سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ملاحظة: إن هذه النسخة تختلف عن الكتاب المطبوع وهي تشتمل على زيادات وتوسع خاصة في الفصول الأولى للكتاب

 

 

 

الجزيرة العربية : الجغرافيا والسكان

الجزيرة العربية موقعها وحدودها

جزيرة العرب هي أكبر شبه جزيرة في العالم، تبلغ مساحتها أكثر من مليون ميل مربع بقليل، تحيط بها المياه من أطرافها الثلاثة، ويطلق علماء العرب عليها تجاوزاً اسم جزيرة العرب. وهي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من آسيا، ويحدّها من الشرق الخليج العربي المعروف عند اليونان باسم الخليج الفارسي، ومن الجنوب بحر العرب الذي هو امتداد للمحيط الهندي، أما حدها الغربي فهو البحر الأحمر المعروف باسم بحر القلزم في الكتب العربية، وحدها الشمالي خط وهمي يمتد في اصطلاح علماء العرب من خليج العقبة حتى مصب شط العرب في  الخليج العربي.

خريطة

والجزيرة العربية لها أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي، فأما باعتبار وضعها الطبيعي الداخلي فهي محاطة بالصحارى والرمال من كل جانب، وهذا الوضع جعل الجزيرة حصناً منيعاً لا يسمح للأجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرتهم ونفوذهم. ولذلك نرى سكان الجزيرة أحراراً في جميع الشؤون منذ أقدم العصور، مع أنهم كانوا مجاورين لامبراطوريتين عظيمتين هما فارس والروم، لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع.

وأما بالنسبة لموقعها الجغرافي الخارجي فإنها تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم، وتلتقي بها براً وبحراً، فإن ناحيتها الشمالية الغربية باب للدخول في قارة أفريقيا، وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقارة أوربا، والناحية الشرقية تفتح أبواب العجم والشرق الأوسط والأدنى، وتفضي إلى الهند والصين، وكذلك تلتقي كل قارة بالجزيرة بحراً، وترسي سفنها وبواخرها على ميناء الجزيرة مباشرة.

وهذا الموقع المتوسط جعل شمال الجزيرة وجنوبيها مهبطاً للأمم ومركزاً لتبادل التجارة والثقافة والديانة والفنون، كما جعلها مهداً لنبوات كثيرة ومبعثاً لعدد من الأنبياء منهم هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام.


الجزيرة العربية:طبيعتها وأقسامها

إذا نظرنا نظرة عامة إلى خارطة جزيرة العرب نرى أنها أرض مرتفعة في الغرب تسيطر على السواحل الضيقة، تنحدر انحداراً شديداً وتكوّن سلاسل من المرتفعات متصلاً بعضها ببعض، تبدأ من اليمن وتمتد شمالاً حتى أطراف بادية الشام، ويطلق عليها عدة أسماء؛ فهي جبال السراة (السراة هي الأرض المرتفعة) وهي جبال السروات، وهي جبال في الحجاز. كما كانت تسمى باسم الإقليم الذي هي فيه، فيقال جبال الحجاز في الحجاز، وجبال عسير في إقليم عسير.

أما في الشرق فيكون انحدار الأرض تدريجياً وطويلاً، ولذلك فالأقسام الغربية من الجزيرة أعلى من الأقسام الشرقية.

وتمتد في الأقسام الجنوبية من الجزيرة سلاسل من الجبال تسيطر على المنخفضات الساحلية، وتتصل بسلسلة جبال اليمن، وتكثر فيها الأودية، ويكون أعلى ارتفاع لهذه السلاسل في أقصى الجنوب الشرقي؛ أي في عمان حيث يبلغ ارتفاع الجبل الأخضر زهاء عشرة آلاف قدم.

وأما الأرض الوسطى من الجزيرة فتتألف من هضبة تدعى نجداً، وفيها منطقة جبلية تتكون من الغرانيت يقال لها جبل شمر، وقد عرفت قديماً بجبلي طيّىء، وتتألف من سلسلتين يقال لإحداهما: أجأ وللأخرى سلمى. وهناك منابع عديدة للمياه في شعاب هذه السلسلة وفي السهل الكبير المنبسط بينهما. وأما جبل طويق فهو مرتفعات تقع في الوسط الشرقي من نجد، وتتألف من الحجارة الرملية وتحيط بها الصخور والحجارة الكلسية.

وإذا استثنينا اليمن وعُمان وبعض الوديان الواقعة في سلسلة الجبال الغربية وفي نجد والأحساء، فإن أغلب أرض الجزيرة تتكون من بوادٍ وسهول تغلبت عليها الطبيعة الصحراوية. والأراضي التي تعد اليوم من المجموعة الصحراوية هي: الحرار أو الأراضي البركانية، والدهناء ويطلق على القسم الغربي منها اسم الأحقاف، وهو منطقة واسعة من الرمال بها كثبان اقترن اسمها باسم عاد: {واذكر أخا عادٍ إذ أنذر قومه بالأحقاف}. والنفوذ وهي صحراء واسعة ذات رمال بيض أو حمر تذروها الرياح فتكون كثباناً مرتفعة وسلاسل رملية متموجة.


الموارد المائية في الجزيرة العربية

أما عن المياه فليس في جزيرة العرب أنهار كبيرة بالمعنى المعروف مثل نهر دجلة أو النيل، بل فيها أنهار صغيرة، وهي بذلك تعد في جملة البلاد التي تقل فيها الأنهار والبحيرات ويغلب عليها الجفاف.

ويقل فيها سقوط الأمطار، ولذلك أصبحت أكثر بقاعها صحراوية قليلة السكان، غير أنها كثيرة الأودية، تطغى عليها السيول عند سقوط الأمطار، وقد تكون هذه السيول خطراً يهدد القوافل والمدن والأملاك ويأتي على الناس بأفدح الخسائر. ونذكر من هذه الأودية: وادي الرمة، ووادي الحمض أو إضم كما كان يسمى قديماً، ووادي السرحان. وإلى جانب هذه الأودية يوجد في الجزيرة العربية عدد من البحيرات والآبار، بالإضافة إلى العيون التي توجد في الواحات والتي تقوم حولها في العادة حياة مستقرة وأهم هذه الواحات: بيشة. ونتيجة لقلة المياه في الجزيرة فإن الزراعة فيها محدودة وناتجها لا يكفي لإعاشة السكان.


الأقسام الجغرافية للجزيرة العربية

تقسم الجزيرة العربية جغرافياً إلى خمسة أقسام:

1ـ الحجاز: ويمتد من تخوم الشام عند العقبة إلى الليث وهو وادٍ بأسفل السراة يدفع في البحر، فتبدأ عندئذ أرض تهامة، ويقال للقسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحسمى، نسبة إلى السلسلة الجبلية المسماة بهذا الاسم، والتي تتجه من الشمال نحو الجنوب، وقد سمي هذا القسم بالحجاز لأنه يحجز بين اليمن والشام.

وتتخلل الحجاز أودية عديدة، منها وادي الحمض (إضم) الذي ورد ذكره في أخبار سرايا رسول الله r، ووادي القرى وهو وادٍ مهم، ويمر به طريق القوافل القديم الذي كان شرياناً من شرايين الحركة التجارية في العالم، ومن أهم مواضع وادي القرى العلا.

وتعد مكة والمدينة أهم مدن الحجاز، ففي أولاها الكعبة المشرفة، كما أنها ولادة النبي r، ومهبط الوحي. والمدينة هي مكان هجرته r ويؤوي ترابها جسده الطاهر.

ومن المدن المشهورة في الحجاز الطائف، وهي بلدة خصبة طيبة المناخ، كثيرة البساتين والعيون، تقع جنوب شرقي مكة، وخيبر وتقع في الشمال الشرقي من المدينة على طريق قوافل الشام.

2ـ تِهامَة: ويطلق هذا الاسم على الأرض الممتدة من غرب جبال السراة إلى ساحل البحر الأحمر، وهي منطقة شديدة الرطوبة والحرارة في الصيف، ومن هنا سميت تهامة، من التهم وهو شدة الحر وركود الريح. وتسمى أيضاً بالغور لانخفاض أرضها. وهي تتألف من تهائم؛ فهناك تهامة اليمن وتهامة عسير وتهامة الحجاز. ومنها تمر القوافل التجارية التي تسلك الطريق الغربي الذي يمتد متاخماً للبحر الأحمر. وأهم مدنها جدة وهي ميناء مكة، وينبع وهي ميناء المدينة.

3ـ اليمن: وتقع في الركن الجنوبي الغربي للجزيرة، وهي تمتد على طول المحيط الهندي، ويحدها البحر الأحمر من الغرب والحجاز من الشمال. وتخترق السراة اليمن من الشمال إلى الجنوب حتى البحر، وتتخللها الأودية التي تنساب فيها الأمطار. وقد سميت بهذا الاسم لأنها تقع على يمين الكعبة، أو لأنها بلاد اليُمْن والخير والبركة، وكان القدماء يسمونها بلاد العرب السعيدة أو اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزهورها. وقد قيل في سبب التسمية أقوال أخرى.

وكانت بلاد اليمن تقسم إلى عدة أقسام هي: حضرموت، وعُمان، ومهرة، وتعرف عند الجغرافيين باسم الشحر ويطلق اليوم اسم الشحر على الميناء الغربي وحده، ونجران. وأهم مدنها صنعاء.

4ـ نجد: وتشمل المنطقة التي تقع شرقي الحجاز وتمتد حتى الخليج العربي، وحدود نجد غير محددة تماماً في الكتب الجغرافية العربية وذلك بسبب تعدد الآراء والأقوال. وهي مرتفع فسيح فيه صحراوات وجبال، وقد سميت بهذا الاسم لارتفاع أرضها. ويتصور كثير من الناس أن نجداً أرض قاحلة تماماً، وهذا خطأ إذ أنها تشتهر بمراعيها التي تربى فيها أشهر الخيول العربية، وأهم مدنها الرياض وحائل.

5ـ العروض: وتشمل اليمامة (وقاعدتها حجر) والبحرين وما والاها. وأغلب الأرض فيها صحارى وسهول ساحلية. وسميت بالعروض لاعتراضها بين نجد واليمن.

ولا بد من الإشارة هنا ـ ونحن نتحدث عن صفة جزيرة العرب وأقسامها ـ إلى جزيرة سوقطرة من الجزر التي تقابل الساحل العربي الجنوبي، وهي جزيرة كانت تعادل وزنها ذهباً يوم كان البخور والصبر يعادلان بالذهب، أما اليوم فلا يجد سكانها لحاصلهم السوق القديمة لزوال دولة المعابد والملوك الآلـهة، وحلول عهد الذرة والنفط. وسكان هذه الجزيرة منذ القديم خليط من عرب وأفريقيين وهنود ويونان، وهي اليوم في قبضة الإنكليز.


سكان الجزيرة العربية وطبيعتهم

تغلبت الطبيعة الصحراوية على شبه الجزيرة، وظهر الجفاف عليها لعوامل طبيعية، وبسبب الموقع الجغرافي ـ كما تقدم ـ فكان ذلك كله سبباً في قلة سكانها في الماضي والحاضر، رغم اتساع مساحتها، وسبباً في عدم نشوء مجتمعات حضرية وحكومات مركزية كبيرة فيها، وسبباً في تفشي البداوة وغلبة الطبيعة الأعرابية على أهلها، وبروز روح الفردية عندهم، وتقاتل القبائل بعضها مع بعض لذلك انحصرت الحضارة في الأماكن المطيرة والأماكن التي خرجت منها المياه الجوفية عيوناً وينابيع، أو قاربت فيها المياه سطح الأرض فأمكن حفر الآبار فيها، كما في مكة المكرمة ويثرب والحيرة واليمن التي كانت تعد من أرقى بلاد العرب حضارة.

فالحياة في جزيرة العرب مرتبطة بوجود الماء، وإليه كان الأعراب يتنقلون من موضع إلى آخر، فكانوا لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه، فلا يستقرون في مكان إلا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء، فإذا جف الماء وقل الكلأ ارتحلوا إلى مواضع جديدة.

ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثل مجتمعهم في القبيلة، وكانت هذه الحياة لا تعرف الراحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوة، حياة جلبت المشقة لأصحابها، والمشقة لمن يقيم على مقربة منهم في الحضر، فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثم هم في نزاع مع الحضر.

ولكن العرب من جهة أخرى على جانب كبير من الصفات الخُلُقية الرفيعة والمثل والقيم، ينطق بذلك شعرهم وحكمهم، مما رشحهم لأن يختارهم الله، تبارك وتعالى حملة لأعظم رسالة في تاريخ الأرض ونقلها إلى غيرهم. وسوف يأتي تفصيل هذه الصفات.


أنساب العرب ومنازلهم

للنسب عند العرب شأن كبير، ولا يزال العربي يقيم له وزناً، فعلى نسب المرء في البادية تقوم حقوق الإنسان، فنسبه هو الذي يحميه ويحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه، فالانتماء إلى عشيرة أو قبيلة أو حلف هو حماية للمرء وجنسية في عرف هذا اليوم، فالقبيلة هي قومية الأعرابي وحياته منوطة بحياتهم، ولهذا كانت قومية أهل الوبر (البدو أو الأعراب) قومية ضيقة لا تتعدى حدود القبيلة ومصالحها، ومن هنا صارت القبائل كتلاً سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة، لا تربط بينها إلا روابط المصلحة والفائدة والقوة والضعف والنسب. والعادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه وتدعي أنها من صلبه وأن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به وتتفاخر.


تاريخ تدوين الأنساب العربية

وكان الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أول من أمر بتسجيل الأنساب وتبويبها وتثبيتها في ديوان، وذلك عند فرضه العطاء في سنة خمس عشرة أو عشرين للهجرة، وقد كان النسابة في الجاهلية والإسلام يحفظون الأنساب في ذاكرتهم وقد امتازوا بشدة الحافظة، وكان لهم شأن خطير بين قومهم لأنهم المرجع في هذا الشأن.

وقد ضاعت أصول الجرائد التي دونت عليها الأنساب في ذلك الديوان، ويظهر أن أهل الأخبار لم ينقلوا صورها وإنما أخذوا الأسس التي قام عليها التسجيل حيث أشاروا إلى أن الخليفة استند إلى أساس الوضع القائم للقبائل والقربى برسول الله r، ولم يقتصر التسجيل المذكور على نسب القبائل في البادية فحسب بل شمل ذلك نسب أهل القرى كمكة والمدينة والطائف وغيرها، لأن أصحابها وإن أقاموا واستقروا إلا أنهم كانوا كالأعراب من حيث الانتساب إلى الآباء والأجداد، لأن حياتهم الاجتماعية حملتهم على التمسك بعصبية النسب للمحافظة على الأمن والسلامة والمال لعدم وجود حكومة قوية تقوم إذ ذاك بتأمين هذه الواجبات.

وعلى الرغم من التسجيل المذكور الذي كان لأغراض حكومية رسمية (العطاء)، فإن أنساب القبائل لم تثبت وتستقر إلا بعد ذلك بأمد، وقد حصل في العصر الأموي خروج قبائل من نسب قديم ودخولها في آخر جديد.

وقد ساعد شروع النسّابين في تدوين علمهم في تثبيت الأنساب وإقرارها لا سيما أنساب القبائل المشهورة المعروفة.

وقد كان لعمل الخليفة الراشدي عمر، رضي الله عنه، في تسجيل الأنساب أهمية كبيرة للباحثين في هذا الشأن، لأنه ثبت الأسس ووضع القواعد للنسّابين في الإسلام وقلَّل من الاضطراب الذي كان يقع في النسب، وعليه سار المسلمون في تقسيم العرب إلى أصلين اثنين هما قحطان وعدنان.


التقسيم التاريخي لقبائل العرب

اتفق معظم المؤرخين على تقسيم العرب من حيث القدم إلى ثلاث طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.

أما العرب البائدة فهم العرب القدامى الذين هلكوا واندثروا قبل الإسلام، ولم يبق منهم غير آثار وذكريات وقد ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم، ومنهم عاد وثمود وعملاق.

وأما العرب العاربة، وتسمى بالعرب القحطانية في عرف النسّابين، فهم العرب الخلص المنحدرة من صلب قحطان، ومنازلهم الأولى في اليمن، ويقال لهم لذلك عرب الجنوب. وقحطان في رأي أكثر النسّابة هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.

وأما العرب المستعربة فتسمى بالعرب العدنانية عند النسابين، وموطنهم الأول مكة المكرمة، ويقال لهم عرب الشمال، وهم من صلب إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. قيل لهم العرب المستعربة لأنهم انضموا إلى العرب العاربة وأخذوا منهم العربية، فهم الفرع والقحطانيون أو العرب العاربة الأصل. وعدنان في نظر العدنانيين هو جدهم الأعلى، كما أن قحطان هو الجد الأعلى للقحطانيين، ولما كانت الطبقة الأولى من العرب قد بادت وذهبت، تكون العرب الباقية وكلها من ولد قحطان وعدنان، استوعبت شعوب العرب كلها.


قحطان: أشهر القبائل القحطانية

وقد اشتهرت من القبائل القحطانية قبيلتان، جُرْهم ويَعْرُب، ومن يَعْرُب تشعّبت القبائل والبطون من فرعين كبيرين هما: حِمْيَر وكَهْلان ابنا سبأ.

أما حِمْيَر فأشهر بطونها قُضاعة ويُختلف في نسبتها إلى حِمْيَر؛ إذ يدخلها بعض النسّابة في عدنان ولا يوافقون على إلحاق نسبتها باليمن. ومن فروع قُضاعة: بَلِيّ، وجُهَيْنَة، وكَلْب، وبَهْراء، وعُذْرَة.

وأما كَهْلان فهي مجموعة قبائل ضخمة أضخم من قبائل حمير، وأشهر بطونها: هَمْدَان، وطَيّىء، ومَذْحج، وكِنْدة، ولَخْم، وجُذام، والأَزْد؛ ومن فروع الأَزْد: الأوْس والخزرج وأولاد جَفْنَة وهم الغساسنة ملوك الشام.

ولما أخذ اليمنيون بأسباب الحضارة قامت لهم عدة ممالك؛ منها سبأ وحمير، وقد حاول بعض ملوك سبأ الاستفادة من مياه الأمطار الكثيرة، فأقاموا سداً لحفظ المياه وراءه يسمّى العرِم بلسانهم، وقد تحولت أراضيهم بتنظيم الري في هذه البلاد إلى جنات كما فصّل القرآن الكريم ذلك في سورة سبأ.

وحين أخذت بلاد اليمن في الانحطاط، وعجز أهلها عن إصلاح السد الذي أقامه أسلافهم، وحين فشلت تجارتهم لضغط الرومان وسيطرتهم على طريق التجارة البحرية وإفسادهم طريق البرّ بعد احتلالهم بلاد مصر والشام، هاجرت بطون كهلان عن اليمن وانتشرت في أنحاء الجزيرة، وكانت هجرة معظمهم قبيل سيل العَرِم.

ولا غرو فقد كانت منافسة بين بطون كَهْلان وبطون حِمْيَر أدت إلى جلاء كهلان، ويشير إلى ذلك بقاء حِمْيَر في اليمن مع جلاء كهلان.


عدنان: تاريخ العرب العدنانية

وأما العدنانيون فهم من صلب إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، وقد اختلف الأخباريون وأصحاب الأنساب في عدد من كان بين إسماعيل وعدنان من الآباء، والمشهور عند المؤرخين أن إبراهيم عاش في القرن 18 قبل الميلاد.

والمشهور في كتب التاريخ أن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، هاجر من بلاد العراق؛ من بلدة يقال لها (أور) على الشاطئ الغربي من نهر الفرات، بالقرب من الكوفة، واتجه منها إلى (حاران) أو (حرّان) ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدة لدعوته، وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها. وقدم مرّة إلى مصر، وقد حاول فرعون مصر كيداً وسوءاً بزوجته سارة ولكن الله ردّ كيده في نحره، وعرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية بالله تعالى، حتى أخدمها هاجر، اعترافاً بفضلها، وزوّجتها سارة إبراهيم عليه السلام.

وعاد إبراهيم، عليه السلام، إلى فلسطين، ورزقه الله من هاجر إسماعيل، عليه السلام، فهاجر بهما إلى الحجاز، وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلاّ مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فتركهما هناك، وليس بمكّة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ورجع إلى فلسطين، ولم تمض أيام حتى نفد الزاد والماء، وهناك تفجّرت بئر زمزم بفضل الله تعالى، فصارت قوتاً لهما وبلاغاً إلى حين.


جرهم أول من نزل بمكة

هاجرت قبيلة جُرهم الثانية من اليمن بعد وصول هاجر وإسماعيل إليها، وذلك في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فقطنت مكّة بإذن من أمّ إسماعيل، ويقال إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكّة، وقد صرّحت رواية للبخاري أنهم نزلوا مكّة بعد إسماعيل، عليه السلام، وقبل أن يشبّ، وأنهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك. فلما شبّ وتعلم العربية منهم وصاهرهم، فتزوّج امرأة منهم، ثم طلّقها بأمر أبيه وتزوّج أخرى هي رَعْلَة بنت مُضَاض بن عمرو كبير جُرهم وسيّدهم.

وكان إبراهيم، عليه السلام، لا يزال في جهاد ودعوة، وانتقال من مكان إلى آخر يدعو الناس إلى الله، ويعود إلى مكّة ليطالع تركته؛ فيقضي فيها أياماً، ثم يغادرها. ولا يُعلم عدد المرات التي قدم فيها إلى مكّة، لكن من الثابت أنه في إحدى هذه المرات بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل، عليهما السلام، ورفعا قواعدها، وأذّن إبراهيم عليه السلام، في الناس بالحج كما أمره الله.


بنو إسماعيل

وقد رزق الله تعالى إسماعيل، عليه السلام، من ابنه مُضاض اثني عشر ولداً ذكراً، تشعّبت منهم اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكّة مدة، ثم انتشرت في أرجاء الجزيرة بل وإلى خارجها، ثم فُقدت أخبارهم في غياهب الزمن، إلاّ أولاد نابِت وقيدار (أو قيذر) بني إسماعيل، عليه السلام.

فقد ازدهرت حضارة الأنباط ـ وهم من أحفاد نابت ـ في شمال الحجاز، وكوّنوا حكومة قوية دان لهم مَن بأطرافها، واتخذوا البَتْراء عاصمة لهم، ولم يكن يستطيع مناوأتهم أحد، حتى جاء الرومان فقضوا عليهم.

وأما سائر ولد إسماعيل الباقين فإنهم من أبناء عدنان، وندرسهم عند مادة (بنو عدنان).


بنو عدنان

لم يكن لإسماعيل من ذرية إلا ولد نابت وقيدار، فمن ولد نابت الأنباط في الأردن، وأما قيدار فلم يزل أبناؤه بمكّة يتناسلون هناك حتى كان منهم عدنان وولداه مَعَدّ وعَكّ، أما عَكّ فصار إلى اليمن؛ وذلك أنه تزوّج في الأشعريين فأقام فيهم. وأما معدّ فوُلد له أربعة نفر: نِزار وقُضاعة وقُنُص وإياد، فأما قُضاعة فهاجرت جنوباً إلى حمير، وأما قُنُص فهلكت بقيتهم، ويقال كان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة. وقيل: لم يكن لمعدّ ولد غير نزار ومنه تفرّقت بطون معدّ، فكان لنزار أربعة أولاد تشعّبت منهم أربع قبائل عظيمة: إيَاد، وأَنْمار، ورَبيعَة، ومُضَر. أما إياد فكانت تقيم بتهامة حتى أُرغمت على الخروج منها بسبب حروب وقعت بينها وبين رَبيعَة ومُضَر، فارتحل قسم منهم إلى العراق، وسار بعضهم إلى حمص وأطراف الشام. وأما أنمار فهو أبو خَثْعَم وبَجيْلَة، وقد تيامنت فلحقت باليمن، ويقول نُسّاب اليمن: بَجِيلَة هو أنمار بن إراش من ولد كَهْلان بن سبأ، ودار بَجِيلَة وخَثْعم يمانية.


ربيعة ومضر

رَبيعة ومُضَر أكبر فروع عدنان وقد كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما، فكانا الفرعين الرئيسيين لعرب الشمال، فانحدر من ربيعة عدة قبائل منها: أَسَد بن ربيعة، وحَنِيفَة، وعَبْدُ القَيْس، ومجموعة قبائل ابني وائِل: بَكْر وتَغْلب.

وتشعّبت قبائل مُضَر إلى شعبتين عظيمتين: بطون قَيْس عَيْلان الناس بن مُضَر، وبطون إلياس بن مُضَر ومنهم رسول الله r ويسمّيهما البعض بطون خِنْدِف نسبة إلى أمّهم). فمن قبائل قَيْس عَيْلان بن مُضَر: خَصَفَة، وسعد، وعمرو. ومن أولاد خَصَفَة: عِكْرِمَة ومُحارِب. ومن أعقاب عِكْرِمة القبيلتان المشهورتان هَوازِن، وسُليم. ومن أعقاب هَوازِن: ثَقِيف، وعامِر بن صَعْصَعة، وسَعْد بن بَكْر وإليهم يُنسب كل سعدي ومنهم حَلِيمَة بنت أبي ذُؤَيْب السعدية التي أرضعت رسول الله r . ومن أولاد سعد بن قيس عيلان: غطفان، ومن بطونها: أَشْجَع وذُبْيَان، ومن ذبيان فَزارَة ومُرَّة.

وقد تفرعت من إلياس بن مُضَر بطون كثيرة، منها: هُذَيْل بن مَدْرِكَة (ومنهم بنو لِحْيان)، وبنو أسَد خُزَيْمة، وبطون كِنانَة بن خُزَيْمة، وبطون تَميم بن مُرَّة، ومُزَيْنَة.


