلام) عن قتل النملة في البرية وكذلك النحلة والهدهد والصرد([19]) وغيرها من هوام الأرض التي لا تؤذي، وإنما رخص في قتلها إذا فسقت ودخلت بيوت الناس وزاحمتهم في مأكلهم ومنامهم. روى الشريد بن سويد أن رسول الله (عليه السلام) قال: «من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله عز وجل يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة!!»([20])

كما ورد الوعيد الشديد على من تسبب في قتل هرة، وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض».([21])

فإذا كان هذا الوعيد قد ورد في الصحاح فيمن تسبب بقتل عصفور أو بقتل هرة!! فكيف بمن قتل نفساً بغير نفس لمجرد الشبهة، بدون بينة ولا برهان!!

وهكذا فإن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية متضافرة على تعزيز حرمة دم الإنسان وتحريم الاعتداء عليه أو قتله بأي وجه، ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، ولم يأت فقيه من الفقهاء على ذكر الكبائر في الإسلام إلا وعد القتل من أكبر الكبائر.

 

حد الزنى

لا شك أن الإسلام حرم الزنى تحريماً قاطعاً، وهو الموقف نفسه الذي تبنته سائر الأديان، ولم يحل الزنى في دين غابر ولا شرع ظاهر، وظل الناس يعلمون أن الزنى من أكبر الفواحش التي يجب مقاومتها، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}([22])

وفي سورة الأعراف: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}([23])

وفي الكتاب المقدس تنص الآيات واضحة على أن الزنى فاحشة ومقت، وقد نهت عنه الشريعة. وتحددت عقوبة الزناة في القرآن الكريم بمائة جلدة لكل من الرجل والمرأة، وهذا هو ما نصت عليه الآيات البينات في القرآن الكريم، في حين اختار الفقهاء التفريق بين عقوبة البكر والثيب، ووصلت العقوبة بالثيب حد الإعدام رجماً عند ثبوت الفاحشة.

قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}([24]).

ولكن الإعلان عن هذه الحدود القاسية ترافق دوماً بدعوة القضاء إلى مبدأ ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهكذا فقد ظل الحد في الإسلام نظرياً ونادر التطبيق، يقوم بدور مهم في ردع الناس وصدهم عن الانحراف في درب الخطيئة، وتم التحول دوماً إلى عقوبات تعزيرية مختلفة من السجن والغرامة، وهو ما قررت الشريعة تفويضه للقضاة.

ولا شك أن الجانب الأهم في تحريم الزنى هو تربية الناس على القيم والفضائل، ونشر الوعي بقيم الأسرة وقدسية العلاقة الزوجية، وبؤس الخيانة الزوجية، وما يترتب على ذلك من مظالم ومآثم. وهذا القدر من المقاصد النبيلة لحماية الأسرة هو مما اتفقت فيه الشرائع والحكمة والقيم المدنية والحضارية.

كما يجب التأكيد على أن حماية المجتمع من الرذائل والانحراف هو شأن الدولة التي وليت أمر الناس وشأن الحاكم الذي أقامه الله في مقام المسؤولية والأمانة، وليس شأن الأفراد. وهذه الحقوق تتطلب نظاماً قضائياً متكاملاً يعتمد منطق العدالة السائد في الأرض؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا عقوبة إلا بنص قانوني، وادرؤوا الحدود بالشبهات، والمرء مؤاخذ بإقراره، والشهادة حجة قاصرة، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها العقلاء في العام كله في شأن العدالة وإقامة الحقوق.

حد القذف

وبقدر ما جاءت الشريعة شديدة في تجريم الزنى فإنها جاءت شديدة أيضاً في تجريم القذف (أي اتهام الناس بالزنى) واعتبرت مجرد الاتهام بدون دليل جريمة يعاقب عليها القانون، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}([25]).

وتعكس هذه الآية إرادة واضحة للشريعة في كف الناس عن الولوغ في الأعراض والاتهام بغير حق، وتأكيد الأصل في براءة الناس واحترام خصوصياتهم.

وقد جاء التحذير القرآني الواضح ليكف الناس عن الاشتغال بخصوصيات الآخرين، وأن الأصل في معالجة هذا اللون من الخطأ هو الستر والغفران، وليس التشفي والافتضاح، وأن المطلوب هو المعالجة بالحكمة والموعظة الحسنة دون الوصول إلى أبواب المحاكم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}.([26])

وقد ذكر الفقهاء الشروط القاسية المتعددة لقبول الاتهام بالزنى، ومن اللافت أن سائر الحقوق في الإسلام كالزواج والبيع والمعاملة ونقل الملكية وغيرها تثبت بشاهدين اثنين إلا جريمة الزنى فإنها لا تثبت إلا بأربعة شهود عدول، وقد نصت السنة المشرفة على شروط إثبات الحد وهي شروط صارمة ضامنة يستحيل أن تتوفر إلا في حالات معقدة وصعبة، وقد كتب الفقهاء في تحقيق هذه الشروط البحوث المطولة، وتم تلخيص هذه الشروط والجمع بينها بثلاثة عشر شرطاً، وها نحن ننقلها من موسوعة الفقه الإسلامي:

أما البينة: فهي شهادة أربعة رجال، ذكور، عدول، أحرار، مسلمين، على الزنى (يشهدون باللفظ الصريح الذي لا يحتمل أي تأويل)

وبعد أن ذكرت الموسوعة الشروط العامة في الشهادة من التثبت والصدق وصحة الخصومة وغيرها نصت على أن الشهادة في أمر الزنى تتطلب شروطاً خاصة محددة زيادة على تلك الشروط العامة، ولا شك أن ذلك أيضاً يوضح إرادة الشريعة في حماية أعراض الناس وعدم السماح بالتهاون في اتهام الناس بأمر الفحشاء، وحددت الموسوعة هنا هذه الشروط بثلاثة عشر شرطاً وهي:

1ـ عدد الأربع في الشهود في حد الزنى لقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ»([27]). وقوله: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}([28]). وقوله في حد القذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}([29]). فإذا شهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما في لحاف واحد، ولم يزد عليه: يحد الثلاثة عند الحنفية حد القذف، ولا حد على الرابع؛ لأنه لم يقذف. وإن شهد شهود دون أربعة في مجلس الحكم بزنى حدوا بالاتفاق حد القذف؛ لأن عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنى.

2 ـ التكليف: أي البلوغ والعقل، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين.

3 ـ الذكورة: فلا تقبل شهادة النساء بحال، تكريماً لهن؛ لأن الزنى فاحشة.

4 ـ العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقاً. فإن شهد أربعة بالزنى وهم فساق، أو ظهر أنهم فساق لم يحدوا حد القذف؛ لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق.

5 ـ الحرية: فلا تقبل شهادة العبيد.

6 ـ الإسلام: (فلا تقبل شهادة غير المسلم في إثبات الزنى).

7 ـ الأصالة: فلا تقبل الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكن الشبهة في وقوع الجريمة، والحدود لا تثبت مع الشبهات.

8 ـ اتحاد المشهود به: وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، في مكان واحد وزمان واحد.

9ـ اتحاد المجلس: أي أن يكون الشهود مجتمعين في مجلس واحد وقت أداء الشهادة. فإن جاؤوا متفرقين واحداً بعد واحد لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف، لقول عمر رضي الله عنه: «لو جاؤوا مثل ربيعة ومضر فرادى لجلدتهم» أي أن المراد اتحاد المجلس عند أداء الشهادة. وهذا عند الحنفية، وأما بقية الفقهاء فلم يقولوا بهذا الشرط.

10 ـ أن يكون المشهود عليه الزنى ممن يتصور منه الوطء، فلو كان مجبوباً لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف.

11 ـ أن يكون المشهود عليه الزنى ممن يقدر على دعوى الشبهة، فإن كان أخرس، لم تقبل شهادتهم، إذ قد يدعي الشبهة لو كان قادراً.

12 ـ عدم التقادم من غير عذر ظاهر: وهو شرط في حد الزنى والسرقة وشرب الخمر كما تقدم. ومعناه ألا تمضي مدة بعد مشاهدة الجريمة وأداء الشهادة، منعاً من التهمة وإثارة الفتنة، إذ أن أداء الشهادة بعد مضي مدة من غير عذر ظاهر، يدل على أن الضغينة هي الحاملة على الشهادة.

فإذا كان التقادم لعذر ظاهر، كعدم وجود حاكم في موضع أو بُعد مسافة خوف طريق، فلا يمنع من قبول الشهادة.

ومدة التقادم متروك تقديرها إلى اجتهاد القاضي عند أبي حنيفة، لاختلاف أعذار الناس في كل زمان وبيئة. وقال الصاحبان: مدة التقادم شهر أو أكثر، فإن كان دون شهر فليس بمتقادم؛ لأن الشهر أدنى الآجل، فكان ما دونه في حكم العاجل.

13 ـ بقاء الشهود على أهليتهم حتى يقام الحد: فلو ماتوا، أو غابوا، أو عموا، أو ارتدوا، أو خرسوا، أو ضربوا حد القذف قبل إقامة الحد، أو قبل أن يقضى بشهادتهم، سقط الحد؛ لأن هذه العوارض لو اقترنت بالشهادة منعت من قبولها، فكذلك إذا اعترضتها بعدئذ.([30])

ونص الفقهاء على أن أي اتهام لامرأة أو رجل بالزنى ينقص شرطاً من هذه الشروط فإنه يوجب على القاضي معاقبة صاحب الدعوى بحد القذف، يعني لو شهد ثلاثة وتردد الرابع في الشهادة فإن الثلاثة يجلدون حد القذف، ويعزر الرابع، وذلك في سعي واضح لتشوف الشريعة لستر الناس وعدم إشاعة الفحشاء بين الناس.

إن إيراد هذا النص بطوله ضروري لنفهم إلى أي مدى احتاط الإسلام في منع الناس من الاتهام بالزنى، ومن نافلة القول أن ثبوت الزنى بالبينة على هذا الوجه لم يتم على الإطلاق في التاريخ الإسلامي أو على الأقل لم تدون في التاريخ الإسلامي حادثة واحدة لإيقاع الحد بالبينة.

وكذلك فقد نص الفقهاء على شروط كثيرة في القاذف والمقذوف والمقذوف به والمقذوف فيه وفي نفس القذف وقد بلغت نحو عشرين شرطاً لا يتسع المقام لروايتها جميعاً وقد بسطتها موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته فليرجع إليها.([31])

ولا بأس من القول بأن حد الزنى بالذات يستحيل تطبيقه أو وضعه موضع التنفيذ بعد هذه الشروط الدقيقة التي قررها الفقهاء للحكم باتهام إنسان ما بالفحشاء، وما روي من إقامة بعض الحدود خلال التاريخ الإسلامي فقد كان ذلك في الواقع من خلال إقرار الجناة على أنفسهم وليس من خلال الثبوت بالبينات.

وهنا يحق لنا أن نتساءل بأي وجه يقدم القاتل المتذرع بالشرف على قتل المرأة أو الرجل بتهمة الخطيئة؟ وما هي الشروط التي تتوفر لديه لكي يباح له اتهام إنسان ما بالزنى؟ وما هي الجهة القضائية التي حكمت بوجوب قتل هذه المرأة أو الرجل؟ وما هي هيئة الشهود التي أثبتت إدانة الرجل أو المرأة بهذا الوجه من الإدانة؟

إن من المؤلم أن الشريعة جاءت بهذه الشدة والصرامة في عقاب من قذف امرأة بكلام سوء، فما بالك بمن قذفها برصاص سوء أو سكين غدر؟

من المؤسف أن يتولى بعض الناس الدفاع عن القتلة بدعوى أنهم حماة الشرف، استجابة للتقاليد العشائرية في حين أنهم يُعرضون عن منهج الشريعة السمحاء الدقيق والصارم في حماية أعراض النساء وعدم السماح بمس كرامتهن بكلمة سوء.

 

 


موقف الشريعة من جرائم الشرف

جاء الإسلام شديداً في تحريم الزنى واعتباره جريمة أخلاقية واجتماعية، خاصة عندما يتضمن خيانة زوجية، وذلك حرصاً من الشريعة الغراء على استقرار الأسرة، ورعاية لحقوق الأبناء الذين يفترض أن ينشؤوا في بيئة سليمة آمنة مستقرة لا تشوبها طبيعة العلاقات المضطربة التي تجري في الظلام وتؤثر غاية التأثير على الحياة الزوجية.

قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}([32])

ومن البدهي أن تقوم الشريعة بتقرير عقوبة رادعة على طرفي الزنى عندما يثبت ذلك بالأدلة القضائية المحكمة، ولأجل ذلك فقد قررت الشريعة عقوبات مختلفة لمواجهة العلاقات الجنسية غير المشروعة التي تخالف النظام العام في الإسلام في بناء الحياة الأسرية على أساس من الاستقرار والحب والرحمة، وكانت هذه العقوبات في صدر الإسلام الأول تتم بجلد الزناة وهو نمط كان متعارفاً عليه في العقوبة ولكن خلال تاريخ الفقه الإٍسلامي طرأت عليه تعديلات كثيرة تناسب تطور الحياة والأعراف التشريعية في كل بلد من البلدان.

ولكن ما ينبغي تقريره هنا هو أن هذه العقوبات الشرعية المقررة على جريمة الزنى ليست شأناً فردياً يطبقه من شاء كيف شاء ومتى شاء، بل إن هذا شأن الحكومة الشرعية التي تسهر على حراسة القانون، ولا يتم ذلك إلا بعد أن تكون الأمة قد اختارت تطبيق هذا الحكم ووافقت عليه عبر مؤسساتها الديمقراطية، وقد قدمنا قبل قليل أن إقامة الحد لها شروط كثيرة ودقيقة لا بد منها حتى يتحقق الحكم الشرعي، وهذه الشروط من الشدة والصرامة بحيث يستحيل تحققها كما أشرنا، وهنا يجب القول:

أولاً ـ إن مسألة الرجم لم تكن محل اتفاق في الفقه الإسلامي، ولم يرد في القرآن الكريم أي إشارة لحكم الرجم حتى الموت، وقد توقف كثير من الفقهاء عند العقوبة بمائة جلدة واعتبروا حادثة الرجم المشهورة مما وقع قبل نزول الأحكام، وقد جرى على شرع من قبلنا من أهل الكتاب، قبل أن تنزل آيات الحد القاطعة، وبمتابعة قصتي المرأة الغامدية وماعز بن مالك الأسلمي نلاحظ أن النبي (عليه السلام) لم يكن راغباً بإقامة الحد، وظل يقول للمرأة اذهبي حتى تضعي ما في بطنك، ثم قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، وغير ذلك من القرائن كما في قصة ماعز بن مالك الأسلمي، ثم قال في أمر ماعز بن مالك لو رددتموه إلي لقبلت توبته، وقال سعيد بن جبير رد النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك أربع مرات، يقو له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه، لا يريد إنفاذ القتل عليه.([33])

وقد وردت آية الرجم في التوراة في سفر التثنية: إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فاخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا؛ الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة؛ والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك.([34])

ومن هنا فقد ذهب الشيخ محمد أبو زهرة، كما نقله عنه الشيخ يوسف القرضاوي وعدد من الفقهاء، إلى أن الرجم كان معمولاً به زمناً، ثم نسخته آية الحد المشهورة.([35])

ومع ما قرره الإسلام في أمر الحد على الزناة ولكن فلسفة الحد في الإسلام هي أنه المستوى الأقصى الذي يمكن للقضاء أن يأخذ به ولا يجوز تجاوزه، ويمكن للقضاء أن يختار ما يراه مناسباً من عقوبات أدنى من الحبس والتعزير وفق قاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات.

ثانياً ـ تتضمن الشروط التي وضعت على إقامة الحد شرطين متناوبين بحيث لا يتحقق أحدهما إلا بوجود الآخر وهما العدالة التي يشترط فيها عدم رؤية فاحشة والرؤية التي يلزم منها سقوط العدالة!! وهو ما يؤكد لنا أن هدف الشريعة من إقرار عقوبة الزنى هو محض الترهيب والتحذير دون المعاقبة الفعلية، وهذا ما حصل خلال التاريخ الإسلامي الذي لم يسجل أبداً وقوع حد الزنى على أحد عن طريق البينة.

ثالثاً ـ اتخذت العقوبة التي فرضت على واقعة الزنى أشكالاً متعددة خلال التاريخ تتناسب مع توجه الأمة لوقف الفاحشة. وقد مضى الفقه الإسلامي في كثير من بلدان المسلمين إلى عقوبات مماثلة أقرب إلى ثقافة العصر وروحه، وتقررت عقوبة الزناة في معظم بلدان العالم الإسلامي بالحبس والغرامة. وكذلك فإن الفقه الإسلامي يسعى إلى درء الحدود بالشبهات، تقريراً للقاعدة الأم في الفقه الإسلامي وهي أن «الحدود أداة ترهيب أكثر مما هي أداة قصاص».

رابعاً ـ الأمة الإسلامية متفقة على أن حد الزنى من حقوق الله سبحانه التي لا يجوز لأحد من المجتمع إقامتها بمفرده، بل لا بد فيه من قرار الإمام، بعد خصومة قضائية صحيحة مستوفية الأركان والشرائط. ولا يمكن فرض هذا الحد على الأمة أو على أي من أفرادها إلا إذا أقرته الأمة بوسائلها الدستورية المعروفة المتاحة. ومن هنا فإنه يمكننا الجزم بأن أي محاولة لتطبيق الشريعة من قبل فرد أو أفراد أو جماعات مستقلة ستعتبر اعتداء على الشريعة، ويعاقب فاعلها بالعقوبة الرادعة، لأنه تطاول على حق الدولة وتصرف فيما يحرم عليه.

ومن هنا نعلم أن ارتكاب القتل باسم جرائم الشرف هو منطق مرفوض إسلامياً وفق آلة الفقه الإسلامي وأصوله.

وبعد هذه الملاحظات الضرورية وبمراجعة بسيطة نلاحظ أن جريمة القتل بدافع الشرف تخالف الشريعة في ثلاثة أمور اعتبرتها الشريعة من الكبائر، وفي أمور متعددة أخرى نوجزها فيما يأتي:

أولاً ـ هي إثبات للحد بغير بينة، وهذا حرام، وهو من أشد الكبائر، وفيه عقوبة القذف على فاعله ومرتكبه إلا إن كان المدعي زوجاً أو زوجة، ففيه اللعان، ويحرم بعد اللعان اتهامها بشيء، ولا شك أن أي اتهام بغير بينة هو في الواقع قذف بالباطل وهو من الكبائر.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}([36]).

وبتأمل بسيط لهذه الآية ندرك أن الرمي هنا إنما هو رمي بالكلام والاتهام ليس أكثر، وهذا الرمي بالكلام والاتهام يترتب عليه غضب الله ووجوب إقامة حد القذف على فاعله مهما كانت القرائن قوية على وقوع فاحشة الزنى، فكيف سيكون غضب الله سبحانه على من قذف المرأة بالساطور أو بالرصاص أو بالمدية القاتلة؟

ومن أين لمن ارتكب القتل بحجة التهمة بالزنى أن يتيسر له إقامة البينة بعد فعل القتل؟ وكيف يتاح للمغدورة أن تدافع عن نفسها وتثبت براءتها ؟ وقد تقرر في الشريعة أن لصاحب الحق مقالاً؟ ولكن هيهات أن تتمكن من تقديم مقالها وقد سبق إليها سيف القتل ولم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها بأي وجه من الوجوه.

وبأي وجه حق يفوض الناس بتنفيذ القتل سواء أكان قصاصاً أو حداً أو عقوبة محضة بدون أن يمنح المتهم حق الدفاع عن نفسه أمام هيئة محايدة كما هو شأن القضاء في العالم كله، وكما هو شأن القضاء في الإسلام وفق منطق القرآن الكريم: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

والبينة كما هو معروف أربعة رجال عدول يشهدون برؤية الفاحشة بشكل ينقطع فيه أي التباس، وفي حال تردد أي من الشهود فالجلد ثمانين جلدة حكم كل من يشهد صادقاً أو كاذباً.

ومن المقرر شرعاً أنه ليس للقاضي نفسه لو أنه رأى الفاحشة في زوجه إلا أن يلجأ إلى قاض آخر ليثبت عنده الزنى بشهوده الأربعة أو يلاعن حتى يدرأ عن نفسه حد القذف، فكيف يعذر الزوج بالقتل والحالة هذه.

ثانياً ـ هي حكم بالقتل بغير حق، حتى مع افتراض الفاحشة فالعقوبة المقررة في الشرع هي الجلد، وهي خاضعة من وجهة نظرنا للتغيير بحسب واقع الأمة والبحث عما يردع الزناة ويكفهم عن غيهم وفجورهم.

فكيف يمكن أن يأذن تشريع ما بالقتل في جناية غير محققة؟ وعقوبتها بعد القضاء ليست القتل؟

وهكذا فإنه فلا يحل أبداً إثبات الزنى إلا بالبينات الصادقات، من الشهود العدول، وهو أمر لا يتحقق أبداً في ظروف القتل بدافع الشرف الذي يحكم فيه الغضب والانفعال والتهور، وهذا كله مما ينافي روح القضاء والعدالة تنافياً كلياً.

وقد وقعت التهمة بالفحشاء مرات متعددة في عصر النبوة واتهم أزواج زوجاتهم بمواقعة الفاحشة، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم أبداً للزوج بقتل المرأة بل كان خطابه واضحاً صريحاً بتحريم الإقدام على القتل تحريماً قاطعاً ووجوب التماس البينة ومن ثم اللجوء إلى القضاء.

وكان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم واضحاً: البينة أو حد في ظهرك، فقد أكد أنه حتى مجرد اتهام المرأة لفظاً بذلك يعتبر أمراً موجباً للعقوبة فكيف إذا تم الإقدام على القتل؟

ومن الروايات الكثيرة في هذه الواقعة نختار ما رواه الإمام البخاري:

ـ روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمراً أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان، فقال: أرأيت يا عاصم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فسل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله (عليه السلام) وسط الناس فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله، فلما فرغا قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله. قال بن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين.([37])

وظاهر من الحديث الشريف أن القاتل سيعاقب بالقتل ولن يشفع له ادعاؤه أنه وجد مع امرأته رجلاً، وأنه ولو لم يقدم على قتلهما أو إيذائهما، فإنه سيعاقب بالجلد إن شهر بهما أو ذكرهما بسوء ما لم يكن معه بينة من أربعة شهود عدول. وقد اشتد هذا الأمر قسوة بشكل خاص على الأزواج، فقد يجد المرء سبيلاً لكتم غيظه، وعدم التشهير بمن اشتبه بهما في الفاحشة ويترك ذلك لولي الأمر، ولكن الزوج لا يطيق ذلك، ولا بد له من أن يفعل شيئاً. فإذا كان الإقدام على قتلهما حراماً كما يدل له الحديث الشريف فإنه يحتاج على الأقل إلى أن يشكو إلى القاضي أو أن يطلب الفراق، ولا يمكن أن يجبر على العيش بغيظ مع من علم أنها تخونه وليس له دليل على ذلك، فهذه الحالة بالذات هي التي ورد عليها الاستثناء. ولأجل ذلك شرع الله اللعان، وهو إعلان الاتهام أمام القاضي بدون بينة ولكن لا ينتج عنه حد شرعي كسائر القذف، بل يُكتفى باللعان الذي هو إعلان رسمي بضياع الثقة وفقدانها بين طرفي الزواج، وإقرار للمفارقة والمتاركة.