قريش

وهم أولاد النضر بن كنانة بن خزيمة بن إلياس بن مضر. قال ابن هشام: النَّضْر: قريش؛ فمن كان من ولده فهو قُرَشيّ، ومن لم يكن من ولده فليس بِقُرَشيّ. وإنما سُمّيت قريش قريشاً من التَّقَرُّش؛ أي جمع المال والتجارة، أو التجمع؛ فإنها لما تجمّعت بمكّة وجمعت خصال الخير سُمّيت بذلك، وقيل من التَّقَرُّش؛ أي التفتيش، فقد كان فِهْر بن مالك ـ ويقال النَّضْر بن كِنانَة ـ يُقرِّش عن حاجة الناس، فيسدّها بماله، فمن كان محتاجاً أغناه، ومن كان عارياً أكساه، ومن كان طريداً آواه، ومن كان خائفاً حماه، ومن كان ضالاً هداه، وكان بنوه يقرّشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلّغهم. وقيل في سبب التسمية أقوال أخرى.

وقد انقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها: جُمَح، وسَهْم (ومنهم عَمرو بن العاص رضي الله عنه)، وعَدِيّ (ومنهم عُمر بن الخطاب رضي الله عنه)، ومَخْزُوم (ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه)، وتَيْم (ومنهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه)، وزُهْرَة (ومنهم سَعْد بن أبي وَقّاص رضي الله عنه)، وبطون قُصَيّ بن كِلاب؛ وهي: عبد الدار بن قُصَيّ، وأَسَد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وعبد مَناف بن قُصَيّ.

وكان من عبد مَناف بن قُصَيّ أربع فصائل: عبد شَمس، ونَوْفل، والْمُطَّلِب، وهاشم، وبيت هاشِم هو الذي اصطفى الله منه سيِّدنا محمّد بن عبد الله بن عبد الْمُطَّلِب بن هاشِم صلوات الله عليه وسلامه.


منازل العدنانيين

ولما تكاثر أولاد عدنان من رَبيعَة ومُضَر وقعت بينهم حروب كثيرة، وتفرّقوا في أنحاء شتّى من بلاد العرب متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب، فهاجرت عبد القَيْس وبطون من بكر بن وائل وبطون من تَميم إلى البحرين فأقاموا بها. ويُذكر أنه لما جاء بنو عبد القيس إلى البحرين، كانت البلاد إذ ذاك لإياد، فجلت إياد من البحرين ونزحت نحو العراق.

وخرجت بنو حَنِيفَة إلى اليَمامَة فنزلوا بحجر قصبة اليمامة، وأقامت سائر بكر بن وائل في طول الأرض من اليمامة إلى البحرين إلى سيف كاظِمَة إلى البحر فأطراف سواد العراق.

وأقامت تَغْلِب بالجزيرة الفراتية، ويقال إنها نزلت أولاً في الحجاز بين نجد والبحرين، فلما تحاربت مع بكر بن وائل زحفت نحو الشمال حتى بلغت أطراف الجزيرة وعُرفت تلك الديار بديار رَبيعَة.

وسكنت بنو تَمِيم في مواضع متعددة من جزيرة العرب، فنزل بعضهم البصرة بالعراق، وانحازت مُزَيْنَة إلى جبال رضوى وما والاها من أرض الحجاز.

وأقامت بنو سُلَيْم بالقرب من المدينة في مواطن حِرز ذات مياه ومعادن عرفت بمعدن سُلَيْم.

وسكنت ثقيف بالطائف، وهوازن في شرقي مكة بنواحي أَوْطاس. وأقام بنو عامر بن صَعْصَعة في القسم الغربي من نجد. وسكنت بنو أَسَد بن خُزَيْمَة شرقي تَيْمَاء وغربي الكوفة، وكانت طيّىء تقيم بجوارهم. وأقام بنو هُذَيْل بن مُدْرِكَة على مقربة من الطائف، وفي أماكن أخرى في نجد وتِهامَة بين مكّة والمدينة.

ونزلت غطفان شرقي خيبر وحدود الحجاز إلى جبلي طيّىء، وسكنت أشجع بضواحي يثرب، وبنو ذُبْيان بالقرب من تَيْمَاء إلى حوران، ونزلت فزارة بنجد وانتشرت في مواطن أخرى.

وبقي بتِهامَة بطون كِنانَة، وأقام بمكّة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قُصَيّ بن كلاب فجمعهم، وكوّن لهم وحدة شرّفتهم ورفعت من أقدارهم.


أشكال الحكم في بلاد العرب

 

كانت أكثر بلدان العالم في القرن السادس للميلاد حين بزغت شمس الإسلام تحت سيطرة قوتين عظيمتين؛ هما إمبراطورية الروم وعاصمتها القسطنطينية، وإمبراطورية فارس وعاصمتها طيسفون (المدائن). أما الجزيرة العربية فقد كان حكامها قسمين:

الأول: الملوك المتوّجون، وهم ملوك اليمن وملوك الشام وملوك الحِيرَة، وكان غير مستقلين استقلالاً تاماً، بل لهم تبعية لفارس أو الروم.

الثاني: رؤساء القبائل والعشائر، وكان لهم ما للملوك من الحكم والمزايا، ولكنهم لم يكونوا أصحاب تيجان، ومعظمهم كان على تمام الاستقلال، وربما كانت لبعضهم تبعية لملك متوّج.


الملك باليمن

من الممالك التي قامت في اليمن مملكة معين وكانت في الشمال، وسبأ جنوبيها، وقتبان وكانت أشد إمعاناً في الجنوب بنواحي عدن، أما حضرموت فكانت شرقي هذه الممالك الثلاث. وسنتكلم عن بعض هذه الممالك في مواد مستقلة.

مـمـلكة معين: يستدل من النقوش، وما ورد في التوراة، وما كتبه بعض مؤرخي اليونان أن معين ظهرت في اليمن بين سنتي 1200 و650 ق.م، وأنها كانت على جانب عظيم من القوة والثروة حتى استطاعت أن تمدّ نفوذها ـ بفضل نشاطها التجاري ـ إلى الخليج الفارسي وإلى أعالي بلاد الحجاز مما يلي سواحل البحر الأحمر.

مـمـلكة سبأ: كانت مملة سبأ في اليمن بين معين وقتبان، وامتد نفوذها من ساحل الخليج الفارسي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. وقد انتقل سلطان معين إلى سبأ التي بدأت قوتها تظهر في أواخر أيام معين، وامتد عصرهم بين سنة 950ــ115 ق.م تقريباً. ويتبين من الآثار التي عثر عليها الباحثون أن دولة سبأ الحقيقية مرت في طورين يتميزان بألقاب ملوك السبئيين:

الطور الأول: وينتهي حوالي سنة 650ق.م، كان ملوكهم يلقبون في بـ«مكرب سبأ»، وكانت حاضرتهم الأولى صرواح وهي خريـبة الحديثة على مسيرة يوم غربي مأرب. وفي هذا الطور بدأ بناء سد مأرب الذي كان له شأن كبير في تاريخ اليمن.

والطور الثاني: من سنة 650ــ115 ق.م، كان الحكام يحملون في هذا الزمن لقب «ملك سبأ»، واتخذوا مأرب حاضرتهم لهم بدل صرواح لازدياد أهميتها بعد بناء السد.

وقد ساعد أهل سبأ ـ ومَن بعدهم ـ على الاستقرار ذلك الخصب الذي امتاز به هذا الإقليم الذي كانوا يسكنونه من بلاد العرب، كما كان لتجارتهم المطردة الواسعة النطاق مع مصر والشام وبابل أثر كبير في تدفق موارد الثروة على هذه البلاد.

ومع ما كان لدولة سبأ من تقدم في الحضارة والتجارة، يظهر أنها لم يكن لها قوة حربية، فإن الملكة بلقيس، وهي من أشهر ملوك سبأ، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتوراة، لم تُخفِ خوفها حين تسلمت رسالة سليمان، عليه السلام، وقالت لقومها ـ كما حكى القرآن الكريم على لسانها ـ: {إنَّ الملوكَ إذا دَخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزَّةَ أهلِها أّذلَّةً وكذلِكَ يَفعلونَ}ـ النمل(34) ـ، ويدل على ذلك أيضاً قول سليمان، عليه السلام، حين أرسل إلى بلقيس مهدداً: {فَلَنأتِينَّهُم بِجنودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِها ولنُخرِجَنَّهم مِنها أَذِلَّةً وَهُم صاغِرونَ}ـ النمل(37) ـ.

مـمـلكة حمير: ظهرت مملكة حمير في اليمن على أنقاض مـمـلكة سبأ بعد سنة 115ق.م، وهي تقع بين سبأ والبحر الأحمر، وتشغل الأراضي التي يطلق عليها اسم قتبان. وقد حلّت أول الأمر محل قتبان التي ظهرت قبلها، ثم استوعبت مملكة سبأ. واتخذ الحميريون ريدان التي عرفت فيما بعد باسم ظفار مقرّاً لملكهم. وكانت ظفار مدينة داخلية على بعد مائة ميل شرقي مخا على الطريق إلى صنعاء، وحلّت محل مأرب عاصمة ملوك سبأ.

ويمكن تقسيم تاريخ مملكة حمير إلى دورين:

الأول: استمر حتى سنة 300م، وكان ملوك هذا العصر يلقبون بملوك «سبأ وذي ريدان». وقد ساعدهم موقعهم الساحلي على أن يلعبوا دوراً تجارياً هاماً، وكانت الزراعة مزدهرة عندهم. إلا أنه قبيل نهاية هذا الدور بدأت قوة حمير تأخذ في الضعف والانحطاط، بسبب تنازع القبائل فيما بينها، ولمزاحمة الرومان لهم في طريق التجارة البحري مزاحمة شديدة بعد أن بسطوا سيطرتهم على مصر وسوريا وشمالي الحجاز، وبسبب إهمالهم للطريق البرية التي كان يمكنهم احتكارها لكثرة ما عليها من محطات حميرية، ولكنهم أهملوها فضعفوا وتضاءلت أهميتهم التجارية. وهذا الطريق البري بمحطاته المتعددة هو الذي أشار إليه القرآن الكريم في سورة سبأ في قوله تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرةً وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين فقالوا ربَّنا باعِد بينَ أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديثَ ومزَّقناهم كُلَّ مُمَزقٍ، إنَّ في ذلكَ لآيات لكلِّ صبّارٍ شَكور}ـ سبأ(18-19) ـ.

وهذه الأسباب هي التي أدت إلى هجرة عدد كبير من أهل اليمن إلى الجهات الشمالية والشرقية من جزيرة العرب كما تقدم.

الثاني: وفي حوالي سنة 300م، أو بعد ذلك بقليل، استعادت دولة حمير قوتها وضمت إليها القبائل المجاورة، وأخضعت حضرموت وسائر بلاد اليمن، وأصبح لقب ملوكها «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت». وقد عرف العرب هذه الدولة الثانية باسم دولة التبابعة، لأن ملوكها كان يتبع بعضهم بعضاً، كلما هلك واحد قام مقامه آخر تابعاً له على مثل سيرته. وقد ذكر بعضهم أن هذا اللقب لم يكن يلقب به إلا الملوك الذين يملكون اليمن وشِحر وحضرموت. وأُشير إلى تُبَّع في القرآن الكريم: {أهُم خيرٌ أم قومُ تُبَّعٍ}ـ الدخان(37) ـ {وأصحابُ الأيكةِ وقومُ تُبَّعٍ}ـ سورة ق(14) ـ

وفي هذا الدور هاجم الأحباش اليمن واستولوا عليها سنة 340م مستغلين التنافس بين قبيلتي هَمْدان وحِمْيَر، غير أن الحكم الحبشي لم يتح له أن يعيش طويلاً، فقد تم إخراجهم سنة 378م، وعاد الحكم إلى الحميريين. وكانت أهداف هذه الحملة الحبشية الأولى على اليمن انتزاع السيادة التجارية من أهلها وبث الدين النصراني بينهم.


المناذرة في الحيرة

كانت بطون كثيرة من كهلان قد هاجرت من اليمن واحتلت جزءاً من ريف العراق، ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين فزاحموهم حتى سكنوا جزءاً من الجزيرة الفراتية. وقد استطاع هؤلاء العرب، بسبب ضعف ملوك الطوائف في فارس، أن يكوّنوا لهم ملكاً في منطقة الحيرة لم يكن قوياً ولكنه لم يكن أضعف من ممالك أخرى.

ولما كان عهد أردشير ـ مؤسس الدولة الساسانية ـ استطاع أن يعيد لدولة فارس وحدتها وأن يخضع العرب المقيمين في العراق على تخوم ملكه لسلطانه وكان هذا سبباً في رحيل قضاعة إلى الشام. ولكن لما كانت فارس معرضة لهجمات بعض القبائل العربية، رأى أردشير أنه يستحيل عليه أن يحكم العرب مباشرة، ويمنع القبائل من الإغارة على تخوم ملكه، إلاّ أن يملّك عليهم رجلاً منهم له عصبية تؤيّده وتمنعه، ومن جهة أخرى يمكنه الاستعانة بهم على حرب الروم الذين كان يتخوّفهم، وليكون عرب العراق أمام عرب الشام (الغساسنة) الذين اصطنعهم ملوك الروم، فرأى لهذه الاعتبارات أن يبقى على مملكة الحيرة ويكتفي بخضوع ملوكها إليه، فولّى جُذَيْمَة الأبرش ونصّبه ملكاً على الحيرة وسائر من ببادية العراق والجزيرة من رَبيعَة ومُضَر، وكان يبقي عنده كتيبة من جند الفرس، ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب البادية.

وبعد موت جذيمة سنة 268م ولي الحيرة عمرو بن عدي اللخمي، أول ملوك اللخميين ـ في عهد كسرى سابور بن أردشير ـ ثم لم تزل الملوك من اللخميين تتوالى على الحيرة حتى ولي الفرس قُباذ بن فيروز، وفي عهده ظهر مَزْدَك، وقام بالدعوة إلى الإباحية، كما تبعه كثير من رعيته، ثم أرسل قباذ إلى ملك الحيرة، وهو المنذر بن ماء السماء، يدعوه إلى أن يختار هذا المذهب ويدين به. فأبى عليه ذلك حمية وأنفة، فعزله قباذ، وولّى بدله الحارث بن عمرو بن حُجر الكندي بعد أن أجاب دعوته إلى المذهب المزدكي.

وخلف قباذ كسرى أنوشروان، وكان يكره هذا المذهب جداً، فقتل مزدك وكثيراً ممن دان بمذهبه، وأعاد المنذر إلى ولاية الحيرة، وطلب الحارث بن عمرو لكنه هرب إلى دار كلب، فلم يزل فيهم حتى مات.

واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر، وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبّرها يزيد بن عدي العبادي؛ فقد دسّ إلى كسرى أن النعمان يأنف أن يزوج بناته وأخواته من كسرى وأولاده، فتوعده كسرى وطلبه، فأدرك النعمان سوء المصير فخرج حتى نزل سرّاً على هانئ بن مسعود سيّد بني شَيْبَان (وهم من بكر بن وائل)، فأودعه أهله وولده وماله وسلاحه، ثم توجّه إلى كسرى، فحبسه كسرى حتى مات، وولّى الحيرة بدله إياس بن قُبَيْصة الطائي، وأمره أن يرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب منه رد ودائع النعمان من أموال ودروع وغيرها، فأبى ذلك هانئ حمية ووفاء بالعهد. وبلغ كسرى الخبر فغضب وهدّد باستئصال بكر بن وائل، وقد جرى بين كسرى وبين بكر بن وائل مفاوضات وعرض عليهم كسرى إحدى خصال ثلاث: الاستسلام لكسرى يفعل بهم ما يشاء، أو الرحيل من الديار، أو الحرب. واجتمعت كلمة بني بكر على الحرب وعدم الاستسلام، فجمعوا شتاتهم ورصّوا صفوفهم، وكان ممن انضم إليهم بنو عجل وبنو إياد وبنو شيبان، وما لبثوا أن جاءت مَرازِبَة كسرى وكتائبه في موكب إياس، وكانت بين الفريقين وقعة هائلة عند ذي قار (وذو قار ماء لبكر بن وائل يقع قريباً من الكوفة) انتصر فيها بنو بكر بن وائل انهزمت الفرس هزيمة منكرة. وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، وهو بعد ميلاد النبي r بقليل، فإنه عليه السلام ولد لثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة على الحيرة.

وعلى إثر هذه المعركة أقصى كسرى إياس بن قبيصة عن حكم الحيرة وولّى عليها حاكماً فارسياً يحكمها حكماً مباشراً، وكان حكمه سبع عشرة سنة على ما يذكر الطبري، وفي سنة 632م عاد الملك إلى آل لخم، فتولّى منهم المنذر بن النعمان الملقب بالغَرور، ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد، رضي الله عنه، بجيوش المسلمين وفتحها.

وقد كان لأهل الحيرة أثر كبير في الحضارة العربية؛ فقد كانوا يجوبون أرجاء الجزيرة العربية بالتجارة، ويشتغلون بتعليم القراءة والكتابة. وبذلك أصبحوا واسطة في نشر المعارف في الجزيرة، كما ساعدوا على نشر النصرانية في بلاد العرب على أثر اعتناق بعض ملوكهم الدين النصراني بعد تركهم الوثنية.


الغساسنة في الشام

في العهد الذي هاجرت فيه قبائل من اليمن إلى العراق، هاجرت قبائل أخرى من اليمن أيضاً واستقرت ببادية الشام، وكانت من قُضاعَة من بني سليح، وهم المعروفون باسم الضجاعمة، فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البادية من العبث والإغارة على حدودهم، وليكونوا عدّة ضد الفرس، وولّوا منهم ملكاً، ثم تعاقب الملك فيهم سنين، ويقدر زمنهم من أوائل القرن الثاني الميلادي إلى نهايته تقريباً، حيث انتهت ولايتهم بعد قدوم آل غسّان، فقد غلبوا الضجاعمة على ما بيدهم وانتصروا عليهم، فجعلتهم الروم ملوكاً على عرب الشام. ولم تزل تتوالى الغساسنة على الشام بصفتهم عمّالاً لملوك الروم حتى جاء الإسلام وكانت وقعة اليرموك سنة 13هـ. وكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم الذي كتب له رسول الله r يدعوه إلى الإسلام فأسلم ثم ارتد نصرانياً، ويقال أنه أسلم في عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على أثر انتصار المسلمين في اليرموك غير أنه لم يلبث أن تحول إلى النصرانية، وهجر وطنه ليستقر نهائياً في بلاد الدولة الرومانية. وقد كان الغساسنة كلهم على النصرانية عند ظهور الإسلام.

أما حدود مملكة الغساسنة، فلم تكن على وجه العموم ثابتة، بل كانت تتبدل وتتغير بحسب تبدل سلطة الملوك، وتغيّرها، وهي عادة نجدها لدى جميع الممالك والإمارات التي تكوّنت في البادية أو على أطراف البوادي، حيث تكون معرضة لغزو القبائل، ولنفوذ القبائل الفتية القوية التي تطمع في ملك الإمارات التي تجد فيها شيئاً من الوهن والضعف. ولهذا نجد ملك الغساسنة يتوسّع ويتقلّص بحسب الظروف فيصل إلى مقربة من دمشق وإلى فلسطين ولبنان وإلى ولايات سوريا الشمالية في بعض الأحيان، وفي مساحات شاسعة من البادية إلى المدى الذي يصل إليه سلاحهم، ثم نجده تارة أخرى أقل من ذلك بكثير، لضعف الأمير المالك ولطمع القبائل فيه ولاختلافه مع السلطات.

وقد بلغت دولة الغساسنة درجة كبيرة من الحضارة، فقد كان ببلادها كثير من الحصون، كما كان بها كثير من البيع والكنائس. وكان ملوكها يقتنون الجواري الروميات، ومبانيها مكسوة بالحجر الأبيض المأخوذ من الجبال القريبة منها. وقد تعلموا من مخالطتهم الروم ومحاربتهم الفرس الفنون الحربية، وطرق الدفاع، وكسبوا المران العسكري.


الإمارة بالحجاز

حافظ الحجاز على استقلاله منذ أقدم العصور، فلم يعبث بحريته الملوك الفاتحون، في الوقت الذي عبث فيه كثير من ملوك الفرس باستقلال كثير من الأمم، كذلك ظل محافظاً على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني، وكان من أثر تمتع أهل الحجاز بالاستقلال طول حياتهم أن ظهرت فيهم طبائع خاصة بهم، من حيث عراقة أصلهم وشرف آبائهم وشهامتهم التي كانت مضرب المثل، ولغتهم التي حافظت على نقائها وصفائها.

إسماعيل وبنوه:

ولي إسماعيل، عليه السلام، زعامة مكّة وولاية البيت طول حياته، ثم ولي اثنان من أبنائه نابت ثم قيدار، ويقال العكس، ثم ولي مكة بعد ذلك قبيلة جرهم.


جرهم:

كانت جرهم أول من سكن البيت الحرام بعد إسماعيل وكان إسماعيل عليه السلام قد تزوج بنت سيدهم مضاض بن عمرو الجُرهمي، فانتقلت زعامة مكّة إلى جُرهم وظلّت في أيديهم حتى انتزعتها منهم خُزاعة. وكان سبب تغلب خزاعة على جُرهم وخروجهم من مكّة أن جُرهماً بغت على قَطُوراء وتنافست معها، وكانت قطوراء أبناء عم لجرهم، وكانوا يقيمون أسفل مكّة بأجياد، وجُرهم في أعلاها بقُعَيْقِعَأن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقُتل السَّمَيْدَع صاحب قطوراء، وتصالح الطرفان، واستقر الأمر لجرهم. ثم إن جرهماً بغت بمكّة، وظلمت من دخلها من غير أهلها، وأكلت مال الكعبة الذي يُهدى لها، الأمر الذي كان يغيظ العدنانيين ويثير حفيظتهم، فلما رأت ذلك خُزاعة ـ وكانت قد نزلت بمرِّ الظَّهران إثر خروجها من اليمن ـ استغلت الأمر، فقام بنو غُبْشَان منها بمعونة بطون من عدنان وهم بنو بكر بن عبد مَنَاة بن كِنانَة بمحاربة جُرهم حتى انتزعوا منها سدانة البيت وأخرجوها من مكّة واستولوا على حكمها في أواسط القرن الثاني للميلاد.

ولما لجأت جُرهم إلى الجلاء سدّوا بئر زمزم، ودرسوا موضعها، ودفنوا فيها عدة أشياء، قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مُضاض الجرهمي ـ وهو غير مُضاض الجرهمي الذي تزوج ابنته إسماعيل عليه السلام ـ بغزالي الكعبة وبحجر الركن الأسود فدفنهما في بئر زمزم، وانطلق هو ومن معه من جُرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكّة وملكها حزناً شديداً.


خزاعة:

تولت خزاعة أمر البيت الحرام بعد قبيلة جرهم، واستبدت غُبشان من خُزاعة بأمر مكّة دون بني بكر بن عبد مناة بن كِناة، إلا أنها تركت إلى قبائل مُضَر ثلاث وظائف هامة تعتبر من مظاهر السيادة إذ تخصّ مناسك الحج وشعائره.

الأولى: الدفع بالناس من عرفة إلى المزدلفة، والإجازة بهم يوم النَّفْر من مِنَى، وكان يلي ذلك بنو الغوث بن مُرّ من بطون إلياس بن مُضَر، وكانوا يُسمّون صُوفَه. قال ابن هشام: وإنما ولي ذلك الغَوْث بن مُرّ لأن أمّه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هي ولدت رجلاً أن تصدّق به على الكعبة عبداً لها يخدمها، ويقوم عليها، فولدت الغَوْث، فكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جُرهم، فولي الإجازة بالناس من عرفة؛ لمكانه الذي كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا.

ومعنى هذه الإجازة أن الناس كانوا لا يرمون يوم النَّفْر حتى يرمي رجل من صُوفَة، ثم إذا فزع الناس من الرمي، وأرادوا النفر من مِنىً أخذت صُوفَة بجانبي العَقَبة، فلم يَجُز أحد حتى يمرّوا، ثم يخلّون سبيل الناس. فلما انقرضت صوفة ورثهم بنو سعد بن زيد مَنَاة بن تَميم، وعلى رأسهم صفوان بن الحارث وبنوه من بعده حتى جاء الإسلام.

الثانية: الإفاضة من جَمْع ـ أي المزدَلِفة ـ غداة النحر إلى مِنى، وكان ذلك في بني عَدْوان من قَيْس عَيْلان الناس.

الثالثة: إنساء الأشهر الحرم، وكان ذلك إلى بني مالك بن كِنانَة، وهي وظيفة تتعلّق بتحديد الأشهر الحرم الأربعة التي يحرم فيها القتال ويسود الأمن والسلام. قال ابن إسحاق: وكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلّت منها ما أحلّ، وحرّمت منها ما حرّم، القَلَمَّس من كِنانَة، ثم قام بنوه من بعده، وكان آخرهم أبو ثُمامَة جُنَادَة بن عَوْف، وعليه قام الإسلام.

وكانت العرب إذا فرغت من حجّها اجتمعت إليه، فحرّم الأشهر الحرم الأربعة، فإن أراد أن يحلّ منها شيئاً أحلّ المُحرّم فأحلوه وحرّم مكانه صفراً فحرّموه ليواطئوا عدّة الأربعة الأشهر الحرم، فإن أرادوا الصدور قام فيهم، فقال: اللهم ! إني قد أحللت لهم أحد الصفرين؛ الصفر الأول ونسأت الآخر للعام المقبل.

واستمرت ولاية خُزاعَة على مكّة ثلاثمائة سنة، وفي عهدهم انتشر العدنانيون في نجد وأطراف العراق والبحرين، وبقي بأطراف مكة بطون قريش، وهم حُلُول وصِرْم، وبُيوتات متفرقون في قومهم من بني كِنانَة، وليس لهم من أمر مكة ولا البيت الحرام شيء حتى جاء قُصَيّ بن كِلاب.