وهكذا فإن المقرر في الفقه الإسلامي أن الزوج إذا اتهم امرأته أو المرأة إذا اتهمت زوجها بالفحشاء فإن المخرج هو اللعان، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير اللعان عند عدم الشهود الأربعة. واللعان التزام شرعي يُدعى إليه الزوجان إذا اتهم أحدهما الآخر بالفاحشة فيحلف أمام القاضي أربعة أيمان أنه رأى امرأته تواقع الفاحشة وفي الخامسة يحلف أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تدعى المرأة لحلف أربعة أيمان أنه كاذب ثم تحلف اليمين الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وحين يحلف الزوجان الأيمان الخمسة فإن الشريعة تفرق بينهما ولا تلزم بعقاب أي منهما على جريمة الفحشاء بدعوى الزنى، إلا إذا نكل عن اليمين وأقر بارتكاب جريمة الزنى.

وقد فصل القرآن الكريم أحكام الملاعنة في آيات صريحة بسورة النور، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} ([38]).

ثالثاً ـ إنها افتئات على ولي الأمر وهو حرام، إذ المكلف شرعاً بإقامة الحدود إنما هو الدولة، بمؤسساتها القضائية والتنفيذية، ولا يحق لأحد أن ينوب عن الحاكم إلا بإذنه، وليس ذلك أبداً من شأن الأفراد أياً كانت غيرتهم واهتماماتهم.

والافتئات هنا إلغاء لدور القضاء الشرعي ودور الدولة، وترك الحرية للأفراد للانتصاف بأنفسهم، وهذا فتح لشريعة الغاب وإلغاء للقانون والنظام.

ولا يجوز الافتئاتُ على السُّلطان والتّعدِّي على صلاحيَّات سلطان المسلمين، ومن قتل أحدًا بغير حكم شرعيٍّ، وإنما قتله بموجب رأيه هو؛ فهذا يقام عليه القِصاصُ إذا طالب وليُّ المقتول.([39])

رابعاً ـ إن الأصل في الإنسان عصمة الدم، وقد قال رسول (عليه السلام) في حجة الوداع: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ولا تهتك نفس ابن آدم ولا عرضه إلا ببينة شرعية، والقتل هنا هو إهدار للعرض والنفس بدون بينة، كما أنه هتك لعرضه وتشهير له في الأمة بدون بينة وكلاهما حرام، وهو خلاف نص كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وجاء القرآن الكريم واضحاً في عقوبة القاذف بدون بينة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}([40])

خامساً ـ إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وربما بدا أن لهذا القانون منفعة للجاني بسلامة روحه ونجاته من القصاص، ولكن فيه مفسدة عظيمة للناس حيث يستهان بالقتل وتضيع حقوق الناس، وتتم تصفية أحقاد كثيرة للفرار من حقوق الوارثين وغير ذلك تحت غطاء الشرف، خاصة أن الضحية لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وشرح الأسباب الحقيقية التي دفعت القاتل للقتل، وهو ما يشتمل على أعظم المفاسد.

 

مناقشة الفتاوى

التي تدعم القتل بدافع الشرف

ظهر جلياً بالأدلة القاطعة أن الشريعة حذرت من القتل واعتبرته من أكبر الكبائر، وظهر ذلك من الأدلة الواضحة في القرآن الكريم وفي السنة المشرفة وفي مذاهب الفقهاء.

ولكن كيف تم تبرير القتل بدافع الشرف واعتباره من القتل المباح؟

لا بد من القول في بداية هذا الفصل أننا نشعر بالحرج من وجود عدد من الفتاوى في كتب محترمة تبيح القتل بدافع الشرف لكل من اعتقد بأن زوجته أو قريبته تفعل الفاحشة، وقد كنا نود أن نتجاوز هذه الفتاوى لقيام الأدلة على بطلانها، ولكننا اخترنا إيراد هذه الفتاوى استكمالاً لضرورة البحث العلمي، وذلك لمناقشتها وفق أصول الشريعة وثوابتها.

وردت تسمية «القتل المباح» في كتب عدد من الفقهاء، والمقصود بها القتل بحق. وتبدو المسألة واضحة في القصاص من القاتل عن طريق قضاء صحيح وحكومة صحيحة، وكذلك قتال المرء لمن اعتدى عليه من إنسان أو بهيمة وهو ما يسميه الفقهاء «دفع الصائل»، حتى لو وصل هذا الدفع (أو الدفاع) إلى حد «قتل الصائل».

والصائل عند الفقهاء اثنان: مجرم قاتل يهاجمك بدون سابق إنذار أو خبر، وبهيمة عجماء من ناقة أو ثور أو ضبع أو سبع أو غيرها تقتحم عليك دارك أو حقلك، فيحل لك هنا القتال بدون إذن من أحد. ولا دية على قتل الصائل  إنساناً أو بهيمة، وهذا المبدأ عينه هو ما تشرعه النظم الحديثة تحت عنوان «الدفاع الشرعي» أو «الدفاع المشروع» عن النفس.

وعبارتهم في ذلك: أما الحربي والباغي والصائل فإنه يقاتل من الدولة ومن الأفراد لأنه شرع في الاعتداء. وقد يقع منه الجرم قبل أن يصل الغوث فلذلك شرع لكل أحد أن يقاتله، بغض النظر عما إذا كان عدوانه على الأرض أو النفس أو العرض.

والأصل في قتل الصائل هو مبدأ الدفاع عن النفس لمن تعرض لاعتداء من إنسان أو بهيمة، قال الشوكاني في نيل الأوطار: باب دفع الصائل وان أدى إلى قتله، وإن المصول عليه يقتل شهيداً، والأصل فيه ما رواه مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال فلا تعطه مالك، قال أرأيت إن قاتلني، قال قاتله، قال أرأيت إن قتلني، قال فأنت شهيد، قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار.([41])

وقد اشتهر القول بتسمية قتل الزاني المحصن «قتلاً مباحاً»، قال ابن قدامة الحنبلي: فأما القتل المباح كالقصاص والحد، وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه. وجملة ذلك أن كل قتل مباح لا كفارة فيه، كقتل الحربي والباغي والزاني المحصن والقتل قصاصا وحدَّاً، لأنه قتل مأمور به، والكفارة لا تجب لمحو المأمور به([42]).

وقد أورد الإمام ابن قدامة قتل الزاني المحصن في باب القتل المباح، وفصل الشنقيطي الحنبلي مراد ابن قدامة فقال:

وأما إذا كان محصناً وزنى فاستحق القتل، ففيه خلاف بين العلماء فيمن قتله. فبعض العلماء يرى أن المحصن مهدر الدم، وأنه إذا قتله القاتل فلا قصاص عليه، قالوا: لأن دمه مستحق بالشرع، فإذا قُتل فإنه لا عصمة له حتى نقتل من قتله، فأسقطوا القصاص لعدم وجود العصمة.

ومن أهل العلم من قال: إن قتل الزاني المحصن أمر إلى ولي الأمر والقاضي، فهو مستحق بحكم الشرع، وليس لأحد أن يأتي ويقتله؛ لأن هذا لا يستند إلى ولاية بالقتل، وقد جعل الله عز وجل ولاية للسلطان ومن يقوم مقامه.

وفي بعض الأحيان يكون قتله حميةً، كما لو جاء ووجده مع زوجته وهو محصن فقتله، أو شهد الشهود الأربعة على أنه زنى بزوجته فقتله، قالوا في هذه الحالة: يكون قتله أشبه بالغيرة، وليس قياماً بحق الشرع، قالوا: فإنه يقتل به، وفي هذه الحالة لا يقال: إن هذا قتل شرعي؛ لأنه ليس على الصفة المعتبرة شرعاً([43]).

وواضح من النقل وشرحه أن الحنابلة مترددون في الحكم على من قتل زوجته أو قريبته، فاعتبروا ذلك مرة مشروعاً ومرة غير مشروع، وقضوا بالقصاص تارة وبعدم القصاص أخرى، والدليل إذا تعرض للاحتمال سقط به الاستدلال. وهذا التردد يجعل كل عاقل يتوقف في أمر فتيا كهذه تتصل بالدماء، وترتبط بها أرواح الناس.

وشأن الدماء الاحتياط والحذر، والتهاون في تبرير القتل يقود حتماً إلى مزيد من الجرائم وهو حرام شرعاً، وبهذا المعنى فإن التهاون في الفتوى بقتل الناس مشمول بقول النبي (عليه السلام): «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز و جل مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله».([44])

أما ما أورده الفقهاء في هذا الباب من القتل المباح لمستحق القتل من المجرمين بحكم القضاء فهو بعيد تماماً عما يدعيه اليوم بعض من يدافعون عن القتلة في جرائم الشرف.

وقد مضى عدد من الكاتبين إلى تأسيس جرائم الشرف على أساس قتال الصائل، حيث أن قتال الصائل ـ كما بينا قبل قليل ـ لا يشترط فيه إذن من أحد، وهو واجب على كل مسلم عندما يتعرض لاعتداء مباشر، لا يمكن عنده طلب الغوث. ويذهب هؤلاء الكاتبون إلى أن الزوج إذا رأى مع زوجته رجلاً فإنه مجاز بقتله تأسيساً على أنه من باب دفع الصائل وقتاله، لأن الاعتداء على العرض ليس أقل من الاعتداء على النفس أو المال، فكما جاز قتال المعتدي على المال وقتله جاز قتل المعتدي على العرض أيضاً.

وقد نقلت موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته عبارة واضحة في إباحة قتل الرجل والمرأة إذا صادفهما في حالة الفحشاء، ونص كلامه: وعدَّ الحنفية ما يأتي من القتل المباح، فقالوا: لو دخل رجل بيته فرأى رجلاً مع امرأته أو محرمه يزني بها فقتله، حل له ذلك، ولا قصاص عليه. وقال الزحيلي وهو رأي الحنابلة والشافعية والمالكية أيضاً.

وإذا كان الزنا طواعية باختيار منهما، كان له عند الحنفية والحنابلة قتلهما جميعاً، فلو أكرهها فله قتله، ودمه هدَر إذا لم يمكنها التخلص منه بصياح أو ضرب. أما لو وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له، فله قتله إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح، فإن كان ينزجر بما ذكر لا يحل القتل.([45])

ولا ندري كيف اعتبر قتل الزوجة لمحض الريب والشبهات بمثابة قتل الصائل الهائج الذي دخل الدار وكسر الباب وهم أن يقتلك ويقتل أبناءك، بصيال وظلم.

والصيال هنا مفهوم عندما تكون المرأة في الدار فيدخل مجرم عات متوحش بهدف اغتصابها وتصرخ المرأة طالبة الغوث والنجاة، ويسمع الناس صراخها فعند ذلك يباح لكل أحد وليس للزوج وحده أن يقاتل الصائل ويقتله إن لم يرتد شره إلا بذلك، وهنا فإن قتل هذا المجرم هو القتل المباح الذي لا خلاف فيه، ولم يقل أحد أن المرأة تقتل هنا أيضاً، لأن المجرم نال من شرفها، فهي هنا ضحية تستحق الرحمة وليست مجرماً يستحق القتل. وهذه بالضبط هي مسألة رد الصائل التي تمنح الأفراد حق القتال دفاعاً عن أنفسهم، ولا تلزمهم انتظار الإذن من الدولة أو القضاء.

وتعبير الفقهاء بكلمة الصائل دقيقة تماماً. فالصائل هو المجرم حال ممارسته للجريمة، وإنما يوصف بالصيال عند ارتكابه للفعل الجرمي، فهذا الذي يجوز قتاله. وبهذا فإنه لا يحل قتل من يخطط لارتكاب الجريمة ولا يحل قتل من انتهى من ارتكابها إلا من قبل ولي الأمر وبعد خصومة صحيحة، وإنما أذن للناس أن يقاتلوه حال الصيال فقط استثناء من الأصل الشرعي وهو حصر إقامة الحدود بولي الأمر لأن شأن الصيال أنه يتم في لحظات ولا يدركه الغوث.

ولكن المسألة في ما يعالجه قانون العقوبات هي شيء آخر، وهي مواجهة خاطئين آثمين زين لهما الشيطان الخطيئة وأغواهما حتى أوصلهما إلى الفحشاء، وركبا طريق الغواية والإثم.

والعادة أن هذا الشر ينتهي فوراً لدى انكشافه بفرار المجرم الآثم وانهيار المرأة الخاطئة، وليس في ذلك خطر حالٌّ مباشر على حياة الناس كما في الصيال، فكيف تتم هنا معالجة هذا الأمر؟

إن الإذن بقتلها أو قتلهما معاً لا يمكن أن يكون حلاً لمشكلة كهذه، ولا يمكن أن يكون قراراً مسؤولاً في دولة لها قانون وقضاء، وهو تفويض للفرد في حال من الهياج والغضب والاضطراب، بتقدير جريمة ما والحكم على طرفيها، وبالتالي اتخاذ قرار الإعدام ابتداء واستئنافاً ونقضاً ثم تنفيذه، دون منح المتهم حق الدفاع عن نفسه أمام القضاء، أو الترافع فيما عسى أن يعصم دمه ويرد عنه غائلة الظلم.

ولا شك أن هذا النوع من الإذن هو إلغاء للقضاء كله، وقد قال رسول الله (عليه السلام): «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان».([46])

وقد وقع هذا الحادث نفسه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات، وأخبر عدد من الصحابة الكرام رسول الله عن هذا الأمر. وفي الصحيح من سيرة النبي الكريم أنه جاءه هلال بن أمية ثائراً هائجاً وقد قذف امرأته بشريك بن سحماء!! وذكر ذلك للنبي الكريم أمام جمع من الصحابة، وكان الموقف يستدعي أن يرسل النبي (عليه السلام) من يقتلهما دفاعاً عن العفاف الاجتماعي، ولكن موقف النبي الكريم كان في غاية الحكمة والبصيرة والاتزان وقال لهلال: أمعك بينة؟؟ ويشتد هنا انفعال الرجل ويقول: يا رسول الله أحدنا يجد مع امرأته رجلاً، يذهب فيلتمس البينة!!؟ والبينة هنا أربعة شهود عدول يشهدون أنهم رأوا الفاحشة، ولكن النبي الكريم يكرر وهو على رأس المؤسسة القضائية: يا هلال.. البينة أو حد في ظهرك!!([47]) والحد هنا ثمانون جلدة بجريمة القذف بدون بينة! لقد كان أمراً محيراً ومفاجئاً لهلال بن أمية الذي وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، فعلى الرغم من ظهور صدقه في دعواه، ولكن النبي الكريم يطالبه بالبينة ويهدده بالعقاب!

لقد كان عُرْف الناس في الجاهلية أن القاتل في هذه الحال يستفيد من العذر المحل، ويبارك عمله الذي أقدم عليه على أنه غسل للعار ودفاع عن الشرف، ولكن من الواضح أن الشريعة أبطلت ذلك وأقامت نظام العدل والدولة المدنية المتحضرة مكان التقاضي بشرع الغاب.

وأمام الصدمة التي واجهها الصحابي الجليل هلال بن أمية، حيث تحول من مدعٍ إلى مدعى عليه، ومن صاحب حق يطالب به إلى مطلوب للعدالة، فقد بادر عدد من الصحابة بالدفاع عن هلال، وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله أحدنا يجد مع امرأته رجلاً يذهب يلتمس البينة فلا يأتي بها حتى يكون الفاجر قد قضى نهمته!! ثم قال بغيظ: أحدنا يجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه، والله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا!! قال رسول الله: انظروا إلى صاحبكم إنه لغيور وأنا أغير منه وإن الله أغير منا!!([48]) ثم التفت إلى هلال وقال مرة أخرى: البينة أو حد في ظهرك!!([49])

ويصر هلال على دعواه، وفي موقف متين في الدفاع عن رأيه يقول هلال: يا رسول الله! والله إني لصادق ولينـزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد!!

وبالفعل فقد نزل القرآن في براءة ظهره من الحد بجريمة القذف، بتشريع «اللعان». وقد جاءت تفاصيل اللعان، وفيها المنع من محاكمة الزوج بتهمة القذف إذا رمى زوجته، وليس فيها أدنى إشارة أو إقرار أو إعذار للزوج في إيذاء زوجته. وهكذا فقد جاءت الآيات ببراءة الزوج القاذف ولكنها لم تتضمن أي إشارة إلى تبرئة الزوج القاتل، وظل القتل بدافع الشرف مشمولاً بعموم تحريم القتل في الشريعة، ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً.

ويفهم من رواية أخرى أخرجها البخاري أن الصحابة الكرام أخذهم العجب والذهول من موقف النبي (عليه السلام) الرافض لاستخدام العنف في حال اكتشاف الخيانة، وطلبوا تفسيراً لذلك:

أخرج البخاري في صحيحه باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله: عن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك النبي (عليه السلام) فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين».([50])

وواضح في الحديث إنكار النبي (عليه السلام) لقول سعد، كما تدل عليه الروايات الأخرى.

ومن العجيب أن بعض الكاتبين فهم من هذا الحديث أن النبي يثني على قول سعد بأنه سيقتلهما لو وجد ذلك، وأن كلام النبي (عليه السلام): «انظروا إلى صاحبكم إنه لغيور وإن الله أغير منه» على أن ذلك ثناء على قتل الزوجة إذا رآها الزوج في حال الفاحشة  مع أن المراد عكس ذلك.

قال القرطبي في المفهم: إنما قال النبي (عليه السلام) لا أحد أحب إليه العذر من الله، عقب قوله لا أحد أغير من الله، منبهاً لسعد بن عبادة على أن الصواب خلاف ما ذهب إليه، ورادعا له عن الإقدام على قتل من يجده مع امرأته، فكأنه قال إذا كان الله مع كونه أشد غيرة منك يحب الإعذار ولا يؤاخذ إلا بعد الحجة، فكيف تقدم أنت على القتل في تلك الحالة؟

هذه هي باختصار النصوص الصحيحة من السنة النبوية في شأن ما جرى من حوادث الخيانة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في زمن الرسالة، ولم يثبت بسند صحيح أن واقعة واحدة مما يسمى اليوم بجرائم الشرف قد وقعت في زمن الرسالة وأقرها الرسول الكريم.

  • أما خيارات الفقهاء من المتأخرين فنورد بعضها:

يجب القول إن الفقهاء الكرام وخاصة في العصور المتأخرة تحدثوا عن ظاهرة القتل بدافع الشرف وفق السائد في ثقافة عصرهم، ولذلك فإنه من اليسير أن تستخرج نصوصاً موافقة للقتل بدافع الشرف ونصوصاً أخرى مخالفة للقتل بدافع الشرف، ومن الفقهاء من رأى ذلك مشروعاً ولكن عدداً آخر من الفقهاء أنكره غاية الإنكار، ولا بأس أن نورد بعض مقالات المؤيدين والمعارضين لرسم صورة واضحة للمسار الذي تخيرناه من رفض القتل بذريعة الشرف رفضاً قاطعاً.

 

ومن النصوص الفقهية التي أيدت هذا اللون من القتل:

  • مذهب الحنفية:

1ـ قال الحصكفي في رد المحتار في باب التعزير: ويكون التعزير بالقتل كمن وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له وظاهره أن المراد الخلوة بها وإن لم ير منه فعلاً قبيحاً إن كان يعلم أنه ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا لا يكون بالقتل وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما.([51])

ولكن ابن عابدين شارح رد المحتار عاد فقال: وحاصله أنه يحل ديانة ولا يحل قضاء فلا يصدق إلا ببينة.([52])

وبذلك فإن ابن عابدين أكد أن القاضي مأمور بمحاكمة القاتل هنا ومعاقبته قضاء، مع أن الرجل قد فعل ما هو مشروع ديانة.

وهذا القول عينه هو ما اختاره الشافعية في مذهبهم. فقد حكموا بأن الزانيين يستحقان القتل ديانة إذا كانا ثيبين، ولكن ذلك لا يعني أبداً تبرير ما فعله القاتل وإفلاته من العقاب بل نص الإمام الشافعي في الأم على وجوب مقاضاة القاتل وأن القصاص لا يسقط عن القاتل بدعواه، ويحق لأولياء المرأة المقتولة أو الرجل المقتول أن يطالبوا بالقصاص منه وإعدامه، ونص الشافعي على أن القاتل لا يستفيد من العذر المحل إلا إذا نكل أولياء المقتول عن اليمين:

ــ قال الإمام الشافعي: ويسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل والمرأة إذا كانا ثيبين، وعلم أنه قد نال منها ما يوجب القتل، ولا يصدق بقوله فيما يسقط عنه القود أيهما قتل إلا أن يشاء أولياؤه أخذ الدية أو العفو([53]).

ولو ادعى على أولياء المقتول منهما أنهم علموه وقد نال منها ما يوجب عليه أو عليها القتل على أيهما ادعى ذلك عليه أن يحلف ما علم، فإن حلف فله القود، وإن لم يحلف حلف القاتل وبرئ من القود والعقل.

وقد صرح بهذا المعنى نفسه بعبارة أوضح الإمام الشيرازي، وبعد أن أشار إلى أن قتل الزاني المحصن مطلوب ديانة ولكنه قال بوضوح أن ذلك لا يسقط حق العقاب على الفرد الذي بادر إلى القتل:

ــ قال الشيرازي في (المهذب) 2/225:

فإن ادعى أنه قتله لذلك (أي بدافع الشرف)  وأنكر الولي، ولم يكن له بينة لم يقبل قوله، فإذا حلف الولي حكم عليه بالقود([54]) (أي بالقصاص) فيقتل القاتل هنا.

وهكذا فإن مواقف الفقهاء متفاوتة، ولكل منهم وجهه في تأويل النص قرآناً وسنة، ولكنهم تقريباً مجمعون أن القتل المذكور وإن كان مباحاً ديانة، ولكنه في القضاء الشرعي جريمة كاملة لا بد من إيقاع العقاب فيها وفق الشرائط التي أوردوها.