قصي بن كلاب:

قصي بن كلاب الجد الخامس للرسول r، وهو أول من ولي أمر مكة من بني إسماعيل، إذ كانت بعد إسماعيل لجرهم فخزاعة، ويُذكر من أمر قُصَيّ بن كِلاب أن أباه مات وهو في حضن أمّه، ونكحت أمّه رجلاً من بني عُذْرَة، وهو ربيعَة بن حَرام، فاحتملها إلى بلاده بأطراف الشام، فحملت قصيّاً معها لصغره، وهو يومئذ فطيم، فسمّي قصيّاً لتقصيها به إلى الشام، وكان يُدعى زيداً، فلما شبّ قُصيّ رجع إلى مكّة، وكان واليها إذ ذاك حُلَيْل بن حُبْشيَّة من خُزاعة، فخطب قُصي إلى حُليل ابنته حُبَّى، فرغب فيه حُلَيل وزوّجه إيّاها، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزَّى، وعبد قُصَيّ، وتَخْمُر بنت قُصي، وبَرَّة بنت قُصي. فلما مات حُلَيل قامت حرب بين خُزاعة وقريش أدت أخيراً إلى تغلب قُصي على أمر مكّة والبيت.

وكان استيلاء قُصَيّ على مكّة والبيت في أواسط القرن الخامس للميلاد تقريباً، ومن ذلك الوقت صارت لقصي، ثم لقريش، السيادة التامة والأمر النافذ في مكّة، وصار الرئيس الديني بلا منازع لذلك البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة، إلا أنه قد أقرّ للعرب ما كانوا عليه، فأقرّ النّسأَة، وآل صَفْوان وعَدْوان ومُرَّة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب، لأنه كان يراه ديناً في نفسه لا ينبغي تغييره حتى جاء الإسلام، فهدم الله به ذلك كله.

ومازال فضل قريش يزداد بين القبائل حتى جاء عبد المطلب جدّ النبي r، الذي اشتهر بتجديد حفر بئر زمزم، وفي عهده خذل الله أَبرَهةَ الأشرم وصدّه عن مكّة والبيت الحرام، ونجت مكّة في أيامه من خطر الحبشة، فذاعت شهرته وقصدته القبائل من كافة أطراف الجزيرة.


أديان العرب

 

كانت العرب في الجاهلية على أديان ومذاهب، كان منهم من آمن بالله وآمن بالتوحيد، وكان منهم من آمن بالله وتعبّد الأصنام إذ زعموا أنها تقرّبهم إليه، وكان منهم من تعبّد للأصنام زاعمين أنها تنفع وتضر، وكان منهم من دان باليهودية والنصرانية، ومنهم من دان بالمجوسية، ومنهم من توقف فلم يعتقد بشيء، ومنهم من تزندق، ومنهم من آمن بتحكم الآلهة في الإنسان في هذه الحياة، وببطلان كل شيء بعد الموت، فلا حساب ولا نشر ولا كتاب، ولا كل شيء مما جاء في الإسلام عن يوم الدين.

ومذهب أهل الأخبار أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، دين الحنيفية والتوحيد، فكانوا يعبدون الله ويوحدونه، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظّاً مما ذكروا به فدخلت إليهم عبادة الأصنام، إلا أنهم بقي فيهم أصل التوحيد وعدة شعائر من دين إبراهيم، عليه السلام.


عبادة الأصنام:

كان زعيم مكة عمرو بن لُحَيّ الخزاعي، وكان قد نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبّه الناس، ودانوا له، ثم إنه خرج من مكّة إلى الشام، فرأى أهلها يعبدون الأصنام، ففتُن بها، فقدم معه بهُبل وجعله في جوف الكعبة، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه فأجابوه، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكّة لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم. وكان هُبَل ـ على ما يزعم ابن الكلبي ـ من عقيق أحمر وعلى صورة إنسان، وكانت يده اليمنى مكسورة، وأدركته قريش كذلك فجعلوا له يداً من ذهب. وقد روي عن النبي r أنه قال: «رأيتُ عَمْرو بن لُحَيِّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، فسأَلْتُهُ عمَّن بَيْني وبَيْنَهُ منَ الناسِ، فقال: هلَكُوا»

وقيل: إن عبادة الأصنام نشأت في قريش تدريجياً، فقد توصّلوا من تعظيم حجارة الحرم التي كانوا يحملونها معهم إذا ظعنوا من مكّة تعظيماً للحرم، ومحافظة على ذكراه، إلى أن صاروا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى تخلف الخلوف فنسوا ما كانوا عليه، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات.


الطواغيت:

واتخذت العرب إلى جانب الأصنام بيوتاً للعبادة يسمّونها الطواغيت، وهي بيوت تعظّمها كتعظيم الكعبة، وتهدي إليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، على أن هذه البيوت لا ترقى في المكانة إلى الكعبة، وتظل الكعبة عندهم سيّدتها لأنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده. وكان لهذه البيوت سَدَنة وحُجّاب يتولون أمرها ويرعون حرمتها ويخدمونها، وكانوا يزعمون أنهم ألسنة الأرباب الناطقة على سطح الأرض، فكان لهؤلاء السدنة مكانة كبيرة في قومهم، يبيّنون لهم الحلال والحرام وأوامر الأصنام وكيفية التقرّب إليها ومراسم عبادتها.


مناة:

مناة من أقدم أصنام العرب، كانت بالمُشَلَّل على ساحل البحر الأحمر بالقرب من قُدَيْد، ثم اتخذوا اللاَّت في الطّائف، ثم العُزَّى بوادي نخلة الشامية.

أما مَنَاة فكانت للأوس والخزرج وغسّان وأزْد شَنُوءَة ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على هيئة صخرة، وقد سمّيت بذلك لأن دماء النسائك كانت تُمنى عندها ـ أي تُراق ـ وقيل إنها صنم كانت منصوباً على ساحل البحر، وقد تكون الصخرة مذبحاً أقيم عند الصنم لتذبح عليها ما يهل للصنم فسمّي باسمها. وكانت القبائل العربية الأخرى تعظّمها كذلك وفي جملتها قُريش وهُذَيْل وخُزاعة، أما سدنتها فالغطاريف من الأزد.


العزَّى:

العُزَّى من الآلـهة التي عبدها العرب عامَّة وقريش خاصّة، وهي أحدث من اللاَّت ومَناة، وكانت رفيعة المنزلة عندهم، وكانت ـ كما يذكر الأزرقي ـ ثلاث شجرات سَمُرات، وكان في كل واحدة شيطان يُعبد، وقد بنوا فوقها بيتاً للعبادة، وادّعوا أن أصواتاً تخرج من داخله ويسمعها المتعبّدون. وقيل بل كانت العُزّى صنماً له بيت، وأمامه خزانة يضع فيها الناس هداياهم ونذورهم لها، كما كانوا ينحرون لها، وأما الشجرات فإنها شجرات مقدسة أيضاً لأنها في حرم العُزَّى. وكان سدنتها من سُلَيم حلفاء بني هاشم.

ثم كثر الشرك وكثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز، ويُذكر أن عمرو بن لُحَي كان له رئي من الجنّ فأخبره أن أصنام قوم نوح: وَدّاً وسُواعاً ويَغُوث ويَعُوق ونَسراً مدفونة بجُدّة، فأتاها، فاستخرجها، ثم أوردها إلى تِهامَة، فلما جاء الحجّ دفعها إلى القبائل، فذهبت بها إلى أوطانها. فكان وَدّ لكَلْب بن وَبْرة من قُضاعة بدُوْمَة الجندل، وسُواع لـهُذَيْل بن مُدْرِكَة بن إلياس برُهاط من أرض يَنْبُع، ويَغُوثَ لأَنعم من طيّئ وأهل جُرَش ومذحج في جُرْش أو قربها، ويَعوق لخيْوَأن بطن من هَمْدَان بأرض همدان من اليمن، ونَسْر لذي الكُلاع بأرض حِمْيَر.

وهكذا انغمس العرب في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص.


الأزلام:

كانت العرب تستقسم بالأزلام، والزَّلَم: القِدْح الذي لا ريش عليه. وكانت الأزلام ثلاثة أنواع: نوع فيه نعم ولا، كانوا يستقسمون بها فيما يريدون من العمل من نحو السفر و النكاح وأمثالهما، فإن خرج: نعم، عملوا به، وإن خرج: لا، أخّروه ذلك العام حتى يأتوه مرة أخرى. ونوع فيه المياه والدَّيَة، فإن أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به، وكذا إذا اختلفوا في الدِّية من يحملها منهم ضربوا بالقداح، فإن خرجت الدية فعلى من خرجت حملها. ونوع فيه: منكم أو من غيركم أو مُلْصَق، فكانوا إذا شكّوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هُبَل، وبمائة جَزُور، فأعطوها صاحب القِداح، فإن خرج: منكم، كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفاً، وإن خرج عليه: مُلْصَق، كان على منزلته فيهم، لا نسب ولا حلف.

ويقرب من هذا الْمَيسِر والقِداح، وهو ضرب من ضروب القمار، وكانوا يقتسمون به لحم الجزور التي يذبحونها بحسب القداح.


الكهانة:

كان الجاهليون من العرب يؤمنون بأخبار الكهنة والعرّافين والمنجّمين. والكاهن: هو من يتعاطى الإخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدّعي معرفة الأسرار. ومن الكهنة من يزعم أن له تابعاً من الجنّ يلقي عليه الأخبار، ومنهم من يدّعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدّعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمّى عرّافاً، كمن يدّعي معرفة المسروق ومكان السرقة الضالة ونحوهما. والمنجم من ينظر في النجوم، أي الكواكب ويحسب سيرها ومواقيتها ليعلم بها أحوال العالم وحوادثه التي تقع في المستقبل. والتصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجوم، وكان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.


الطيرة:

كان من شعائر الجاهلية عند العرب الطَّيَرَة، وهي التشاؤم بالشيء، وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا وعدّوه حسناً، وإن أخذ ذات الشمال انتهو عن ذلك وتشاءموا. وكانوا يتشاءمون كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقهم.

ويقرب من هذا تعليقهم كعب الأرنب، والتشاؤم ببعض الأيام والشهور، والحيوانات والدور والنساء، والاعتقاد بالعدوى، والهامة، فكانوا يعتقدون أن المقتول لا يسكن جأشه ما لم يؤخذ بثأره، وتصير روحه هامة، أي بومة تطير في الفَلَوات وتقول: اسقوني، اسقوني، فإذا أخذ بثأره سكن واستراح.

عبادة الملائكة والنجوم في الجاهلية:

كان للعرب ـ شأن كل أمّة مشركة في كل زمان ومكان ـ آلـهة شتى من الملائكة والجنّ والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم، ويتوسّلون بهم عند الله. وعبدوا كذلك الجنّ وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم. قال تبارك وتعالى: {قالوا سُبْحانَكَ أنتَ وَلَيُّنَا مِن دونِهِم بلْ كانُوا يَعبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُم بهم مُؤْمِنُون}ـ سبأ(41) ـ. وفي القرآن الكريم أنهم جعلوا بين الله سبحانه وبين الجِنّة نسباً: {وجَعَلوا بَينَهُ وبينَ الجِنَّةِ نسَباً، ولقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهُم لَمُحْضَرونَ}ـ الصافات(158) ـ، وأنهم جعلوا الجن شركاء له سبحانه وتعالى: {وجعَلوا للهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُم وخَرَقُوا لهُ بَنِيْنَ وبَنَاتٍ بغيرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتعالَى عمَّا يَصِفُونَ}ـ الأنعام(100) ـ وفي بني مليح من خزاعة الذين كانوا يعبدون الجنّ نزل قوله جلّ وعلا: {إنَّ الذينَ تدعونَ من دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمثالُكُم}ـ الأعراف(194) ـ، وكانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدَّبَران، ولَخْم وجُذام المشتري، وطيّىء سهيلا، وقيس الشِّعْرى العبور، وأسد عُطارِداً.


اليهودية في جزيرة العرب:

وجدت اليهودية سبيلها إلى الجزيرة عن طريق المهاجرين اليهود الذين تركوا الأرض الفلسطينية وذلك في زمنين:

الأول: إثر تخريب بلادهم وتدمير هيكلهم على يد الملك بختنصر سنة 587ق.م، فهاجر قسم منهم من فلسطين إلى الحجاز واستوطن في ربوعها الشمالية.

الثاني: إثر احتلال الرومان لفلسطين بقيادة بنطس سنة 70م، فقد نشأ من ضغط الرومان على اليهود، وعن تخريب الهيكل وتدميره أن قبائل عديدة من اليهود رحلت إلى الحجاز، واستقرت في يَثرِب وخَيْبَر وتَيْمَاء وفدك، وأنشأت فيها القرى والحصون والقلاع.

فعن طريق هؤلاء المهاجرين انتشرت الديانة اليهودية بين بعض العرب، وأصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور الإسلام. وحينما جاء الإسلام كانت القبائل اليهودية المشهورة في يثرب هي: قَيْنُقاع، والنَّضير، وقُرَيْظَة. أما مكّة المكرمة فلم يستوطنها إلاّ عدد قليل من اليهود، ولم يكن لهم معبد ولا حيّ خاص بهم، ولذلك فقد كان مشركو مكّة يذهبون إلى يثرب ليسألوا أحبار اليهود عن النبي r .

ودخلت اليهودية اليمن من قبل أبي كَرب تُبان أسعد، فإنه ذهب مقاتلاً إلى يثرب فاعتنق هناك اليهودية، وجاء بِحَبْرَيْن من بني قريظة إلى اليمن، فأبطل الأوثان، وأخذت اليهودية في التوسع والانتشار فيها، ولما ولي ابنه يوسف ذو نواس اضطهد النصارى من أهل نجران، فلما أبوا ترك دينهم خدّلهم الأخدود وأحرقهم بالنار، وذلك في سنة 523م.

وقد كان لليهودية كدين أثر في يثرب وما حولها وفي كل الأماكن التي أقاموا فيها، ومع أن هذا التأثير لم يكن بالغاً إلاّ أنه كان ملحوظاً وواضحاً. فقد أدخلت اليهودية على عقائد العرب تغييرات هامة، من حيث البعث والثواب والعقاب، جعلتهم يستعدّون لقبول الإسلام ديناً بدلاً من الوثنية التي لم تستطع إشباع رغبات العقلاء والمستنيرين من العرب.


النصرانية في جزيرة العرب:

وجدت النصرانية طريقها إلى بلاد العرب عن طريق الأحباش والرومان، فقد احتلت الحبشة اليمن أول مرة سنة 340م واستمر إلى سنة 378م. وفي ذلك الزمان دخل التبشير النصراني في ربوع اليمن.

ولما احتلت الحبشة اليمن مرة ثانية كرد فعل ذو نواس وتمكن أبْرَهَة من حكمها، أخذ ينشر النصرانية فيها بأوسع نطاق، حتى بلغ من أمره أن بنى القُلَّيْس باليمن، وأراد أن يصرف حج العرب إليها ويهدم الكعبة، بيت الله، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى.

وقد كان أهم موطن للنصرانية في نجران. وفي رواية ابن إسحاق، أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراهما قريباً من نجران ساحر يعلّم غلمان أهل نجران السحر، وكان أحد رجال نجران واسمه الثامر يرسل ابنه عبد الله مع غلمان أهل نجران إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فكان يمر على صاحب خيمة بين نجران وتلك القرية، وقد أعجبه ما رآه من صلاته وعبادته وتقواه، فجعل يجلس  إليه ويسمع منه حتى دخل في دينه، وصار يدعو إليه بين أهل بلده. فمن ثم انتشرت النصرانية في نجران، وظهرت على الوثنية.

وقد اعتنق النصرانية العرب الغساسنة وقبائل تَغْلِب وطيّىء وقُضاعة وغيرها لمجاورتهم الرومان، بل قد اعتنقها بعض ملوك الحيرة أيضاً.

كما وجدت النصرانية لها سبيلاً إلى اليمامة فانتشرت هناك، وكان حاكمها هَوْذَة بن عليّ الحنفي عند مبعث رسول الله r نصرانياً. ودخلت النصرانية أيضاً إلى البحرين وقطر وبعض جزر الخليج العربي، ومن رجال البحرين النصارى الجارود بن عمرو الذي قدم على النبي r فأسلم.


المجوسية:

المجوسية ديانة منحرفة تنسب إلى زرداشت الفارسي، وكانت صورتها المنتشرة في جزيرة العرب قبل الإسلام هي عبادة النار، وكان معظم أتباعها في بلاد العرب من الفرس الذين كانوا يقيمون في اليمن واليمامة والبحرين وعُمان. وفي روايات أهل الأخبار ما يفيد بتمجس بعض العرب، فورد أن زُرارَة بن عدس وابنه حاجب بن زُرارة، وهما من سادات تميم، كانا قد اعتنقا المجوسية، واعتنقها أيضاً الأَقْرَع بن حابِس، ورجال من اليمن في زمن الاحتلال الفارسي لها. فلما ظهر الإسلام اعتنقه الفرس في اليمن، ونبذوا المجوسية، أما مجوس البحرين فبعضهم أسلم وبعضهم دفع الجزية ممن فضّل البقاء على دينه.


الصابئة:

دلّت الحفريات والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أن الصابئية كانت ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم، عليه السلام، وقد دان بها كثير من أهل الشام وأهل اليمن في غابر الزمان، وبعد تتابع الديانتين اليهودية و النصرانية تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس أو مجاورين لهم في العراق وعلى شواطئ الخليج العربي.


الحنيفية:

الحنيفية تسمية أطلقت على أولئك الذين اتبعوا شريعة إبراهيم عليه السلام وحافظوا على التوحيد في صفائه، وقد كان يدين بها أفراد معدودون، لم تعجبهم ديانة قومهم الوثنية، ورأوا أن هذه الديانة لا توصل إلى الله، فالتجؤوا إلى ديانة إبراهيم، عليه السلام، الذي كان حنيفاً يوحّد الله ويعبده، فاعتنقوها، فسمّوا بالحنفاء وكان من أشهرهم أمية بن أبي صلت وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الإيادي وغيرهم، لكن لم يشكل هؤلاء في أي فترة من فترات تاريخ الجزيرة فئة أو جماعة كبرى لعبت دوراً في تاريخها الديني، أو كان لها وجود ديني مؤثر.


واقع هذه الديانات عند البعثة:

انتشرت في جزيرة العرب في الديانات قبل البعثة اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة والوثنية، تلك هي أديان العرب التي جاء الإسلام وهم عليها، وقد أصابها الانحلال والبوار، فالمشركون الذين كانوا يدّعون أنهم على دين إبراهيم، عليه السلام، كانوا بعيدين عن أوامر ونواهي شريعته، مهملين ما أتت به من مكارم الأخلاق، فكثرت معاصيهم، ونشأ فيهم على مرّ الزمان ما ينشأ في الوثنيين من عادات وتقاليد تجري مجرى الخرافات، وأثّرت في الحياة الاجتماعية والسياسية تأثيراً بالغاً.

أما اليهودية فقد أصبحت مجموعة من طقوس وتقاليد لا روح فيها ولا حياة، وتسربت إليها معتقدات خرافية ووثنية، وعمّ التهاون بالتعاليم التي حضّ الله تعالى عليها وأمر كل فرد بتقديسها، وصار هم رؤسائها الحظوة بالمال والرياسة وإن ضاع الدين.

وأما النصرانية فقد امتحنت بتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، ووثنية الرومان المتنصرين، وأصبح كل ذلك ركاماً، دُفنت تحت تعاليم المسيح عليه السلام البسيطة، واختفى نور التوحيد وإخلاص العبادة لله وراء هذه السحب الكثيفة. ولم يكن لهذه الديانة في نفوس العرب الذين دانوا بها تأثير حقيقي، لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها ولم يكونوا يستطيعون الابتعاد عنها.

وأما المجوس فقد كانت لهم آداب وشرائع دقيقة، فانقرضت كل عقيدة وديانة غير عبادة النار وتقديس الشمس، وأصبحت الديانة عندهم عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصة، أما خارج المعابد فكانوا أحراراً يسيرون على هواهم، وما تملي عليهم نفوسهم، وأصبح المجوس لا فرق بينهم وبين من لا دين لهم ولا خلاق في الأعمال والأخلاق.

وأما سائر الأديان التي كانت منتشرة في بلاد الغرب وفي العالم كله قبيل ظهور الإسلام، فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين، فقد تشابهت قلوبهم، وتواردت عقائدهم، وتوافقت تقاليدهم وعوائدهم.


واقع الجزيرة العربية قبل البعثة

الحالة الاقتصادية في الجزيرة العربية قبل البعثة:

وتشمل الزراعة والرعي والتجارة والصناعة، أما الزراعة فكانت محدودة بسبب طبيعة أرض الجزيرة الصحراوية، فاشتهرت بها بلاد اليمن والطائف ويثرب، ومن أشهر المزروعات: الفواكه في الطائف، والنخيل في المدينة، والقمح في اليمن.

وأما الصناعة فكان العرب أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد عند العرب من الحياكة والدباغة والنجارة وصناعة الحديد والآلات الحربية واستخراج المعادن وغيرها كانت في أهل اليمن بالدرجة الأولى ثم في الحيرة ومشارف الشام. وقد اشتهرت مدينة جُرَش في اليمن بصناعة الدبابات والمجانيق؛ فكان بعض العرب يقدمون إليها لتعلمها، منهم أهل الطائف.

وقد لعب الرقيق والموالي دوراً كبيراً في أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب، كما استغل اليهود في يثرب أنفة العرب الصرحاء من الاشتغال بالحدادة فاحتكروها لأنفسهم، وربحوا منها ريحاً طيباً، وذلك بإنتاجهم الأدوات والآلات الزراعية وبعضهم الأسلحة اللازمة لكل إنسان لحماية نفسه، مثل صنع السيوف والخناجر والدروع، وقد سلّحوا أنفسهم بها، كما باعوا منتوجهم من غيرهم.

وأما التجارة فكانت أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة، وأكبر مصدر للثروة عند العرب. وقد أشرنا سابقاً إلى النشاط التجاري في اليمن عند الحديث عن الحكم فيها، ولما وقعت اليمن تحت وطأة الاحتلال الحبشي ثم الفارسي تقلص نشاطها التجاري تقلصاً كبيراً، ومن ثم استطاع أهل مكة ـ ولعوامل متعددة ـ احتكار تجارة اليمن والشام وغيرهما.

وللعرب أسواق كانوا يقيمونها شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض، ويحضرها سائر العرب بما عندهم من حاجة إلى بيع وشراء، وتقع هذه الأسواق في مواضع مختلفة متناثرة من جزيرة العرب، ومن أشهرها: عُكاظ وذو المجاز ومَجَنَّة في منطقة مكّة، وحُباشَة بمنطقة تِهامَة، وسوق عدن، وسوق الرابية بحضرموت. وكانت سوق عكاظ أعرفها لأنها سوق تجارة وسوق سياسة وسوق أدب، فيها كان يخطب كل خطيب مصقع، وفيها علّقت القصائد السبع الشهيرة افتخاراً بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل على ما يذكره بعض أهل الأخبار.


الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب بشكل عام:

ونعني بالحالة الاجتماعية علاقة العربي بزوجته وأولاده وبني عمّه وعشيرته، وعلاقة القبائل المختلفة بعضها ببعض، ومكانة المرأة في المجتمع العربي الجاهلي، وأهم ملامح هذا المجتمع.

أما عن علاقة الرجل بأهله، فقد كانت تختلف باختلاف أوساط العرب بعضها عن بعض، فكانت علاقة الرجل مع زوجته في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي، وكان للمرأة من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، وكانت محترمة مصونة، تُسلّ دونها السيوف، وتُراق الدماء، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بماله في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلاّ المرأة، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال. ومع هذا فقد كان  الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة، وصاحب الكلمة فيها، وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها ولم يكن من حقّها أن تفتات عليهم.


النكاح في الجاهلية

كان هناك أنواع من النكاح لا نستطيع أن نعبّر عنها إلاّ بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وَلِيَّته أو ابنته فيصدِقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها أبداً حتى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمّى نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تُسمّي من أحبّت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل. ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كنّ ينصبن على أبوابهنّ رايات، تكون علماً، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القَافَة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالْتَاط به ودُعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمّد r بالحقّ هدم نكاح الجاهلية كلّه إلاّ نكاح الناس اليوم.

وأشار أهل الأخبار إلى وجود أنواع أخرى من النكاح، الغالب عليها سقوط الصداق والخطبة منها، وهي نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة. وقد كان هذا النوع من الزواج معروفاً عند ظهور الإسلام، وقد أشير إليه في القرآن الكريم: {فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضةً، ولا جُناح عليكم فيما تراضيتم به من بعدِ الفريضةِ إن الله كان عليماً حكيماً}ـ النساء(24) ـ ومن دوافع حدوث هذا الزواج التنقل والأسفار والحروب. وينسب أولاد المتعة إلى أمهاتهم في الغالب، وذلك بسبب اتصالهم المباشر بالأمّ، ولارتحال الأب عن الأمّ في الغالب إلى أماكن أخرى قد تكون نائية، فتنقطع الصلات بين الأب والأم، ولهذا يأخذ الأولاد نسب الأمّ ونسب عشيرتها.

ونكاح البدل: وهو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فهو زواج بطريق المبادلة بغير مهر.

ونكاح الشِّغار: وهو أن يزوِّج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوّجه الآخر ابنته أو أخته ليس بينهما صداق.

وقد أباح الجاهليّون للرجل تعدد الزوجات، والجمع بين أي عدد شاء من الأزواج دون تحديد. أما الاكتفاءُ بامرأة واحدة أو باثنتين أو أكثر، فذلك أمر خاص يعود إليه. كما كان للرجل امتلاك أي عدد يشاء من الإماء، وتكون الأَمَة ملكاً للرجل وليس لها حقوق الزوجة إلا إذا أعتقها مالك رقبتها وتزوّجها، فعندئذ تكون له زوجة بمحض قرار الرجل وإرادته.

وكان أهل الجاهلية يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوّجون بزوجة آبائهم إذا طلّقوها أو ماتوا عنها. ويسمّى الذي يخلف على امرأة أبيه الضيزن.


الطلاق في الجاهلية

وكان الطلاق عند الجاهليين ثلاثاً، فإذا طلّق الرجل واحدة واثنتين فامرأته تظلّ له، إلاّ إذا طلّقها ثلاثاً فلا سبيل له عليها.

وهناك نوع آخر من الطلاق يسمّيه أهل الأخبار بالظِّهار، بأن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أميّ أو كظهر أختي أو عمّتي وما شابه ذلك. وقد أشير إليه في القرآن الكريم: {الذين يظاهِرونَ مِنكُم من نسائهم ما هنَّ أمّهاتهم إنْ أمّهاتُهُم إلاّ اللائي ولدنَهُم، وإنَّهم ليقولون مُنكراً من القول وزوراً}ـ المجادلة(2) ـ وهو طلاق يظهر أنه كان شائعاً فاشياً بين الجاهليين، سبب انتشاره التسرع والتهور وعدم ضبط النفس والانفعالات العاطفية، فإذا تخاصموا مع المرأة أو أقربائها، أقسموا يـمين الظّهار. وقد كان هذا اليمين من أيمان الجاهلية خاصة.

وأشار أهل الأخبار إلى نوع آخر من أنواع الطلاق ذكروا أنه كان من طلاق الجاهلية سمّوه الإيلاء، وهو القَسم على ترك المرأة مدة، مثل شهور أو سنة أو سنتين أو أكثر، لا يقترب في خلالها منها. وقد منع الإسلام التربص مدة تزيد على أربعة أشهر، وجعله طلاقاً مؤجلاً.


واقع المرأة في الجاهلية

كانت المرأة، في الأوساط العامّة من المجتمع الجاهلي، عرضة غبن وحيف، تُؤكل حقوقها، وتُبتز أموالها، وتحرم إرثها، وتُعْضَل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتُورث كما يورث المتاع أو الدّابّة. فكانت إحداهن إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء أعضلها فمنعها من غيره ولم يزوّجها حتى تموت. وظل هذا شأن الجاهليين إلى أن نزل الوحي بتحريم ذلك.

كما كانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها، يؤخذ مما تؤتى من مهر، وتُمسك ضراراً للاعتداء، وتلاقي من بعلها نشوزاً وإعراضاً، وتترك في بعض الأحيان كالمعلّقة، ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرّم على الإناث.

وكان الزنى شائعاً في جميع الأوساط، لا نستطيع أن نخصّ منها وسطاً دون وسط، إلاّ أفراداً من الرجال والنساء ممن كان تعاظم نفوسهم يأبى الوقوع في هذه الفاحشة. فكان من العادات أن يتّخذ الرجل خليلات ويتّخذ النساء أخلاّء بدون عقد، لكن كانت الحرائر أحسن حالاً من الإماء، والطامّة الكبرى هي الإماء، فكان أولياؤهم يكرهونهنّ على الزنى يأخذون أجورهنّ.


وأد البنات في الجاهلية

تعددت انحرافات العرب في الجاهلية فيما يتعلق بعلاقة الرجل بأولاده فكانت على أنواع شتى، فمنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو سوداء أو برصاء أو عرجاء تشاؤماً بهذه الصفات. ويذكر الأخباريون أن الوأد كان مستعملاً في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام وقد قلّ ذلك فيها إلاّ من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام. وقبيلة كِنْدَة وقَيْس وهُذَيْل وأَسَد وبَكْر بن وائل من القبائل التي عُرف فيها الوأد، وخُزاعة وكِنانة ومُضَر، وأشدّهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهم.

ومن أسباب الوأد إضافة إلى الفاقة وخشية لحوق العار بالإنسان من السبي هو اعتقاد بعض العرب أن الملائكة بنات الله، فيجب إلحاق البنات بالبنات.

وورد أن الجاهليين كانوا يدفنون البنات وهنّ أحياء، خصوصاً كِنْدة، وقد يتأخر في بعض الأحيان وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل، وقد حُكي في ذلك المبكيات. روي أن رجلاً أتى النبي r فقال: يا رسول الله ! إنّا كنّا أهل جاهلية وعبادة أوثان، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، تجيبني كلما ناديتها وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يوماً فاتّبعتني، فمررت حتى أتيت بئراً من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فَردَيْت ـ رميت ـ بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه، يا أبتاه. فبكى رسول الله r حتى وَكَف ـ سال ـ دمع عينيه.

وورد في القرآن الكريم ما يشير إلى قتل بعض الجاهليين أولادهم خشية الإملاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، فكان يشتريهم بعض سراة العرب وأشرافهم. وفيهم نزل قوله عزّ وجلّ: {ولا تَقْتُلوا أولادَكم خشيَة إملاقٍ نحنُ نرزقهُم وإيّاكم إنَّ قتلهُم كان خِطئاً كبيراً}.


الميراث في الجاهلية

كان من عادة العرب ألاّ يورّثوا البنات ولا النساء ولا الصبيان شيئاً من الميراث، ويعتبرون أن حقّ الإرث محصور بالذكور الكبار، على أن يكونوا ممن يركب الفرس ويحمل السيف؛ أي يطيق القتال.


العصبية القبلية في الجاهلية

كانت معاملة الرجل لأخيه وأبناء عمّه وعشيرته، في الجاهلية موطّدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون لها. وكانت روح الاجتماع سائدة بين أبناء القبيلة الواحدة، وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل القائل: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) على المعنى الحقيقي من غير التعديل الذي جاء به الإسلام من أن نصر الظالم كفّه عن ظلمه. إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد، أو التسابق على موارد الماء ونبات الكلأ كثيراً ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد، كالحروب التي وقعت بين الأوس والخزرج، وغيرهما. وكان للشعر أثر كبير في تأجيج نيران العداوة بين القبائل العربية بتعداد المآثر والمفاخر لقوم ودفع نظرائهم عنها.


العلاقات العامة في الجاهلية

وأما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تماماً، وكانت قواهم منهكة في الحروب. فإذا قتل رجل من قبيلة فرداً من قبيلة أخرى، فإن الأخذ بالثأر يصبح لزاماً على أفراد قبيلة المقتول، فيحق لكل منهم أن يقتل من يصادفه من أفراد قبيلة القاتل. ومن الواضح تبعاً لذلك أن قتل شخص من قبيلة كان يستدعي حروباً طويلة، قد تمتد عدة سنوات لتعدد الأخذ بالثأر، ولم يكن يطفئ الدم إلا سفك دم جديد.

يقول الأستاذ الندوي حول ذلك: (هانت عليهم الحرب وإراقة الدماء حتى كانت تثيرها حادثة ليست بذات خطر، فقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة، وما ذلك إلا لأن كُلَيباً ـ رئيس مَعَدّ ـ رمى ضرع ناقة البَسُوس بنت مُنْقِذ فاختلط دمها بلبنها، وقتل جساس بن مُرَّة كليباً، واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب، وكان كما قال المُهَلْهَل أخو كليب: (قد فني الحيّان وثكّلت الأمهات ويُتّم الأولاد، دموع لا ترقأ وأجساد لا تدفن).

كذلك حرب داحس والغبراء، فما كان سببها إلا أن داحساً فرس قيس بن زُهير كان سابقاً في رهان بين قيس بن زهير وحُذَيفة بن بدر، فعارضه أسديّ بإيعاز من حذيفة فلطم وجهه وشغله، ففاتته الخيل، وتلا ذلك قتل ثم  أخذ بالثأر ونصر القبائل لأبنائها، وأسر ونزح للقبائل، وقتل في ذلك ألوف من الناس) من عبس وذُبْيان ابني بَغيض بن ريث بن غطفَان.


التفاوت الطبقي في الجاهلية

كانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها وامتيازاً، فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة حتى في بعض مناسك الحج، فلا تقف بعرفات وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة، وكان النفوذ والمناصب العليا والنسيء متوارثاً، يتوراثه الأبناء عن الآباء كما مضى ذكره، وكانت طبقات مترفة مُسخّرة وطبقات سوقة وعوام فقيرة معدمة، فكان التفاوت الطبقي من مسلّمات المجتمع الجاهلي، فقد كان بينهم رجال متخمون شبعون، سكنوا بيوتاً حسنة، زيّنوها بأثاث جيد وثير، ولبسوا ملابس الحرير والألبسة الجيدة المستوردة من بلاد الشام واليمن، وأكلوا أكلات الأعاجم وتفننوا في الطبخ، وشربوا بآنية من ذهب وفضة وبلور، وساهموا في قوافل تجارة مكّة الجماعية، كما كانت لهم قوافل خاصة بهم تأتي إليهم بأرباح طيبة، ومنهم من استثمر ماله بامتلاك الأرض لاستغلالها، كما فعلوا بالطائف، ومنهم من استغل ماله بالربا وكانوا يجحفون فيه ويبلغون إلى حد الغلو والقسوة، إلى غير ذلك من وسائل اتبعوها في جمع المال.

وكان معظم العرب فقراء مدقعين لم يملكوا من حطام هذه الدنيا شيئاً، وكانت حالتهم مزرية مؤلمة. فكان منهم من لا يستطيع أكل الخبز لغلائه بالنسبة لهم، ولا يستطيع شراء الملابس ليلبسها، فيستر جسمه بالأسمال البالية وبالجلود، ويعيش متضوراً جوعاً.

ومما زاد في فقر بعضهم شرب الخمر والمقامرة، فكان بعضهم يفني ماله في شرب الخمر، وكان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سليباً، ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاً. فعلوا ذلك أملاً في التخلص من ألم الفقر والحرمان باللجوء إلى الخمور لطمس ألم الفقر والذلّ، وإلى القمار أملاً في الكسب والربح، فزادوا بذلك فقرهم، وعرّضوا أنفسهم إلى الخسارة.


العلوم والآداب في الجاهلية

العرب من الشعوب التي عرفت الكتابة ومارستها قبل الإسلام بزمان طويل، بل عرفوا الكتاب قبل الميلاد ببضع مئات من السنين. فقد كان بينهم من يحسن الكتابة والقراءة، إلا أن السواد الأعظم منهم كان يجهل الكتابة والقراءة قبيل الإسلام. ولم يكن العرب يعنون بتعليم أطفالهم الكتابة والقراءة، إنما كان الرجل منهم يشعر بالحاجة إلى ذلك فيتعلمها. فكان منهم من يقرأ ويكتب بالقلم الذي دوّن به القرآن الكريم، فصار القلم الرسمي للإسلام، بفضل تدوين الوحي به. كما كان بينهم من يكتب بقلم النبط وبقلم بني إرم، وكان بينهم من يكتب ويقرأ بقلمين أو أكثر، منهم وَرَقَة بن نَوْفَل الذي كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب.

وقد كان للديانتين اليهودية والنصرانية فضل كبير على أهلهما في نشر الكتابة والعلوم بينهم، إذ صارت معابدهم مدارس يتعلم فيها الناس أصول ديانتهم ومبادئ المعرفة والكتابة والقراءة لمن يرغب من الأطفال.

ولم يحل عدم انتشار التعليم في بلاد العرب في الجاهلية دون قيام نهضة أدبية في خلال ذلك العصر، وليس أدل على تلك النهضة من ازدهار الشعر الذي يكون صورة صادقة لنواحي الحياة. ولا يغيب عن الأذهان ما كان لاجتماع الشعراء في مكّة وفي سوق عكاظ من أثر في حياة العرب الأدبية.

وقد كان في العرب أطباء عالجوا المرضى بالسحر وبالأدعية، أو بالأدوية التي أخذوها عمن سبقهم ومن تجاربهم الخاصة، وقد شاع استعمالهم للكي والبتر والفصد والحجامة. واشتغلت النساء بالمعالجة والتطبيب أيضاً، فكان الجاهليون يستعينون بالنساء لتمريض الجرحى في غزوهم وغاراتهم.

أما العلوم التي حذقها العرب بحكم البيئة التي نشأوا فيها وطبيعة البلاد التي درجوا على أرضها فهي علم الأنواء. فكانوا أصحاب عناية ودراية في تتبع الأنواء وتعرّف أوقات نزول الغيث.

واتخذ الجاهليون النجوم دليلاً لهم يهتدون بها في ظلمات البر والبحر، وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم: {وَهُوَ الذي جَعَل لكمُ النُّجومَ لتهتَدوا بِها في ظُلُماتِ البَرّ والبَحْرِ}ـ الأنعام(97) ـ

وكان العرب مثل غيرهم من الشعوب يلجأون إلى المتفرسين في دراسة الأجرام السماوية لمعرفة الأمور الخافية عليهم من حاضر ومستقبل، وذلك بالاستدلال عليها من ظواهر الكواكب والنجوم. والكهّان هم المتخصصون بهذه المعرفة عند الجاهليين.

وقد مهر العرب في علم الأثر، فكانت لهم دراية خاصة بمعرفة آثار الأقدام، وساعدهم على ذلك تلك الصحراء المغطاة بالرمال التي تنطبع فيها آثار الأقدام بسهولة.

كما مهروا في علم الأنساب؛ فقد كان يسكن جزيرة العرب قبائل متعددة، ومن ثم دفعتهم الحاجة الملحة إلى أن يحفظوا أنسابهم التي يعتمدون عليها في عقد محالفاتهم أو في شنّ الغارات على أعدائهم أو المنافسة على مركز الرياسة فيهم. إلى غير ذلك من العلوم التي تنشأ في مثل هذه البيئة والتي هي أولى بأن يطلق عليها مجموعات من المعارف من أن تكون علوماً بالمعنى الذي نعرفه.


الأخلاق:

لا ينكر أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان، منشؤها جميعاً فساد العقيدة، فكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم، وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهلية، بل كان عدم المشاركة في مجالس القمار عاراً، وقد رسخ فيهم الربا وجرى مجرى الأمور الطبيعية، وفشا فيهم الزنى حتى كان غير مستنكر استنكاراً شديداً ـ كما سبق أن ذكرنا ـ ممّا جعل منهم أمّة منحطة الأخلاق، متضعضعة الكيان، وحاوية لأسوأ خصائص الحياة الجاهلية، وقد وُجد الظلم والقسوة، وغمط الناس، وبطر الحق، وأكل أموال الناس بالباطل.

ولا تصوير للحياة الخلقية التي كان يعيشها أهل الجزيرة بصفة عامة وأمل مكّة بصفة خاصة، أبلغ وأصدق من تصوير جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، للحياة العربية والأخلاق الجاهلية أمام النجاشي ملك الحبشة، وقد جاء فيه: (أيها الملك ! كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منّا الضعيف).

لكن رغم ذلك امتاز العرب، بين أمم العالم وشعوبه، في العصر الجاهلي بأخلاق ومواهب تفرّدوا بها، كالفصاحة، وقوة البيان وحبّ الحرية، والفروسية، والشجاعة، والصراحة في القول، وجودة الحفظ، وقوة الذاكرة وما إلى ذلك، وكانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروّع الإنسان ويفضي به إلى الدهشة والعجب. وتجد تلك الأخلاق في مواد مستقلة.


الكرم عند العرب

كان العرب يتبارون في الكرم، وقد استنفذوا فيه نصف أشعارهم بين ممتدح به ومثنٍ على غيره. كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع، وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فتأخذه نخوة الكرم فيقوم إليها ويذبحها لضيفه. ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحمّلون الديات الهائلة، يكفون بذلك سفك الدماء، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات.


الوفاء بالعهد عند العرب

كان العهد عند العرب ديناً يتمسّكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة وفاء هانئ بن مسعود الشيباني لودائع النعمان والتي كانت سبباً في وقعة ذي قار.


عزة النفس عند العرب

كان من صفات العرب عزّة النفس والإباء عن قبول الخسف والضيم، وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة، وشدة الغيرة، وسرعة الانفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمّون منها رائحة الذلّ والهوان إلاّ قاموا إلى السيف والسنان، وأثاروا الحروب العوان، وكانوا لا يبالون بالتضحية بأنفسهم في هذا السبيل. يدل على ذلك ما ذكره المؤرخون العرب من سبب قتل عمرو بن كلثوم الفارس المشهور والشاعر الفحل لعمرو بن هند ملك الحيرة، فقد ذكروا أن عمرو بن هند ملك الحيرة أرسل إلى عمرو بن كلثوم يستضيفه ويسأله أن يزير أمّه، فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بين تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه، فضرب فيما بين الحيرة والفرات، ودخل عليه عمرو بن كلثوم في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق، وقد كان عمرو بن هند أمر أمّه أن تنحي الخدم إذا دعا بالظرف، وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة، ثم دعا بالظرف فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق ! فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحت، فصاحت ليلى: واذلاه يا لتغلب، فسمعها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه، ووثب إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرواق، فضرب به رأس عمرو بن هند، وانتهب بنو تغلب ما في الرواق وساروا نحو الجزيرة، وقال في ذلك عمرو بن كلثوم قصيدته المشهورة التي عدّت من المعلقات السبع.


نسب النبيّ r وولادته

نسبه الشريف r :

هو مُحمّد بن عبد الله بن عبد الـمُطَّلب (واسمه شيبَة الحَمْد) بن هاشم (واسمه عَمرو) بن عبد مناف (واسمه الـمُغيرة) بن قُصَيّ (واسمه زيد) بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُوَيّ بن غالِب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر (واسمه قيس) بن كنانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة (واسمه عامر) بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معَد بن عدنان.

هذا هو القدر الصحيح المجمع عليه من نسب النبي r، وأما ما فوق ذلك فمختلف فيه بين أهل السِّيَر والأنساب، لكن لا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل نبيّ الله بن إبراهيم خليل الله عليهما السلام، وإنما الخلاف في عدد مَن بين عدنان وإسماعيل من الآباء فمقلّ ومكثر، وكذلك من إبراهيم إلى آدم، عليهما السلام، لا يعلم ذلك على حقيقته إلاّ الله عزّ وجلّ.

وقد كره الإمام مالك وجماعة من العلماء أن يرفع الرجل نسبه إلى آدم؛ مِن أجل أن هذا كله من باب التخريص والظنون التي لا يمكن أن يوثق بها، ولكننا نوردها هنا لمحض الإطلاع.

رُوي عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، أنّ النَّبيّ r كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه مَعَدّ بن عدنان بن أُدَد، ثم يمسك ويقول: «كَذَبَ النَّسابونَ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وقُروناً بينَ ذلكَ كثيراً} ـ الفرقان(38) ـ».

وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلاّ تخرّصاً، وروي نحو ذلك عن عُمر وعِكْرِمة وغير واحد.


أصالة نسب النبي r :

اختار الله، عزّ وجلّ، نبيّه r من خير القرون وأزكى القبائل وأفضل البطون، فكان r أوسط قومه نسباً وأعظمهم شرفاً، وقد جاء في حديث هِرَقل مع أبي سفيان أنه سأله: كيف نسبه فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.

وروي عن النبيِّ r أنه قال: «بُعثْتُ مِن قُرونِ بني آدمَ قَرْناً فَقَرْناً، حتى كُنْتُ مِن القَرْن الذي كُنْتُ فيهِ».

كما روي عنه r أنه قال: «إنّ الله اصطفى كِنانَةَ من ولَدِ إسماعيلَ، واصطفى قُرَيشاً منْ كِنانَة، واصطفى من قُريشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني منْ بني هاشم». وفي رواية: «أنه اصطفى بني عبد المطّلب من بني هاشم، ثم اصطفاه من بني عبد المطلب». وفي رواية أخرى: «أنه ما كان في صِنف من النّاس إلاّ كانوا خِيار أهل الدّنيا»، فأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه r .

روي أن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مَثَل النَّبيّ r كَمَثلِ نخلة في كَبْوَة من الأرض، فبلغ ذلك النَّبيّ r فقال: «إنَّ اللهَ خلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَني من خيرهِمْ؛ مِنْ خيرِ فِرقِهم وخير الفريقين، ثم تخيَّرَ القبائل فجعَلَني مِنْ خَيرِ قَبيلَةٍ، ثم تخَيَّرَ البُيوتَ فجَعَلَني مِنْ خيرِ بيُوتِهِم، فأنا خَيرُهُم نفساً وخَيْرُهُم بيتاً».


طهارة نسب النبي r وشرف آبائه:

وكما اختار الله، عزّ وجلّ، نبيّه r من خير القبائل والبيوت، فإنه لم يتسلل إلى نسبه الشريف شيء من أدران الجاهليّة، فهو r من سلالة آباء كرام ليس فيهم مسترذل، بل كلّهم سادة أشراف أطهار.

روي عن النبي r أنه قال: «وما افْتَرَقَ النَّاسُ فِرقَتينِ إلاّ جَعَلني اللهُ في خيرهما، فأخرجْتُ منْ بينِ أبوينِ فلم يُصِبْني شَيءٌ من عُهْرِ الجاهليَّةِ، وخرجتُ مِنْ نكاحٍ ولم أخرج من سِفاحٍ من لدُنْ آدَمَ حتى انتهَيْتُ إلى أبي وأُمِّي، فأنا خيركم نفْساً وخَيرُكم أباً».

وعنه أيضاً r قال: «لم يَلْتَقِ أَبَوايَ في سفاحٍ، لم يَزَلِ اللهُ، عزّ وجلّ، يَنْقُلُني من أصلابٍ طيِّبَةٍ إلى أرحامٍ طاهِرَةٍ، صافياً مُهَذَّباً، لا تَتَشَعَّبُ شُعْبَتانِ إلاّ كُنتُ في خيرهما».

وقد جاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في تفسير قول الله تعالى: {وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدينَ}، قال: من نبيّ إلى نبيّ، ومن نبيّ إلى نبيّ، حتى أخرجك نبيّاً.


أسرة النبيِّ r :

تُعرف أُسرة النَّبيّ r بالأسرة الهاشمية نسبة إلى جدّه هاشم بن عبد مناف؛ فهو واسطة العقد في قريش. وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبار بني هاشم وأقوالهم استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كل شيء، ورجاحة العقل، وقوة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم، والسخاء، إلى غير ذلك من المعاني الكريمة والخصال الحميدة التي تليق بأجداده r .


هاشِم بن عبد مناف:

تولّى هاشم السِّقاية والرِّفادة من بني عبدِ مناف حين تقاسم بنو عبد مناف وبنو عبد الدار المناصب فيما بينهما. وكان هاشم موسراً، ذا شرف كبير، وقد روى أهل الأخبار أن اسمه عَمْرو، وقيل له هاشِم لأنه أوّل من هشم الثّريد لقومه بمكّة وأطعمه، ويُذكر أن قريشاً كانت قد أصابهم قَحْط، فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدّقيق وقدِمَ به إلى مكّة، وبذل طعامه لكل نازل بالبلد المقدس أو وارد عليه. وكان أخذ على نفسه عهداً بأن يسقي الحجّاج ويكفيهم بالماء قُربة إلى ربِّ البيت مادام حيّاً، فقام لذلك بحفر عدة آبار ممّا يسّر لمكّة الماء وساعد على إكثاره عندهم.

وهو أوّل مَن سنّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف، وكان يطعم الحجّاج أوّل ما يطعم قبل التروية بيوم بمكّة وبمنى والمزدلفة وعرفة وكان يثرد لهم الخبز واللّحم، والخبز والسّمن، والسّويق والتّمر، ويجعل لهم الماء فيسقون بمنى إلى أن يصدروا منها فتنقطع الضيافة.

وينسب إليه كذلك إيلاف قريش، والمقصود بالإيلاف عهود ومواثيق مع سادات القبائل في مقابل إسهامهم بأموالهم وبحمايتهم لقوافل قريش، في مقابل ضرائب معينة تُدفع لهم وسهاماً من الأرباح تُؤدى لهم مع إعطائهم رؤوس أموالهم وما ربحته في الأسواق.

ومن حديث هاشم أنه خرج إلى الشّام تاجراً، فلما قدم  المدينة تزوّج سَلمى بنت عمرو أحد بني عَدِيّ بن النّجّار، وكانت قبله عند أُحَيْحَة بن الجُلاح من الأوس، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أنّ أمرها بيدها؛ إذا كرهت رجلاً فارقته، فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه فزوّجته نفسها، وأقام عندها أياماً، ثم خرج إلى الشّام ـ وهي عند أهلها قد حملت بعبد المطلب ـ فمات هاشم بغزة من أرض فلسطين، وولدت امرأته سَلْمَى عبد المطلب، وسمّته شَيْبَة لشيبةٍ كانت في رأسه.

وكان لهاشم أربع بنين وهم: شَيْبَة، وأَسَد، وأبو صَيْفِيّ، ونَضْلَة. وخمس بنات وهنّ: الشِّفاء، وخَالِدَة، وضَعيفة، ورُقَيَّة، وحَيَّة. وفي رواية: حَنَّة.


عبد المطلب بن هاشم (شيبة):

هو جد النبيّ r الأول، ومن أشراف العرب وسادتهم ومعظميهم وكان أبوه هاشم قد أوصى عند وفاته إلى أخيه المُطَّلب، فصارت السِّقاية والرِّفادة إليه من بعده، وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميّة الفَيْض لسخائه وفضله.

ولما صار شيْبَة بن هاشم وَصيفاً أو فوق ذلك، سمع به المُطَّلب، فرحل في طلبه، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليه وكساه حُلّة يمانية، وأردفه على راحلته، فقال شَيْبَة لعمّه: لست بمفارق أمّي إلا أن تأذن لي، فسألها المطَّلِب أن ترسله معه، فأبت فقال لها: إني غير منصرف حتى أخرج به معي، إنّ ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غيره قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا؛ نلي كثيراً من أمرهم، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم. فأذِنت له، فاحتمله، فدخل به مكّة مردفه على بعيره، فقالت قريش: هذا عبدُ المُطَّلب ابتاعه، فبها سمّي شَيْبَة عبد المطلب ـ فقال المُطَّلب: ويحكم ! إنما هو ابن أخي هاشم قدِمت به من المدينة. فلم يزل عبد المُطَّلب مقيماً بمكة حتى ترعرع.

مناقب عبد المطلب:

ثم إن المُطَّلب بن عبد مناف خرج تاجراً فهلك بِرَدْمان من أرض اليمن، فولي بعده عبد المُطَّلب السّقاية والرِّفادة، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبّه قومه، وعظُم خطره فيهم حتى عرف بين أهل مكّة بـ(شَيْبَة الحَمْدِ) لكثرة حمد الناس له، وكان يقال له: (الفَيَّاض) لجوده، و(مُطْعِم طير السماء) لأنه كان يرفع مائدته للطير والوحوش على رؤوس الجبال.

وكان عبد المطلب ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وهو أول من تحنّث بغار حراء، فكان إذا جاء شهر رمضان صعده وأطعم المساكين. وكان مجاب الدعوة، فكانت قريش إذا أصابها جَدْب تأخذ بيده فتخرج به إلى جبل ثَبِير يستسقي الله لهم، فكان يسأل الله لهم الغيث فيغاثون.