والحق أن الأقوال التي أشارت إلى إسقاط العقاب على القاتل مع احترام قائليها مخالفة لجوهر الشريعة الغراء في وجوب التثبت والاحتياط في الدماء، وصريح عبارة القرآن الكريم في تحريم القتل بغير حق، وبيان عظيم العقاب الإلهي لأولئك الذين يستهترون بدماء الناس. قال تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً).

وهكذا فإن الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وإن صدر منهم ما يبيح القتل ديانة، إلا أنهم اتفقوا على أن القاضي مأمور بمحاكمة الجاني وإقامة القصاص عليه، ما لم يعف أولياء المقتول، واستدرك بعضهم أن القتل يسقط عنه بإقامة البينة على الفحشاء بالشروط الشرعية المعروفة والتي عددناها في الفصل السابق، وهو احتمال في غاية البعد، ولا ينطبق على الإطلاق على أي من جرائم الشرف التي نسمع بها اليوم. وعلى الرغم من ذلك فإنه عند إقامة البينة التامة يسقط عنه القصاص بالقتل، ولكنه لا بد أن ينال عقاباً رادعاً على سبيل التعزير لأنه افتئات على ولي الأمر، وقد تبلغ العقوبة هنا لهذا السبب السجن لسنوات عديدة، وهو يشبه ما أخذ به التعديل القانوني الأخير.

وهنا فنحن نختار وجوب العقاب على الجاني بالقصاص، مع إمكان تخفيف القصاص والاستفادة من العذر المخفف إذا تحقق عنصر المفاجأة حال الجناية، وثبتت الخطيئة بالأدلة الشرعية. وهذا ما يحقق مقاصد الشريعة في تحقيق العدل والحق في الأرض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مناقشة شرعية للنص القانوني:

نص قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 في المادة 548 على منح العذر القانوني المحل (إسقاط العقوبة بالكامل) لمن قتل زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته حال مفاجأتها وهي تواقع الفحشاء، كما نص على العذر المخفف لمن أقدم على القتل أو الإيذاء إذا فاجأ إحداهن من المذكورات في حالة مريبة مع آخر.

وبتاريخ 1/7/2009 (أي بعد ستين عاماً) صدر المرسوم التشريعي رقم 37 فألغى العذر القانوني المحل، وجعله عذراً قانونياً مخففاً لا تقل العقوبة فيه عن الحبس مدة سنتين في القتل.

وما لبثت المادة 548 أن عُدلت للمرة الثانية بالمرسوم التشريعي رقم 1 تاريخ 3/1/2011، أي بعد سنة ونصف فقط من التعديل الأول لتصبح على النحو التالي:

«يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخوته في جرم الزنى المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد، وتكون العقوبة الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل».

وهكذا جاء التعديل  الثاني للمادة 548 من قانون العقوبات ليحافظ على العذر القانوني المخفف (بدلاً من العذر القانوني المحل) للرجل في حال قتله أو إيذائه زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخوته عند مفاجأة إحداهن في جرم الزنى المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع رجل.

وسنناقش القانون شرعياً من زاويتين: التشريع والتطبيق:

فمن الناحية التشريعية فقد نص القانون الصادر عام 1949 على منح الجاني العذر المحل، إذا كان الفعل هو الزنى المشهود، والعذر المخفف إذا كانت المرأة في وضع مريب مع آخر. ثم جاء التعديل الأول بعد ستين عاماً ليتشدد في موقفه بالتحول من العذر المحل إلى العذر المخفف، على أن لا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في حال القتل. وبعد سنة ونصف تبعه تعديل ثان لمزيد من التشدد في العقوبة لتصبح الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل.

وفضلاً عن ذلك فقد نصت المادة 192 من قانون العقوبات على عذر قانوني مخفف، بالحدود التي بينتها هذه المادة، إذا كان الدافع إلى القتل أو الإيذاء شريفاً، أي ما أطلق عليه «الدافع الشريف».

ومع أننا قدمنا موقف الشريعة من جرائم الشرف عموماً، ولكننا نشير هنا إلى احتواء نص المادتين 192 و 548 من قانون العقوبات عدداً من المخالفات الشرعية الواضحة، وأحياناً مخالفات للقانون أيضاً، نجملها في الآتي:

أولاً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة، إذ تسقط عقوبة القتل عن القاتل بما لم تنص عليه الشريعة، فقد نصت الشريعة أن العفو عن القاتل العمد هو شأن أولياء المقتول، دون سواهم، قال تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}([55])

ولم يرد في الشريعة أن القتل يسقط عمن اخترط سيفه في القتل بدون بينة شرعية ولا برهان، لمجرد قوله إنه يدافع عن الشرف أو يقوم بتطهير سمعته من عار لحقه ليس له عليه برهان.

نعم قد يجوز للقاضي إسقاط حد القتل عملاً بقاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات، ولكن لا يمكنه إسقاط العقوبة والدية إلا بعفو من أولياء المقتول.

ثانياً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة والقانون التي تدعو إلى إثبات الأحكام بواحد من اثنين: البينة أو الإقرار، وقد قدمنا الشروط الخاصة في الشريعة (وقريب منها في القانون) بالبينة في جريمة الزنى، وهي شروط دقيقة وقاسية، ولا تتوافر أبداً في شهادة الفرد الواحد، بل لا بد فيها من الشهود العدول الأربعة الذين يشهدون برؤية صريحة للفاحشة.

كما قدمنا في الأدلة أن النبي (عليه السلام) قضى بجلد القاذف إذا لم يكن معه بينة، ورفع الحكم عن الزوج فقط دون سواه واكتفى باللعان ليدرأ الحد.

وفي حوادث الاتهام بالزنى التي وقعت في عصر النبي الكريم فإن النبي (عليه السلام) حكم بالعقاب على القاذف ولم يلتفت إلى صدقه في دعواه، فالشهادة بدون بينة كذب مفترى ولو كانت ممن عرف بالصدق كل عمره ولم يتهم بكذب قط.

ثالثاً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة والقانون التي تأمر بالتثبت في القضاء، وتنهى القاضي نفسه عن الانفراد بالحكم بعلمه دون دليل، ولو أن القاضي نفسه وجد مع امرأته رجلاً لم يكن له أن يعاقبه إلا بأن يترافع عند قاض آخر بالشروط المعروفة شرعاً من صحة الخصومة واكتمال البينات، فكيف يمكن أن يفوض الحكم بالقتل للجاني نفسه بدون بينات.

رابعاً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة والقانون التي توجب منح المتهم حق الدفاع عن نفسه وتقديم حجته، تأسيساً على قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}([56])، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن لصاحب الحق مقالاً، فالقتل بدون محاكمة وخصومة يعتبر إلغاء لكل هذه الحقوق الشرعية والدستورية التي منحتها الشريعة والقانون للصالح والطالح من المتهمين على قدم المساواة، ولكن هذه المادة ألغت ذلك الاعتبار كله ومنعت الضحية من تقديم أي دفوع أو برهان.

خامساً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة والقانون في تفويض الأفراد بإقامة الحدود وفرض العقوبات، وهو ممنوع شرعاً وقانوناً. فقد قضت الشريعة والقانون بأن القضاء سنة محكمة، وأنه شأن الدولة لا شأن الأفراد. وقد قدمنا على هذه الحقيقة بجملة أدلة في الفصل السابق.

سادساً ــ في المادتين مخالفة صريحة لمنهج الشريعة والقانون في المساواة بين الرجل والمرأة في العقوبة، كما هو الأمر في سائر الحدود، ولكن هذه المادة نصت على منح الرجل هذه الميزة دون المرأة.

وقد يفهم من المادة أن الخطاب القانوني أو الشرعي يرد عادة بصيغة الذكور، وهو عام في الرجل والمرأة على السواء، وهذا يستقيم مع نصف المادة فقط، يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود، فيمكن أن تستفيد منها من فاجأت زوجها أو أحد أصولها أو فروعها طبقاً لقاعدة استغراق النص لكل أفراده، لأن لفظ الزوج ينطبق على المرأة والرجل، ولكن لا يمكن أن يفهم منها أبداً من فاجأت أخاها، وهذا نقص واضح يلزم منه التمييز في العقوبة بين الرجل والمرأة وهو ممنوع شرعاً وقانوناً.

سابعاً ــ في المادتين مخالفة صريحة للشريعة والقانون في تعليل الأحكام على وصف غير منضبط، والأصل في الأحكام أن تعلل بالوصف الظاهر المنضبط الذي يمنع التأويل، ولكن المادتين 192 و 548 جاءتا متسعتين فضفاضتين لا يضبطهما حد حاسم.

وهكذا فقد جاء التعديلان القانونيان الصادران في عامي 2009 و 2011 خطوة باتجاه تصحيح هذه المخالفات، فألغى العذر المحل وأذن بالعذر المخفف، وهو بذلك يستند إلى أصل معروف في الشرع وهو ادرؤوا الحدود بالشبهات. قال صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة».([57])

وفي هذا التعديل أصبحت السلطة التقديرية للقاضي محدودة برفع العقوبة إلى الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل، وهو موقف مقبول من الناحية الشرعية، كما يمكن تشديده فيما يأتي من الأيام تناسباً مع نشر الوعي في المجتمع بوجوب الاحتكام إلى القانون والقضاء، وعدم ترك الأمر إلى إرادة الرجل المنفردة، وهو ما أمرت به الشريعة صراحة.

كما أبقت المادة سلطة القاضي التقديرية فيما إذا لم يؤد الفعل إلى القتل، وذلك بمنح القاضي سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة عنه حال قيامه بالإيذاء دون القتل.

كما ألغى التعديل الأول الفقرة الثانية من المادة 548، وهي التي كانت تشكل قلقاً حقيقياً للخصوم والقاضي على السواء في تحديد «الحالة المريبة»، وإحالة ارتكاب الجرم في هذه الحالة إلى القواعد العامة في قانون العقوبات التي تسمح بتقدير مدى «النقص في أهلية الجاني» حال ارتكابه الفعل الجرمي، وهي مسالة تتناول الجانب التعزيري في العقوبات، ولا تمس مسائل الحدود المحسومة بالنصوص.

كما أن «الفعل المريب» يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المجتمعات المختلفة، فلا سواء بين المدينة والريف في تصور الفعل المريب، وهناك تقاليد منشؤها الدين أو المذهب أو الثقافة تجعل الحديث عن الفعل المريب لوناً من الوهم الذي لا يضبطه شيء.

ولا شك أن التأكيد على «عنصر المفاجأة» في تخفيف العقاب مرده إلى أن القاتل يكون «ناقص الأهلية» في حالته تلك لغلبة الغضب عليه، وفقد السيطرة على أعصابه، وأن الدم يطير من رأسه لحظة رؤيته للجريمة. ولأجل ذلك فهو «ناقص الأهلية»، وارتكابه للجريمة يجعله في موضع غير مكتمل أهلية الأداء، ومن المعقول أن لا يحاكم بصفته كامل الأهلية.

ولا شك أن هذا المعنى يشتمل على تبرير منطقي يجب أن يؤدي إلى تخفيف الجرم، وهو من بدهيات القضاء وفق ما قدمناه من دفع الحدود بالشبهات. وهنا فإن هذه القاعدة الحقوقية الاتفاقية التي وردت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كافية ليهتدي بها القضاة لرفع الحكم الأشد وهو الإعدام بالقصاص، والصيرورة إلى ما هو أخف من ذلك، كالسجن المؤبد أو لسنين طويلة كما يقدره القاضي، ولكن ذلك لا يمكن أن يبلغ حد إسقاط العقوبة بالكلية ومنح الجاني العذر المحل. ولأجل ذلك فقد جاء التعديل الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 1 لعام 2011 مناسباً (على الأقل في الوقت الحاضر) عندما منح القاضي سلطة منح المشرع للجاني عذراً قانونياً مخففاً للعقوبة لتكون الحبس لا أقل من خمس سنوات ولا أكثر من سبع سنوات، تطبيقاً لقاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات، وتوخي العدالة التشريعية والقضائية.

أخطاء في التطبيق:

ويجب القول هنا بأن أخطاء خطيرة تم ارتكابها في معرض تطبيق أحكام هذه المواد كما تدل لذلك سجلات المحاكم ووقوعات جرائم الشرف المشهورة التي تناولتها الصحافة ووسائل الإعلام.

ويمكن القول إن كثيراً من الجرائم التي تصنف اليوم على أنها «جرائم شرف» هي جرائم كاملة، لا يجوز أن تستفيد على الإطلاق من الأعذار المخففة المنصوص عليها في المادة 548 وتعديلاتها. فمعظم الجرائم المسجلة في ضبوطات الشرطة هي جرائم تامة وجنايات ارتكبها أصحابها عن عمد وتصميم وقصد وترصد، وليس فيها عنصر المفاجأة الذي نصت عليه المادة، وبناء عليه فالحري بالقضاة أن يفصلوا تلك القضايا بعيداً عن أحكام المادتين 192 و 548، ويتعين من الناحية الشرعية الحكم بالعقوبة الكاملة في حالات الترصد والإصرار والمتابعة، أو عند ارتكاب هذه الجرائم بعد الفعل المظنون بأيام أو أسابيع أو شهور في بعض الأحيان.

كما أن منح القضاة في كثير من الأحيان العذر المحل أو العذر المخفف لمن ارتكب القتل بأداة تدل على نيته وترصده، كالسلاح الناري أو الساطور مع أن  نص القانون على عبارة «بغير عمد» في المادة 548 يسقط ذريعة الجاني حين يكون قد أقدم على فعله متوشحاً السلاح الناري، أو الساطور الذي ليس من عادة المرء أن يحمله، وهو ما يؤكد النية الجرمية للجاني مهما تذرع بالمفاجأة والصدمة. وهنا يتعين من الناحية الشرعية الحكم بالقصاص على من ارتكب جريمة القتل عمداً إلا أن يعفو أولياء المقتول.

هذه بعض الأخطاء التي تنشا من التطبيق الخاطئ للقانون، ونحيل التفصيل في ذلك على البحث الحقوقي والاجتماعي في هذه الدراسة لمزيد من التفصيل.

وبناء على هذه الدراسة الشرعية فإننا نتقدم على صعيد الإصلاح القانوني والاجتماعي المأمول باقتراح التوصيات التالية:

  • الدعوة إلى منع كل أشكال جرائم الشرف والتأكيد على أنها مخالفة صريحة لنصوص الشريعة ومقاصدها.
  • دعوة علماء الشريعة عبر وزارات الأوقاف ومؤسسات الفتوى لمواجهة الفتاوى الشاذة التي تبيح دماء الناس بغير حق، والحيلولة دون منحها أي غطاء شرعي، وتحديد الإذن الوارد في رد الصائل وقتاله درءاً للالتباس ومنعاً لإراقة الدماء بغير حق.
  • التشدد في منع الفحشاء بالوسائل القانونية، واستصدار قوانين تجرم الدعوة إلى الفحشاء، أو الإعلان عنها، وتسهل ارتكابها، وتعاقب المتهاونين في نشر الرذيلة.
  • الدعوة إلى تحلي الإعلام بالمسؤولية في مواجهة جرائم الشرف والتنبيه على خطرها على المجتمع ومخالفتها للشريعة، وبالتالي توجيه رسالة الإعلام لاحترام قيم الأسرة واستقرارها ومنع البرامج التي تشجع على الاستهتار بقيم الأسرة والعبث بالفضيلة.
  • تعزيز ثقافة احترام القانون لأنه من الناحية الشرعية إرادة ولي الأمر الواجب الطاعة في المعروف لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
  • نشر الدراسات والبحوث باللغات المختلفة التي تظهر النصوص الشرعية الآمرة بحرمة الدماء وتجريم القتل بغير حق، وذلك لإظهار الصورة الحقيقية للإسلام رسالة المحبة والسلام.
  • تأييد التعديل القانوني الوارد في المرسوم التشريعي رقم /1/ لعام 2011، والقاضي بإلغاء العذر المحل وتشديد العقوبة إلى الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات، واعتباره خطوة متقدمة نحو إصلاح قانوني مأمول في المستقبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ثبت بالمراجع الواردة في الدراسة

مرتبة وفق ورود الاستدلال

 

  • الصحاح للجوهري، ط دار الكتب العلمية، القاهرة، 1974.
  • لسان العرب لابن منظور، ط دار صادر بيروت.
  • صحيح البخاري، ط دار ابن كثير، بيروت، 1987.
  • الوافي بالوفيات، ط المعهد الألماني، 1993.
  • الاستيعاب لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية، القاهرة، 1975.
  • تهذيب التهذيب لابن حجر، ط دار الفكر، دمشق، 1984.
  • الأعلام للزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، 1982.
  • صحيح مسلم، ط دار الجيل ودار الآفاق، بيروت، 1979.
  • سنن النسائي، ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1991.
  • سنن ابن ماجه، ط دار الفكر بيروت، 1979.
  • سنن الترمذي، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1979.
  • مسند أحمد بن حنبل، ط مؤسسة قرطبة، القاهرة، 1979.
  • سنن أبي داود، ط دار الكتاب العربي، بيروت، 1979.
  • الكتاب المقدس، ط دار الكتاب المقدس، دمشق، 1979.
  • موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته، ط دار الفكر، دمشق، 1985.
  • فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة، ط دار الوفاء، الرياض، 2003.
  • الشرح الكبير لابن قدامة، ط دار الكتب العلمية، القاهرة، 1968.
  • زاد المستنقع للشنقيطي، ط دار الأرقم، الرياض، 2003.
  • شرح النووي على صحيح مسلم، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972.
  • مسند ابن أبي شيبة، دار الوطن، الرياض، 1998.
  • مصنف عبد الرزاق، ط المكتب الإسلامي، بيروت، 1983.
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني لابن عبد البر، وزارة الأوقاف بالمغرب، 1992.
  • الدر المختار للحصكفي، ط دار الفكر، بيروت، 1966.
  • حاشية رد المحتار لابن عابدين، ط دار الفكر بيروت، 1991.
  • كتاب الأم للإمام الشافعي، ط دار الكتب العلمية، القاهرة، 1993.
  • المهذب للشيرازي، ط دار الفكر، 1999.
  • السنن الكبرى للبيهقي، ط دار الباز، مكة، 1994.

 

 


 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

الواقع القانوني

للجرائم المرتكبة باسم الشرف

في الجمهورية العربية السورية


المقدمة

حظيت المرأة السورية باهتمام ورعاية خاصة من القيادة السياسية في الجمهورية العربية السورية، انطلاقاً من الإيمان بالدور الرائد الذي تقوم به في مجالات الحياة كافة، وقد تبلور ذلك على أرض الواقع بنص المادة /45/ من دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973، التي أناطت بالدولة مهمة رفع الحيف والظلم عن المرأة، وإزالة العقبات والعوائق التي تحول دون تقدمها، والنهوض بدورها في بناء مجتمعها، بحيث أصبحت قضية تحرر المرأة وتمكينها مبدأً دستورياً.

وتعد الجمهورية العربية السورية من أوائل الدول التي عملت على التمكين السياسي والاقتصادي للمرأة، وذلك من خلال وصولها لمواقع صنع القرار، ومشاركتها الفعالة في الحياة السياسية، وممارسة حقها الانتخابي، وضمن إطار مبدأ تكافؤ الفرص.

ومن جهة ثانية فإن تعزيز دور المرأة يكمن في مسألة مهمة تتجلى في التمكين الاقتصادي لها، والذي كان للاتحاد العام النسائي الدور المهم فيه، وهو ما حفز دخول المرأة إلى سوق العمل. وقد سبق ذلك تأمين فرص التعليم الجامعي وما بعد الجامعي، لإفساح المجال لها لتكون على قدم المساواة مع الرجل.

وبالمقابل فلا بد من الإشارة إلى وجود جملة من القوانين التمييزية التي ما تزال تشكل عقبة في طريق تطور المرأة، وترتبط إلى حد كبير بالعادات والتقاليد، ومنها العنف والقتل بدافع الشرف، والذي سيكون محور هذه الدراسة.

وفي معرض الحديث عن الموقف القانوني والقضائي والشرعي للجرائم التي ترتكب بدافع الشرف، لا بد بداية من شرح وإيضاح الإطار التشريعي الذي تبنى عليه أسس التجريم والعقاب في الجمهورية العربية السورية، ومن ثم نعرض للمواد القانونية ذات الصلة بهذا النوع من الجرائم، وإلى المبادئ التي تحكم حقوق المواطن في العملية التشريعية والقضائية.


خطة الدراسة

 

1ـ مقدمة.

2ـ الإطار الدستوري والقانوني لجرائم الشرف.

  • الدستور السوري والاتفاقيات الدولية ذات الصلة
  • الإطار التشريعي
  • حقوق وواجبات المواطن السوري في عملية التقاضي.

3ـ المواد القانونية المتعلقة بجرائم الدافع الشريف.

  • المادة /192/ من قانون العقوبات
  • المادة /548/ قبل التعديل
  • التعديل الأول للمادة /548/
  • التعديل الثاني للمادة /548/
  • عرض لبعض الحالات من البيئة المحلية
  • واقع جرائم الشرف في سوريا ـ إحصاءات وأرقام

4ـ نماذج للاجتهادات القضائية ذات الصلة.

  • نموذج قضائي حكم فيه وفق نص المادة (192)
  • نموذج قضائي حكم فيه وفق نص المادة (242)

5ـ آليات الدعم والحماية ـ الواقع والطموح.

  • جهود الحكومة السورية على مستوى التخطيط
  • جهود المجتمع الأهلي
  • دور الإعلام
  • عرض للمقالات والدراسات ذات الصلة
  • نحو تصور لإستراتيجية وطنية لمكافحة جرائم الشرف

6 ـ الخاتمة والمقترحات.

7 ـ مصادر البحث

 


 

الإطار الدستوري والقانوني

بداية لا بد من عرض الأسس التي ترسم الإطار العام الذي ننطلق منه عند البحث في قضايا المرأة، وبخاصة منها تلك التي تتعلق بالتمييز والعنف الممارس ضدها، وأبرز هذه المحطات في سورية يتجلى بالآتي:

الدستور السوري والاتفاقيات الدولية ذات الصلة:

  • الدستور: يعد الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية لعام 1973، الوثيقة الأساسية التي تنظم الإطار العام لحقوق وحريات المواطنين العرب السوريين.

لهذا يعلن الدستور في المادة 25/3 على الآتي:

«المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات».

وتضيف المادة /27/ على أن: «يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون».

وتؤكد المادة /28/ على حقوق المواطن القضائية بقولها:

«1 ـ كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم…..

2 ـ……

3 ـ……

4 ـ حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصونة بالقانون».