هذا، ولم يكن عبد المطلب عظيماً عند قريش فحسب، وإنما كان عظيماً كذلك في جميع أنحاء الجزيرة العربية، فقد روي أنه ذهب إلى اليمن مهنئاً بالْمُلك عندما تولى مَعْد يكَرِب سيف بن ذي يزن عرش اليمن، مما يدلُّ على أن عبد المطلب كان ذو مكانة عند ملوك العرب تعطيه الحق في الاتصال بهم وتهنئتهم بالمُلك، كما يدل في الوقت نفسه على مكانته عند قريش، حتى أنه كان رئيساً لوفدها في هذه المهمات العظيمة.

زمزم:

من أهم الأحداث التي وقعت في حياة عبد المُطَّلب حفر بئر زمْزَم، وكانت زمزم سُقيا من الله، وخلاصة أمرها أن عبد المطلب أُتي في المنام مرات فأُمر بحفرها ووُصف له موضعها، فقيل له: احفر طَيْبَة، قال: وما طَيْبَة؟ فلما كان الغد أتاه فقال: احفر بَرَّة، قال: وما بَرَّة؟ فلما كان الغد أتاه وهو نائم في مضجعه ذلك في الحِجْر، فقال: تراث من أبيك الأعظم، لا تُنْزَفُ (أي لا يَفنى مَاؤُها على كثرة الاستسقاء) ولا تُذَم (أي لا تُعاب، أو لا تُلْقى مذمومة)، تَسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفَرْث والدم عند تُقْرَة الغُراب الأعصم (نوعٌ من أنواع الغِرْبان) ـ وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفَرْث والدّم ـ عند قرية النمل، وهي شرب لك ولولدك من بعدك. فغدا عبد المُطَّلِب بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطّين كبَّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك الماء، فأتوه فقالوا: يا عبد المطلب ! إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقّاً، فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خُصِصت به دونكم، فاجعلوا بيننا وبينكم مَن شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيْم، وكانت بِمُعان من مشارف الشّام، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلاً من بني عبد مناف، وخرجت قريش بعشرين رجلاً من قبائلها، فلما كانوا بالفقير من طريق الشام أو حذوه فني ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهَلَكَة، فاستقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم فقالوا: إنّا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تَبَعٌ لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً، فحفروا ثم قعدوا ينتظرون الموت، ثم إن عبد المطلب قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا العجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا، وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به  انفجرت من تحت خفّها عين ماء عذب، فكبّر عبد المطلب وكبر أصحابه، وشربوا جميعاً واستقوا، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء فقد سقانا الله، فشربوا واستقوا وعرفوا فضل عبد المطلب فقالوا له: قد قضي لك علينا؛ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبداً ! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبين زمزم. وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة.

ولما حفر عبد المطلب زمزم استخرج الأشياء التي دفنتها جُرْهُم حين خرجت من مكة، أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، فكان أول ذهب حُلِّيَتْه الكعبة ـ فيما قيل ـ ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج.


حادث الفيل:

حادث عظيم لم يحدث مثله في تاريخ العرب، وكان دليلاً على ظهور حادث أكبر، وعلى أن الله تعالى يريد بالعرب خيراً، وأن للكعبة شأناً ليس لغيرها من بيوت الدنيا ومراكز العبادة، وقد نيطت بها رسالة ودور في تاريخ الديانات ومصير الإنسانية لا بد أن تؤديه وأن تقوم به.

وكان من خبر هذا الحادث أن أبرهة الأشرم عامل النجاشي على اليمن بنى بصنعاء كنيسة عظيمة، لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض، سمّاها القُلَّيْس، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بِمُنته حتى أصرف إليها حجّ العرب.

فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي وسمع رجل من كنانة عزّ عليه الأمر، وهو من العرب الذين رضعوا بلبان حب الكعبة وتعظيمها، لا يعدلون بها بيتاً، ولا يرون عنها بديلاً، فخرج حتى أتى الكنيسة فدخلها ليلاً فلطخ قبلتها بالعذرة وجمع جيفاً فألقاها فيها. فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه. ثم سار بجيش عظيم وخرج معه بتسعة فيلة أو ثلاثة عشر فيلاً واختار لنفسه فيلاً من أكبر الفيلة وكان اسمه محموداً. وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظِعوا به، ورأوا جهاده حقاً عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل ـ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم ـ يقال له ذو نَفْر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه وإخرابه، ثم عرض له فقاتله، فهُزم ذو نَفْر وأصحابه، وأُخذ له ذو نفر فأتي به أسيراً، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك ! لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعَم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي في قبيلَي خثعم: شَهْران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأُخذ له نُفَيْل أسيراً، فأتي به، فلما همّ بقتله قال له نُفيل: أيها الملك ! لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلَي خثعم بالسمع والطاعة، فخلّى سبيله، وخرج به معه يَدُلّه، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب الثقفي في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيها الملك ! إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد ـ يعنون اللاّت، وهو بيت لهم بالطائف كانوا يعظّمونه نحو تعظيم الكعبة ـ إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، فبعثوا معه رجلاً يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه الدليل حتى أنزله المُغَمَّس (وهو موضع قرب مكَّة في طريق الطائف)، وهناك أمر أبرهة أصحابه بالغارة على نَعَم الناس، فبعث رجلاً من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكّة فساق إليه أموال قريش وعيرهم، فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمّت قريش وكنانة وهُذيْل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.

وبعث أبرهة حُناطة الحميري إلى مكّة، وقال له: سَل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لي في دمائكم، فإن هو لم يُرِد حربي فأتني به، فلما دخل حناطة مكة واجتمع بعبد المطلب أخبره بما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال حناطة: فانطلق معي إليه، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نَفر ـ وكان له صديقاً ـ حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر ! هل عندك من غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غُدّواً أو عشيّاً؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلاّ أن أُنَيساً سائس الفيل صديق لي، وسأرسل إليه فأوصيه بك، وأُعظّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك فقال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أُنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عِير مكّة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت.

ففعل أُنيس: وأذن أبرهة لعبد المطلب بالدخول عليه، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلّه وأعظمه، وأكرمه عن أن يجلسه دونه، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يُردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي، فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربّاً سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك. فأمر بردّ إبله عليه، فلما قبضها قلّدها النّعال وأَشْعرها وجعلها هَدْياً وبثّها في الحرم كي يُصاب منها شيء فيغضب ربّ الحرم، ثم قام عبد المطلب يدعو الله ويستنصره وهو آخذ بحلقة باب الكعبة يقول:

لا هُمّ إنّ المرء يمنع رَحْلـه            فــامــــنـــــع حِــــــلالَــكْ

لا يغلِبنّ صليبهم ومِحالهم             غَـــــــدْواً مِـــحـــــــالــكْ

إن كنت تاركهم وقبلَتنــا               فــأمـــــرٌ مـــا بَــــدا لــكْ

وأشار عبد المطلب على قومه بالتفرق في الشّعاب والتحرز في رؤوس الجبال تخوفاً عليهم من مَعَرَّة الجيش، لأنه رأى أن لا طاقة لهم بأبرهة وجنوده، وأن للبيت ربّاً يحميه.

وتهيّأ أبرهة لدخول مكة، وعبّأ جيشه، وهيّأ فيله، فلما كان في وادي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى برك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة. ويقال إنهم لما وجّهوا الفيل إلى مكّة أقبل نُفَيْل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرُك محمود أو ارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نُفيل يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطَّبَرْزِين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مَراقّه فنزغوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك. فبينا هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم طيراً أبابيل من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحداً إلاّ صارت أعضاؤه تتقطّع وهلك، وليس كلّهم  أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا ويسألون عن نُفَيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل ـ حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته ـ:

أين الـمـفـرّ والإلــه الطالب            والأشرم المغلوب ليس الغالب

وقال أيضاً:

ألا حـيـيِّـت عنّــا يـا رُدَيْنــا            نَعمْـنـاكم مـع الإصبـاح عيـنـا

ردينــة، لـو رأيـت فلا  تريه          لدى جنب الْمُحَصَّب ما رأينا

إذاً لعذرتني وحـمدت أمري           ولـم تـأسَيْ على  ما فات بيننا

حمدتُ الله إذ أبصرتُ طيراً           وخِفـت حجــارة تُلـقى  علينا

وكلّ القوم يسأل عن نُفـيل            كـأن عـليّ للحـبـشـان  دَيْـنـا

فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلِك، وعلى كل منهل. أما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله؛ أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدّة تَمُثّ قيحاً ودماً، ولم يصل إلى صنعاء إلاّ وهو مثل فرخ الطائر، وانصدع صدره عن قلبه فمات شرّ ميتة. وذلك ما قصّة القرآن في قوله تبارك وتعالى: {ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربّكَ بأصحابِ الفيلِ، ألمْ يجعلْ كيدهُمْ في تضليلٍ، وأرسلَ عليهمْ طيراً أبابيلَ، ترميهم بحجارةٍ من سجّيل، فجعلهمْ كعصفٍ مأكورٍ}ـ الفيل(1-5) ـ

فلما ردّ الله الأحباش عن مكّة، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العرب قريشاً وقالوا: هم أهل الله، قاتل عنهم وكفاهم العدو، وازدادو تعظيماً للبيت الحرام وإيماناً بمكانه عند الله تعالى. وقالوا في ذلك أشعاراً يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة وما ردّ عن قريش من كيدهم، منها ما قاله عبد الله بن الزِّبَعْرَى:

تنكّلـوا عـن بـطـن مـكّـة إنـهـا         كانت قديـماً لا يُــرام حريـمـها

لم تخلق الشِّعْرَى لياليَ حُرّمــت               إذ لا عزيـز مـن الأنـام يرومـهـا

سائلْ أمير الجيش عنها ما رأى               ولسـوف يُنـبي الجـاهـلـين عليها

ستـون ألـفـاً لـم يؤبـوا أرضهم         بل لم يعِش بعد الإياب سقيمها

ذانـت بهـا عـاد وجُرهم  قبلهم         والله مـن فـوق العبـاد  يـقيـمها

وقد وقع هذا الحادث في شهر المحرم قبل مولد النبيّ r بخمسين أو بخمس وخمسين يوماً سنة 571م. وكان ذلك آية من الله، ومقدمة لبعثة نبي يبعث في مكة ويطهر الكعبة من الأوثان، ويعيد إليها ما كان لها من رفعة وشأن، وتكون لدينه صلة عميقة دائمة بهذا البيت.

واستعظم العرب هذا الحادث فأرَّخوا به، وقالوا: وقع هذا في عام الفيل، وولد فلان في عام الفيل، ووقع هذا بعد عام الفيل بكذا من السنين.


أولاد عبد المطلب

وكان لعبد المطلب عشرة بنين وهم: الحارث، والزُّبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوِّم، وضِرار، والعباس. وقيل: كانوا أحد عشر فزادوا ولدا اسمه قُثَم، وقيل: كانوا ثلاثة عشر فزادوا عبد الكعبة وحَجْلاً، وقيل: إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجْلاً هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم.

وأما البنات فست وهنّ: صَفية، وأم حكيم وهي البيضاء، وعاتِكة، وأميمة، وأروى، وبرّة.

هذا وقد تميّز عبد المطلب بأريحية فريدة من نوعها، لا تدل إلاّ عليه ولا تصدر إلاّ منه، وكانت كلّها مزيجاً من الأنفة والكرم والرّصانة ومواجهة الغيب في ثقة وصبر وأناة، وذُكر عنه أنه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وكان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه، وأن وراء هذه الدار داراً أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته، ويُقال: إنه رفض في آخر عمره عبادة الأصنام ووحَّد الله، وروي أنه وضع سنناً وردت فيما بعد في القرآن الكريم وأقرَّتها سنة النبيّ r، منها الوفاء بالنذر، وتحريم الخمر والزنى، وأن لا يطوف بالبيت عريان. وذُكر أنه كان أوّل مَن سنّ دِيَة النفس مائة من الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشراً من الإبل، فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل، وأقرّها رسول الله r على ما كانت عليه.


عبد الله الذبيح بن عبد المطلب:

أمّه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وكان عبد الله أحبّ ولد عبد المطلب إليه، وهو الذبيح، وذلك أن عبد المطلب كان قد نذر ـ حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم ـ لئن وُلد له عشرة من ذكور ثم بلغوا معه حتى يمنعوه أن يذبح أحدهم لله عند الكعبة، فلما تكاملوا عشرة أخبرهم بنذره فأطاعوه، فكتب أسماءهم في القِداح، وأعطاها قيّم هُبَل، فضرب بالقداح فخرج القِدْح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشّفرة، ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه، فمنعته قريش ولا سيما إخوته وأخواله من بني مخزوم، فقال عبد المطّلب: فكيف أصنع بنذري؟ فأشاروا عليه أن يأتي عرّافة بالحجاز فيستأمرها، فأتاها فأمرت أن يضرب بالقداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشراً من الإبل حتى يرضي ربّه، فإن خرجت على الإبل نحرها. فرجع عبد المطلب وأقرع بين عبد الله وبين عشر من الإبل فوقعت القرعة على عبد الله، فلم يزل يزيد من الإبل عشراً عشراً ولا تقع القُرعة إلاّ عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فنحرها عنه بين الصفا والمروة، وتركها في الفضاء لا يردّ عنها إنساناً أو سبعاً أو طيراً، ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئاً. ولذلك كان يقال للنبيّ r ابن الذّبيحين، يعني إسماعيل وأباه عبد الله.


زواج والدي النبيّ r

لمّا بلغ عبد الله ثمان عشرة أو خمساً وعشرين سنة زوّجه أبوه آمِنة بنت وهْب بن عبد مناف بن زُهرَة بن كِلاب بن مرَّة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وأبوها سيد بني زُهْرَة نسباً وشرفاً. فبنى بها عبد الله في مكّة فحملت برسول الله r .

قال ابن هشام: فرسول الله r أشرف ولد آدم حسَباً وأفضلهم نسباً من قِبَل أبيه وأمه. روي عن رسول الله r أنه قال: «لم تزل تنازعني الأمم كابراً عن كابر حتى خرجتُ من أفضلِ حَيَّينِ من العرب هاشم وزُهرة».

قيل: إنه لما تزوّج عبد الله آمنة لم تبق امرأة من قريش من بني مَخزوم وعبد شمس وعبد مناف إلا مرضت أسفاً على عدم تزوّجها به.

وروي عن العبّاس، رضي الله عنه، أن عبد المطلب قدم اليمن في رحلة الشتاء فنزل على حَبْر من اليهود، فقال له رجل من أهل الزَّبور: يا عبد المطلب ! أتأذن لي أن أنظر إلى بدنك ما لم يكن عورة؟ قال: ففتح إحدى منخريه فنظر فيه، ثم نظر في الأخرى فقال: أشهد أن في إحدى يديك مُلْكاً وفي الأخرى النبوّة وأرى ذلك في بني زهرة فكيف ذلك؟ فقال عبد المطلب: لا أدري، فقال: هل لك زوجة، قال: أما اليوم فلا، قال: إذا قدمت فتزوّج فيهم. فرجع عبد المطلب إلى مكّة فتزوّج هالة بنت وَهب بن عبد مناف، فولدت له حمزة وصفية، وتزوّج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب، فولدت رسول الله r، فقالت قريش حين تزوّج عبد الله آمنة: فَلَج (أي ظفر) عبد الله على أبيه.


بشائر ولادة النبيّ r

روى ابن إسحاق أن نفراً من أصحاب رسول الله r قالوا له: يا رسول الله ! أخبرنا عن نفسك. قال: «نَعَم، أنا دَعوةُ أبي إبراهيمَ، وبُشرَى أخي عيسى، ورَأت أمِّي حين حمَلَت بي أنه خرج منها نورٌ أضاءَ لها قُصُور الشَّام».

وفي رواية عنه r قال: «إنَّ أمي رأت في المنام أنَّ الذي في بطنها نورٌ، قالتْ: فجَعَلتُ أُتْبِعُ بصري النُّور، والنورُ يَسْبقُ بصَري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها».


وفاة عبد الله:

خرج عبد الله بن عبد المطلب والد النبيّ r إلى غزة في عير لقريش، فلمّا فرغوا من تجارتهم أقبلوا راجعين فنزلوا بالمدينة، وعبد الله يومئذ مريض، فتخلّف عند أخواله بني عديّ بن النَّجار ومضى أصحابه إلى مكّة، فلم يلبث عندهم شهراً حتى تُوفّي.

روي عن الزُّهري أن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمراً فمات بها، ودفن في دار النابغة وله خمس وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، ورسول الله r يومئذ حَمل. وهذا هو أثبت الأقاويل، وقيل: مات عبد الله وهو r ابن شهرين، وقيل ابن سبعة أشهر، والله أعلم.


ميراث النبي r من أبيه:

وجميع ما خلّفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعه غنم، وسيف، وجارية حبشية اسمها بركة وهي أم أيمن. وزاد الطبري: مولاه شَقْران قيل إنه ورثه عن أبيه.


ولادة النبي r :

ولد رسول الله r في شِعب بني هاشم بمكّة المكرّمة، ويقال في الدار التي تُعرف بدار ابن يُوسف (وهي الدار التي كانت بعد مُهاجَر رسول الله r في يد عقيل بن أبي طالب، ولم تزل في يده حتى توفيّ، فباعها ولده من محمّد بن يوسف أخي الحجّاج فبنى داره التي يُقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار، حتى أخرجته الخيزُران أمّ هارون الرشيد فجعلته مسجداً يُصلّى فيه)، فجر يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل الموافق لـ 16 أيار سنة 570 ميلادية.

وقد رُوي أن أمّ رسول الله r رأت حين وضعته نوراً أضاءت منه قصور الشام، وأنه ولد نظيفاً ما به قذر، ووقع على الأرض معتمداً على يديه، رافعاً رأسه إلى السماء.


فرح عبد المطلب بولادة النبي r وتسميته:

لَمَّا وضعته أمّه r أرسلت إلى جدّه عبد المطلب تخبره بولادة حفيده، فأتاه فنظر إليه وحدّثته بما رأت حين حملت به وحين وضعته وما قيل لها فيه وما أُمرت به أن تسمّيه، ففرح عبد المطلب بحفيده واستبشر ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له ما أعطاه. ولعلّه رأى في مقدمه عوضاً عن ابنه الذي اخترمته الْمَنيَّة شاباً، فحوّل مشاعره عن الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد يكلؤه ويغالي به.

رُوي أن آمنة لما ولدت النَّبي r جاءه عبد المطلب فأخذه وقبَّله ثم دفعه إلى أبي طالب فقال: هو وديعتي عندك، ليكونن لابني هذا شأن، ثم أمر فنُحرت الجزائر، وذُبحت الشياه، وأطعم أهل مكّة ثلاثاً، ثم نحر في كلّ شِعب من شعاب مكّة جزوراً، لا يُمنع منه إنسان ولا سبع ولا طائر.

ولما كان اليوم السابع ختنه على عادة العرب، وعقّ عنه بكبش، وجعل له مأدبة، وسمّاه محمّداً r . ولم يكن العرب يألفون هذا الاسم، فاستغربه كلّ من سمعه من قريش، وسألوا عبد المطلب فقالوا: لِمَ رغِبت به أسماء أهل بيته؟ فأجابهم: أردت أن يحمده الله تعالى في السّماء وخلقه في الأرض.

ويروى أن عبد المطلب إنما سمّاه محمّداً لرؤيا رآها، زُعم أنه رأى في منامه كأن سلسلة من فضّة خرجت من ظهره، لها طرف في السّماء وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلّقون بها. فقصَّها فعُبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سمّاه محمّداً مع ما حدّثته به أمّه.

روي عن جُبَيْر بن مُطعم، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r : «لي خَمْسَةُ أَسْماءٍ: أنا محمدٌ، وأحمدُ، وأنا الْماحِي الَّذي يَمْحُو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي، وأنا العَاقِبُ».


طفولة النبيّ r

رضاع النبي r :

أول من أرضع النَّبي r من المراضع ـ بعد إرضاع أمّه له ـ ثُوَيْبَة بلبن ابن لها يقال له مَسْرُوح، أرضعته أياماً قبل أن تقدم حَليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وأرضعت بعده أبا سَلَمة بن عبد الأسَد المخزومي رضي الله عنه. وذكر بعضهم أنها أرضعت عمّه العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش أيضاً، رضي الله عنهما، كما ذكروا عُقْبة بن الحارث بن عامر، وأمّ يحيى بنت ابي إهاب أرضعتهما ثويبة أيضاً.

ويقال إنه r ارتضع من ثماني نساء وقيل من عشر؛ منهن امرأة من بني سعد غير حليمة، وأمُّ أيمن برَكَة الحبشية والمشهور أنها من الحواضن لا المراضع.

ثم التمس عبد المطلب لرسول الله r المراضع على عادة أهل مكّة، الذين كانوا يؤثرون إذا وُلد لهم ولد أن يلتمسوا له مرضعة من البادية، ليكون أنجب للولد وأفصح له؛ فإن تنشئة الأولاد في البادية في كنف الطبيعة الصافية أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف، ولإتقانهم اللسان العربي الفصيح في مهدهم منذ نعومة أظفارهم. ويدل على هذا ما ورد أن النَّبي r كان يقول لأصحابه: «أنا أعرَبُكُم، أنا قُرَشِيٌّ، واستُرْضِعْتُ في بَني سَعْد بن بَكْرٍ».


حليمة السعدية :

وأقبلت المراضع من البادية يلتمسن تربية أولاد الأشراف، فاسترضع عبد المطلب لحفيده امرأة من قبيلة سَعْد بن بَكْر وهي حليمة بنت ذُؤيْب، وزوجها الحارث بن عبد العزّى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.

وإخوته r هناك من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأُنَيْسَة بنت الحارث، وخِذامَة بنت الحارث وهي الشيماء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله r أرضعته حَليمة أياماً.

وكان عمّه حمزة، رضي الله عنه، مسترضعاً له عند قوم من بني سَعْد بن بكر، فأرضعت أمّه السعدية رسول الله r يوماً وهو عند أمّه حليمة، فكان حمزة، رضي الله عنه، رضيع رسول الله r من جهتين؛ من جهة ثُويبة ومن جهة السعدية.


حليمة السعدية تروي خبر رضاعة النبيّ r

كانت حليمة تحكي قصة رضاعها للنبي r فتقول: إنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرُّضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء (قحط) لم تُبق لنا شيئاً، قالت: فخرجت على أتان لي قَمراء (شديدة البياض)، معنا شارف (ناقة مسنَّة) لنا، والله ما تَبِضُّ بقطرة (أي: ما يقطر منها لبن)، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يُغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكنّا كنّا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أَدَمْتُ بالرَّكْب (أي: أطلتُ المسافة لتمهلهم عليها)، حتى شقَّ ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكّة نلتمس الرُّضعاء، فما منّا امرأة إلاّ وقد عرض عليها رسول الله r فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنّا إنما كنّا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنّا نقول: يتيم !! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟ فكنّا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلاّ أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى اليتيم فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلاّ أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رَحْلي، فلما وضعته في حِجري أقبل عليه ثَدْياي بما شاء من لبن، فشرب حتى رَوي، وشرب معه أخوه حتى رَوي، ثم ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لَحافِل (أي: كثيرة اللبن)، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريّاً وشِبعَاً، فبتْنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمين والله يا حليمة ! لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا، وركبت أتاني وحملتُه عليها معي، فوالله لقطعت بالرّكب ما يقدُر عليها شيء من حُمُرهم، حتى إن صواحبي لَيقُلن لي: يا ابنة أبي ذُؤيب ! ويحك !! ارْبَعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهنّ: بلى، والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأناً. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تَرُح عليّ حين قدمنا به معنا شِباعاً لُبَّناً، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضَرْع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرُعيانهم: ويلكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبضّ بقطرة لبن وتروح غنمي شِباعاً ولُبَّناً.

وفي رواية أن أمّه آمِنَة قالت لحليمة: يا ظِئْر، سلي عن ابنك فإنه سيكون له شأن، وأخبرتها ما رأت وما قيل لها فيه حين ولدته، وقالت: قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سَعْد بن بَكْر في آل ذُؤَيْب.

وذُكر في رواية أخرى أن رسول الله r كان لا يُقبل إلا على ثديها الواحد، وكانت تعرض عليه الثدي الآخر فيأباه، كأنه أُشعر ـ عليه السلام ـ أن معه شريكاً في لبانها، وكان مفطوراً على العدل، مجبولاً على المشاركة والفضل r .

ويروى أنه لما قدمت حليمة مكّة استقبلها عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقالت: امرأة من بني سعد، فقال: ما اسمك؟ فقالت: حليمة، فتبسّم عبد المطلب وقال: بخٍ بخٍ سَعْد وحلم خصلتان فيهما خير الدهر وعزّ الأبد، يا حليمة! إن عندي غلاماً يتيماً وقد عرضته على نساء بني سعد فأبَيْن أن يقبلن وقلن: ما عند اليتيم من الخبر؛ إنما نلتمس الكرامة من الآباء، فهل لكِ أن ترضعيه فعسى أن تسعدي به؟ فقالت: ألا تَذرني حتى أشاور صاحبي؟ قالت: بلى، فانصرفت إلى صاحبها فأخبرته، فكأن الله قذف في قلبه فرحاً وسروراً فقال لها: يا حليمة! خذيه، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعداً ينتظرها، فقالت هلمّ الصبيّ، فاستهلّ وجهه فرحاً، فأخذها وأدخلها بيت آمنة فقالت لها: أهلاً وسهلاً وأدخلتها البيت الذي فيه محمد r، فإذا هو مُدْرَج في ثوب صوف أبيض من اللبن، وتحته حريرة خضراء راقداً عليها على قفاه يغطّ، تفوح منه رائحة المسك، قالت حليمة: فأشفقت أن أوقظه من نومه لِحُسنه وجماله، فوضعت يدي على صدره فتبسّم ضاحكاً، وفتح عينيه إليَّ فخرج منهما نور حتى دخل عنان السماء وأنا أنظر، فقبّلته بين عينيه وحملته، ما حَمَلَني على أخذه إلا أني لم أجد غيره.