وهكذا يتضح من عرض المواد التي تضمنها الدستور السوري، والمتعلقة بحقوق المواطنين أمام القانون وفي العملية القضائية، أن الدستور قد رسم خطوطاً واضحةً وعامة من شأنها أن تراعي الحدود الفاصلة بين حقوق الإنسان، ومبدأ سيادة القانون، وحق الأفراد في نيل حقوقهم ضمن الإطار القانوني.

وانطلاقاً من هذه المبادئ التي أعلنها الدستور، فقد قام المشرع السوري بعدد من المبادرات على المستوى الدولي، نذكر منها:

1 ـ الانضمام إلى مقررات مؤتمر بيجين عام 1995.

2 ـ المصادقة على اتفاقية حقوق الطفل 1996.

3 ـ المصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 2002.

مما سبق يمكن القول بأن الدستور السوري قد أولى المرأة اهتماماً خاصاً، وجاءت الاتفاقيات التي انضمت إليها الجمهورية العربية السورية كترجمة للتوجه العام للدستور السوري.

 

الإطار القانوني:

ونعرض فيه الأطر التشريعية والقانونية للجريمة وفق القانون السوري، والأركان العامة لها، ومفهوم الدافع، وجرائم القتل في القانون.

تعريف الجريمة:

لم ينص قانون العقوبات السوري لعام 1949 على تعريف قانوني للجريمة، وإن كان هذا التعريف لقي اهتماماً كبيراً من علماء الاجتماع، ومن فقهاء القانون.

ويمكن تعريف الجريمة من الناحية القانونية على أنها: «سلوك يجرمه القانون ويرد عليه بعقوبة جزائية أو بتدبير».

يتضح من التعريف الذي أخذ به الفقه القانوني بأن الفعل لكي يعد جريمة يجب أن تتوفر فيه صفتان:

1 ـ التجريم القانوني.

2 ـ الرد على الفعل المجرَّم بعقوبة جزائية أو بتدبير.

1 ــ التجريم القانوني:

وترتبط الصفة الأولى بمبدأ دستوري نص عليه الدستور السوري في المادة /29/ منه على أنه: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني».

وانسجاماً مع أحكام الدستور فقد نصت المادة /1/ من قانون العقوبات السوري لعام 1949 على أنه: «لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل فعل لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه».

وهو ما يوجب أن ينص المشرع الجزائي على تجريم الفعل، ليكون هذا التجريم بمثابة الأمر للأفراد بالامتناع عن ارتكابه.

2 ــ وأما الصفة الثانية (العقوبة الجزائية أو التدبير): فالمقصود بها أن يتضمن النص

القانوني الذي يجرم الفعل عقوبة جزائية، أو تدبيراً احترازياً أو إصلاحياً يفرض على مرتكبه (المؤيد الجزائي). وقد حدد قانون العقوبات السوري العقوبات بـ: (الإعدام ـ الأشغال الشاقة ـ الاعتقال ـ الحبس ـ الغرامة ـ المصادرة ـ الإقامة الجبرية ـ التجريد المدني ـ المنع من الحقوق المدنية ـ الحجر القانوني ـ إلصاق الحكم ـ نشر الحكم).

وتنص قوانين العقوبات في عدد كبير من الجرائم على فرض تدبير احترازي أو أكثر على المحكوم عليه (مثل: الرعاية ـ الحرية المراقبة ـ منع الإقامة ـ المنع من مزاولة احد الأعمال ـ إغلاق المحل… الخ) أو فرض تدبر إصلاحي على الأحداث (مثل: تسليم الحدث إلى أبويه ـ وضعه في معهد خاص بإصلاح الأحداث ـ الحرية المراقبة ـ الرعاية ـ المنع من ارتياد المحلات المفسدة… الخ).

جريمة القتل في القانون السوري:

تضمن قانون العقوبات السوري لعام 1949 في الباب الثامن منه مجموعة من المواد القانونية (533 إلى 538 و 548 و 550 من قانون العقوبات) جرمت أفعال القتل، وحددت الحالات التي تشدد فيها العقوبة لتصل إلى الإعدام، كما حدد حالات العذر القانوني المحل والعذر القانوني المخفف للعقوبة. فضلاً عن ذلك فقد نص وكما تنص أحكام قانون العقوبات على الأسباب المشددة والأسباب المخففة التقديرية التي يرى القاضي ـ في حال توافرها ـ تشديد العقوبة أو تخفيفها.

وفي واقع الأمر فإن جريمة القتل بشكلها العام (القتل القصد) محددة بأركانها وعقوبتها في المادة /533/ المعدلة([58]) والتي تنص على: «من قتل إنساناً قصداً عوقب بالأشغال الشاقة عشرين سنة».

ولكن المشرع السوري شدَّد العقوبة في المادة 534 إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا اجتمعت مع القتل قصداً ظروف معينة، ثم شدَّد العقوبة في المادة 535 إلى الإعدام إذا ارتكب القتل عمداً، أو تمهيداً لجناية…، أو إذا وقع القتل على أحد أصول المجرم أو فروعه.

وهكذا يحدد العرض السابق القواعد العامة لجريمة القتل في القانون السوري، والحالات التي يشدد المشرع فيها عقوبة القتل، وذلك بالإضافة إلى حالات أخرى يحل أو يخفف من العقوبة، وأبرز هذه الحالات هي الأعذار القانونية المحلة والمخففة، وهو ما سنعرض له فيما يأتي:

ـ الأعذار القانونية المحلة: يبقي هذا النوع من الأعذار على الوصف الجرمي للفعل المرتكب، ولا ينفي المسؤولية الجزائية، إلا أنه يعفي الجاني من العقاب، دون أن يؤثر ذلك على فرض التدابير الإصلاحية، أو الاحترازية باستثناء العزلة([59]).

ويمنح المشرع السوري عذراً قانونياً محلاً في عدد من الجرائم ــ إذا توافرت شروط هذا العذر ــ، ونذكر منها ما نص عليه قانون العقوبات في المواد: 221، 262، 337، 344، 399، 405، 660.

وقد كان المشرع السوري قبل صدور المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 1/7/2009 يمنح هذا النوع من الأعذار (تطبيقاً لأحكام المادة 548/1 من قانون العقوبات) لمن يفاجئ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء، مع شخص آخر، فيقدم على ارتكاب جريمة قتل أو إيذاء أحدهما أو كليهما.

ــ الأعذار القانونية المخففة: هي التي تخفض العقوبة عن الحد الأدنى المنصوص عليه في القانون، وفق أحكام المادة 241 من قانون العقوبات.

والأعذار القانونية المخففة في التشريع السوري على نوعين:

النوع الأول: الأعذار المخففة العامة، وجميعها منصوص عليه في قانون العقوبات، وهي خمسة أعذار: الدافع الشريف ( م 192)، العته (م 232)، التسمم جزئياً بالمسكرات أو المخدرات (م 235)، الإثارة (م 242)، القِصَر (م 29 من قانون الأحداث).

النوع الثاني: الأعذار المخففة الخاصة، وهي ممنوحة للجاني في جرائم معينة نص القانون عليها صراحة، نذكر مما جاء منها في قانون العقوبات في المواد: 262/2 و 3، 400، 401، 418، 422، 461، 483، 502، 531، 548، 549/ب، 555، 662.

 

المرجعية القانونية والقضائية لجرائم الشرف

عُرفت جرائم الشرف في القانون السوري في حالتين نصت عليهما المادتان 192 و 548 من قانون العقوبات. وسوف ندرس هاتين الحالتين في الآتي:

الحالة الأولى:

أقر المشرع السوري في المادة 192 من قانون العقوبات بمنح «عذر قانوني مخفف» (أي تخفيف العقاب حكماً) على كل من يرتكب جريمة بـ «دافع شريف»، ولكنه لم يُعرِّف الدافع الشريف، وتركه للفقه والقضاء.([60])

وقال الفقه السوري في ذلك أن «من يرتكب جريمة بدافع شريف يكون في العادة مشحوناً بعواطف اجتماعية نبيلة، كونتها العادات والقيم العليا في مجتمع معين، يعجز الإنسان عن ردها أو مقاومتها، وهذا غير من يقدم على جريمته بدافع أناني دنيء أو بدافع شائن، ويكون محركه إليها تحقيق غايات أنانية مرذولة»([61]).

أما القضاء السوري فقد عَرَّف الدافع الشريف بعدد من الأحكام الصادرة عن محكمة النقض بقوله: «أنه عاطفة نفسية جامحة تسوق الفاعل إلى ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة لديه…»([62])، وأنه ينشأ على أثر حوادث لها مساس بالعرض، وتدفع إلى «ستر الفضيحة وغسل العار»([63])وقالت في الدافع الشريف أيضاً: «لم يهمل المشرع ما ينتاب المرء من غضب وانفعال نتيجة طيش محارمه وأقاربه، وما يعتريه من ألم نفسي، لما في ذلك من تأثير على سمعته وكرامته، فيدفعه لارتكاب جرائم جنائية، وقد حدد له عقوبات خاصة تتلاءم مع أحواله النفسية…»([64]). وقد عدَّت الدافع الشريف متوافراً عند شخص قتل شقيقته بعد أن علم بأنها هربت من دار زوجها ولحقت بعشـيقها لتعيش معه([65]). وعند شخص أقدم على قتل شقيقته بعد أن أعلمه زوجها بأنه رآها في فراشه مع رجل آخر، فاستحضر شقيقته وسألها عن الأمر فقالت نعم، فقتلها([66]). وعند شخص أقدم على قتل المجني عليه بعد أن رآه لأول مرة وهو يعلم بأنه اعتدى على شقيقته فأزال بكارتها وحملت منه نتيجة هذا الاعتداء([67]).

إلا أن محكمة النقض السورية نفت وجود الدافع الشريف عند شخص قتل والد من اعتدى على شرفه، ورأت أن دافع القتل هنا يدخل في مفهوم الانتقام([68])، ونفته الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية عن متهم شاهد خاطف عمته بعد خمس وعشرين سنة من خطفها فقتله على الرغم من أن حادثة الخطف انتهت في حينها بالصلح وبعقد زواج أصولي، وأن عمته عاشت في منزل الزوجية طيلة تلك الفترة ولم يبدر عنها أي تصرف يدل على سوء سلوكها. وقد قالت الهيئة العامة: «إن الاجتهاد القضائي مستقر على أنه لا يعتبر مدفوعاً بدافع شريف من يبتغي من جريمته مصلحة شخصية أو إشباع أحقاد أو إطفاء شهوة في انتقام أو ثورة لكرامة شخصية، لأن الدافع الشريف يجب أن يكون بعيداً عن الحقد أو الانتقام والثأر…»([69]).

كما نفته محكمة التمييز الجزائية اللبنانية في حالة «استياء الفاعل من تصرف شقيقته بوقوفها مع شاب على الطريق العام … لأن الدافع الشريف يجب أن يكون منزهاً عن الحقد والانتقام والاقتصاص والثأر، وعن كل ما فيه مصلحة أو عاطفة أو غاية شخصية»([70]). وأكدت هذه المحكمة في قرار آخر لها على أن الدافع لا يكون شريفاً إلا إذا أقدم الفاعل على الجريمة «بعامل بعيد عن الأنانية أو الانتقام أو عن تأثير غاية أو مصلحة أو عاطفة شخصية، وبعامل من المروءة أو الغيرة الإنسانية المجردة، وأن يتوخى فيه وقف عمل أناني قبيح أو مخالف للقانون»([71]).

وفي تقديرنا أن للدافع الشريف طيفاً واسعاً يمكن أن يشمل كل حالة يكون الدافع فيها نبيلاً، أي معبراً عن عواطف اجتماعية كونتها العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية العليا، بعيداً عن الطمع أو الجشع أو الحقد أو الكراهية أو المصالح الأنانية الدنيئة.

ولكن القضاء السوري عند تطبيق العذر القانوني المخفف المنصوص عليه في المادة 192 من قانون العقوبات في جرائم الشرف يرتكب خطأين اثنين:

الخطأ الأول: عندما يفسر «الدافع الشريف» خلافاً للمفهوم العلمي والقانوني والاجتماعي للشرف، متأثراً بالمفهوم الشائع للشرف في أوساط اجتماعية معينة، لا ينصرف تفكيرها عند الحديث عن الشرف إلا إلى العلاقات الجنسية المحرمة بين الرجل والمرأة، والتي تنظر إليه هذه الأوساط من خلال رؤية ذكورية متعصبة ضد المرأة، ومتسامحة تجاه الرجل.

وهذا التفسير فيه مصادرة على المصدر، لأن الدافع الشريف قائم على النبل والرفعة والكرامة، وهذه الصفات تنتفي بمجرد أن يكون قتل المرأة أو إيذاؤها ممزوجاً بالحقد أو الكراهية أو الانتقام أو الثأر أو المصالح الأنانية الشخصية، أو إرضاء غرور الذات، أو إرضاء شهوة الجماعة (المحيطة بالقاتل والنابعة من نظرتهم الدونية إلى المرأة) إلى التشفي بها، والانتقام منها، وعقابها بذريعة الشرف.

الخطأ الثاني: لا يكتفي القضاء بتطبيق أحكام المادة 192 من قانون العقوبات، بل غالباً ما يذهب إلى أبعد من ذلك في الخروج على المبادئ العامة في القانون الجزائي فيطبق أحكام المادة 242 المتعلقة بـ «سورة الغضب الشديد الناتج عن عمل غير محقٍ وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه»، وهو ما يطلق عليه «عذر الإثارة»، فينتهي إلى الحكم على القاتل أحياناً بالحبس سنة، ثم يطبق أحكام المادة 243 المتعلقة بالأسباب المخففة التقديرية، فينزل بالعقوبة إلى الحبس ستة أشهر.

وفي هذا الموقف خروج على المبادئ العامة في التشريع الجزائي، وعلى اجتهاد محكمة النقض السورية الذي استقر على تطبيق القواعد الآتية:

1ــ الدافع الشريف عذر قانوني مخفف، حدد المشرع قواعد تطبيقه في المادة 192 من قانون العقوبات([72])، وعلى القاضي فرض العقوبة المحددة في هذه المادة خصيصاً للدافع الشريف.

2ــ لا يجوز الجمع بين العذرين القانونيين المخففين للعقوبة المنصوص عليهما في المادتين 192 و 242 من قانون العقوبات، لأن نص المادة 242 هو «نص عام» يتعلق بعذر الإثارة، أما نص المادة 192 فهو «نص خاص» أفرده المشرع خصيصاً ليطبق عند توافر عناصر الدافع الشريف، آخذاً بعين الاعتبار الحالة العقلية والنفسية التي يكون عليها الفاعل ساعة إقدامه على الفعل. وعليه فإنه لا يجوز تطبيق نص عام عند وجود نص خاص ألزم المشرع بتطبيقه على حالة خاصة بيَّنها على وجه التحديد.

3ــ لا يجوز أن يكون الدافع الشريف مداراً للتخفيف التقديري المنصوص عليه في المادة 243 من قانون العقوبات، بعد أن أعطى القاضي لدافع الجاني إلى ارتكاب الفعل وصف الدافع الشريف، واعتبره عذراً قانونياً مخففاً، وطبق عليه أحكام المادة 192 من قانون العقوبات، وذلك لأن المشرع عندما خفف العقوبة لعذر الدافع الشريف، لحظ جميع الاعتبارات المتعلقة بهذا الدافع، وحدد التخفيف المناسب له.

4ــ لقد وصفت محكمة النقض السورية الدافع الشريف بأنه «عاطفة نفسية جامحة…»، وبأنه «غضب وانفعال ينتاب المرء نتيجة طيش محارمه…»، وبأنه «ألم نفسي…» الخ. وهذا يعني أن المشرع قدَّر طبيعة الدافع الشريف وأسبابه، وخفف العقوبة بما يتناسب مع الحالة العقلية والنفسية التي يكون عليها الشخص عندما يسمع أو يشاهد ما يجعله يشعر بالانتقاص من سمعته وشرفه. وعلى هذا الأساس فإنه لا يجوز للقاضي أن يجمع مع حالة الدافع الشريف أياً من الحالتين المنصوص عليهما في المادتين 242 و 243 من قانون العقوبات، وإلا فإنه يخرق مبدأ شرعية التجريم والعقاب، وينصِّب منن نفسه مشرعاً، لكي يتمكن من النزول بالعقوبة إلى حدٍ أدنى يهدر معه أهداف العقاب وغاياته، ويخلق حالة لم يكن المشرع يريدها عندما وضع نص المادة 192 من قانون العقوبات.

 

الحالة الثانية:

هي الحالة التي نصت عليها المادة 548 من قانون العقوبات الصادر عام 1949 (قبل التعديل)، وجاء فيها ما يأتي:

1ــ يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية  فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.

2ــ يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر».

وواضح من نص هذه المادة أنها حالة مختلطة أو مركبة في ظاهرها من عنصر واحد وهو المفاجأة، وفي باطنها من عنصرين متلازمين ومرتبط أحدهما بالآخر، وهما: المفاجأة والشرف.

1ــ المفاجأة: وهي عنصر ذهني ونفسي أشبه ما يكون بـ «الصدمة» التي يشعر بها الزوج أو الأصل أو الفرع أو الأخ عندما يشاهد زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء، مع شخص آخر.

2ــ الشرف: وهو عنصر ذهني ونفسي أيضاً، يتمثل في إحساس الشخص عند مشاهدته الحالة المذكورة أعلاه بخليط من مشاعر الألم والمهانة والدونية والخزي والعار والفضيحة… والدافع الشريف عند شخص ــ كما عرفته محكمة النقض السورية ــ هو عاطفة نفسية جامحة، مرتبطة بفكرة مقدسة لديه، تدفعه إلى القيام بفعل من شأنه ــ في تقديره على الأقل ــ ستر الفضيحة وغسل العار.

وقد استقر الاجتهاد القضائي على البحث في عنصر المفاجأة فقط، فإذا انتفى هذا العنصر لسببٍ ما، انتفى معه تطبيق أحكام المادة 548 من قانون العقوبات، بصرف النظر عن مشاعره المتعلقة بالشرف. وإن كان بإمكان الفاعل في هذه الحالة أن يستفيد من أحكام المادة 192 من قانون العقوبات المتعلقة بالدافع الشريف.

وتأثراً بحملات التوعية التي قام بها الاتحاد العام النسائي والهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع وزارتي العدل والشؤون الاجتماعية والعمل وهيئات مدنية ودينية، ألغى المشرع بالمرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 1/7/2009 المادة 548 من قانون العقوبات، وشرَّع بدلاً عنها النص التالي:

«المادة 1 ـ تلغى المادة /548/ من قانون العقوبات، ويستعاض عنها بالنص التالي:

يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على أن لا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل».

وما فعله هذا المرسوم التشريعي هو أنه أبقى على جوهر المادة 548 الأصلية، وعدلها في الأمور الثلاثة الآتية:

1ــ ألغى العذر القانوني المحل، واكتفى بمنح الجاني العذر القانوني المخفف.

2ــ جعل الجريمة جنحية الوصف، وحدد العقوبة بالحبس مدة سنتين إذا كان الفعل هو القتل. أما إذا كان الفعل هو الإيذاء فتطبق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات لجرائم الإيذاء، وذلك في إطار العذر القانوني المخفف المنصوص عليه في المادة 241 من قانون العقوبات.

3ــ ألغى المشرع الفقرة الثانية من المادة 548 السابقة، والتي تنص على أن  «يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر».

وحسناً فعل المشرع بهذا الإلغاء، لان عبارة «الحالة المريبة» واسعة المعاني والأطياف، وغالباً ما كان يُساء تفسيرها وتطبيقها في الواقع العملي، وبالتالي فمن غير المستساغ وجودها في نص جزائي يتصف بالدقة والتحديد والوضوح.

وقد أثار هذا التعديل الذي أُدخل على المادة 548 ردود فعل غاضبة من قبل الجهات التي نادت بإلغاء هذه المادة، ورأت أن التعديل لا يلبي طموحاتها، وأن الاكتفاء بعقوبة الحبس مدة سنتين في القتل سوف يشجع على قتل المرأة لأي ذريعة من الذرائع،  مما دعى المشرع بعد ما يقارب السنة والنصف إلى إصدار المرسوم التشريعي رقم 1 تاريخ 3/1/2011 الذي تضمن في المادة 15 منه تعديلاً ثانياً للمادة 548 هذا نصه:

«المادة 15 ــ تلغى المادة 548 ويستعاض عنها بالنص التالي:

يستفيد من العذر المخفف  من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو إخوته في جرم الزنى المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد، وتكون العقوبة الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل».

وواضح من هذا التعديل أنه لم يتناول غير مدة العقوبة؛ إذ حُذفت عبارة «على أن لا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل» الواردة في التعديل الأول، ليُستعاض عنها بعبارة «وتكون العقوبة الحبس من خمس سنوات إلى سبع سنوات في القتل» في التعديل الثاني.

وهذا معناه أن المشرع أبقى على العذر القانوني المخفف، واكتفى بتشديد العقوبة إلى خمس سنوات كحد أدنى، على أن لا تزيد عن سبع سنوات كحد أعلى، في القتل. أما إذا كان الفعل هو الإيذاء فتطبق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات لجرائم الإيذاء، وذلك في إطار العذر القانوني المخفف المنصوص عليه في المادة 241 من قانون العقوبات.([73])

 

تشخيص المشكلة:

لمشكلة جرائم الشرف في سورية، وفي الوطن العربي عموماً، أبعاد قانونية واجتماعية نبينها في الآتي:

1ــ موقف القانون السوري من جرائم الشرف هو إرث دخل إلى تشريعنا مع قانون الجزاء العثماني، وتكرَّس وجوده في قانون العقوبات الصادر في عام 1949، والنافذ حتى هذا التاريخ.

2ــ كان المجتمع السوري في عامي 1858 و 1949 مجتمعاً ذكورياً يقوم على النظام الأبوي. فالرجل ينظر إلى المرأة في إطار خضوعها وتبعيتها لسيادته وسلطانه، ويحصر وظيفتها في نطاق الأعمال الأسرية التي تتم في كنف رب الأسرة، ويقيّم جسدها على أنه عورة واجبة الإخفاء (الستر) حتى في حضور المحارم.

3ــ كان العنف الأسري، ومنه العنف ضد المرأة، معروفاً وشائعاً، بل ومطلوباً أحياناً عند بعض الفئات الاجتماعية، ومحموداً في أحيانٍ أخرى. ونقصد بالعنف هنا جميع أشكال العنف ضد المرأة: العنف الجسدي، والعنف المعنوي، والعنف الاجتماعي، والعنف القانوني.

4ــ المجتمع السوري في عام 2011 هو غيره في عام 1949. فمنذ عقود بدأت المرأة بالخروج من منزل الأسرة إلى التعليم والعمل وممارسة مختلف أنواع النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فأثبتت بذلك جدارتها في الوقوف إلى جانب الرجل لا خلفه، وقدرتها على التفوّق والتميّز والاستقلالية، وشجاعتها في اقتحام ميادين كانت محجوزة للرجل وحكراً عليه، وتصميمها على أن تكون بجدارة نصف الأمة.

5ــ أولت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، والمجتمعات الإقليمية والوطنية والأهلية، منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اهتماماً خاصاً بقضايا المرأة، بهدف المحافظة على حقوقها وحمايتها من التمييز والعنف والقهر والعصبية الجنسية، وتحقيق أكبر قدر من المساواة والتنمية والتعليم والتثقيف والحرية والديمقراطية للنهوض بالمرأة وتمكينها. ومن الصكوك الدولية التي صدرت لدعم المرأة وتحقيق مطالبها نذكر: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، وإعلان القضاء على التمييز ضد المرأة (1967)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979)، والإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة…

6ــ المرأة إنسان له كيانه ووجوده وحقوقه كالرجل تماماً، فلماذا نضع في قانون العقوبات نصوصاً تعفي الرجل من العقاب أو تخففه في جريمة قد يستحق عليها الإعدام، وفي الوقت ذاته نفعل العكس تماماً بالنسبة للمرأة، حين نترك للزوج أو الأصول أو الفروع أو الأخ، وحتى للأقارب، سلطة تنفيذ عقوبة الموت بالمرأة من غير محاكمة قضائية عادلة من أجل جريمة لا يعاقب القانون مرتكبها بأكثر من الحبس عدة أشهر، أو بسنة على الأكثر.

7ــ في ضوء كل ما تقدم أصبح من غير المقبول عقلاً ومنطقاً، وواقعاً اجتماعياً واقتصادياً، استمرار العمل بأحكام المادتين 192 و 548 من قانون العقوبات، ولا سيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعطيات الآتية:

أ) المادتان 192 و 548 تتعارضان مع أحكام الشريعة الإسلامية. ففي الشريعة لا تخفيف ولا إعفاء من عقوبة لأي شخص يعتدي على امرأة مهما كان نوع الدافع إلى هذا الاعتداء، حتى لو كان شريفاً. فسلطة العقاب تعود إلى الحاكم أو القاضي الذي له أن يقرر، بعد تحقيق ومحاكمة ودفاع، استناداً لأحكام الشريعة الإسلامية وأصولها، ما إذا كانت المرأة مخطئة، ويعاقبها بحكم قضائي إذا ثبت خطؤها بالعقوبات المنصوص عليها في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الشريفة، أو في التشريع الذي يضعه وليّ الأمر فيما لم يرد عليه نص في المصدرين السابقين.

ب) لقد ثبت في كثير من القضايا أن القتل بدافع  شريف تم بناء على معلومات مغلوطة أو ملفقة أو مبالغٍ فيها، وأن القاتل يسارع إلى القتل قبل أن يتحقق من صحة هذه المعلومات، فيذهب دم المرأة هدراً.

ج) من المؤكد أن الكثير من الأقارب في مجتمعنا يستغلون الإعفاء القانوني من العقاب أو تخفيفه، ليقدموا على قتل المرأة أو جرحها أو إيذائها، نتيجة لدوافع أخرى غير الدافع الشريف، كالحقد والكراهية والحسد والانتقام والتشفي…

د) عرفت ساحات القضاء كثيراً من قضايا القتل بدافع الشرف يقوم بها حدث لم يتم الثامنة عشرة من عمره بتحريض من أسرته ليستفيد من عذر القصر. وكثيراً ما يرتكب القتل أحد أفراد الأسرة الكبار، ثم يتقدم الحدث إلى السلطات المختصة مدعياً بأنه هو القاتل، فينجو المجرمون من العقاب، وتُفرض العقوبة على الشخص الخطأ.

هـ) من الصعوبة بمكان إثبات «عنصر المفاجأة» الوارد في المادة 548، وكذلك إثبات حالة «غير العمد» الواردة في عجز الفقرة الأولى من هذه المادة، لأن المفاجأة والعمد حالتان نفسيتان بإمكان الزوج تمويههما، وإخفاء التخطيط والإعداد المسبق للمفاجأة والعمد، بغية التخلص من الزوجة لا دفاعاً عن شرفه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عرض لبعض الحالات من البيئة المحلية:

  • (ندى) فتاة تبلغ العشرين من عمرها، تعرفت على شاب، وبدأت العلاقة بالاتصالات الهاتفية، وتطورت إلى حب،أخفته عن المحيطين بها،حيث يرفض الجميع الاعتراف للفتاة بحقها في التعبير عن مشاعرها، ومن ثم دفعها حبها لهذا الشاب إلى ترك منزل ذويها،والزواج منه، وهي الآن أم لطفلين، ولا تزال مختفية عن نظر أقاربها، فهي تعتقد بأن ما فعلته من حقها، إلا أنها تخاف انتقام أهلها حيث وقعت حالات قتل لفتيات من قريتها بسبب الشك في سلوكهن، يراودها بين الحين والأخر شعور بالندم كونها تتذكر ما سيحل بوالدتها وأخواتها البنات، وبالمقابل فإن وجودها مع زوجها طمأنها إلى صدق مشاعره، ومع ذلك فهي لا تثق كثيراً بالرجال،إلا أنها راضية تماماً بحياتها الجديدة التي أمنت لها حرية اتخاذ القرار والتي حرمت منها في منزل ذويها.
  • (شذى) لم يتجاوز عمرها الخامسة عشرة، عاشت لمدة خمس سنوات مع زوجة أبيها، والتي عاملتها على أنها ند لها، وسعت إلى إعادتها إلى حضانة والدتها، وكانت تضربها باستمرار، وتجبرها على القيام بكل الواجبات المنزلية، وتصفها بالقبيحة التي لا ينظر إليها أحد، تعرفت بالصدفة إلى أحد الأشخاص الذين يعملون في بناية مجاورة، وأخبرته بتفاصيل عن حياتها، وأخذ الشاب يمتدح جمالها وكم هو مغرم بها، وانساقت لكلامه، وواعدها في قبو البناء وأقام معها علاقة جنسية بوعد الزواج، وتكرر اللقاء، وأخبرت صديقتها بالعلاقة التي بينهما ولا سيما بعد شعورها بالحمل، ولما شعرت بأن زوجة أبيها بدأت تراقبها، اتصلت بالشاب وأخبرته بضرورة أن يتقدم لخطبتها، فتهرّب منها، وأخبرها بأنه لا يقتنع بأنه الوحيد في حياتها، تركت منزل أهلها، وصادفت أشخاصاً أحضروها لإحدى دور الحماية، حيث تقيم هناك، اليوم شذى تشعر بالندم على ما اقترفته، وهي تشعر بأن نبذ أهلها لها، ومعاملتهم السيئة ووصفها بالقبح، والوحيد الذي أشعرها بقيمتها هو هذا الشاب، ونادمة على ما فعلته، وتتمنى لو أنها لم تقدم على إقامة هذه العلاقة، وتتمنى لو وجد من يوجهها، وهي خائفة من ردة فعل أهلها، وتخاف من العودة إلى ذويها، فهي متيقنة من أنهم سيقتلونها، ويتهمون أخوها القاصر بقتلها لأنه صغير ولا يعاقب، وهو ما تعرف أنه غسيل للعار.
  • (يمن) فتاة تعرضت لاغتصاب من قبل أحد سائقي التكسي عندما كانت عائدة لمنزلها، وتم وضعها في دار الفتيات الجانحات لمدة شهرين، عاشت خلالهما خائفة من ردة فعل أهلها، فقد قرأت بعض المقالات التي تتحدث عن جرائم الشرف، وكيف يبيح المجتمع قتل الفتيات بداعي المحافظة على الشرف الذي لوثته الفتاة بفعلتها، وهي ترى بأنها مذنبة بالرغم من كونها ضحية لجريمة اغتصاب، وعندما حان موعد تسليمها لوالدها، اشترط القاضي توقيع تعهد بعدم القتل، وتحدثت الأخصائية الموجودة في الدار مع الأهل، وأوضحت أنها ضحية وليست مذنبة، ومن خلال التواصل مع الأهل اتضح بأنهم يعانون من نظرات وكلام المحيطين بهم، إلا أنهم استشاروا أحد رجال الدين الذي نهاهم عن قتل الفتاة أو إيذائها.
  • (سماح) فتاة في المرحلة الثانوية، عاشت في جو أسري صعب، تعرضت لاعتداء جنسي من أخيها الذي يكبرها بأربع سنوات، وحاولت إخبار والدتها، إلا أنه هددها بالقتل إذا أخبرت أحد، شعرت بالدوام أنها قذرة، وأنها أقل من جميع الفتيات اللواتي في سنها، بعد دخولها الجامعة تعرفت بشاب من دين آخر، ونشأت بينهما صداقة، ولفت نظره ردة فعلها اتجاه جميع الشباب ونفورها منهم، ولما أخبرته بقصتها نصحها بأن تخبر أهلها، عملت بنصيحته، فاتهمها الأهل بأنها كاذبة وأنها فرطت بشرفها مع أحد الشباب في الجامعة، وحبست في المنزل بعد تعرضها للضرب المبرح، ولما علمت أختها بأن عمها يدبر مكيدة لتسميمها ساعدتها على الهرب، وأحضرها صديقها إلى دار للرعاية، لحمايتها من القتل، وهي اليوم تعيش بقلق دائم فهي تعلم بأن أهلها سيقدمون على قتلها، بالرغم من أنها لم تفعل شيء يسيء لأحد، وأنها ضحية وليست مذنبة، وتتمنى لو سنحت لها الفرصة لإكمال تعليمها، وتتمنى لو كان بإمكانها العمل على توعية الفتيات وحقهن بالحياة الحرة الكريمة.
  • (سعاد) الفتاة التي حرمت من تعليمها كون مدرستها مختلطة، وأجبرت على القيام بالأعمال الزراعية، تعرفت إلى أحد الشبان الذين يعملون عند جيرانها، وأحبته، أقنعها بترك المنزل والذهاب معه ليتزوجا، حيث أن أهلها سيرفضون خطبته لها، بسبب ظروفه المادية، بقيت لمدة شهرين متوارية عن الأنظار، حتى عثر عليها الأهل، وطلبوا من الشاب أن يطلقها، وبسبب تدخل أقاربها، وعرضهم تزويجها لابن عمها المعاق، بدل قتلها، وافق الأب، وعادت إلى المنزل، وبقيت أربع أشهر عند أهلها ذاقت خلالها مرارة الذل والهوان، وحاولت الانتحار أكثر من مرة كونها لا تزال تحب زوجها، ولا تريد الاقتران بغيره، إلا أنها وجدت الطريق أمامها مغلقة، فإما القتل وبخاصة بعد أن تشاجر أخوها مع أحد أصدقائه وشتمه بفعلة أخته، وإما الزواج من ابن عمها، فاختارت الزواج، وهي تكره زوجها وتنقم على مجتمعها الذي ينظر إليها على أنها ساقطة، و لا تزال ترفض مغادرة منزلها وزيارة أحد، وتخشى أن ترزق بفتاة لأنها ستكون محكومة مثلها بالعادات والتقاليد.

وبالمقابل فقد وقعت جرائم قتل بدافع الشرف، وكان رأي القاتل مغايراً تماماً لرأي الفتيات اللواتي سبق لهن وعرضن تجاربهن، نذكر بعض ما وصلنا إليه:

  • ( سمير) قتل ابنته البالغة من العمر (27) عاماً، بعد أن استمع لمحادثة هاتفية بينها وبين شاب تحبه، أخبر أخيه الذي أشار عليه بقتلها كونها دنست شرف العائلة، يعتقد سمير بأنه لا يستطيع أن ينظر في وجه أحد بعد فعلة ابنته، وأن مجرد حديثها مع الشاب هو جريمة تستحق عليها القتل آلاف المرات، وهو لا يمكن أن يكون بلا كرامة حتى يسكت لها عن علاقتها. ومع علمه بأن الشاب سينظر إليه على أنه امرأة وبلا شرف إذا لم يقدم على قتل ابنته، وهو لا يخاف العقاب فهو يعلم أن من «عابت إصبعه وقطعها فلا عقوبة عليه»، وبالرغم من معرفته بأن لابنه علاقة بفتاة إلا أنه يرى بأن الرجل لا يعيبه شيء، وما يجوز له لا يجوز لأخته، وبالرغم من تقارير الطبابة الشرعية التي أثبتت بأن الفتاة عذراء، إلا أنه يرى بأنها كانت تستحق القتل، وأنه لو تركها لأقدمت على أفعال أكبر، وهو يرى أن من واجب الرجل أن يحافظ على شرفه حتى لو أضطره الأمر لقتل بناته كلهن.
  • (سعيد) الشاب الذي أخبرته زوجته بأن لأخته علاقة جنسية مع جاره، فقرر التخلص منها، وأخبر والدته بالأمر فشدت من عزيمته وطلبت منه غسل عاره الذي دنسته أخته، وبعد قتلها تبين أنها عذراء، وأن العلاقة التي تجمعها بالشاب هي علاقة حب، وبالرغم من استفادته من العذر المخفف، فإن الندم يأكل قلبه، ويتمنى لو أن الزمن عاد للوراء لكان فكر قبل أن يقتل أخته، إلا أنه معذور، كما يعتقد، فمجرد معرفة أحد بقصتها سيجعله محط سخرية ونفي من المجتمع. وهو يرى أن الرجل يجب أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على القتل، بالرغم من أنه صاحب الحق في المحافظة على شرف عائلته. وبرأيه أن العلاقة بين أخته والشاب مرفوضة حتى لو كانت علاقة حب، فهو يعلم ألاعيب الشباب وأهواءهم، وهو تزوج عن حب، ولكن ليس كل الشباب مثله صادقين، ويتمنى ألا يرزق بفتاة.
  • (فهد) أب لخمس فتيات، أخبرته أخته أن ابنته الكبرى تخرج مع ابن الجيران وعلى مرأى من نساء الحي، راقب ابنته أكثر من مرة، حتى شاهدها تركب دراجة نارية مع أحد شباب الحي، فسارع إلى البيت، وانتظرها حتى عادت، وأطلق عليها النار، وطلب من زوجته الصراخ والادعاء أن ابنه الصغير كان يلعب بالمسدس فخرجت رصاصة منه قتلت الفتاة. يعتقد فهد أن ابنته خرقت عادات المجتمع ودنست شرف العائلة. فقتلها وهكذا أصبحت عبرة لكل فتاة في العائلة، لتأخذ حذرها. لم يسمع فهد بالمادة (548 أو المادة 192) إلا أنه يرى بأن شرف العائلة شيء مقدس، والرجل الحق هو من يحافظ عليه، ويرى بأن الدين يوجب عليه حماية عرضه، وهو منع بناته وزوجته من مغادرة المنزل كيلا يرتكبن الفاحشة، وبفعلة ابنته وبعلم من سكان الحي أصبح من الضروري غسل عاره، وهو يعلم بأن الجميع مدركون بأنه غسل عاره، ويجلونه لذلك، وقطع ألسنة الناس لا يكون إلا بهذه الطريقة.

إن أكثر المعنيين بهذه القضايا من قضاة ومحامين وأساتذة في القانون وشرطة وأطباء شرعيين يميلون إلى اعتبار هذا القتل جريمة، مع مراعاة البيئة التي ينتمي إليها القاتل والضحية:

ــ في أغلب الحالات تتكون لدى القضاة القناعة التامة بأن الفتاة سوف تتعرض للقتل بعد خروجها من المحكمة، ولذلك يعمدون إلى توقيع الأهل على تعهد بعدم التعرض، وبالرغم من عدم كفايته كإجراء وقائي، إلا أنه ليس أمامهم من حل بديل، وبخاصة في ظل عدم وجود دور رعاية وحماية يمكن وضع الناجيات فيها.

ـ وفي معرض تطبيق المادة 548 وحتى بعد التعديل يرى القضاة بأن تخفيف العقوبة يعود إلى محاولة الموائمة بين حقوق الإنسان وبخاصة النساء من جهة، وطبيعة المجتمع الذي يحرم العلاقات العاطفية بين الجنسين من جهة أخرى. فالقانون ليس وحده المتهم بمساندة الجاني،بل المجتمع هو الذي يضغط على ذوي المرأة المخطئة لعقابها من قبلهم إذا خرجت على عاداته وتقاليده ونظمه.

ــ في الحالات التي تكون فيها الفتاة عذراء، فإن القاتل قد لا يستفيد من العذر المخفف، ولا سيما بعد تعديل المادة 548، فالنص القانوني واضح، وهدفه هو الحد من هذه الظاهرة.

ـ يشير أغلب المعنيين بهذه القضايا إلى أنه لم يسبق أن عرضت عليهم قضية تتعلق بالمادة 548، وإن كانت هذه الإشارة غير دقيقة. فالقتل والإيذاء المنصوص عليهما في المادة 548، وإن كانا نادرين، إلا أنهما موجودان.

ــ ساهم انتشار ثقافة حقوق المرأة، والاهتمام الذي توليه الحكومة لهذه القضايا في نشر الوعي والمعرفة عند المعنيين ( قضاة ـ محامون ـ شرطة ـ أطباء شرعيون)، وبخاصة في العقدين الماضيين، عندما كثر الحديث عن العنف ضد المرأة ومنه جرائم الشرف، ونظمت من قبل الجهات المعنية محاضرات ومؤتمرات وندوات مهنية تدريبية.

 

مما سبق يمكن عرض بعض النتائج الهامة:

1 ــ لم يسمع الكثير ممن ارتكبوا جرائم الشرف بالمادتين 192 و 548 من قانون العقوبات، وذلك وفق بعض المقابلات التي أجريت مع أشخاص ارتكبوا هذا النوع من الجرائم، إلا أن المعلومة التي يعرفونها كانت تنحصر في أنه من حق الذكور في العائلة محاسبة الفتاة التي ترتكب فعلاً يسيء إلى سمعة العائلة أو يمس شرفها.

2 ــ إمكانية إلصاق جريمة القتل بأي من القاصرين الذكور لأن الجميع يعلم بأن الأحداث لا يعاقبون بعقوبات جنائية وفقاً لقانون الأحداث، حيث يفرض على الحدث تدابير الإصلاح، أو يُعاقب إذا ارتكب الجريمة بعد إتمامه الخامسة عشرة من عمره بعقوبة مخففة.

3 ــ ترضخ الفتاة الناجية إلى مقولة أن من حق الأسرة أن تحاسبها على فعلتها، بالرغم من قناعتها بأن العلاقة التي أقامتها مع الشاب كانت من حقها.

4 ــ يعتقد القليل من الأشخاص بأن من حق المرأة أن تستفيد من العذر القانوني المقرر في المادة 548، مثلها مثل الرجل، في حين أن الرأي الغالب يذهب إلى أن المرأة – طبقاً لموقف القانون والمجتمع – لا تستفيد من هذا العذر، وخاصة وأن إقدام المرأة على ارتكاب جريمة بدافع الشرف غير معروف، أو نادر على الأقل.

5 ــ فيما يتعلق بالجانب الإجرائي، فإن جهاز الشرطة والقضاء يبقيان عاجزين عن التدخل بسبب عدم وجود إدعاء بارتكاب جريمة، إذ غالباً ما ترتكب هذه الجرائم بصمت تام، وكثيراً من الحالات لا يتم الكشف عنها مطلقاً.

6 ــ توجد حالات قليلة علم فيها الأهل بوجود علاقة غير شرعية لابنتهم، فاكتفوا بالعقوبة الجسدية التي تتجلى غالباً بقص الشعر، والضرب، وحالات أخرى ساهم الأهل في إجراء تسوية مع الشاب وأهله، وعقد زواج شرعي لابنتهم.

وإذا ما تعلق الأمر بالزوج والزوجة، فغالباً ما ينتهي الأمر بالطلاق أو بعقوبة جسدية تسبق الطلاق، وفي حالات نادرة يميل الزوج إلى التسامح.

7 ــ من الإشكاليات القانونية لهذا النوع من الجرائم، عدم توفر دور لحماية الفتيات اللواتي هن في حالة خطورة، وعدم وجود الاختصاصي الاجتماعي الذي يدرس الحالة ثم يقدم تقريراً حول بيئة ذوي الفتاة قبل تسليمها إليهم.

8 ــ لا بد من التأكيد على دور رجال الدين في رفع درجة الوعي لدى الأسر والذكور والإناث بتحريم الدين جرائم القتل بدافع الشرف.

  • واقع جرائم الشرف في سوريا ــ إحصاءات وأرقام:

لا يوجد في الواقع إحصاء دقيق لعدد الجرائم (القتل أو الشروع فيه أو الإيذاء) التي ترتكب في سورية بذريعة الشرف. ويقدر بعض الخبراء عدد الجرائم التي ترتكب سنوياَ ضد النساء في سورية ما بين 200 و300 جريمة، يقع معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية، بحجة «الدفاع عن الشرف».

وفي رصد لوسائل الإعلام خلال عام 2009 تبين وقوع أكثر من 50 حادثة قتل بذريعة الشرف سنوياً، وفقا للمعلومات المنشورة في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية السورية. علماً أن هذا العدد يدخل في عداد «الإجرام الظاهر» والمعروف، أما «الإجرام المستتر أو الخفي» و «الإجرام الحقيقي» لجرائم الشرف فهو غير معروف تماماً وإنما يدخل في حيز التخمينات.

ومن خلال قاعدة البيانات المتوفرة لدينا لجرائم القتل عموماً، والقتل بدافع الشرف التي وقعت في المحافظات السورية في عام 2009، نضع البيان التالي:

 

بيان بعدد جرائم القتل والقتل بدافع الشرف في جميع المحافظات السورية عام 2009([74])

أنواع جرائم القتل عدد جرائم القتل النسبة المئوية
القتل العمد والشروع فيه 205 43%
القتل المقصود والشروع فيه 138 29%
القتل غير المقصود 76 16%
القتل بدافع الشرف 57 12%
المجموع العام 476 100%

ويتضح من هذا البيان أن عدد جرائم القتل بدافع الشرف التي وقعت عام 2009 في جميع المحافظات السورية بلغت (57) جريمة من أصل (476) جريمة قتل، أي بنسبة (12%). وإذا ما قورنت بعام 2007 (مثلاً) نجد أن جرائم القتل بدافع الشرف بلغت (38) جريمة من أصل (533) جريمة قتل، أي بنسبة (7.1%).

نماذج للاجتهادات القضائية ذات الصلة

سنعرض لقضيتين نظر فيهما القضاء السوري، وهما قضية (زهرة) وقضية (ف)، واللتين كانتا ضحيتي جريمة شرف، ومن خلالهما يمكن معرفة الإشكاليات القضائية المترتبة على هذا النوع من الجرائم في القضاء السوري.