فطام النبيّ r :

لم تزل حليمة ترى في حياتها الزيادة والخير حتى مضت سنتاه r وفطمته، وكان يشِبُّ شباباً لا يَشِبُّه الغِلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جَفْراً (أي: شديد قوي) كأنه ابن أربع سنين. قالت حليمة: فقدمنا به على أمّه زائرين لها ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمّه، وقلت لها: لو تركت بُنيّ عندي حتى يغلُظ فإني أخشى عليه وباء مكّة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. وفي رواية: أن آمنة قالت لها: ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فوالله ليكونن له شأن، فرجعت به حليمة.

وهكذا عاد رسول الله r إلى بادية بني سعد، حتى إذا كانت السنة الثالثة أو الرابعة من مولده وقع حادث شقّ صدره r .


حادثة شق الصدر:

وقد روي هذا الحادث في السنن الصحاح من عدة طرق، فروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله r أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه يعني ظِئْرَه (أي: مرضعته) فقالوا: إن محمداً قد قُتل، فاستقبلوه وهو مُنْتَقَع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المِخْيَط في صدره.

وفي رواية ابن إسحاق أن رجلين أتياه فاستخرجا من قلبه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبه وبطنه بالثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، فوزنوه بهم، فوزنهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنوه بهم، فوزنهم، فقال؛ دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمته لوَزَنها.

وفي رواية للبيهقي في الدلائل: أنه أتاه ثلاثة رهط فاستخرج أحدهم نُكْتَة سوداء من قلبه مملوءة دماً وقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله، ثم حشاه بشيء كان معه، ثم ردّه مكانه، ثم ختمه بخاتم من نور ووجد برد الخاتم في عروقه ومفاصله.

ويروى أن حليمة قالت: فوالله إنه ـ بعد مقدمنا بأشهر (أي لما عادت به r من عند أمّه ـ مع أخي مع بَهْمٍ (وهو ولد الضأن) لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتدّ فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي قد أتاه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانِه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه، قالت: فالتزمته، والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بني؟ قال: «جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقّا بطني، فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو».

وروى الإمام أحمد أنهما استخرجا علقتين سوداوين من قلبه، ثم غسلا قلبه بماء ثلج ثم بماء بَرَد، ثم ذرّا السكينة في قلبه، ثم لأَمَه أحدهما وختم عليه بخاتم النبوة، ثم انطلق r إلى أمّه فأخبرها بالذي لقيه، فأشفقت عليه أن يكون أُلبسَ به وأعاذته بالله تعالى.

وفي رواية أنه ختم قلبه بخاتم من نور، فامتلأ قلبه نوراً، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاد قلبه مكانه فوجد برد ذلك الخاتم في قلبه دهراً، وأنهم كانوا ثلاثة أخذوه من بين الصبيان وأنهم ضمّوه إلى صدورهم وقبّلوا رأسه وما بين عينيه ثم قالوا: يا حبيب الله ! لم تُرَع، إنك لو تدري ما يُراد بك من الخير لقرَّت عيناك، ثم جاء أهل الحي تتقدمهم أمّه حليمة وهي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه ! فانكبوا عليه فقبّلوا رأسه وما بين عينيه وقالوا: حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئره: يا وحيداه ! يا يتيماه ! استضعفت من بين أصحابك فقُتلت لضعفك، ثم اتفقوا على أن يذهبوا به إلى الكاهن، فقصَّ عليه أمره، فلما سمع قوله وثب إليه وضمّه إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب ! يا للعرب ! اقتلوا هذا الغلام، واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليُبدلنّ دينكم، وليسفهنّ عقولكم وعقول آبائكم، وليحالفنّ أمركم، وليأتينكم بدين لم تستمعوا بمثله قط، فانتزعته حليمة من حجر الكاهن وقالت: لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فإنّا غير قاتلي هذا الغلام.

وقد تكررت حادثة شقّ الصدر هذه مرات أخرى: مرة عند مجيء الوحي، ومرة عند المعراج، وقيل مرة ثالثة عند بلوغه عشر سنين.

روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «إنِّي لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم  أرها على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسّاً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر (أي من غير إتعاب)، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وَجَع، فقال له: أخرِجِ الغِلّ والحسدَ، فأخرج شيئاً كهيئة العَلَقةِ، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أَدْخلِ الرأْفَةَ والرحمةَ، فإذا مثل الذي أخرج يشبه الفضّة، ثم هزّ إبهام رجلي اليُمنى فقال: اغْدُ واسْلَمْ، فرجعتُ بها أغدو رِقَّةً على الصغير ورحمةً للكبير».


عودة النبي r إلى أمّه آمنة:

وخشيت حليمة على النَّبي r بعد حادث شقّ الصدر فردّته إلى أمّه، وكان قد بلغ من العمر خمس سنين، وقيل: أربع سنين، وفي ذلك تقول حليمة: قال لي أبوه: يا حليمة! لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمّه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت: فقلت: نعم، قد بلغ الله بابني وقضيتُ الذي عليّ وتخوّفت الأحداث عليه، فأدّيته عليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوّفت عليه الشيطان؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنيّ لشأناً… دَعيهِ عنكِ وانطلقي راشدة.

وقيل إن ممّا هاج أمّه السعدية على ردّه r إلى أمّه أن نفراً من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام فلنذهبن به إلى مَلِكنا وبلدنا فإن هذا غلام كائن له شأنه، نحن نعرف أمره، فلم تكد حليمة تنفلت به منهم.

وقيل إنها لما عادت به أول مرة كانت لا تدعه يذهب مكاناً بعيداً، ثم رأت غمامة تظلّه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضاً من أمره فقدمت به إلى أمّه.

قال ابن إسحاق: وزعم الناس، فيما يتحدّثون، والله أعلم، أن أمّه السعدية لمّا قدمت به مكّة أضلّها في الناس وهي مُقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأنت عبد المطلب فقالت له: إنّي قد قدمت بمحمّد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكّة أضلّني، فوالله ما أدري أين هو، فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يردّه، فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكّة، فأخذه عبد المطلب فجعله على عُنقه وهو يطوف بالكعبة يُعوِّذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمّه آمنة.


حواضن النبي r :

يذكر أن أخته الشيماء بنت الحارث كانت تحضن رسول الله r مع أمّها وتورّكه، وكانت أم أيمن بركة الحبشية تحضنه مع أمّه آمنه ثم بعد أن ماتت، حتى كبر رسول الله r فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد رضي الله عنهما، ثم توفّيت بعدما توفيّ رسول الله r بخمسة أشهر. ويروى أن رسول الله r كان يقول لها: «يا أُمه»، وكان إذا نظر إليها قال: «هذه بقيّةُ أهلِ بيتي».


وفاة أم النبي r :

بقي رسول الله r مع أمّه في كلاءة الله وحفظه ينبته الله نباتاً حسناً لما يريد به من كرامته، حتى إذا بلغ ست سنين خرجت به أمّه إلى أخواله من بني النجار بالمدينة تزورهم به، ومعها خادمتها أم أيمن، فنزلت به في دار النّابغة حيث توفي والده عبد الله ودفن، فمكث عندهم شهراً، فكان رسول الله r يذكر أموراً في مُقامه ذلك، ويروى أنه نظر r إلى تلك الدار وهو بالمدينة بعد الهجرة فقال: «هَهُنا نَزَلتْ بي أمّي، وأحْسَنَتُ العَوْمَ في بِئْرِ بني عَدِيّ بن النجار، وكان قومٌ من اليهودِ يختلفون ينظرونَ إليَّ».

وجمهور المسلمين على أن أمّه وأباه r ناجيان، لأنهما من أهل الفترة الذين انقطعوا عن خبر الأنبياء السابقين، فهم ليسوا مكلّفين ولا معذَّبين لقوله تعالى: {وما كنّا معذبينَ حتّى نبعثَ رسولاً}ـ الإسراء(15) ـ، أما الأحاديث الواردة بتعذيب من غيَّر أو بدّل أو عبد الأصنام من أهل الفترة فهي أحاديث آحاد، وقد يكون تعذيب من صحّ تعذيبه منهم لأمر خاص بهم.


كفالة عبد المطلب للنبي r :

وعادت أم أيمن بالنبي r إلى مكّة فضمّه جدّه عبد المطلب إليه، ورقّ عليه رقّة لم يَرِقّها على أحد من أولاده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويَدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان لا يأكل طعاماً إلاّ قال: عليّ بابني، فيؤتى به إليه.

قال ابن إسحاق: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظلّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، فكان رسول الله r يأتي وهو غلام جَفْر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دَعُوا ابني، فوالله إن له لشأناً، ثم يجلسه معه عليه، ويمسح ظهره بيده، ويَسُرّه ما يراه يصنع.

وفي رواية: أن عبد المطلب كان يقول: دَعُوا ابني ليُؤْنِس مُلْكاً. وقال قوم من بني مدْلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنّا لم نر قدَماً أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأم أيمن، وكانت تحضُن رسول الله r وتقول لها أمه آمنة: يا بَرَكَة! لا تغفلي عن ابني، فإني وجدته مع غلمان قريباً من السِّدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبيّ هذه الأمة.


إرهاصات نبوته r في الطفولة

يروى أنه بينا يوماً عبد المطلب جالس في الحجر، وعنده أُسْقُفُ نجران، وكان صديقاً له، وهو يحادثه ويقول: إنّا نجد صفة نبيّ بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا، فنظر إليه الأُسْقُفُ وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هذا منك؟ قال: ابني، قال الأسقف: ما نجد أباه حيّاً، قال عبد المطلب: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمّه حُبلى به، قال: صدقت، قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه.

وعن كِنْدِير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهليّة فإذا أنا برجل يطوف بالبيت يرتجز ويقول:

ربِّ رُدّ إليّ راكبي محمّداً             رُدَّه إليّ واصطنع عندي يداً

فقلت: من هذا؟ فقالوا: عبد المطلب بن هاشم بعث بابن ابنه محمّد في طلب إبل له، ولم يبعثه في حاجة إلاّ أنجح فيها، وقد أبطأ عليه، فلم يلبث أن جاء محمّد والإبل فاعتنقه وقال: يا بنيّ! لقد جزِعت عليك جزعاً لم أجزعه على شيء قطّ، والله لا أبعثك في حاجة أبداً، ولا تفارقني بعد هذا أبداً.


فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب:

كانت فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب وأم علي بن أبي طالب تحوط رسول الله r وتكرمه، فكان r يقول بعد: «إنها كانت أحسَنَ خَلْقِ اللهِ إليَّ صَنيعاً بعدَ أبي طالبٍ».

روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ، رضي الله عنهما، دخل عليها رسول الله r فجلس عند رأسها فقال: «رَحِمَكِ اللهُ يا أمّي كُنتِ أمّي بعد أُمّي، تجوعينَ وتشبعيني، وتعرَينَ وتكسيني، وتمنعينَ نفسك طيباً وتطعميني، تُريدينَ بذلك وجهَ الله والدار الآخرة». ثم أمر أن تُغسَل ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله r بيده، ثم خلع رسول الله r قميصه فألبسها إيّاه، وكفّنها ببُرد فوقه، ثم دعا رسول الله r أسامة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاماً أسود، يحفرون فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللّحد حفره رسول الله r بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله r فاضطجع فيه فقال: «الله الذي يُحيي ويُميتُ وهو حَيٌّ لا يموتُ، اغفِر لأُمّي فاطمةَ بنتِ أَسدٍ، ولقِّنْها حجَّتها، ووسِّع عليها مُدْخلها بحقِّ نبيِّكَ والأنبياء الذين مِن قَبلي، فإنّك أرحمُ الرّاحمين»، وكبّرَ عليها أربعاً وأدخلها اللَّحد هو والعباس وأبو بكر الصِّديق رضي الله عنهم.


فتوة الرسول r وشبابه

سفر النبي r إلى الشام:

ولما بلغ رسول الله r تسع سنين، وقيل اثنتي عشرة سنة، خرج به أبو طالب تاجراً إلى الشام، ويقال إن أبا طالب أراد المسير إلى الشام فقال له النبي r: «أي عمِّ إلى مَنْ تُخَلِّفُني هَهُنا؟ فما لي أمٌّ تكفُلُني، ولا أحدٌ يؤويني»، فرقَّ له وقال: والله لأخرجنّ به معي ولا يفارقني ولا أفارقه ابداً، فأردفه خلفه حتى وصل إلى بُصرى من أرض الشام.


خبر بحيرى الراهب:

وكان بالشام راهب يقال له بَحيرى انتهى إليه علم النصرانية، وقيل كان من أحبار يهود تيماء، فلما نزل الركب قريباً من صومعته خرج إليهم، وكانوا كثيراً ما يمرون به فلا يخرج إليهم قبل ذلك، وذلك فيما يُزعم أنه رأى رسول الله r حين أقبلوا وغمامة تظلّه من بين القوم، فأرسل بَحيرى إلى القوم ودعاهم إلى طعامه وقال: إني أحبّ أن تحضروا كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلّف رسول الله r من بين القوم ـ لحداثة سنه ـ فلما نظر بحيرى في القوم ولم يرَ الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش! لا يتخلفنّ أحد منكم عن طعامي، فقالوا له: يا بحيرى! ما تخلّف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سناً، فتخلّف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا، ادعُوه فليحضر هذا الطعام معكم، قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللاّت والعزّى إنْ كان لَلُؤْم بنا أن يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، وقد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا قام إليه بَحيرى فقال له: يا غلام! أسألك بحقّ اللاّت والعزّى إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزُعم أن رسول الله r قال: «لا تسْأَلْني باللاّتِ والعزّى شيئاً فوالله ما أبغضتُ شيئاً قط بغضَهُما»، فقال بحيرى: فبالله إلاّ أخبرتَني عما أسألك عنه، فقال له: «سَلْنِي عمّا بدا لكَ»، فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول الله r يخبره فيوافق ذلك ما عند بَحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. فأخذ بحيرى بيد رسول الله r وقال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين.

فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً ولا يسجدان إلا لنبيّ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم التفت بحيرى إلى عمّه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً، قال: ولِمَ؟ قال: لأن وجهه وجه نبيّ وعينه عين نبيّ، قال: وما النَّبيّ؟ قال: الذي يُوحى إليه من السماء فينبِّىء به أهل الأرض، قال: الله أجلّ ممّا تقول، والتفت إلى النّبيّ r فقال: ألا تسمع ما يقول؟ قال: «أيْ عمِّ! لا تُنكِرْ للهِ قُدْرَةً». ثم أخبره أنه ابن أخيه، فقال بحيرى: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حُبلى به، قال: صدقت؛ فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه هنا لَيبغُنَّه شراً ـ وفي رواية: ليقتلنّه ـ فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.

فخرج به عمّه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام.


رعي النَّبيّ r للغنم:

عاد النبي r من هذه الرحلة ليبدأ سعيه في طلب الرزق ،فقد روى البخاري في صحيحه أنّ النبي r قال: «ما بَعَث الله نبيّاً إلاّ رعى الغَنَمَ»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعَمْ، كنتُ أرْعاها على قراريط لأهلِ مكّةَ».

وفي رواية عند الإمام أحمد: «بُعِثَ موسى، عليه السلام، وهو يَرعى غنماً على أهله، وبُعثتُ أنا، وأنا أرعى غنماً لأهلي بِجِيادَ». وكان النَّبي r قد رعاها في بني سعد أيضاً.


شهود النبي r حرب الفِجار:

ولمّا بلغ رسول الله r الخامسة عشرة من عمره، وقيل العشرين كانت حرب الفِجار بين قريش ومن معها من كِنانَة وبين قَيْس عَيْلان، وسميت بحرب الفجار لانتهاكهم الحُرمات بينهم، ولأنها وقعت في الشهر الحرام، وكان قائد قريش وكِنانَة حَرْب بن أُميّة، وكان الظَّفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظّفر لكنانة على قيس. وشهد رسول الله r بعض أيامهم، وكان يَنْبُل على عمومته ـ أي: يجهز لهم النّبل للرمي أو يرُدّ عنهم نَبْل عدوّهم ـ.

روي أن رسول الله r ذكر حرب الفجار فقال: «قد حضرْتُهُ مع عمومتي، رميتُ فيه بأسهمٍ، وما أحبُّ أنِّي لم أكن فَعَلتُ».


شهود النبي r حلفِ الفضول:

وكان هذا الحلف في ذي القعدة في شهر حرام، بعد حرب الفِجار بشهر، وقد تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة. فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدعان التّيمي لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكّة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلاّ قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُردّ عليه مظلمته.

وسبب هذا الحلف أن رجلاً من زُبَيْد قدم مكّة ببضاعته، فاشتراها منه العاص بن وائل وكان ذا قدر بمكة وشرف، فحبس عنه حقّه، فاستعدا عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخْزُوماً وجُمَح وسهماً وعَديّ بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاص بن وائل وزبروه (أي انتهروه وزجروه)، فلما رأى الزُّبَيْدي الشرّ علا على جبل أبي قُبيس عند طلوع الشمس ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعاً صوته، فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم وزُهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جُدْعان، وتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدّى إليه حقه، فسمّت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه.

وقد شهد رسول الله r هذا الحلف وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً ما أُحبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، ولو أُدْعى بهِ في الإسلام لأجبتُ».


اشتغال النبي r بالتجارة:

عمل النبي r بالتجارة، وقد شارك السَّائب بن أبي السائب قبل البعثة، وهو من المؤلفة قلوبهم، أعطاه r يوم الجعرانة من غنائم حنين وقد قال فيه النبيّ r: «نِعْمَ الشريكُ السّائبُ لا يُشارِي ولا يماري»، كما كان السائب يقول مفتخراً بشركته للنبي r بعد إسلامه: بأبي أنت وأمي كنت شريكي، فنعمَ الشريك كنت لا تُداري ولا تُماري.


تجارته لخديجة:

وفي الخامسة والعشرين من عمره خرج r تاجراً إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها.

وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتُضاربهم (أي تشاركهم في الربح) إيّاه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجاراً، فلما بلغها عن رسول الله r ما بلغها؛ من صدق حديثه، وعِظَم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبله رسول الله r منها.

ويقال أن أبا طالب قال للنبي r: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك، وقد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرها، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعت إليك لما يبلغها عنك من طهارتك، وفضّلتك على غيرك. فبلغ خديجة الخبر فأرسلت إليه في ذلك، وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، فقال أبو طالب هذا رزق قد ساقه الله إليك.

فخرج رسول الله r في مالها ذلك، وخرج معه غلامها مَيْسَرَة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدما بُصرى من الشام، فنزلا في ظلّ شجرة، قريباً من صومعة راهب من الرهبان، يقال له نَسْطُور، فاطّلع الراهب إلى ميسرة فقال له: مَن هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبيّ، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حُمْرة؟ قال: نعم لا تُفارقه، فقال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء. ثم باع رسول الله r سِلْعَتَه التي خرج بها فوقع بينه وبين رجل تَلاح (أي: تلاوم وبغضاء)، فقال له: احلف باللاّت والعُزّى، فقال رسول الله r : «ما حَلَفْتُ بِهِما قَطُّ، وإنّي لأَمُرُّ فأُعرِضُ عنهما»، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبيّ تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم، ثم اشترى رسول الله r ما أراد أن يشتري، وأقبل قافلاً إلى مكّة ومعه ميسرة، فكان ميسرة ـ فيما يزعمون ـ إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يرى مَلَكين يُظلاّن رسول الله r من الشمس، وهو يسير على بعيره، فوعى ذلك كله ميسرة. وكان الله قد ألقى عليه المحبّة من ميسرة، فكان كأنه عبد له، فلما كانوا بمَرّ الظَّهران قال ميسرة: يا محمّد! انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك؛ فإنها تعرف لك ذلك، فتقدّم رسول الله r حتى دخل مكّة في ساعة الظهيرة، وخديجة في عُلِيَّة لها، فرأت رسول الله r وهو على بعيره ومَلَكان يُظلاّنه، فأرته نساءها، فعجِبن لذلك، ودخل عليها رسول الله r فخبّرها بما ربحوا في وجههم فسُرَّت بذلك، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع. ثم باعت خديجة ما جاء به من تجارة فربحت ضعف ما كانت تربح أو قريباً، وأضعفت له ضعف ما سمّت له.

وفي رواية عن الزهري أن النبيّ r لما استوى وبلغ أشدّه، وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حُباشَة، وهو سوق بتِهامَة، واستأجرت معه رجلاً من قريش، فقال رسول الله r وهو يحدّث عنها: «ما رأيتُ من صاحِبَةٍ أَجْيَدَ خيراً من خديجة، وما كنّا نَرْجِعُ أنا وصاحبي إلاّ وجدنا عِندَها تُحفَةْ (أي:الطرفة من الفاكهة) مِن طَعامٍ تَخْبَؤُهُ لَنا»

وفي رواية: أن خديجة استأجرت رسول الله r سفرتين إلى جُرَش كل سفرة بقلوص، وجرش بناحية الشام.


زواج النبي r من السيدة خديجة:

كانت خديجة، رضي الله عنها، تسمّى سيّدة نساء قريش والطاهرة، وذلك لشدة عفافها، وكانت برّة نقيّة ذات عقل واسع، وحَسَب ومال.

ويُذكر أنه لما عاد النَّبيّ r إليها بأرباح مضاعفة، وأخبرها غلامها مَيْسَرة بما رأى فيه من شمائل كريمة وخصائص حميدة، أعجبت خديجة، رضي الله عنها، بعظيم أمانته وحسن أخلاقه وصدق حديثه، فقد عرفت بأنه رجل لا تستهويه حاجة، وأنه لا يتطلع إلى مال ولا إلى جمال، فحدّثت بما في نفسها إلى صديقتها نَفِيسة بنت مُنْية، فذهبت إلى النبي r وعرضت عليه أن يتزوّج خديجة فرضي بذلك. وقيل إن السفير بينهما غلامها، وقيل مولاة مولّدة لها.

ويذكر أيضاً من الأسباب التي حملت خديجة، رضي الله عنها، على أن تعرض نفسها على رسول الله r مع ما أراد الله تعالى بها من الخير ما روي أنه كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد، فاجتمعن يوماً فيه فجاءهن يهودي وقال: يا معشر نساء قريش ! إنه يوشك فيكن نبي قرب وجوده فأيّتكنّ استطاعت أن تكون فراشاً له فلتفعل، فحصبته النساء بالحصباء وقبَّحنه وأغلظن له، وأَغْضَت خديجة على قوله، ولم تعرض فيما عرض فيه النساء، ووقع ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي قالت: إن كان ما قال اليهودي حقّاً فما ذاك ـ أي النبيّ ـ إلا هذا.


نفيسة تروي قصة الزواج:

ولنترك نَفِيسَة بنت مُنْيَة تروي لنا قصة زواج النبي r من السيدة خديجة رضي الله عنها. قالت نَفِيسَة: كانت خديجة بنت خُوَيْلِد امرأة حازمة، جَلْدَة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قَدِر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دَسيساً إلى محمّد r بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: محمّد ! ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: «مَا بيدي ما أَتزوَّجُ به»، قلت: فإن كُفِيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال: «فمَن هي؟» قلت: خديجة، قال: «وكيفَ لي بذلك؟»، قالت: قلت: عليَّ، قال: «فأنا أَفْعلُ». قالت نفيسة: فذهبتُ فأخبرت خديجة، فأرسلت إليه: أنِ ائتِ لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمَّها عمرو بن أسد ليزوِّجها فحضر ـ لأن أباها مات قبل حرب الفِجار ـ.


العقد الميمون:

ثم إن رسول الله r ذكر ذلك لأعمامه، فأقرُّوا له ذلك، ورضوها زوجة له r ، فخرج معه عمه أبو طالب وعمه حمزة حتى دخلوا على عمرو بن أسد فخطبوا إليه ابنة أخيه، وحضر العقد رؤساء مُضر، فقام أبو طالب فخطب في حفل الزواج فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم، وزَرْع إسماعيل، وضِئْضِئ (أصل) معدّ، وجعلنا حَضَنَة بيته، وسُوّاس حَرَمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحَرَماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمّد بن عبد الله لا يُوزَن برجل إلا رجَحَ به شرَفاً ونُبْلاً، وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال قُلٌّ؛ فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، ومحمّد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب إليكم راغباً كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونشّاً (نصف أوقِيّة)، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم.

فكان جواب ولي خديجة: هذا البُضْعُ لا يُقْرَعُ أنفهُ، وزوّجها منه. وفي رواية أنه لما أتمّ أبو طالب الخطبة تكلّم ورقة بن نوفل فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرتَ، وفضَّلنا على ما عدَدْتَ، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كلّه، لا تُنكِر العشيرة فضلكم، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رَغِبنا في الاتصال بحَبْلكم وشرَفكم، فاشهدوا عليّ يا معاشر قريش بأني قد زوّجتُ خديجة بنت خويْلِد من محمّد بن عبد الله على أربعمائة دينار. ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمّها، فقالت عمّها: اشهدوا عليّ يا معاشر قريش أني قد أنكحت مُحمّد بن عبد اله خديجة بنت خُويلد. وشَهِد على ذلك صناديد قريش.

وكان عمر النبيّ r حين تزوّجها خمساً وعشرين سنة، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوماً، وكانت سنها يومئذ أربعين سنة. وهي تجتمع في نسبها مع النبيّ r في قُصيّ بن كلاب فهي من أقرب نسائه إليه r في النسب.


زواج خديجة قبل النبيّ r:

وكانت السيدة خديجة، رضي الله عنها، قد تزوّجت قبل النبيّ r برجلين، أوّلهما عتيق بن عائذ، فولدت له عبد الله، وجارية اسمها هند، فتزوّجها ابن عمّها صَيفيّ بن أُميّة من بني مخزوم فولدت له محمّداً، ويقال لبني محمّد هذا بنو الطاهرة لمكان السيدة خديجة. وثانيهما أبو هالة بن مالك من بني تميم واسمه هند، فولدت له ولداً اسمه هالة وولداً اسمه هند أيضاً، وجارية اسمها زينب.