نموذج قضائي حكم فيه القضاء وفق نص المادة /192/ (قضية زهرة): قتلت على يد شقيقها بعد خروجها من معهد الأمل للفتيات الجانحات وزواجها من ابن خالتها، وتوقيع الأهل تعهداً بعدم التعرض لها، إلا أن شقيقها أوهمها بأنه سامحها على ما أقدمت عليه، وقدم لزيارتها في منزل الزوجية واستغل غياب الزوج عن البيت وأقدم على قتلها. وقد نصب الزوج نفسه مدعياً شخصياً، وطالب بتوقيع أقصى العقوبة على الجاني. وبالرغم من أن الجاني قد خطط لارتكاب جريمته، وأقدم على نسخ مفاتيح المنزل، وأوهم شقيقته وزوجها أنه عائد إلى محافظته، واستغل خروج الزوج للعمل، ودخل خلسة للبيت وقتل شقيقته في سريرها، ما يطبع فعله بطابع العمد وليس القتل القصد، وهو ما يخرج عن حكم المادة /242/ والمتعلقة بسورة الغضب الشديد، فوجد مخرجه في نص المادة /192/، والتي تخفف العقوبة من الأشغال الشاقة المؤقتة إلى الاعتقال المؤقت، وتطبيق الأسباب المخففة التقديرية، بحيث تصبح العقوبة كالتالي: الحبس لمدة سنتين، وفي غيرها من الجرائم تتراوح العقوبة من 6 أشهر إلى سنتين.

منطوق الحكم:

باسم الشعب العربي في سورية:

تقرر بالاتفاق ما يلي: المحكمة تجرم المتهم بجناية القتل قصداً بدافع الشرف وفق أحكام المادة /533 ق.ع.س/ بدلالة المادة /192/ منه، ومعاقبته لأجل ذلك بالاعتقال مدة 3 سنوات. وللأسباب المخففة التقديرية خفضت العقوبة إلى سنتين ونصف، واحتساب مدة توقيفه وإطلاق سراحه فوراً ما لم يكن مطلوباً بجرم آخر.

  • نموذج قضائي حكم فيه وفق نص المادة /242/ الحكم في قضية المجني عليها (ف): المغدورة (ف) ابنة المتهم (م ) كانت متزوجة من المدعو (ع) الذي طلقها وغادر القطر، فاستأجرت شقة بمخيم اليرموك، وأقامت فيها مع أولادها، وأصبح أهلها يسمعون من الجوار أنها تقوم بأعمال غير أخلاقية، وتستقبل أناساً غرباء بمنزلها، منهم المدعى عليهم الذين يأخذونها إلى أماكن اللهو والكازينوهات. وقد تأكد والدها وأفراد عائلتها من ذلك، وأنها أساءت إلى سمعتهم، فذهب والدها المتهم إلى شقتها وقرع الباب فلم يفتح أحد، وبقي أمام المنزل حتى فتح له الباب حفيده (ص) الذي دخل وأخبر والدته. ولكن المتهم سمع أصوات ركض أشخاص داخل المنزل، وشاهد كؤوساً وفناجين وعلب سجائر فتأكد من سلوكها السيئ. بعدها حضرت المغدورة وأولادها لمنزل والدها المتهم بقصد الزيارة؛ حيث طلب والدها من جميع أفراد الأسرة مغادرة المنزل ليتفاهم وحده مع ابنته حول سلوكها وما شاهده وسمعه، فردت عليه بسخرية، فقام المتهم منزعجاً من كلامها وأقدم على إمساكها من رقبتها بيديه، وقام بخنقها حتى فارقت الحياة. حضرت والدتها (خ) وشاهدت زوجها المتهم فوق المغدورة على الأرض وهو بحالة تعصيب وارتجاف، وابنتها المغدورة بدون حراك، فأخذت تصيح وتصرخ، وتم إسعاف المغدورة إلا أنه تبين أنها فارقت الحياة. وبالتحقيق مع المتهم أولياً وقضائياً بما يسند إليه، أفاد أنه فعل ذلك غسلاً للعار.

منطوق الحكم:

1ـ تجريم المتهم (م) بجناية القتل قصداً بدافع شريف وفق أحكام المادة /533 ع. عام/ بدلالة المادة /192/ منه، ووضعه لأجل ذلك بالاعتقال مدة ثلاث سنوات.

2ــ حبس المدعى عليهم (ف ــ ج ــ و) مدة سنة، والغرامة مائتي ليرة سورية عن جنحة تسهيل الدعارة السرية وفق أحكام القانون رقم /10/ لعام1961.

3ــ إسقاط الدعوى العامة عن المدعى عليه (و) بجرم التهديد بالقتل وفق أحكام المادة /561 ع.عام/ تبعاً لشمولها بأحكام قانون العفو العام رقم /41/ لعام 2004.

4ــ للأسباب المخففة التقديرية المستمدة من طلب المتهم (م) والمدعى عليه (و) الشفقة والرحمة وإسقاط الحق الشخصي تنزيل عقوبة المتهم (م) للحبس سنة واحدة، وعقوبة المدعى عليه (و) للحبس مدة ثلاثة أشهر، وحساب مدة توقيف كل منهما من أصل محكوميته، وحساب مدة توقيف الباقين.

5ــ إعفاء المتهم (م) من لصق الحكم، ونشره، وتدبير منع الإقامة لعدم وجود محذور.

آليات الدعم والحماية ــ الواقع والطموح

ارتفعت وتيرة الاهتمام بقضايا العنف ضد المرأة في المجتمع السوري، أثناء العقد الماضي، وذلك من خلال نشاطات رسمية وأهلية تبدت بورشات العمل والندوات والمحاضرات، والتي تشير بوضوح إلى مدى الجهود الوطنية المبذولة لمكافحة العنف ضد المرأة بشكل عام، وجرائم الشرف بشكل خاص، ومجابهة الصمت والمفاهيم السلبية المترسخة في المجتمع.

جهود الحكومة السورية على مستوى التخطيط:

ــ يأتي تأسيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالقانون رقم /43/ لعام 2003، كخطوة هامة دعماً لقضايا المرأة والطفل، وقد تبنت هذه الهيئة إعداد الخطة الوطنية لحماية الطفل، والخطة الوطنية لحماية المرأة من العنف، وإحداث مراكز أبحاث تهتم بشؤون المرأة، ونشر الوعي بقضايا المرأة، وتمكين النساء المعنفات من الوصول إلى آليات الحماية.

ــ وتعمل الهيئة السورية على إنشاء وحدة لحماية الأسرة من العنف، يتوفر فيها: مركز تلقي الشكاوى، والتحقق من حالات إساءة معاملة الأطفال والنساء، ومن ثم إحالة هذه الحالات إلى الجهات المختصة، وإنشاء مرصد للعنف ضد الطفل والمرأة يهدف إلى تسجيل الحالات.

ــ بالمقابل وفي معرض تنفيذ «منهاج عمل بجين» الذي انضمت إليه الجمهورية العربية السورية، وبخاصة المتعلق بالفقرة (دال ـ أ ـ ) الذي ينص على ضرورة اتخاذ الإجراءات المتكاملة لمنع العنف ضد المرأة والقضاء عليه، وبصدد تنفيذ هذا الالتزام وعلى مستوى التخطيط فقد تضمنت الخطة الخمسية العاشرة (2005 ــ 2010) للهيئة السورية لشؤون الأسرة برامج متعددة منها تقديم المساعدات الخاصة التي تشمل ضحايا العنف الأسري.

ـ وأخيراً تم عقد «الملتقى الوطني حول جرائم الشرف» (تجسيداً لروح المجتمع في سورية) عام 2008، والذي يعتبر من أبرز المحطات التي تم فيها إلقاء الضوء على هذه الجريمة وواقعها، وطرحها على بساط البحث. وقد حضر الملتقى عدد من الوزراء والمحافظين وسماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية، وعدد من أبرز رجال الدين المسيحي والإسلامي، وممثلين عن المذاهب الدينية وأعضاء مجلس الشعب وممثلي الهيئات الرسمية والشعبية والقضاة والجمعيات الأهلية وبعض المفكرين، ويعتبر الملتقى كذلك بمثابة وثيقة عمل وطنية وحكومية، تدل وبوضوح على اهتمام الحكومة السورية بالعمل الجاد على طرح قضايا تعد من القضايا المسكوت عنها في السابق، وقد انتهى الملتقى إلى جملة من التوصيات، نجملها فيما يأتي:

1ــ إلغاء المادة /548/ من قانون العقوبات السوري.

2ــ إعادة صياغة الفقرة الثالثة من المادة /192/ المتعلقة بالدافع الشريف التي تتيح للاجتهاد القضائي النزول بعقوبة الحبس إلى ستة أشهر أو سنة على الأكثر، بحيث لا تقل عقوبة القاتل عن الاعتقال مدة 15 سنة.

3ــ تشديد عقوبة الزنى للرجل والمرأة على قدم المساواة المنصوص عليها في المادتين /473 ـ 474/ وعقوبة السفاح المنصوص عنها في المادة /476/ من قانون العقوبات.

4ــ تعميم فتاوى دينية تؤكد على تجريم أفعال القتل والإيذاء دفاعاً عن الشرف، وامتناع إفادة مرتكبيها من العذر القانوني المحل أو المخفف للعقاب، ومن أسباب تخفيف العقاب التقديرية.

5ــ زيادة التوعية المستمرة بالتعاون مع المؤسسات والاتحادات والنقابات والجمعيات ذات الصلة، لترسيخ ثقافة المساواة في المركز القانوني للجنسين، من خلال التربية والتعليم ووسائل الإعلام والخطاب الديني، والعمل على إنشاء مرصد وطني لمتابعة هذا العمل التوعوي.

6ــ العمل على إصدار دورية تهتم بالشؤون الأسرية من قبل الهيئة السورية لشؤون الأسرة.

7ــ تكليف الهيئة المذكورة بالسعي المستمر لدى الجهات المعنية لتفعيل هذه التوصيات والوصول بها إلى المستوى التنفيذي من خلال خطة وطنية شاملة.

8ــ إقامة ملتقى وطني لتمكين وحماية الأسرة.

 

جهود المجتمع الأهلي:

بالتوازي مع الجهود الحكومية للعمل على مكافحة جرائم القتل بدافع الشرف، أسهم المجتمع الأهلي في نشر الوعي حول خطورة هذا النوع من الجرائم، وذلك من خلال جملة من الجهود، نذكر منها:

1ــ تأسيس «مركز دراسات المرأة» يتبع الاتحاد العام النسائي، والذي سيعنى بالقضايا المتعلقة بالمرأة.

وأقام الاتحاد بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفم) العديد من ورشات العمل والندوات حول قضايا العنف الأسري، والتي تترافق عادة مع المناسبات المتعلقة بالمرأة (اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة ـ يوم المرأة العربية..).

2ــ أطلق «موقع نساء سورية» حملة وطنية تحت شعار «أوقفوا قتل النساء، أوقفوا جرائم الشرف»، وترافقت مع حملة جمع تواقيع تطالب بإلغاء المادة /548/ من قانون العقوبات السوري.

3ــ قيام الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة بالعديد من ورش العمل، إضافةً إلى إحداث «مركز واحة الراعي» التابع لراهبات الراعي الصالح الذي يقدم خدمات قانونية، اجتماعية، نفسية، بالإضافة إلى «دار الإيواء للنساء ضحايا العنف الأسري»، وبصورة خاصة النساء اللواتي هن بحالة خطورة على خلفية إمكانية ارتكاب جرائم الشرف.

4ــ تم الاحتفال بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفم) باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، الذي تبعه تسليط الضوء على جرائم الشرف خلال عام كامل من خلال الحضور النوعي والمحاضرات والمقالات ومسيرات الشموع التي طالبت بإلغاء المادة /548/.

وفي ظل الجهود المبذولة لإلقاء الضوء على هذا النوع من الجرائم، فمن الضروري أن نعرض لدور الإعلام وكيفية معالجته لهذه الظاهرة.

 

 

تناول الموضوع في وسائل الإعلام السوري:

بدأ الإعلام السوري خجولاً في مطلع عام 2000 في الحديث عن الجرائم التي ترتكب باسم الشرف؛ حيث تناولت الصحف الرسمية (الثورة، البعث، تشرين، والصحف الخاصة النور، ولاحقاً الوطن وبلدنا) هذه الجرائم، فأجريت لقاءات مع محامين ورجال دين ونشطاء من المجتمع الأهلي وأساتذة جامعة وكتاب وفنانين، وكانت الآراء كلها متفقة على رفض هذا النوع من الجرائم، والمطالبة بإلغاء المواد القانونية التي تعفي أو تخفف العقوبة عن مرتكبي تلك الجرائم، وتزامن ذلك مع كتابة مقالات عدة في هذا الخصوص، إضافة لنشر العديد من الحوادث التي تقع وبشكل مستمر في غالبية المدن السورية. وبالرغم من أن نشر هذه القصص في بداية الأمر كان يتناول الموضوع على أنه مجرد نشر للحوادث أو الجرائم المرتكبة بشكل عام ومن بينها جرائم الشرف، إلا أن الهدف من النشر لم يتعدى عملية رصد للجرائم فقط، بغض النظر عن طبيعتها، وهو ما لم يحقق الغاية المطلوبة والمتمثلة برفض هذه الجرائم والحد منها.

ومنذ عام 2005 تصاعدت حركة الإعلام في مواجهة الجرائم المرتكبة بذريعة الشرف؛ حيث إن دور الإعلام في هذه المرحلة تعدى مرحلة الرصد والنشر فقط، ليتحول إلى عمل محدد الهدف، وليأخذ شكلاً أكثر جديةً وعمقاً ورصداً وتحليلاً، وفي كثير من الأحيان استنكاراً ورفضاً ومطالبةً بوقف قتل الفتيات والنساء باسم الشرف.

وبالمقابل ترافق دور الإعلام مع إطلاق حملة وطنية مناهضة لجرائم الشرف، تسعى إلى وقف هذه الجرائم، ورصد الحالات، وإدارة جلسات للحوار والنقاش بين عدد من المهتمين بالشأن الاجتماعي وقضايا المرأة.

ورفعت هذه الحملة، والتي أطلقها موقع نساء سورية، وثيقة وطنية رفعت شعار «أوقفوا قتل النساء، أوقفوا جرائم الشرف»، وعملت الحملة على جمع تواقيع للمطالبة بإلغاء المادة /548/.

وبالمقابل اهتمت جميع الصحف بهذه الظاهرة، وزاد اهتمام المواقع الالكترونية بها، ومنها: مجلة الثرى الالكترونية، عكس السير، سورية نيوز، الغد، سورية الآن، دي برس، وكلنا شركاء، وأضحت غالبية المواقع السورية تتحدث بشكل يومي عن وقوع جرائم هنا وهناك باسم الشرف.

وقد كان لدور الإعلام أهمية كبيرة في تسليط الضوء على هذه الجرائم؛ حيث زادت المعلومات والمقالات والمقابلات، وكان من نتيجة ذلك أن تكونت صورة واضحة عن مفهوم هذه الجرائم، وأسباب ارتكابها، والإشكاليات المترتبة عليها.

ويُحسب للإعلام المكتوب والالكتروني دوره في نشر الوعي، والعمل الحثيث على تحليل جرائم الدافع الشريف، وقد خصصت العديد من الصحف افتتاحياتها للحديث عن جرائم الشرف، ونذكر على سبيل المثال:

ــ مجلة الصوت عدد (7 ــ 12 /2007)، والتي جاء في افتتاحيتها ما يلخص واقع هذه الجرائم، والموقف الرافض لها: «يعد يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، التي تعتبر الضحية الأولى، ولها النصيب الأوفر دوماً من أفعال العنف، سواءً كان صادراً عن الحرب، أم الحرب الأهلية، أم الاحتلال، أم الإبادة الجماعية، أم العنف الاجتماعي الناجم عن تخلف اجتماعي متجذر، وتخلف ذكوري غير مبرر بأي حال من الأحوال، وفي سورية تحظى المرأة بقسط من هذا العنف بأشكاله المتعددة، منها الاستغلال الجسدي للمرأة، أو التعرض للعنف المباشر بالضرب، وتقييد الحركة والنشاط، والعنف الأسري بكل صوره…الخ، أو الاستهانة بذكائها أو قدراتها وإمكاناتها التي نراها هي أهم بكثير من إمكانات الرجل.

ولعل الفعل الأشنع والأبشع الذي تقع تحت وطأته المرأة في سورية وفي بعض المجتمعات الأخرى هو ما يسمى بجريمة الشرف، والتي لا تمت في حقيقتها للشرف بأية صلة.

إن جرائم الشرف والتي راح ضحيتها العديد من نساء بلادنا ما هي في حقيقتها إلا ترويع ذكوري بشع للنساء، ويشكل في جوهره قمعاً وإرهاباً فاضحاً لتطور إمكانات النساء وقدراتهن، وإننا وفي هذا اليوم نطالب الحكومة السورية:

1ــ اعتبار جريمة الشرف جناية تطبق عليها عقوبة القتل المتعمد.

2ــ وضع إستراتجية عامة للدولة لحماية المرأة من العنف، قائمة على أسس مركزية تتضمن العقوبات ونشر التوعية والثقافة المناهضة للعنف ضد المرأة.

3ــ تشكيل مجلس وطني أو هيئة حكومية تعمل على قضايا العنف ضد المرأة.

ــ تصريحات صحفية لسماحة مفتي الجمهورية الشيخ أحمد حسون تطالب بإلغاء المادة /548/ من قانون العقوبات على أساس مخالفتها للشريعة الإسلامية السمحاء. (الثورة 28/9/2005). وأضاف سماحته في تصريح آخر قوله: كل «جريمة شرف» قام بها أبُ أو أخُ أو أي شخص من العائلة هي جريمة، وليس هناك أحد مكلف بإقامة الحد إلا الدولة والقانون، والقاتل منقاد لأهوائه لا لقيم الله (تشرين 9/8/2008).

ـ كما صدرت فتوى مماثلة من قبل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في جريدة تشرين 25/6/2001، تطالب بإلغاء هذه المادة للسبب نفسه، وإنه لا يوجد سبب شرعي لتخفيف عقوبة القاتل بدافع الشرف.

ـ وكذلك صدر تصريح لوزير الأوقاف بهذا الشأن يدعو إلى إلغاء المادة 548 (الثورة العدد 12919 تاريخ 27/1/2006).

ـ الدكتور محمد الحبش مدير مركز الدراسات الإسلامية بدمشق يقول: «إن المادة /548/ من قانون العقوبات تجاهلت الشريعة واختارت أن تجامل التخلف والبعد عن الدين، فنصت على أعذار للقتلة بالعذر المحل حين تتوافر ليديهم هذه الدوافع، والحق أن هذه مخالفة لمسؤولية القانون الذي يفترض أن يقود الناس إلى مكارم الأخلاق». ويؤكد الدكتور حبش أنه مع إلغاء هذه المادة كلياً، لأن ذلك أقرب لروح الشريعة وأدعى إلى حقن الدماء (الثورة العدد 12971 تاريخ 29/3/2006).

ــ المحامي عبد الله علي مدير موقع سورية طالب أيضاً بإلغاء المادة /548/ لقوله: «إنه يجب إلغاء هذه المادة لأن المشرع السوري خالف التوفيق في صياغة نصها شكلاً ومضموناً، وإنه أياً كانت الاعتبارات القديمة التي دعته إلى تبني نصها، وأياً كانت وجهة هذه الاعتبارات وحظها من المنطق لديه، فإننا نرى أن هذه الاعتبارات سقطت في اختيارات الحياة الواقعية وتجاوزتها تطورات هذه الحياة بمضامينها الاجتماعية والأخلاقية (الثورة العدد 12971 تاريخ 29/3/2006).

ــ الشيخ أحمد سليمان الهجري شيخ العقل الأول لطائفة الدروز في سورية يقول: «النص الديني في مذهبنا حرم القتل، وما يتعارف عليه بفورة الدم والقتل بسببها يبررها العرف والعادة الاجتماعية، وليس في مذهبنا ما يشير إلى شرعنة القتل» (الثورة 29/3/2006).

ــ الأستاذة سمية غانم رئيسة المكتب القانوني في الاتحاد النسائي العام تقول: «إن الخلل القانوني الخاص بجرائم الشرف تعرض لمبالغة إعلامية واستغله البعض لمآرب في غير محلها، إذ في النهاية تلك الجرائم نسبتها صغيرة جداً، ويجب أن نعمل بكل قدراتنا لضمان استقرار الأسرة وتوعية المرأة والمجتمع» (تشرين العدد 9947 تاريخ 9/8/2007).

ــ أما الدكتور محمد الحسن البغا عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق فيشير إلى أن المادة /548/ تتفق مع الشريعة الإسلامية. (جريدة الديار اللبنانية 3 آب 2008).

ـ البطريك زكا الأول عيواص، بطرك السريان الأرثوذكس في أنطاكية وسائر المشرق، يقول: «القاتل يجب أن يحاسبه القضاء لأن النفس ملك ربها، والأديان جميعها دعت إلى التسامح».

 

وأخيراً:

فإن حركة الإعلام المكتوب أدت إلى اهتمام التلفزيون والإذاعة بضرورة إلقاء الضوء على جرائم الشرف من خلال العديد من البرامج (برنامج «خط أحمر» الذي ألقى الضوء على هذه الجرائم بأكثر من حلقة قدمت على الفضائية السورية في عام 2008، والبرنامج التلفزيوني في «أروقة المحاكم» الذي بثت فيه أكثر من حلقة عن هذه الجرائم، وبرنامج «بلا رتوش» الذي نوقشت في إحدى حلقاته المادة /548/ بعد التعديل)، والمقابلات الإذاعية (في صوت الشعب ـ شام إف إم).

وبالتوازي مع الجهود السابقة أعد المخرج خلدون المالح أكثر من «سبوت مصور» حول قصص واقعية جرت على خلفية القتل بدافع الشرف، وعرضت في الملتقى الوطني لجرائم الشرف. وقد حاول المالح من خلال ما أعده أن يطرح هذه القضية على مستوى وطني، حيث أن طريقة العرض لم تقف عند القصص بصورتها المجردة، وإنما تعرض لدوافع القتل، والمشاكل التي تعاني منها المرأة في العائلة، والظروف التي هيأت عملية إنهاء حياتها باسم الشرف.

كما تضمن المسلسل الدرامي «أهل الغرام» حلقتين تتحدثان عن جرائم الشرف، من خلال قصة المراهقة التي وقعت ضحية اغتصاب من شاب أوهمها بحبه لها، واستدرجها إلى منزله كيلا يشاهدهما أحد من أهلها. وقد تعرض المسلسل لمحاولة المحامية الناشطة في قضايا المجتمع تأمين حماية للفتاة دون جدوى، وكانت النهاية المأساوية للفتاة على يد أخيها القاصر.