وقد ابتنى النبي r بخديجة، رضي الله عنها، في البيت الذي كانت تسكنه، وفيه ولدت جميع أولادها، وفيه توفيت، ولم يزل النبي r ساكناً فيه حتى خرج إلى المدينة مهاجراً فأخذه عَقِيل بن أبي طالب.


أولاد النبي r:

وقد أنجب النَّبي r أولاده جميعاً من السيدة خديجة، رضي الله عنها، عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.

وكان أوّل من وُلد لرسول الله r قبل النبوة القاسم وبه كان يكنى بعد النبوة، ثم زينب، ثم رُقَيّة، ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة، ثم وُلد له في الإسلام عبد الله وكان يلقب بالطيّب والطّاهر رضي الله عنهم.

وكانت سلمى مولاة صَفيّة بنت عبد المطلب تُقَبِّل (تتلقّى ولد) خديجة في وِلادها، وكانت تَعِقّ عن كل غلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت خديجة رضي الله عنها، إذا ولدت ولداً دفعته إلى مَن يرضعه، إلاّ فاطمة لم يرضعها أحد غيرها.

ومات بنوه r في صغرهم، فمات القاسم بعد أن بلغ سنّاً تمكنه من المشي غير أن رضاعته لم تكن كملت، ثم مات عبد الله وهو طفل.

وقد كان المشركون يعيّرون النبي r بانقطاع أثره لوفاة أولاده الذّكور، فعن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: مات القاسم وهو أوّل ميت من ولده r بمكّة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل: لقد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله تبارك وتعالى: {إنّ شانئكَ هوَ الأبْتَرُ}[الكوثر:3].

أما البنات فكّلهن أدركن الإسلام، واجتمعن معه r في المدينة بعد الهجرة، ومات سائرهن في حياة النبي r، إلا فاطمة، رضي الله عنها، فلحقت به بعد ستة أشهر من وفاته r . فماتت زينب، رضي الله عنها، في أول السنة الثامنة من الهجرة، وتوفيت رُقَيّة زمن بدر، وأمّ كلثوم بعد تبوك في السنة التاسعة للهجرة.


مشاركة النبي r في بناء الكعبة:

الكعبة أوّل بيت بُني لعبادة الله، عزّ وجلّ، في الأرض، قال سبحانه: {إنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ للَّذي بِبَكَّة مُباركاً وهُدىً للعالمينَ}[آل عمران:96]. وعن أبي ذَرّ، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ! أيّ مسجد وُضع في الأرض أوّل؟ قال: «الْمَسْجِدُ الحرام».

ويقال أوّل من قام في بنائها أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما السلام، قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ منَ البيتِ وإسماعيلُ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنتَ السميعُ العليمُ}[البقرة: 137].

تهدم الكعبة بالطوفان:

وقد تعرّضت الكعبة للعوادي التي أوهت بنيانها وصدّعت جدرانها، وقبل بعثة النبي r بخمس سنين جرف مكّة سيل عَرِم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، إضافة إلى أن نفراً من اللصوص سرقوا كنزها الذي كان في جوفها، وكانت الكعبة رَضْماً فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصاً على مكانتها وحفاظاً على حرمتها.

واتفقت قريش على أن لا يدخلوا في بناء الكعبة من كسبهم إلاّ طيباً، فلا يدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع رباً ولا مظلمة أحد من الناس.

وكانوا يهابون هدمها فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي وقالوا: ننتظر الوليد فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله صنعنا فهدمنا، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء هدموا معه، حتى وصولوا إلى قواعد إبراهيم، عليه السلام. روى ابن إسحاق في سبب انتهائهم عن تلك القواعد أن رجلاً من قريش أدخل عَتَلَة (حديدة كبيرة) بين حجرين من أساس إبراهيم، عليه السلام، ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقَّضت (اهتزت) مكَّة بأسرها، فانتهوا عندئذ عن ذلك الأساس.

وقد اشترك سادة قريش ورجالاتها الكبار في أعمال الهدم والبناء، فقسموا الكعبة وجعلوا لكل قبيلة جزءاً منها، فجمعت كل قبيلة من قريش حجارة على حِدة، وشرعوا يبنونها كما كانت.


النبي r يضع الحجر الأسود:

حين هدم السيل الكعبة المشرفة هبت قريش لبنائها من جديد، وكان النبي r ينقل الحجارة مع قومه وله من العمر خمس وثلاثون سنة. روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسول الله r كان ينقُل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي ! لو حَلَلْت إزارك فجعلته على مَنكِبيك دون الحجارة، قال: فحلّة فجعله على منكبيه، فسقط مَغْشِيّاً عليه، فما رُئي بعد ذلك عُرْياناً r .

ولما بلغت القبائل في البنيان موضع الحجر الأسود تنازعوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، حتى كاد أن يتحول هذا النزاع إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إذ قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، وتعاقدت هي وبنو عديّ بن كعب بن لؤيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في تلك الجفنة، فسُمُّوا لعقة الدم. فمكثوا على ذلك أربع ليال أو خمساً حتى عرض عليهم أبو أميّة بن المغيرة المخزميّ أن يحكّموا فيما اختلفوا فيه أوّل داخل من باب بني شيبة، ففعلوا. وشاء الله أن يكون ذلك الداخل رسول الله r، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمّد، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر، فقال رسول الله r : «هَلُمَّ إليَّ ثوباً»، فأُتي به، فأخذ الرّكن فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لِتَأْخُذْ كُلّ قَبيلةٍ بنَاحيَةٍ منَ الثَّوبِ ثم ارفَعُوهُ جميعاً». ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضع رسول الله r هو بيده ثم بنى عليه.

وبذلك دفع رسول الله r عنهم حرباً كانت وشيكة الوقوع، وهذا يدل على رجاحة عقله وحضور بديهته، وعلى علو المنزلة التي بلغها r في قومه. وقد روي عن ابن خُثيم أنه كان يُتحاكم إلى رسول الله r في الجاهلية قبل الإسلام، وروي عن الزهري أنهم كانوا لا ينحرون جزوراً إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.


كيف بنيت الكعبة:

تهدمت الكعبة بالسيل الذي أصاب مكة في فترة شباب النبيّ r، ومع جهد قريش في بناء الكعبة فقد قصّرت بها النفقة الطيبة عن إتمامها على قواعد إبراهيم، عليه السلام، فأخرجوا من الجهة الشمالية نحواً من ستة أذرع، وهي التي تُسمى بالحِجْر أو الحَطيم، ورفعوا بابها عن الأرض لئلاّ يدخلها إلاّ من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعاً سقفوه على ستة أعمدة.

ولما استقر الأمر، فيما بعد للنبيّ r في الجزيرة كلّها آثر تركها على ما انتهت إليه، ولم ير ضرورة لتجديدها. روى البخاري بسنده عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي r قال لها: «يا عائشة! لولا أن قومَكِ حديثُ عهدٍ بجاهلية لأَمَرتُ بالبيت فَهُدِمَ، فأدخلتُ فيه ما أُخرِجَ منهُ، وأَلزَقتُه بالأرضِ، وجعلتُ له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيمَ».

وعنها أيضاً قالت: سألتُ رسول الله r عن الْجَدْرِ أمِنَ البيت هو؟ قال: «نعم»، قلت: فلِمَ لم يُدخِلوه في البيت؟ قال: «إنَّ قومَكِ قَصَّرَتْ بهم النفقةُ»، قالت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: «فعلَ ذلك قومُكِ ليُدْخِلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومَكِ حديثٌ عهدهم في الجاهلية فأخافُ أن تُنكِرَ قلُوبُهم لَنَظَرتُ انْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ في البيتِ، وأنْ أُلْزِقَ بابَهُ بالأرضِ».


الحنفاء

بقايا الحنفاء قبل النبي r:

دانت العرب بدين إبراهيم، عليه السلام، وبدين جدّها إسماعيل، عليه السلام، فكانت تعبد الله وتوحده، حتى طال عليهم الأمد ونُسوا حظاً ممّا ذكّروا به، فدخل فيهم الشّرك واعتادوا عبادة الأصنام، وتسلّلت إليهم التقاليد الباطلة والأخلاق الفاحشة، فابتعدوا بذلك عن ضياء التوحيد وعن منهج الحنيفيّة، إلاّ أنه بقي فيهم عدّة شعائر من دين إبراهيم، عليه السلام، وبقيت فيهم بقيّة من النّاس ظلّت متمسكة بالتوحيد وسائره على منهج الحنيفية. منهم ورقة بن نُوفل، وعُبيد الله بن جحش، وعُثمان بن الحُوَيْرث، وزيد بن عَمرو بن نُفَيل. وقد اتفق هؤلاء على ترك دين قومهم، وأن يتفرَّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفيّة دين إبراهيم عليه السلام.


ورقة بن نوفل:

فأما وَرَقَة بن نَوْفَل فاستحكم في النصرانيّة واتَبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب. روي عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبيّ r قال: «لا تَسُبُّوا وَرَقةَ فإنِّي رأَيْتُ لَهُ جَنَّةً أو جنَّتَيْنِ».

وكان لورقة دور هام في أيام البعثة الأولى، للتوسع انظر مادة: بدء الوحي.


عبيد الله بن جحش:

وأما عُبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة مع امرأته أم حَبيبَة بنت أبي سفيان، رضي الله عنها، فلما قدِمها تنصَّر وفارق الإسلام حتى مات هنالك نصرانياً.

رُوي عن أمّ حبيبةَ قالت: رأيت في المنام كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهه، ففَزِعت فقلت: تغيَّرت والله حاله؛ فإذا هو يقول حين أصبح: يا أمّ حبيبة! إني نظرت في الدّين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دِنْتُ بها ثم دخلت في دين محمّد ثم رجعت إلى النصرانية، فقلتُ: والله ما خير لك، وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له، فلم يَحْفل بها وأكبّ على الخمر حتى مات.


عثمان بن الحويرث:

وأما عثمان بن الحُوَيرث فقدِم على قيصر الروم فتنصَّر وحَسُنت منزلته عنده، ومات على ذلك، وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين.

روي أن قيصر كان قد توّج عثمان وولاه أمر مكّة، فلما جاءهم بذلك أنِفوا من أن يدينوا لِمَلِك، وصاح الأسود بن أسد بن عبد العُزّى: ألا إن مكّة حَيّ لَقَاح لا تدين لملك، فلم يتمّ له مراده، وكان يقال له البطريق، ولا عقب له ومات بالشام مسموماً، سمّه عمرو بن جَفْنَة الغسانيّ الملك.


زيد بن عمرو:

وأما زيد بن عمرو بن نُفَيل ففارق دين قومه ولم يدخل في يهودية ولا نصرانيّة، فاعتزل الأوثان والميتة والذبائح التي تُذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد ربّ إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه .

قال ابن إسحاق: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكّة ليضرب في الأرض يطلُب الحنيفية دين إبراهيم r، فكانت صفيّة بنت الحضرميّ كلّما رأته قد تهيّأ للخروج وأراده، آذنت به الخطّاب بن نُفَيل؛ وكان الخطّاب بن نُفَيل عمّه وأخاه لأمّه، وكان يعاتِبه على فراق دين قومه، وكان الخطّاب قد وكّل صفيّة به وقال: إذا رأيتِه قد همّ بأمر فآذِنيني به.

قال ابن إسحاق: وحُدِثتُ عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نُفَيل أن زيداً كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبَّيك حقّاً حقّاً، تعبُّداً ورِقّاً، عُذت بما عاذ به إبراهيم، مُستقبِل الكعبة وهو قائم إذ قال:

أَنْفِي لكَ اللهُمَّ عانٍ راغِمُ              مَهما تُجَشِّمْني فإنِّي جاشِمُ

الـبِــرَّ أبْـغـي لا الـخـــال               ليـــس مُهَجَّرٌ كمـــن قائم

وقال زيد بن عمرو بن نُفَيل:

وأسلمتُ وجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ           لهُ الأرضُ تَحملُ صَخراً ثِقالاً

وكان الخطّاب قد آذى زيداً حتى أخرجه إلى أعلى مكّة، فنزل حِراء مقابل مكّة، ووكّل به الخطّاب شباباً من شباب قريش وسُفهاء من سُفهائهم فقال لهم: لا تتركوه يدخُل مكّة، فكان لا يدخُلها، إلاّ سرّاً منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطّاب، فأخرجوه وآذَوْهُ كراهية أن يُفسِد عليهم دينهم وأن يتابِعه أحد منهم على فِراقه؛ فقال وهو يُعظِّم حُرْمَته على من استحلّ منه ما استحلّ من قومه:

لا هُمَّ إنِّي مُحْرِمٌ لا حِلَّـــهْ             وإنّ بيتي أوْسَطَ الْمَحِلَّهْ

عند الصَّفا ليس بذي مَضَلَّهْ

ثم خرج يطلُب دين إبراهيم، عليه السلام، ويسأل الرُّهبان والأحبار حتى بلغ الموصِل والجزيرة كلّها، ثم أقبل فجال الشّام كلّها، حتى انتهى إلى راهِب بِمَيْفَعة من أرض البَلْقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية، فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفيّة دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلُب ديناً ما أنت بواجد مَن يحمِلك عليه اليوم، ولكن قد أظلّ زمان نبيّ يخرُج من بلادك التي خرجت منها، يُبعث بدين إبراهيم الحنيفيّة؛ فالْحَق به فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه، وقد كان شامّ (اختبرَ وكشف) اليهوديّة والنصرانية فلم يَرْضَ شيئاً منهما، فخرج سريعاً حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكّة، حتى إذا توسَّط بلاد لخم عَدَوْا عليه فقتلوه.

ويقال إنه توفّي وقريش تبني الكعبة، قبل ان يُبعث رسول الله r بخمس سنين، ودُفن بأصل حِراء.

وكان زيد بن عمرو بن نُفَيل يَعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشّاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكاراً لذلك وإعظاماً له.

روى البخاري بسنده عن ابن عُمر أن زيد بن عمرو بن نُفَيل خرج إلى الشّام يسأل عن الدّين ويَتْبعه، فلَقِي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إنّي لعلِّي أن أَدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرّ إلاّ من غَضَب الله، ولا أحمِل من غَضَب الله شيئاً أبداً، وأنَّى أستطيعه! فهل تَدُلَّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلاّ أن يكون حَنيفاً، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولا يعبد إلاّ الله، فخرج زيد فلقي عالماً من النّصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لَعْنَة الله، قال: ما أفرّ إلاّ من لعنة الله، ولا أحمِل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنَّى أستطيع! فهل تَدُلَّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلاّ أن يكون حَنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولا يعبد إلاّ الله،. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم، عليه السلام، خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللَّهُمَّ إنِّي أشهدُ أنِّي على دين إبراهيم.

وهذا الحديث يبين مقدار الحيرة التي سادت الدّنيا وغطّت بضبابها الكثيف على الأديان الظاهرة. اليهود يشعرون بأنهم مطاردون في الأرض منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وِزراً من المَقْتِ المكتوب عليهم. والنَّصارى وقع بينهم شقاق رهيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمه، من الإله الكبير، وقد أثار هذا الخلاق بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقاً يلعن بعضها بعضاً.

روى ابن إسحاق بسنده عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نُفَيل شيخاً كبيراً مُسنّاً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش! والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللَّهمّ لو أنّي أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك عبدتك به، ولكنّي لا أعلمه، ثم يسجد على راحته. وفي رواية عن أسماء، رضي الله عنها، أيضاً أنه كان يُحيي الموَؤدة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتُل ابنته: لا تقتُلها، أنا أكفيكها مُؤْنتها، فيأخذها، فإذا ترعْرَعَت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مُؤْنتها.

وعن جابر قال: سألنا رسول الله r عن زيد بن عمرو بن نُفَيل فقلنا: يا رسول الله ! إنه كان يستقبل القِبلة ويقول: ديني دين إبراهيم وإلهي إلـه إبراهيم، وكان يصلّي ويسجد، قال: «ذاكَ أُمَّةً وحده، يُحشرُ بَيني وبينَ يديْ عيسى بنِ مريمَ».

روي أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل وعمر بن الخطاب ـ وهو ابن عمّه ـ قالا لرسول الله r : أنستغفِر لزيد بن عمرو؟ قال: «نَعَمْ؛ فإنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وحدَهُ»، وكان رسول الله r يستغفر له ويترحّم عليه ويقول: «إنَّهُ ماتَ على دين إبراهيمَ»، ويقول أيضاً: «قَدْ رَأَيْتُهُ في الجنَّة يَسْحَبُ ذُيولاً».


صرمة بن أنس:

أبو قيس صِرْمَة بن أبي أنس أخو بني عدي بن النجّار من أهل المدينة، وكان رجلاً قد ترهب في الجاهليّة، ولبس المُسُوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وهمّ بالنصرانيّة لكنّه لم يدخل بها، فاعتزل قومه وقال: أعبد ربّ إبراهيم حين فارق الأوثان. فلما قدم رسول الله r المدينة أسلم وحسن إسلامه.


أبو قيس بن الأَسْلَت:

ومنهم أيضاً أبو قيس بن الأَسْلَت، وكان يُعرف بيثرب يقال له الحنيف، وكان شاعراً. قال الواقدي: لم يكن أحد من الأوس والخزرج أوصف للحنيفيّة ولا أكثر مسألة عنها من أبي قيس بن الأسلت، واختبر اليهودية والنصرانية فأباهما، وطلب دين إبراهيم الحنيف وتمسك به من ترك الأوثان وأكل ما ذُبح على النُّصب، وكان يذكر صفة النّبي r وما تخبره به يهود من ذلك. فلما قدم رسول الله r المدينة وأسلمت الأوس والخزرج قيل له: يا أبا قيس ! هذا صاحبك الذي كنت تصف، فقال: أجل قد بُعث بالحقِّ، وجاء إلى النبي r فقال له: إلام تدعو؟ فقال رسول الله r: «إلى شهادَةِ ألا لا إله إلاّ الله وأَنّي رَسُولُ اللهِ»، وذكر شرائع الإسلام، فقال أبو قيس: ما أحسن هذا وأجمله، أنظر في أمري ثم أعود إليك. وكاد يُسلِم، فلقيه عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول فقال: من أين؟ فقال من عند محمّد؛ عرض عليّ كلاماً ما أحسنه وهو الذي كنا نعرِف والذي كانت أحبار يهود تخبرنا به، فقال له عبد الله بن أُبيّ: كرهتَ والله حرب الخزرج، فغضب أبو قيس وقال: لا أُسِلم سنة، ثم انصرف إلى منزله حتى مات قبل الحول. ويقال إنه سُمِع يُوحّد عند الموت.


أمية بن أبي الصلت:

ومنهم أيضاً أُميّة بن أبي الصّلت، وقد كان رسول الله r يستنشد الشَّرِيد بن سُوَيد الثَّقفيّ من شِعر أمية ويقول: «إنْ كادَ لَيُسْلِم».

وكان أميَّة قد تنصّر ولبِس المُسُوح، وكان يقول: كنت أجد في كتبي نبيّاً يُبعث من الحَرَم، وأنه كان يظنّ بل لا يشكّ أنه هو، فلما دارس أهل العلم وجده من بني عبد مناف، فكان يرى أنه لا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما رأى أنه جاوز الأربعينَ ولم يُوحَ إليه عرف أنه ليس به، فلما بُعث النبيّ r أتاه أميّة في جماعة من قريش حتى جلسوا إلى النبي r في ظلّ الكعبة، فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر، حتى إذا فرغ قال: أجبني يا ابن عبد المطلب ! فقال رسول الله r : {بسم الله الرحمن الرحيم. يس والقرآنِ الحكيمِ} حتى إذا فرغ منها وثب أميّة يَجُرّ رجليه فتبعته قريش يقولون: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحقّ، فقالوا: هل تتَّبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره، ثم خرج أمية إلى الشّام، وقدم رسول الله r المدينة، ولم يرجع أمية من الشّام إلا بعد غزوة بدر، وهمّ بالرحيل إلى رسول الله r ليسلم، فقالوا له: إنه قتل عتبة وشيبة ابني ربيعة وألقاهما في قليب بدر وهما ابنا خالك، فترك الإسلام. وقيل إنه منعه من اتباعه ما قاله لأبي سفيان حينما سأله: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: الاستحياء من نُسَيّات ثقيف إني كنت أحدّثهم أني هو، ثم يروني تابعاً لغلام من بني عبد مناف.

روي أن الفارعة أخت أميّة بن أبي الصّلت قدِمت على رسول الله r بعد فتح مكّة، فقال لها رسول الله r : «إنَّ مَثَلَ أَخِيكَ كَمَثلِ الذي آتاهُ الله آياتِهِ فانسَلَخَ مِنها».


قس بن ساعدة الإيادي:

ومن بقايا الحنفاء قُس بن ساعِدة الإيادي، روي أن وَفْد غياد قدِم على رسول الله r فسألهم عن قُسّ بن ساعِدَة الإياديّ، فقالوا: هلك يا رسول الله ! فقال رسول الله r :«لقد شَهدْتُهُ في الموسم بعكاظٍ وهو على جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ ـ أو على ناقَةٍ حَمراء ـ وهُو ينادي في الناسِ: أيُّها النَّاسُ ! اجتمعوا واسمعوا وعُوا، واتَّعِظوا تنتفِعوا؛ مَنْ عاشَ ماتَ، ومن ماتَ فاتَ، وكلُّ ما هُو آتٍ آتْ. أَمَّا بعد؛ فإنَّ في السماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لَعِبَراً: نُجومٌ تَغُورُ، وبحارٌ تَفُورُ ولا تفورُ، وسَقْفٌ مرفوعٌ، ومِهادٌ مَوْضوعٌ، وأنهارٌ مَنبوعٌ. أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَماً بالله لا كذِباً ولا إثْماً: لَيَتْبَعَنَّ الأمْر سَخَطاً، ولَئِنْ كانَ في بعضِهِ رضاً، إنَّ في بَعضِهِ لَسَخطاً، وما هذا باللَّعبِ، وإنَّ مِن وراء هذا للعَجَب. أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَماً باللهِ لا كَذِباً ولا آثماً: إنَّ للهِ ديناً هو أرضَى لهُ من دينٍ نحنُ عَليهِ، ما بالُ النَّاسِ يَذْهَبونَ ولا يَرْجِعُونَ؟ أَرَضُوا فأقامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا فنَامُوا؟».

قال رسول الله r : «ثم أَنْشَدَ قُسُّ بنُ ساعِدَةَ أبياتاً منَ الشِّعْرِ لم أَحْفَظْها عَنْهُ». فقام أبو بكر الصِّدّيق، رضي الله عنه، فقال: أنا حضرتُ ذلك المقام، وحَفِظت تلك المقالة، فقال رسول الله r : «ما هي ؟» فقال له أبو بكر: قال قُسّ بن ساعِدَة في آخر كلامه:

في الـذّاهـبـيـن الأوّلـينَ                مِنَ الـقـرون لـنـــا بصـائــر

لـمّا رأيتُ موارداً للمو         تِ لـيــس لـهـا مَــصـــادِرْ

ورأيـتُ قومـي نحوَهــا                يمضي الأكابرُ والأصاغِــــرْ

لا يَـرجـِـعُ المضــي إليّ               ولا مــنَ البــاقــينَ غــابــرْ

أَيْـقَـنْـتُ أنّـي لا مَحـا           لةَ حيثُ صارَ القومُ صائرْ

ثم أقبل رسول الله r على وفد إياد فقال: «هل وجد لقُسِّ بنِ ساعِدَةَ وَصيَّةٌ؟» فقالوا: نعم؛ وجدنا له صحيفة تحت رأسه مكتوب فيها:

يا ناعيَ الموتِ والأمواتِ في جَـدَثٍ          عليـهـم مِـن بقايـا ثـوبِهـم حِرَقُ

دَعْــهُــم فـإنَّ لـهم يوماً يُصاحُ بهم            كما يُنَبَّهُ مِـــن نومــاتِه الصَّعــِقُ

منـهـم عُـراةٌ ومَـوتـى في ثـيـابـهـــم           منها الجديدُ ومنها الأورَق الخَلقُ

فقال رسول الله r: «والذي بعَثَني بالحقِّ لَقَدْ آمَنَ قُسُّ بالبَعثِ».

وفي رواية قال رسول الله r : «رَحِمَ اللهُ قُسّاً، إنِّي أَرْجوا أنْ يبْعَثَهُ اللهُ، عزَّ وجلَّ، أمَّةً وَحْدَهُ».


بعثة النبيّ r

خلوته بغار حراء :

حبّ النَّبيّ r للخلوة:

لما تقاربت سِنّ النّبي r الأربعين حبّب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. فكان رسول الله r يهجر مكّة كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، وكان ذلك مما تحنَّث به قريش في الجاهلية. وحِراء غار في جبل النور يقع في جانب الشمال الغربي من مكّة على مسافة ثلاثة أميال منها على يسار الذاهب إلى مِنى.

وكان النبي r يتزوّد لخلوته لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد ذلك الزّاد رجع إلى أهله يتزوّد قدر ذلك، فيقيم في حراء شهراً من كلّ سنة يُطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في الذّكر والعبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة، حتى وصل من الصّفاء والإشراق إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحة قلبه المجلوّة، فأصبح لا يرى رؤيا إلاّ جاءت كفلق الصّبح.

وكان النبيّ r إذا قضى جِواره من شهره ذلك كان أوّل ما يبدأ به ـ إذا انصرف قبل أن يدخل بيته ـ الكعبة، فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله تعالى من ذلك، ثم يرجع إلى بيته.

وظل النبي r على ذلك ثلاث سنوات إلى أن جاءه الوحي وهو في إحدى خلواته تلك.


الرؤيا الصادقة:

أول ما بدئ به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

وقد بدأت الرؤيا الصادقة منذ شهر ربيع الأول عام 40 بعد الفيل، فاستمرت بذلك نحو ستة أشهر.

وكان النبيّ r يقول: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».