وعرض كذلك مسلسل «أبناء القهر» لهذه الجرائم من خلال عرضه لقصة الفتاة التي تترك منزل أسرتها وتتزوج من الشاب الذي أحبته، ومحاولة أخيها قتلها بعد أن أوهمها بأنه سامحها على ما فعلته.

وكذلك العديد من الأعمال الدرامية مثل: (تحت المداس ـ زمن العار..).

وعلى الرغم من أن الدراما السورية حاولت في الفترة الأخيرة أن تقارب قضايا المجتمع السوري، ولا سيما ما يتعلق منها بجرائم الشرف، إلا أن هذه المحاولات ما تزال في بداياتها، ولربما تكون هذه المحاولات نواة لعرض المزيد من جوانب هذه القضية في المستقبل على أنها قضية رأي عام، والاهتمام بتأمين دعم مجتمعي لها يحمي المرأة ويساندها.

ولا شك في أن الإعلام، وبخاصة مشاهير الدراما السورية، سيكون له الدور الرائد في تعديل النظرة المجتمعية التي تكون في الكثير من الحالات سبباً في قتل الفتاة. فإلصاق العار بالأسرة أو الذكور فيها نتيجة ما ارتكبته إحدى الإناث فيها من أفعالٍ، قد يؤدي ـ كما سمعنا من قصص واقعية ـ إلى ارتكاب جريمة قتل تقع على الفتاة لغسل العار الذي ألحقته بالأسرة.

ومن الملاحظ أن الإعلام السوري تناول قضية جرائم الشرف بأبعادها الاجتماعية والقانونية والنفسية، وإن كان هذا النوع من الجرائم لم يغب في السابق عن ساحة الإعلام، إلا أن التعرض له في ذلك الحين كان من باب المواد الإعلامية التي تنشر وقائع الجرائم المرتكبة لمجرد النشر، وربما لم يقف الكثير ممن قرءوا صفحة الحوادث في أي وسيلة إعلامية عند خطورة هذه الجرائم، ولم يساهم هذا النشر في رفع الوعي عند جمهور القراء، الذين لم يقفوا على واقعها وعددها والسند القانوني الذي يحمي القاتل من عقوبة القتل التي ينص عليها القانون.

وبالمقابل فإن المقالات والتحقيقات التي تناولت هذه الجرائم اهتمت كثيراً بعرض آراء المختصين من رجال القانون، وعلماء الاجتماع، ورجال الدين، الذين حللوا واقع هذه الجرائم، ووضحوا الإشكاليات الموجودة في المجتمع، والعادات والتقاليد التي ما تزال هي السند الأول الذي يبارك ارتكاب هذه الجرائم، بالرغم من مخالفتها للشرائع السماوية، من وجود عقوبة جزائية تطال الفتاة وشريكها.

 

عرض لبعض الدراسات والمقالات ذات الصلة:

على الرغم من اهتمام رجال القانون والاجتماع والدين بما تثيره جرائم القتل بدافع الشرف من إشكاليات على صعيد قضايا المرأة من جهة، وقضايا المجتمع من جهة أخرى، فإن الدراسات المنشورة في الكتب أو الصحف والمجلات ما تزال مع ذلك قليلة مقارنة بالدراسات والمقالات التي تنشر في المواقع الالكترونية. وأغلب هذه الدراسات والمقالات اتفقت كلها على ضرورة إلغاء المادة /548/، إلا أنه بالمقابل لم تنل هذه الجرائم دراسة كافية ووافية تتضمن تحليل هذه الجرائم ليس فقط من وجهة نظر قانونية بل ومن وجهة نظر اجتماعية ونفسية وتاريخية.

وفيما يلي نعرض لبعض الدراسات القانونية حول الموضوع:

ــ دراسة العنف ضد المرأة التي أعدها الاتحاد العام النسائي بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفم) عام 2005.

وتعد هذه الدراسة من أولى الدراسات التي تناولت موضوع العنف ضد المرأة بصورة عامة. فهي دراسة ميدانية، وصفية وتحليلية، تهدف إلى التعرف على العنف الواقع على المرأة، ورصد الاعتداءات التي تتعرض لها، وتحديد مصادرها وأسبابها، من خلال توفير قاعدة معلومات تساعد في تحليل الواقع، وتساهم في وضع البرامج، وتفعيل الأنشطة التوعوية المناسبة بشأنها بين أفراد المجتمع، وتعزيز المساواة بين الرجل والمرأة في كافة المجالات. فقد عرضت في الجانب النظري منها تعريفاً للعنف ضد المرأة، أشكاله، وأسبابه، وموقف المجتمع الدولي منه، والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية، ودور الاتحاد العام النسائي في مكافحة العنف ضد المرأة، وتمكين المرأة في مختلف المجالات.

وقد شملت هذه الدراسة عينات عشوائية من الأسرة، بلغ حجمها (1891) عينة، وصمم الاستبيان الخاص بها ليشمل أشكال العنف كافة التي قد تتعرض لها المرأة؛ وقد خلصت هذه الدراسة إلى مجموعة من التوصيات، نجملها في الآتي:

1ــ رفع التحفظات عن اتفاقية سيداو.

2ــ رفع الوعي لدى النساء بحقوقهن.

3ــ إنشاء دور إيواء خاصة بالنساء المعنفات.

4ــ تعديل القوانين ذات الصلة.

5ــ وضع نظام الشرطة المجتمعية، ونظام محاكم الأسرة.

ــ القتل بدافع الشرف (بحث علمي قانوني أعد لنيل لقب أستاذ في المحاماة) أعدته المحامية هناء عزيز تيشوري، التي عرضت فيه لهذا النوع من الجرائم، من حيث المفهوم، والأركان، والمؤيد الجزائي المترتب على ارتكاب الجريمة، واجتهادات محكمة النقض السورية، ثم خلصت هذه الدراسة إلى أن جرائم القتل بدافع الشرف جرائم تخالف الشرع، وتنطوي على تمييز بين المرأة والرجل، ولا بد من العمل على مكافحتها، وضرورة إلغاء المادة /548/.

ــ جرائم الشرف في قانون العقوبات السوري (بحث علمي قانوني لنيل لقب أستاذ في المحاماة) أعدته المحامية ميادة سفر. انطوت الدراسة على عرض أكاديمي حول جرائم الشرف، أركانها، مفهوم الشرف، العذر المحل، العذر المخفف، وانتهت الدراسة إلى توصية بإلغاء المادة /548/.

وقد أرفقت هذه الدراسة بملحق يتضمن عدداً من الدراسات والمقالات المتعلقة والمنشورة في المواقع والمجلات الإلكترونية.

لا شك بأن الجهود المبذولة لمكافحة جرائم الشرف تتناسب واهتمام الحكومة السورية بقضايا تمكين المرأة، وإزالة كافة العوائق والعقبات التي تحول دون مساهمتها في بناء مجتمعها.

ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن التصدي لهذا النوع من الجرائم يحتاج إلى تشاركية هامة بين الجهات المعنية، ويستلزم ضرورة العمل على تعديل النظرة إلى المرأة، والقضاء على المفاهيم السلبية المتوارثة عنها، إلى جانب العمل على تعديل القوانين.

 

نحو تصور لإستراتيجية وطنية لمكافحة جرائم الشرف:

يمكن رسم خطوط عريضة تشكل نواة لرسم إستراتيجية خاصة بمكافحة جرائم الشرف ضمن الإطار العام لمكافحة العنف ضد المرأة:

الفئة المستهدفة: المرأة ـ الطفل ـ الرجل

الأهداف الإستراتيجية:

1ــ خلق الوعي والمعرفة والأرضية الملائمة لدراسة هذه الظاهرة والتصدي لها، والعمل على إصدار تشريعات جديدة حول جرائم الشرف.

ــ تحليل واقع جرائم الشرف.

ــ تأمين الدعم الحكومي والمجتمعي

2ــ آليات الحماية والمساندة:

ــ تأمين سند تشريعي لحماية الضحايا

ــ دعم الضحية قانونياً.

ــ دعم الضحية في مرحلة ما بعد الاعتداء وتوفير ضمانات الحماية لها.

ــ مساندة الضحية في مراحل الادعاء.

3ــ الوقاية من جرائم الشرف.

ــ تأمين حراك اجتماعي لخلق أرضية ملائمة للوقاية من هذا النوع من الجرائم.

ــ نشر ثقافة حقوق المرأة ـ الطفل ـ الإنسان.

ــ تدريب الفئات المستهدفة على اتفاقية سيداو واتفاقية حقوق الطفل.

 

 

 

المقترحات

ـ إلغاء المادة /548/ المعدلة من قانون العقوبات السوري.

ــ تشديد عقوبة الزنى.

ــ استبعاد تطبيق الدافع الشريف المنصوص عليه في المادة /192/ من قانون العقوبات على جرائم القتل والإيذاء المرتكبة بحق النساء بذريعة الشرف.

ــ استبعاد تطبيق سورة الغضب الشديد الواردة في المادة /242/ من قانون العقوبات على جرائم القتل المرتكبة بحق النساء باسم الشرف.

ــ العمل على رفع التحفظات عن اتفاقية سيداو، وخاصة المادة /2/.

ـ القيام بحملة واسعة إعلامية تربوية شعبية تعليمية صحية…الخ، في سبيل تغيير نمطية التفكير بدور المرأة والرجل في المجتمع، وبمفهوم الشرف المتعلق بجسد المرأة فقط، والممتد بجذوره العربية إلى روابط الدم من قبل الأب.

ــ تفعيل دور المؤسسة الدينية والخطاب الديني المتنور للتوجه إلى أطياف المجتمع كافة لمكافحة هذا النوع من الجرائم.

ــ إجراء الدراسات والأبحاث حول ظاهرة قتل النساء أو إيذائهن بدافع الشرف، لتحديد أسبابها وجذورها، وصولاً لمعالجتها ومنع حدوثها.

ــ إصدار تشريعات جديدة تعاقب على العنف ضد المرأة بكافة أشكاله، واعتباره العنف المنزلي جريمة يعاقب عليها القانون.

ــ العمل على إنشاء دور لحماية النساء اللواتي هن في حالة خطر، وربط هذا النوع من الدور بالآليات المساندة لعملها (الشرطة المجتمعية ـ الاختصاصيون القانونيون والاجتماعيون).


الخاتمة

يوضح العرض السابق الجوانب المختلفة التي تقوم عليها الجرائم المرتكبة باسم الشرف، ولا ننكر الجانب الاجتماعي الداعم لهذه الجرائم، والمتمثل بالمفاهيم والعادات والتقاليد الاجتماعية التي طبعت المجتمعات العربية بصورة عامة، والتي ما تزال تنزل منزلة القانون في التطبيق على أرض الواقع، وهو ما تدل عليه الأرقام التي سبق لنا عرضها من خلال ما وصل إلى أقسام الشرطة والقضاء السوري. على أن الأرقام التي أحصيت لا تقدم صورة دقيقة عن واقع الجرائم، لأنه في الكثير من الحالات يُنظر إلى المسألة على أنها ملك للأسرة، وشأن خاص بها. ولعل هذا يعكس الصورة النمطية التي وسمت بها المرأة في مراحل عديدة، وهو ما يوضح شعور النساء في العائلة بفرح ممزوج بالألم لدى قتل إحداهن بدافع الشرف.

ومع بداية الحراك القانوني الذي شهد أول تعديل طال المادة /548/ كخطوة نحو الأمام، فإن الأمر يتطلب المزيد من العمل للوصول إلى إلغاء كامل للمادة المذكورة حتى بعد تعديلها مرتين.

ولا يقتصر الأمر على المادة /548/، فهي ليست المتهم الوحيد في قضية الجرائم المرتكبة باسم الشرف، فهنالك المادة /192/ من قانون العقوبات التي تتطلب العمل عليها أيضاً، إضافة إلى رفع سوية الوعي القضائي بهذه المسائل عند إصدار الحكم بمعاقبة الجاني.

وبالرغم من اجتماع الآراء، مع اختلاف مصادرها على رفض هذه الجرائم وضرورة معاقبة الجاني بالعقوبة التي يستحقها، إلا أن الغاية الأساس لم تتحقق، بدليل أن التحفظات التي وردت على المادة /2/ من اتفاقية سيداو، كانت تحفظات على المواد المتعلقة بالجرائم التي تركب باسم الشرف، وهو ما يوضح أن هناك فجوة واسعة بين المهتمين بقضايا الشأن الاجتماعي من جهة، والمجتمع بأطيافه كافة من جهة أخرى.

ولا بد من العمل أكثر على وضع إستراتيجية وطنية متكاملة للقضاء على التمييز والعنف ضد المرأة، مع الإشارة إلى أن الاتحاد العام النسائي والهيئة السورية لشؤون الأسرة تعملان على وضع إستراتيجيات خاصة بالمرأة، كخطوة حكومية وأهلية مهمة على صعيد النهوض بالمرأة وتمكينها وتفعيل حقوقها.

إن النجاح لن يكتب لأي محاولة لحل الإشكاليات المتعلقة بقضية المرأة، وبخاصة الجرائم المرتكبة باسم الشرف، بغياب الرجل. ولا نقصد هنا المهتمين بقضايا المرأة، وإنما الرجل في أرجاء الجمهورية العربية السورية، لأنه شريك فعال في القضاء على ظواهر اجتماعية لا تزال تعطل عملية التنمية المجتمعية، وتفقد المجتمع أفراده (بالقتل والسجن).

ولن يكون للخطوة البديلة التي يطرحها البعض، والمتمثلة بإمكانية استفادة المرأة من العذر المخفف في حال ارتكبت جريمة بدافع الشرف، فالغاية ليست في تشجيع القتل ومنح القاتل الأعذار المخففة (رجلاً كان أو امرأة) وإنما يكمن الهدف قبل كل الشيء في تجريم ومعاقبة من يرتكب هذه الجرائم. فلو صدر نص قانوني يمنح هذا العذر للمرأة لكنا جميعاً ضده.

 

 


مصادر البحث

1ــ الدكتور عبود السراج، شرح قانون العقوبات ـ القسم العام، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2007.

2ــ الدكتور جاك الحكيم، شرح قانون العقوبات.

3 ـ أراء ومشاركات فريق العمل الذي أعد الدراسة.

4ــ أحكام قضائية، قرارات صادرة عن المحاكم منشورة في مجلة المحامون، والمجموعة الجزائية.

5ـ وقائع ودراسات وأوراق عمل ومناقشات الملتقى الوطني حول جرائم الشرف
14 ــ 16تشرين الأول 2008 بتنظيم الهيئة السورية لشؤون الأسرة.

6ــ دراسات ومقالات ومحاضرات منشورة في الصحف السورية والمواقع الالكترونية.

7ــ وقائع من ندوات وورش عمل عقدت في سورية حول الموضوع.

8ــ قصص وحالات واقعية من البيئة المحلية.

9ــ موقع نساء سورية.

10ــ موقع مجلة الثرى.

11ــ الصحف الرسمية في سورية تشرين، الثورة، البعث.

12 ـ بحوث ومقالات حول جرائم الشرف.

 

ملحق رقم (1)

صور وقصص لحالات من البيئة المحلية

يعد الإعلام مصدراً من مصادر المعلومات حول الجرائم التي ترتكب باسم الشرف. فالمجلات والصحف اليومية والمواقع الالكترونية تنشر العديد من هذه الجرائم الواقعة على الفتيات والنساء في سورية، ونذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

·  تلقى أحد المخافر إخباراً بإطلاق النار من مسدسين على امرأة وزوجها في منزل شقيقة زوج أخت المغدورة. وبالانتقال إلى مسرح الجريمة، تبيَّن إصابة المغدورين بعدة عيارات نارية قاتلة، وبالتوسع في التحقيقات تبين أن المغدورة كانت قد تزوجت المغدور دون موافقة أهلها، وكانت قد انتقلت من مدينة بعيدة إلى دمشق، حيث لاذت وزوجها بمنزل شقيقة زوج أختها. وبعد فترة من الزمن، اتصلت المغدورة بذويها وطلبت مباركتهم لزواجها بعد أن أصبح أمراً واقعاً، وطلبت حضورهم إلى دمشق، لحل الخلاف بينها وبينهم ودياً.. وفعلاً حضرت إلى دمشق والدة المغدورة وشقيقاها، حيث بقيت الأم في منزل ابنتها الأخرى في جرمانا، بينما توجه شقيقا المغدورة إلى منزل شقيقة زوج شقيقتهما الأخرى لإحضار شقيقتهما المغدورة لتلتقي بأمها، غير أنهما ما إن شاهدا شقيقتهما برفقة زوجها حتى أطلقا النار مباشرة عليهما من مسدسين، كان قد أخفياهما تحت ثيابهما، فأردياهما قتيلين يتضرجان بدمائهما، ومن ثم لاذا بالفرار. (جريدة الثورة، العدد 14444، 8/2/2011).

·  الجريمة وقعت في محافظة اللاذقية، القاتل من محافظة إدلب، حيث لقيت امرأتان حتفهما بعد إقدام شاب، برفقة اثنين من أبناء عمه، بإطلاق النار على أخته، ما أسفر عن مقتل الأخيرة، وأخرى تصادف وجودها في نفس المكان. وقال رئيس مركز الشرطة «إن الشاب ح.ع (16سنة) أقدم وبرفقته أولاد عمه على إطلاق النار على شقيقته ن،ع (19سنة)، كونها هربت خطيفة مع عشيقها منذ حوالي ثلاث سنوات من منزل ذويها الكائن في قرية تقع في محافظة إدلب، واستقرت في قرية في محافظة اللاذقية، مع شقيق زوجها وزوجته، بعد سفر زوجها إلى لبنان بقصد العمل». وأضاف: «إن امرأة أخرى لقيت حتفها بإحدى الرصاصات الأربع التي أطلقها المذكور على شقيقته، صادف وجودها في مكان الحادث». وأضاف أيضاً: «أن المجرمين الثلاثة فروا إلى محافظة إدلب وما زالت أعمال البحث عنهم جارية حتى الآن».

·  قتل خمسة أشخاص من عائلة واحدة في ريف حلب بداعي الشرف، بعد تعرضهم لإطلاق أعيرة  نارية. ويعود سبب الحادث إلى رؤية العائلة القاتلة لابنتهم وهي تمشي مع ابن العائلة المقتولة، فقام أهل الفتاة بتهديد أهل الشاب من أجل أن يقوم بخطبتها فوراً وإلا فإن العواقب لن تكون سليمة، فقام أهل الشاب بالامتثال للأمر وأعلموا أهل الفتاة بأنهم قادمون إلى القرية من أجل خطبة ابنتهم،  فوافق أهل الفتاة مبدين ترحيبهم بالخاطبين، وعندما وصل أهل الشاب إلى القرية في وقت متأخر نظراً للانشغال بصلاة التراويح، وبدلاً من أن يكون أهل الفتاة باستقبال الخاطبين كان وابل من الرصاص من جهات عديدة يستقبلهم في صدورهم، الأمر الذي أدى إلى وفاة الجميع على الفور، بالإضافة إلى إصابة اثنين آخرين بإصابة خفيفة تم نقلهما إلى المشفى، فيما تم نقل الجثث إلى الطبابة الشرعية فجر اليوم الخميس.

وأشار المصدر إلى أن هذه الحوادث أصبحت شبه اعتيادية بدواعي الشرف.

·  خلال شهر آب 2009 أقدم أبٌ في حمص على قتل ابنته بالسكين لأن زوجها أحضرها لمنزل أهلها وقال لهم أنها تعرضت للاغتصاب من قبل الجار الذي دخل المنزل بغياب الزوج. وقد أخبرت زوجها بما حدث فأعادها إلى منزل أهلها وأخبرهم بما حدث مع ابنتهم وهو سوف يطلقها.

·  فتاة في مدينة حمص، عمرها 17 سنة هربت من المنزل عندما أراد أهلها تزويجها من رجل لا تريده، وقاموا بالبحث عنها وأحضروها، ثم قام الأب والأخ بقتلها.

·  فتاة من دير الزور هربت من منزل أهلها إلى درعا، وتزوجت، وأبلغت أهلها أنها تزوجت وعندما علموا مكان وجودها لحق بها أخوها عمره 16 سنة وابن عمها ووجدوها مع الزوج في درعا فقاموا بضربه وربطه بالحبل وأطلقوا النار على الفتاة وقتلوها.

·  في حي الميدان بدمشق قتل شاب شقيقاته الثلاث، واحدة متزوجة واثنتان عازبتان، وبسبب التكتم الشديد من قبل الشرطة لم تصلنا إلا معلومات تفيد بأن الشقيقات استنجدن بأخيهن بسبب تحرش بعض الشباب بهن، فما كان منه إلا أن أطلق النار عليهن. والحجة الدارجة هي غسل العار وحماية الشرف، وقال بعض المعارف والجيران، أن مشكلات عديدة وخلافات كانت قائمة بين الضحايا وأخيهن، فهل هذه جريمة شرف أم… انتقام??.‏

·  رئيفة، فتاة جميلة من ريف حلب، رفضت الزواج من ابن عمها، بسبب جهله وشخصيته المنفرة، وحين تقدم لها شاب كان زميلها في الجامعة رفض أخوها زواجها، حرصاً على أرض العائلة. وبإصرار على عدم دخول غريب يستفيد من إرث رئيفة وهي أرض كبيرة، ورغم المحاولات العديدة من العائلة لثنيها عن قرارها بالزواج من زميلها رفضت، فما كان من أخيها وابن عمها، إلا أن قتلاها، وكانت حجة الشرف المطعون مبرراً لخروجهما من السجن قبل أن يبرد دمها.‏

·  داليا فتاة من ريف حمص، الفقر والجهل كانا يحيطان بها من كل اتجاه، حملت من ابن عمتها، تستر الأهل على الفضيحة، حتى ولدت فدفنوا المولود حياً وانتهت الحكاية. وبعد مضي سنة ونصف، تعارك أخوها مع قريب له، فنعته بأخ الـ…، عندها فقط فار الدم وذهب مسرعاً ليرديها برصاصة، ربما أنهت عذابها الممتد خلال تلك الفترة، وليخرج هو من سجن الأحداث مرفوع الرأس، ولتستقبله العائلة بكل فرح وفخر.‏

·  سمر التي أحبت صديق أخيها، وتبادلا العواطف والمشاعر الإنسانية، وطلب يدها من أهلها، لكنهم رفضوا فهربت معه.‏ وبعد فترة من زواجهما حصل بينهما شجار، ومارس أهله عليها ضغوطاً نفسية وحبسوها، ما أدى إلى هروبها إلى قريتها. تدخل عقلاء القرية وحلوا المشكلة بعقد زواج شرعي، وتعهد من الزوج ألا يطلقها قبل خمس سنوات، وعندما عادت معه تابع أهله ضغوطهم عليها، فهربت مرة أخرى إلى قريتها، فما كان من أخيها إلا أن ذبحها في ساحة القرية، أمام أعين الحاضرين من أبناء القرية، الذين هللوا وغنوا له، وحملوها على أكتافهم، فيما علت الزغاريد لاستعادة الشرف الذي تعفر بالتراب.‏

·  زينب، التي كانت الشعلة لإطلاق صرخة تأخرت كثيراً، لإيقاف قتل النساء،‏ فقد حزت سكين التخلف عنقها لأنها أقدمت على زواج مختلط، ولم تكن جريمة قتلها حادثة فريدة. هناك العشرات قبلها قتلن تحت مسمى الشرف، وعشرات ربما يصبحن مثلها، ولكن أريد لمقتلها أن يكون نقطة على آخر السطر، في جرائم لا علاقة لها بالشرف 29/3/2006.

·  في حلب، بتكليف من المحامي العام، وبناءً على معلومات جديدة حصل عليها الأمن الجنائي ـ قسم الكلاسة تم استخراج جثة فتاة من القبر، بعد أن دفنت في مقبرة، ليتبين لدى تشريحها في الطبابة الشرعية أن الوفاة حصلت بسبب جرعات كبيرة من السم.

وفي التفاصيل أن الفتاة (ف . أ) 18 عاماً كانت قد حملت فانتظر أهلها مدة ثمانية أشهر، مع أن علامات الحمل كانت واضحة عليها، ليقرر شقيقها أخيراً التخلص منها بالتعاون مع الأهل والأقرباء، وعن طريق وضع السم لها في الشراب فنجت من المحاولة الأولى، ليعاود الأخ المحاولة بعد يومين؛ حيث لم تنج حينها وفارقت الحياة على إثرها. ومع استمرار التحقيق بالموضوع من قبل جنائية الكلاسة توصلوا إلى معلومات تفيد باشتراك عشرة أشخاص (6 رجال و4 نساء) في إجهاض المغدورة عنوة وهي في شهرها الثامن ورمي جنينها المتوفى في الحاوية، ومن ثم قتلها بالسم ودفنها بطريقة غير نظامية. وقد تمت إحالة المتورطين إلى القضاء مع إنكار الجميع بعدم معرفتهم بوالد الطفل. (جريدة الثورة 20/3/2007).

·  أقدم رجل على قتل زوجته بمسدس حربي في منطقة دمر بدمشق بعد أن وجدها مع عشيقها داخل غرفة نومه بعودته يتبادلان الغرام حسب اعترافاته .وقام الرجل (ح.ج) بتسليم نفسه إلى الشرطة بعد ارتكابه الجريمة، بينما كان عائداً من عمله ليلاً دون أن يبلغ زوجته.

·  أقدم شاب على قتل شقيقته البالغة من العمر 27 سنة شنقاً ودفنها في منطقة مهجورة في السويداء وذلك بداعي الشرف.

·  في حمص لم يتوانى الفتى (د . ع) من قرية النيزارية التابعة لمحافظة حمص عن تمزيق جسد عمته (غ . ع) 29 سنة بإطلاقه النار عليها من فوهة بندقية حربية وإصابتها في مناطق متعددة من جسدها، الأمر الذي أدى لوفاتها على الفور. الجريمة التي وقعت شهر آذار2009 بذريعة الشرف، وفي التفاصيل أن أهل المغدورة (غ) رفضوا فكرة ارتباط ابنتهم من شقيق زوج أختها ويدعى (م.ص.ج) وكذلك كانت أسرة (م.ص.ج) ترفض ارتباطهما بحجة وجود علاقة غرامية بينهما، الأمر الذي حدا بأسرة (غ) للبدء بالتخطيط للتخلص منها عبر ابن أخيها القاصر(د . ع) الذي أفرغ رصاصات بندقيته في كافة أنحاء جسدها بحجة أنه كان ينظفها، وأن ذلك كان قضاء وقدراً. ولكن أمام اختلاف إفادات الإخوة تبين للشرطة أن المغدورة (غ) كانت على علاقة غرامية بذلك الشاب، وذلك هو الخط الأحمر، والشرف الذي لا يمكن أن يغسل إلا بالدم من قبل العائلة. ألقت الشرطة القبض على الحدث (د) بعد أن رفض كل أشقاء المغدورة وأمها الإدعاء عليه الأمر الذي يؤكد تواطؤ الأسرة كاملة لقتل الفتاة.

·  في حماة وقعت الجريمة الشنيعة في قرية رسم الغجيّة بناحية الصبورة التابعة لمنطقة السلمية على خلفية خطف (ع) ابن المغدور لفتاة من محافظة حلب ومن ثم تزوجها في لبنان بعد أن حاول مع أهله دفع مهرها إلى ذويها. وقد تمّت المصالحة بين والد الفتاة وأهلها مع والد (ع) ودفع مهر قدره /400 ألف ليرة سورية/ بموجب عقد اتفاق ومصالحة بين الطرفين مؤرخ في 6/10/2009، وعقداً آخر تثبيتاً للأول بتاريخ 15/11/2009 وذلك بعد أن تمّ تثبيت الزواج في المحكمة الشرعية في 1/11/2009. وأشارت التحقيقات إلى أن مرتكبي الجريمة وعددهم /14/ من بينهم والد الفتاة قد دخلوا منزل المغدور بعد خلع الأبواب الخشبية، وقاموا بإطلاق النار على جميع من كان في المنزل لتكون النتيجة مقتل (م) وزوجته وولديهما /24/ عاماً و /14/ عاماً، كما أصيب إصابات خطيرة كلاً من ابنته /18/ عاماً، وشقيقها /12/ عاماً، وطفلة /3/ سنوات. وكان رجال الشرطة قد عثروا في المكان على /22/ ظرفاً فارغاً عيار /7.6مم/ لبندقية روسية الصنع، و/3/ ظروف فارغة عائدة لمسدس نوع شميزر عيار /10.5مم/، وثلاثة مقاذيف عائدة لبندقية روسية، ومقذوف عائد لبارودة إم سكستين.

·  في حلب حي الأنصاري  9/1/2010 أقدم المدعو (أ ـ ل) 38 سنة على قتل زوجته طعناً بالسكين في أنحاء متعددة من جسمها، وقام بتسليم نفسه، وقال أن سبب القتل هو شكوكه بسلوكها.

·  في اللاذقية أقدم شاب (22عاما) على إطلاق عدة عيارات نارية على شقيقته، ثم طعنها بسكين في الشارع لعملها بالدعارة بعد طلاقها من زوجها 26/4/2010.

وفي الواقع فإنه لا يوجد رقم رسمي أو أي إحصاء دقيق لنسبة الجرائم التي ترتكب في سورية بذريعة الشرف، ويقدر بعض الخبراء عدد الجرائم التي ترتكب سنوياً ضد النساء في سورية ما بين 200 و300 جريمة، يقع معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية بحجة «الدفاع عن الشرف».

وفي رصد لوسائل الإعلام خلال عام 2009 تبين وقوع أكثر من 40 حادثة قتل بذريعة الشرف سنوياً وفقا للمعلومات المنشورة في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية السورية، هذا العدد الظاهر والمعروف، وسورية مصنفة في المرتبة الخامسة في العالم بجرائم الشرف، بحسب تقرير الأمم المتحدة.‏

الفهرس

مقدمة

·       تعريف الشرف لغة واصطلاحاً

·       تاريخ جرائم الشرف

الفصل الأول

موقف الشرع والعقل من الفواحش

  • عقوبة القتل
  • عقوبة الزنى
  • عقوبة القذف

موقف الشريعة من جرائم الشرف

  • دراسة في الكتاب والسنة
  • دراسة في مذاهب الفقهاء
  • مناقشة الفتاوى التي تدعم القتل بدافع الشرف

مناقشة شرعية للنص القانوني

  • أخطاء في التشريع
  • أخطاء في التطبيق
  • مصادر الدراسة الفقهية

الفصل الثاني:

الإطار الدستوري والقانوني لجرائم الشرف.

  • الدستور السوري والاتفاقيات الدولية ذات الصلة
  • الإطار التشريعي
  • حقوق وواجبات المواطن السوري في عملية التقاضي.

3ـ المواد القانونية المتعلقة بجرائم الدافع الشريف.

  • المادة /192/ من قانون العقوبات
  • المادة /548/ قبل التعديل
  • التعديل الأول للمادة /548/
  • التعديل الثاني للمادة /548/
  • عرض لبعض الحالات من البيئة المحلية
  • واقع جرائم الشرف في سوريا ـ إحصاءات وأرقام

4ـ نماذج للاجتهادات القضائية ذات الصلة.

  • نموذج قضائي حكم فيه وفق نص المادة (192)
  • نموذج قضائي حكم فيه وفق نص المادة (242)

5ـ آليات الدعم والحماية ـ الواقع والطموح.

  • جهود الحكومة السورية على مستوى التخطيط
  • جهود المجتمع الأهلي
  • دور الإعلام
  • عرض للمقالات والدراسات ذات الصلة
  • نحو تصور لإستراتيجية وطنية لمكافحة جرائم الشرف

6 ـ الخاتمة والمقترحات.

ملحق 1: صور وحالات من البيئة المحلية

ملحق 2 :مقالات مهمة في جرائم الشرف

 

ملحق رقم (2)

بحوث ومقالات ومقابلات حول جرائم الشرف منشورة على الإنترنت

(للوصول إليها يرجى استعمال موقع غوغل)

 القانون والشرف والشريعة براء من هذه الجرائم

ابتسام الصمادي

من هدى إلى جيهان: (الشرف!!)… سكين فوق أي قانون!!

الاتجاه الآخر

«جرائم الشرف»: تفكيك المصطلح والكشف عن أسبابها الحقيقية

أحمد أشقر

أحمد برقاوي: القانون يجب أن يحمي الحبّ

أحمد برقاوي

أسماء كفتارو: إن الشرع والعقل والدين يرفضون هذا النوع من الجرائم!

أسماء كفتارو

الشيخ حسين هاني جربوع: لا يوجد في تعاليم المذهب ما يحلل القتل..

أيمن الشوفي

الشيخ أحمد سلمان الهجري: تعاليم المذهب ونصوصه ورجال دينه براء من ذلك

أيمن الشوفي

أنا هدى… وأنت لست أبي؟! ما لم تقله هدى لقاتلها بعد..

أيمن الشوفي

منصور الأطرش: نحن في محافظة السويداء لا نقر القتل أبداً

أيمن الشوفي

ضحايا «جرائم الشرف»، امرأة أخرى في ذمة المجتمع

المحامي بديع وسوف

ضحايا جرائم «الشرف»، نساء في ذمة المجتمع

المحامي بديع وسوف

المادة 548 تتناقض مع نصوص الدستور السوري

المحامي بسام العيسمي

أفيقُ.. الشمس تملأ الكون

بلسم محمد

هدى أبو عسلي والمشكلة السورية

حسين عجيب

ليحاكم المجرم.. كقاتل..

ردينة حيدر

عندما يقتل الأخ باسم المجتمع والقانون

رهادة عبدوش

إنهم يقتلون النساء!

سمر يزبك

تقتل شقيقها دفاعا عن شرف العائلة!

صبية من السويداء

الطابق السابع..

ضياء اسكندر

يا لهذا الشرف؟!

عطية مسوح

ممارسة الفعل بين الحق والتعسف والاعتداء

علم الدين عبد اللطيف

الرجل.. «الذكر..»

عمار حسن

إلى هدى أبو عسلي.. مع الاعتذار لكل نساء سوريا

غسان المفلح

دراسة حول جرائم الشرف

غيداء الطباع

ما الذي يسوغ قتل النساء؟

فايز سارة

هل أنت قاتل؟!

ماجدولين الرفاعي

هدى أبو عسلي.. يطالبكم دمها المهدور بالصراخ

ماجدولين الرفاعي

أنا هدى يا أبي..!

ماجدولين الرفاعي

 الذين يرتكبون هذه الجرائم ليس لهم عقل ولا شرف ولا دين

د. محمد حبش

المرأة بين قتل الروح والجسد

د. محمد رائد الحمدو

هدى أبو عسلي ومثيلاتها.. في قبضة الوكلاء الحصريين..!!

محمد سعيد حسين

لا تدمعوا قلب الله..

ميسون حداد

غسلاً للعار..!

نازك الملائكة

قتل عن طريق التسلسل

نبيل صالح

من القاتل؟ (1)

نجود حسين

المطران مار سلوانس: القتل محرّم في الكنيسة..

نساء سورية

الأب فرانس فاندرليخت: إذا كان الله حق فهل من حقنا أن نقتل هذه البنت؟!

نساء سورية

موقع «مدن» يشارك في الحملة ضد قتل النساء في سورية

نساء سورية

د. قاسم عزاوي: المواطنة.. وجرائم قتل النساء

نساء سورية

محمود الوهب: آن الأوان لنعمل على استصدار قوانين تنصف المرأة

نساء سورية

توضيح من «نساء سورية»

نساء سورية

إدانة لجرائم قتل النساء من وزارة شؤون المرأة الفلسطينية

نساء سورية

جرائم بلا عقاب

نضال نعيسة

ممنوع عليكِ الحب

نضال نعيسة

زوجي يغتصب بناتي.. والمحكمة تحكمني لقتله!!

هادي..

بأي حق لا يحاسب الأهل على هذه الجريمة؟!

هيام العلي

أفراح هدى أبو عسلي.. مسلسل مستمر

المحامية وفاء اسعد

 

 

[1] ـ من دراسة د. محمد حبش.

[2] ـ الصحاح للجوهري مادة شرف.

[3] ـ لسان العرب لابن منظور مادة شرف.

[4] ـ صحيح البخاري، ج2، ص 637.

[5] ـ من دراسة د. محمد حبش.

[6] ـ الأعلام للزركلي ج 3 ص 60.

[7] ـ سورة التكوير 8 ـ 9.

[8] ـ سورة النحل  58 ـ 59.

[9] ـ سورة المائدة 32.

[10] ـ سورة النساء 93.

[11] ـ صحيح مسلم باب حجة النبي ج 4 ص 39.

[12] ـ سنن النسائي ج 8 ص 35.

[13] ـ سنن ابن ماجه ج 2 ص 874

[14] ـ رواه الترمذي عن أبي هريرة ج 4 ص 20.

[15] ـ صحيح البخاري ج 3 ص 1154.

[16] ـ رواه الإمام أحمد في مسنده ج 11 ص 370.

[17] ـ سنن ابن ماجه ج3 ص 874

[18] ـ سنن أبي داود ج 4 ص 167 واعتبطه أي قتله ظلماً وقال الخطابي  في معالم السنن:  اعتبطه قتله: أي قتله ظلما لا عن قصاص، وقال ابن الأثير في النهاية اعتبطه بمعنى اغتبطه أي فرح واغتبط بقتله

[19] ـ رواه أحمد في مسنده ج 1 ص 332 كما رواه أبو داود في سننه ج 4 ص 538.

[20] ـ سنن النسائي ج 3 ص 73.

[21] ـ صحيح البخاري ج 3 ص 1205.

[22] ـ سورة الإسراء 32.

[23] ـ سورة الأعراف 33.

[24] ـ سورة النور 2.

[25] ـ سورة النور 4.

[26] ـ سورة النور:  19.

[27] ـ سورة النساء: 15/4.

[28] ـ سورة النور: 13/24.

[29] ـ سورة النور: 4/24.

[30] ـ موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج649.

[31] ـ موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 6 ص 81.

[32] ـ سورة الإسراء 32.

[33] ـ صحيح مسلم ج 5 ص 117.

[34] ـ سفر التثنية 22ـ23.

[35] ـ واستدل الشيخ أبو زهرة على ذلك بثلاثة أدلة، الأول: أن الله تعالى قال: (فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) [النساء: 25]، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب في الآية هو المذكور في سورة النور: (فاجلدوهم مائة جلدة) [النور: 2]. والثاني: ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى أنه سئل عن الرجم.. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدري. فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التي نسختها. الثالث: أن الحديث الذي اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان في صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.

مذكرات الشيخ القرضاوي نشرها موقع: arabna.com كما نشرت طرفاً منها جريدة الشرق الأوسط اللندنية عدد 15/3/2006، ونحن نميل إلى تأييد رأي الشيخ أبي زهرة فيما ذهب إليه.

[36] ـ سورة النور: 4/24.

[37] ـ صحيح البخاري تفسير سورة النور ج4 ص 1771.

[38] ـ سورة النور 6 ــ 9.

[39] ـ فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ص 238 وانظر الفتوى نفسها في مراجعات في فقه الواقع ص 58.

[40] ـ سورة النور 4.

[41] ـ صحيح مسلم ج 1 ص 87.

[42] ـ الشرح الكبير لابن قدامة ج 9 ص 669.

[43] ـ شرح زاد المستنقع للشنقيطي ج3 ص 353.

[44] ـ سنن ابن ماجه ج3 ص 874.

[45] ـ أشار الزحيلي إلى مصادره في هذا النقل من أمهات كتب المذاهب: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 197/3، 397/5. والمغني لابن قدامة الحنبلي: 332/8، المهذب للفيروزابادي الشافعي: 225/2، الشرح الكبير للرافعي الشافعي: 357/4. ولم يذكر مصدراً للمالكية.

[46] ـ رواه الترمذي والنسائي  وابن ماجه وأحمد عن أبي بكرة، انظر سنن الترمذي ج 2 ص 630

[47] ـ رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس  انظر البخاري ج 2 ص 949.

[48] ـ صحيح مسلم ج 4 ص 210.

[49] ـ رواه البخاري باب تفسير سورة النور ج 4 ص 1772.

[50] ـ رواه البخاري ومسلم واللفظ له عن سعد بن عبادة انظر صحيح مسلم ج 4 ص 211.

[51] ـ الدر المختار للحصكفي ج 4 ص 231 وانظر شرحها لابن عابدين.

[52] ـ حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 4 ص 232.

[53] ـ كتاب الأم للإمام الشافعي ج 6 ص 36.

[54] ـ المهذب للشيرازي ج 3 ص 291.

[55] ـ سورة الإسراء آية 33

[56] ـ سورة النمل آية 64.

[57] ـ السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 238

[58] ـ عدلت عقوبة القتل القصد المنصوص عليها في المادة 533 من قانون العقوبات، والتي كانت قبل التعديل الأشغال الشاقة من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة، لتصبح بموجب المرسوم التشريعي رقم /1/ تاريخ 3/1/2011، عشرين سنة.

[59] ـ راجع نص المادة /240/ من قانون العقوبات السوري.

[60] ـ عندما لحظ المشرع اللبناني مثل هذا النقص في المادة /193/ من قانون العقوبات اللبناني (أصل المادة /192/ من قانون العقوبات السوري) أضاف إليها بتاريخ 16/9/1983 العبارة الآتية: «يكون الدافع شريفاً إذا كان متسماً بالمروءة والشهامة، ومجرداً من الأنانية والاعتبارات الشخصية والمنفعة المادية».

[61] ـ د.عبود السرّاج، شرح قانون العقوبات ـ القسم العام، منشورات جامعة دمشق، دمشق، 2007، ف 483، ص 679.

[62] ـ محكمة النقض السورية: جنا 217 ق 619 تا 17/6/1967، م . ج (المجموعة الجزائية لقرارات محكمة النقض السورية خلال ثلاثين عاماً (1949 ــ 1980)، أربعة أجزاء، أعدها المحامي ياسين الدركزللي، الطبعة الأولى، دار الأنوار للطباعة، دمشق 1981، ونشير إليها برمز م . ج)، ف 2353 ص 2405، جنا 1021 ق 538 تا 26/7/1969، م . ج، ف 2366 ، ص 2415، جنا 233 ق 302 تا 28/3/1973، م . ج، ف 2364 ص 2413.

[63] ـ محكمة النقض السورية: ج عس 301 ق 346 تا 19/3/1979، م . ج، ف 2363 ص 2412، ج عس 1650 ق 1648 تا 6/12/1980، م . ج، ف 2361 ص 2410.

[64] ـ محكمة النقض السورية: جنا 264 ق 408 تا 22/6/1957، م . ج، ف 381 ص 336.

[65] ـ محكمة النقض السورية: جنا 152 ق 179 تا 9/3/1958، م . ج، ف 2374 ص 2425.

[66] ـ محكمة النقض السورية: جنا 450 ق 477 تا 21/9/1960، م . ج، 2377 ص 2429.

[67] ـ محكمة النقض السورية: جنا 1021 ق 538 تا 26/7/1969، م . ج، ف 2366 ص 2415.

[68] ـ محكمة النقض السورية: جنا 233 ق 302 تا 28/4/1973، م . ج، ف 2364 ص 2413.

[69] ـ هيئة عامة قرار 149 أساس 43 تاريخ 23/9/1996، منشور في م . ق. ق التي أقرتها الهيئة العامة لمحكمة النقض، ج 2، قاعدة 459، ص 618 ـ 621.

[70] ـ محكمة التمييز الجزائية اللبنانية: ق 418 تا 15/11/1965، مجلة المحامي 1965 ص 82.

[71] ـ محكمة التمييز الجزائية اللبنانية: ق 568 ـ أساس 290/1966 ـ تا 21/11/1966.

(أشار إلى القرارين المذكورين أعلاه في الهامش رقم (1) ورقم (2):  د0محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات اللبناني ـ القسم العام ـ ف 777 ص 785، 786).

[72] ـ نصت المادة 192 من قانون العقوبات على الآتي:

«إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية:

ــ الاعتقال المؤبد بدلاً من الإعدام.

ــ الاعتقال المؤبد أو لخمس عشرة سنة بدلاً من الأشغال الشاقة المؤبدة.

ــ الاعتقال المؤقت بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.

ــ الحبس البسيط بدلاً من الحبس مع التشغيل.

وللقاضي فضلاً عن ذلك أن يعفي المحكوم عليه من لصق الحكم ونشره المفروضين كعقوبة».

[73] ـ ومن الجدير بالذكر أن المشرع الأردني عدل أحكام المادة 340 من قانون العقوبات المماثلة للمادة 548 من قانون العقوبات السوري، فألغى العذر القانوني المحل واستعاض عنه بالعذر القانوني المخفف، ومنح هذا العذر للزوجة كالزوج على حدٍ سواء.

[74] ـ تقرير عن حالة الأمن العام في الجمهورية العربية السورية لعام 2009، وزارة الداخلية، إدارة الأمن الجنائي، ص 34 و 35.

 

 

تحميل الملف جرائم الشرف بين الشريعة والقانون

اضف رد