وذلك أن نبوّة النبي r استمرت ثلاثة وعشرين عاماً، ستة أشهر منها رؤيا صادقة فتكون نسبتها 1/46 من عمر الرسالة.

وفي رمضان من العام نفسه خرج رسول الله r كعادته إلى غار حراء؛ وقد صفت نفسه وشفت روحانيته وهيأه الله عزّ وجلّ لما اختاره له من النبوة الخاتمة.

وفي يوم 27/رمضان عام/12/ق.هـ. الموافق 19/آب/610 ميلادية. كان أول نزول للوحي على النبي r في غار حراء، وهي ليلة القدر.


إرهاصات النبوّة:

الإرهاصات هي كل ما ظهر من بشارات ومعجزات قبل بعثة النبي r تبشر بظهوره وتذكر صفاته وعلاماته. وكانت أولى هذه الإرهاصات تبشير عيسى المسيح عليه السلام به قبل بعثته بستة قرون.

{وإذْ قالَ عيسَى ابنُ مَرْيَمَ يَا بَني إسرائيل إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِما بينَ يدَيَّ من التوراةِ ومبشِّراً برسولٍ يأتِي مِن بعدي اسمُهُ أَحْمَدُ…}.

ومنها ما كانت تبشر به يهود من قرب زمان نبي يملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.

ومنها بشارات ورقة بن نوفل بعدما سمع عنه من الناس بأنه سيكون نبيَّ هذه الأمة، إضافة إلى أخبار كثيرة وردت عن الكهان تفيد بقرب مبعث هذا النبيّ .


مدرسة حراء:

على مدى الأربعين سنة التي عاشها رسول الله r قبل البعثة، أعده الله إعداداً خاصاً. فصان أخلاقه أن تختلط بأخلاق الجاهليين من الضلالة والإنحراف والفجور. وصان عقله فلم يشرب خمراً قط. وصان عقيدته فلم يسجد لصنم ولا وثن. وصان قلبه فأدخله في مدرسة (حراء).

و(حراء) غار قرب مكة في جبل أبي قبيس، كان رسول الله r يخلو فيه بربه فيطيل عبادته وتأمله فيه، ذاكراً متفكراً عابداً لله وحده.

وعلى مدى سنوات كان محمد r يتعبد في هذا الغار، وخصوصاً في شهر رمضان، فقد اعتاد أن يمضيه في أروع ساعات العبادة والصفاء.

فكان (حراء) مدرسة أعده الله فيها ليكون داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وتروي السيد عائشة رضي الله عنها: «أن أول ما بدئ به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه (وهو التعبد) الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتردد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء».


نزول الوحي:

قال ابن إسحاق: ابتدىء رسول الله r بالتنزيل في شهر رمضان، يقول الله عزّ وجلّ: {شهر رمضان الذي أُنزِلَ فيه القرآن هدى للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان}[البقرة:185]، وقال الله تعالى: {إنَّا أنزلناه في ليلةِ القدرِ، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، سلام هي حتى مطلع الفجر}[سورة القدر]، وقال الله تعالى: {حم والكتاب المبينِ، إنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ إنَّا كنّا مُنذِرينَ، فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ، أمراً منْ عندنا إنّا كُنّا مرْسِلينَ}[الدخان:1-5].

رواية البخاري في نزول الوحي:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: أوّل ما بُدىء به رسول الله r مِنَ الوحي الرُّؤيا الصّالحة في النَّوم، فكان لا يرى رُؤيا إلاّ جاءت مثل فَلَق الصّبح، حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءهُ الملَك فقال: اقرأ، قال r: «ما أنا بقارىءٍ، قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغَ منِّي الجَهْدَ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىءٍ، قال: فأخذني فغطَّني الثَّانية حتى بلغَ منِّي الجَهْدَ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىءٍ، قال: فأخذني فغطَّني الثَّالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلقَ الإنسان من علق، اقرأ وربكَ الأكرمُ}[العلق:1-3]» فرجع بها رسول الله r يرجُفُ فُؤاده، فدخل على خديجَةَ بنت خُويلدٍ، رضي الله عنها، فقال: «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» فزَمَّلوهُ حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال لِخَديجة وأخبرها الخبر وقال: «لقد خشيتُ على نفسي» فقالت خديجَة: كلاّ والله ما يُخْزيكَ الله أبداً؛ إنك لتَصِل الرَّحِم، وتحمِل الكَلَّ، وتَكْسِب الْمَعْدُوم، وتَقرِي الضَّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورَقة بن نوْفَل بن أسَد بن عبد العُزّى ابن عمّ خديجة، وكان امْرأً تنصَّر في الجاهليّة، وكان يكتُب الكتاب العِبرانيِّ فيكتُب من الإنجيل بالعِبرانيّة ما شاء الله أن يكتَب، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِيَ، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ ! اسمع من ابن أخيك، فقال له وَرَقَة: يا ابن أخي ! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله r خبر ما رأى، فقال له وَرَقة: هذا النَّامُوس الذي نزَّل الله على موسى، يا لَيتَني فيها جُذَعاً، ليتَني أكونُ حَيّاً إذ يُخرِجك قومك، فقال رسول الله r : «أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قال: نعم؛ لم يأت رجُل قطّ بمثل ما جِئتً به إلا عُودِيَ، وإن يُدْرِكني يومك أنصُرك نَصراً مُؤزّراً. ثم لم يَنْشَب وَرَقة أن تُوفَّي وفَتَر الوحي.

رواية ابن هشام في نزول الوحي:

وفي رواية ابن هشام أن رسول الله r خرج من غار حراء بعدما فوجىء بالوحي ـ وفي رواية أخرى أنه قال r : «ولم يَكُنْ في خَلْقِ اللهِ، عزَّ وجَلَّ، أحدٌ أَبْغَضَ إليَّ من شاعرٍ أو مجنون، فكنْتُ لا أُطيقُ أَنْظُرُ إليها، فقُلتُ: إنَّ الأَبعدَ ـ يعني نَفْسَهُ ـ لشاعرٌ أو مجنون، ثم قُلتُ: لا تُحَدثُ عنِّي قريشٌ بهذا أبداً، لأعمدنَّ إلى حالقٍ من الجَبَل فلأَطرحنَّ نفْسي منه فَلأَقْتُلنّها فلأَستريحنَّ» ـ قال: «حتى إذا كنتُ في وَسَطٍ من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمّدُ! أنت رسول الله وأنا جبريلُ، قال: فَرَفعت رأسي إلى السماء أنْظر إليه، فما أتقدّم وما أتأخر، وجَعَلتُ أصرِفُ وجْهي عنهُ في آفاق السماء، قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيتُهُ كذلك، فما زِلتُ واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بَعَثتْ خديجة رُسلَها في طلَبي فبلغوا أعلى مكّة ورجعوا إليها وأنا واقفٌ في مكاني ذلك، ثم انصرف عنّي، وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، فقالت: يا أبا القاسم ! أين كنتَ؟ فوالله لقد بعثتُ رُسُلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي، ثم حَدَّثتُها بالذي رأيتُ». فقالت: أبشِرْ ياابنَ عمِّ واثبتْ، فوالذي نفسُ خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة، ثم قامت فجمَعَت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورَقَة بن نَوْفَل، وكان قد تنصَّر وقرأ الكتبَ وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله r أنه رأى وسمع، فقال ورقَةَ: قُدُّوسٌ قدُّوسٌ، والذي نفس ورقة بيده لئن كنتِ صدقتني يا خديجةُ لقد جاءهُ النَّاموسُ الأكبرُ الذي كان يأتي مُوسَى ،وإنَّه لنبيّ هذه الأمة، فقولي له فليثبتْ، فرجعت خديجة إلى رسول الله r فأخبرتهُ بقول ورقة بن نوفل، فسهَّل ذلك عليه بعضَ ما هو فيه من الهمِّ.

رواية البيهقي في نزول الوحي:

وفي رواية للبيهقي في دلائل النبوة: أنّ النبيّ r لـمّا جاءه جبريل، عليه السلام، برسالة ربِّه انصرف منقلباً إلى أهله موقناً، قد رأى أمراً عظيماً، فلما دخل على خديجة قال: «أرأيتِكِ الذي كُنتُ أُحدّثكِ أَنّي رأيتُهُ في المنام، فإنّه جبريل، عليه السلام، استعلن لي، أرسله إليَّ ربِّي»، وأخبرها بالذي جاءه من الله، عزّ وجلّ، وما سَمِع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلاّ خيراً، فاقْبَل الذي جاءك من عند الله، عزّ وجلّ، فإنّه حقّ، وأبشر فإنّك رسول الله حقّاً.


فترة الوحي:

وقد فتر الوحي عن رسول الله r بعد أوّل مرّة رأى جبريل، عليه السلام فيها مدة يسيرة، فعن جابر بن عبد الله قال: حُبِس الوحي عن رسول الله r في أوّل مرّة، وحُبّب إليه الخلاء، فجعل يخلُو في حراء.

وحَزِن رسول الله r لذلك حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثَبِير مرّة وإلى حِراء مرة يريد أن يُلقي نفسه منه، روى البخاري بسنده عن عائشة، رضي الله عنها، أنّها قالت بعد أن ذكرت قصة بدء الوحي: وفَتَر الوحي فَتْرة حتى حَزِن النَّبيّ r فيما بلَغَنا، حُزناً غدا منه مراراً كي يتردّى من رُؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذِرْوَة جَبَل لكي يُلْقي منه نفسه، تبدَّى له جبريل فقال: يا مُحمّد ! إنّك رسول الله حقاً، فيَسْكُن لذلك جأشه، وتَقِرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أَوْفى بذِرْوَة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك.

قال ابن حجر: وكان ذلك ـ أي انقطاع الوحي ـ ليذهب ما كان r وجَده من الروع، ليحصل له التشوّف إلى العود.

مدة الفترة:

أما مدة فترة الوحي فروى ابن سعد بسنده عن ابن عبّاس أنها كانت أياماً، وأما ما اشتهر من أنها دامت سنتين ونصف أو ثلاث سنوات فلا يصح بعد إدارة النظر في جميع الروايات، وإن صح ذلك فليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين أو أقل، وهي ما بين نزول {اقرأ} و{يا أيها المُدَّثِّر} عدم مجيء جبريل، عليه السلام، بل تأخر نزول القرآن فقط.

تتابع الوحي:

ثم أذن الله سبحانه للوحي الكريم أن يتتابع بعد أن اشتد شوق النبي r إلى الوحي، روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله r وهو يُحَدِّثُ عن فترة الوحي: «بَينا أنا أمشي سَمِعْتُ صوتاً مِنَ السماء، فرفعتُ بصري، فإذا الملَكُ الذي جاءني بحراءٍ، جالِسٌ على كُرسيّ بين السماء والأرض، ففَرِقْتُ منه ـ وفي رواية أخرى عنه: حتى هَوَيْتُ إلى الأرضِ ـ فرجعتُ فقُلتُ: زَمِّلوني، فَدَثَّروهُ، فأنزلَ الله تعالى: {يا أيها المدَّثِّر، قُمْ فَأنذِر، وربّك فكبِّر، وثيابك فطهِّر، والرُّجزَ فاهجُرُ}[المدثر:1-5].. قال: ثم تتابعَ الوحيُ».


بدء الدعوة

الرعيل الأول:

مضت الأشهر الثلاثة الأخيرة من شوال وذو القعدة وذو الحجة، ورسول الله r يتلقى إرهاصات الوحي ويشرق في نفسه نور النبوة، ومن حوله زوجته خديجة تؤمن به وتشد أزره وتقوي عزيمته.

ومع دخول السنة الثانية للبعثة في شهر المحرم، بدأ رسول الله r يستعد لتبليغ الرسالة كما يأمره الله عز وجل ويرشده الروح الأمين.

وكان من أول ما نزل عليه: {يا أيها المُزَّمِّل * قُم الليلَ إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلاً * إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشدُّ وطئاً وأقوم قيلاً * إنَّ لكَ في النَّهار سبحاً طويلاً}..

وهذه السورة هي برنامج الاستعداد الروحي والقلبي لمواجهة مصاعب الدعوة ومتاعبها، وبه تعلم أن أي عمل من أعمال الدعوة إلى الله لا يبتدئ من تصفية القلب وجلال العبادة ونقاء الروح فإنه عمل مبتور مجزوم، ما أسرع ما ينهزم ويتحطم أمام تيارات الجاهلية.

ولما اكتمل إعداد الله عز وجل لهذا النبي الكريم وأشرقت نفسه بنور النبوة وظهر استعداده لحمل أعظم رسالة في التاريخ، أنزل الله سبحانه عليه: {يا أيها المدَّثِّر، قُمْ فَأنذِر، وربّك فكبِّر، وثيابك فطهِّر، والرُّجزَ فاهجُرُ}[المدثر:1-5]

ومن فوره قام النبيّ r بالدعوة إلى الله عز وجل كما أمره، فبدأ بدعوة أقرب الناس إليه وهم زوجته خديجة وابن عمه علي وصاحبه أبو بكر ومولاه زيد رضي الله عنهم أجمعين.


أول الناس إسلاماً:

اختلفت الأقوال في أول الناس إسلاماً، ولكن العلماء متفقون على أنّ:

ـ أوّل من أسلم من النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وهي زوجة النبي r .

ـ أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصّديق رضي الله عنه، وكان أخص صديق له r .

ـ أول من أسلم من الأطفال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان في كفالته ورعايته r .

ـ أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان مولى وخادماً للنبي r .

وبذلك تعلم أن أسرة النبي r وأهل بيته بادروا إلى الإسلام من أيامه الأولى.

إسلام خديجة بنت خويلد زوجة النبي r :

أما خديجة فقد أسلمت منذ اللحظة الأولى لعرض الإسلام عليها. فكانت أول من دخل في الإسلام ـ بعد رسول الله r ـ وساندته في كل مراحل دعوته، تخفف عنه الآلام وتواسيه في المصائب، وتنفق مالها في سبيل دعوته. فلا عجب أن يبقى ذكرها عند رسول الله r حتى آخر حياته وأن يحفظ مودتها بعد موتها، فكان يكثر الثناء عليها، ويذكر بالإحسان والمودة صديقاتها وأترابها.

إسلام أبي بكر:

أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة كان من أنسب رجال قريش وأشرافهم، وكان محبباً إلى قلوبهم، مألوفاً في مجالسهم.

وكان الصاحب الأول لرسول الله r قبل البعثة، وكان يهتم كثيراً بشأن النبي r وخلوته في غار حراء وانقطاعه للعبادة، وكان يرى أنه سيكون لمحمد شأن، حتى إذا بلغه أمر الرؤيا الصادقة وكلام ورقة بن نوفل ذهب إلى النبي r فقال: بلغني أنك تدعو لتوحيد الله وتقول: إنك رسول الله؟ فقال: «نعم يا أبا بكر، إن ربي عز وجل أرسلني بشيراً ونذيراً وجعلني دعوة إبراهيم، وأرسلني إلى الناس جميعاً، فقال أبو بكر: والله ما جربت عليك كذباً قط، مُدَّ يدك لأبايعك، وبايعه أبو بكر، فكان أشد الناس ملازمة للنبي r وأعظمهم تصديقاً واتباعاً.

وكان النبي r يقول: «ما عرضت الإسلام على أحد إلاّ كانت له نظرة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم».

وقال: «دعوا لي صويحبي، فإني قد بعثت إلى الناس كافة فلم يبق أحد إلاّ قال: كذبت، إلاَّ أبو بكر فإنه قال لي: صدقت».

إسلام علي بن أبي طالب:

وهو ابن عم رسول الله r، وكان النبي قد تكفل برعايته تخفيفاً من أعباء عمه أبي طالب، ولما رأى علي رسول الله يصلي مع خديجة، جعل يسأل النبي r عن ذلك فعرض عليه الإسلام فقال: أمهلني حتى أسأل أبي، فكره أن ينتشر الخبر فقال له: «إذا لم تسلم فاكتم هذا». وبقي علي في ليلته يفكر ويقارن بين عبادة الله وعبادة الأوثان، فشرح الله صدره للإسلام واعتنقه مكرماً وجهه أن يسجد لصنم أو وثن، وكان عمره إذ ذاك لا يتجاوز ست سنوات على أظهر الأقوال.

إسلام زيد بن حارثة:

وهو مولى رسول الله r .

وكان يسمى زيد بن محمد، وسبب ذلك أن زيداً كان من قبيلة معن الكلبية. وقد قام بنو القين في الجاهلية بالإغارة على بني معن، وأخذوا زيداً في جملة ما أخذوا وهو طفل صغير، وباعوه في سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام وأعطاه لعمته خديجة بنت خويلد زوجة النبي r فكان يخدمهما.

ثم إن أبا زيد دُلَّ على موضع ولده، فجاء إلى النبي r في فدائه بما شاء من المال. فقال له النبي r : «لا آخذ شيئاً ولكن إن رضي زيد فخذوه» فرجع أبو زيد إلى ولده فرحاً مسروراً فقال: أي بني !.. قد رضي محمد أن تسير معنا. فقم إلى أهلك وعشيرتك.

غير أن زيداً أعرض عن ذلك وقال: «والله لا أترك محمداً»، وذلك لما رأى من عظيم خلقه وطيب معشره.

فأكرمه النبي r وسماه: زيد بن محمد، وظل يسمى بذلك حتى نزلت سورة الأحزاب في المدينة بتحريم التبني.

ولما بُعث النبي r، سارع زيد إلى الإيمان به وذلك لما سبق من حبه له وتعظيمه إياه واعتقاده بصدقه وأمانته.

ولسنا نعرف تاريخ دخول هؤلاء السابقين في الإسلام على وجه الدقة، ولكن من المؤكد أنهم أسلموا فور أن عرض عليهم النبي r أمر دعوته.


دعوة أبي بكر:

كان أبو بكر ألمع الدعاة في الإسلام، فقد قام فور إسلامه ينشر الإسلام بين أصدقائه وأبناء عشيرته، وهذا هو شأن كل مسلم وصل إلى نجاته بعقيدة الحق، وانفكّ من أسر القلق والشك والاضطراب في وحول الجاهلية إلى أنس الهدى والنور.

وكانت مهمة الصديق رضي الله عنه أن يدعو الناس إلى النبي r، حيث يقوم النبي عليه الصلاة والسلام بشرح الإسلام لهم ودعوتهم إليه.

فأسلم عثمان بن عفان، ثم الزبير بن العوام وعمره 14 سنة، وعبد الرحمن بن عوف وعمره 22 سنة، وطلحة بن عبيد الله وعمره 15 سنة، وسعد بن أبي وقاص وعمره 17 سنة.

وكذلك فقد أسلم أبو عبيدة بن الجراح وعمره 27 سنة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم وعمره 19 سنة، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وقدامة بن مظعون وسعيد بن زيد وعبد الله بن مظعون، وفاطمة بنت الخطاب، ثم بدأ الناس يتسامعون برسالة الإسلام، وسارع الضعفاء والفقراء إلى الدخول فيها.

وقد كان أبو بكر وخديجة يشترون العبيد الضعفاء المسلمين ويعتقونهم في سبيل الله عزّ وجلّ، حتى أنفق أبو بكر قسماً كبيراً من ماله في إعتاق العبيد.

وممن سبق إلى الإسلام أيضاً أسماء وعائشة بنت أبي بكر وأم الفضل وهي لبابة الكبرى بنت الحارث زوجة العباس عم رسول الله r وخباب بن الأرت وعتبة بن غزوان وعمير بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود.


فرض الصلاة والوضوء:

مع الأيام الأولى للإسلام أنزل الله سبحانه تشريع الوضوء والصلاة.

وقد ذكر الطبري عن هشام بن محمّد أن فرض الوضوء والصّلاة كان في أوّل يوم أوحي إلى النبي r فيه. وقال مُقاتل بن سُلَيمان: فرض الله في أول الإسلام الصّلاة ركعتين بالغَداة وركعتين بالعَشِيّ، ثم فرض الخمس ليلة المعراج.

قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أهل العلم أنّ الصلاة حين افتُرِضت على رسول الله r أتاه جبريل وهو بأعلى مكّة، فَهَمَزَ له بِعَقِبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عَيْن، فتوضأ جبريل، عليه السلام، ورسول الله r ينظر إليه لِيُريَهُ كيف الطّهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله r كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل فصلّى به، وصلّى رسول الله r بصلاته، ثم انصرف جبريل عليه السلام.

فجاء رسول الله r خديجة، فتوضأ لها ليُرِيَها كيف الطُّهور للصّلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله r، ثم صلّى بها رسول الله r كما صلّى به جبريل، فصلّت بصلاته.

قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله r كان إذا حضَرتِ الصّلاة خرج إلى شعاب مكّة، وخرج معه علي بن أبي طالب، مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان الصّلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثَر عليهما يوماً وهما يُصليان، فقال لرسول الله r: يا ابن أخي! ما هذا الدّين الذي أراك تَدِين به؟ قال: «أي عمَّ! هذا دين الله، ودين ملائكتهِ، ودينُ رُسُلِهِ، ودينُ أبينا إبراهيمَ» ـ أو كما قال r ـ «بعثَني الله بهِ رسولاً إلى العباد، وأنت أي عمّ أحَقّ من بذلتُ لهُ النصيحة ودَعَوتُه إلى الهدى، وأحقّ مَن أجابني إليه، وأعانني عليه» ـ أو كما قال ـ فقال أبو طالب: أي ابن أخي ! إني لا أستطيع أن أُفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يُخْلصُ إليك بشيء تكرهه ما بَقيتُ. وذكروا أنه قال لعليّ: أيْ بُنَي ! ما هذا الدّين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبتِ ! آمنت بالله وبرسول الله، وصدّقتُه بما جاء به، وصلّيت معه لله، واتّبعته، فزعموا أنه قال له: أمَا إنه لم يدعُك إلا إلى خير، فألزمْهُ.


في دار الأرقم:

أخذ المسلمون يتزايدون يوماً بعد يوم، وكانت الحكمة تقتضي منهم أن يخفوا إسلامهم، فكانوا يخرجون إلى شعاب الجبال يتعبدون الله عز وجل ويؤدون الصلاة: ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها على ملة إبراهيم عليه السلام مستقبلين بيت المقدس.

واجتهد النبي r أن يخفي أمر دعوته عن المشركين من قومه إلاّ من طمع بهدايته منهم، ولكن اجتماع الأصحاب مع النبي r حول الكعبة لم يكن يمر دون غمز ولمز من المشركين.

وبينما كان سعدُ بن أبي وقاص مع بعض أصحابه في شعب من شعاب مكة يصلون، إذ ظهر عليهم بعض المشركين، وجعلوا يستهزؤون بهم وبصلاتهم ودينهم، فصبر الأصحاب، فلم يتركهم المشركون حتى قاتلوهم، فدافع المسلمون عن أنفسهم، وضرب سعد أحد المشركين بعظم بعير فشجّه، فكان هذا أول دم أسيل في الإسلام.

ولم يرض رسول الله r أن تتكرر هذه الحادثة، فالمسلمون ليس لهم من القوة ما يواجهون به قريشاً، والحكمة تقتضي أن يبقوا في هدوئهم، فاختار النبي r دار أحد أشراف مكة: الأرقم بن أبي الأرقم، لتكون مكاناً تلتقي فيه هذه المجموعة المسلمة بمعملها ومربيها r، لتكون داراً للدعوة إلى الله عز وجل.

وكان اجتماع النبي r مع أصحابه في هذه الدار يقتصر على العبادة والذكر وتلاوة القرآن والتوجيه والتربية، إضافةً إلى استقبال ضيوف الإسلام وعرض الإسلام عليهم.

بهذا الإعداد الإيماني والروحي المركّز، تهيأ هؤلاء الرجال لمتابعة السير خلف رسول الله r في طريق الإسلام على صعوبته ووعورته، ودفعهم لتحمّل المصائب والمحن المتلاحقة في سبيل حمل رسالة الحق والهدى، فكانت هذه الحلقة نواة الإسلام، وعلى أكتافها قامت الدعوة الإسلامية. وكانت الدعوة خلال هذا العام سرية خفية، وكان شياطين قريش يشعرون بالدعوة الجديدة، ويتسامعون أخبار المؤمنين فيتغامزون ويسخرون من غير أن يباشرون بالأذى والسوء.


دعوة الأقربين:

استمرت الدعوة السرية ثلاثة سنوات، وكانت هي مرحلة التركيز في دعوة الرسول r، حيث بنى رجالاً يمكن الاعتماد عليهم في حمل رسالة الإسلام.

وهو وإن كان عددهم قليلاً ـ قرابة الأربعين ـ إلا أنهم كانوا يحملون مبادئ الحق التي غيّرت فيما بعد وجه التاريخ. وجاء الأمر الإلـهي بتبليغ هذه الرسالة والإعلان بها، فنزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}[الشعراء:214]. ليبين للمسلم أنَّه مسؤول عن أهله وقرابته في إيصال صوت الإسلام إليهم، ثم نزل قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرِض عن المشركين}[الحجر:94].

فصنع النبي r طعاماً ودعا أقاربه، وأراد أن يتكلّم فبدأ عمه أبو لهب بالكلام وصدّه صداً قبيحاً، فآثر رسول الله r السكوت في هذا المجلس، فالجو العنيف لم يعد مناسباً لعرض الإسلام.

فدعاهم مرة ثانية ووقف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنّ الرائد لا يكذبه أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، واللهِ لتموتُنّ كما تنامون ولتُبعثُنّ كما تستيقظون، ولتحاسبُنّ بما تعملون، وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً».

فقال عمه أبو طالب: (ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأنفعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب).

فقام أبو لهب وقال: (امنعوه من دينه قبل أن يمنعه غيركم، فإن أسلمتموه حينئذٍ ذللتم، وإنْ حميتموه قتلتم). لكن جهد رسول الله r لم يذهب سدى، فقد آمن به بعض أقاربه، كعمته صفية، وفاطمة بنت أسد زوجة عمه أبي طالب.


خطبة الصفا:

كان رسول الله r يبحث عن سائر الوسائل ليبلغ قومه رسالة الله، فصعد جبل الصفا صباح يومٍ، ونادى في الناس (واصباحاه.. واصباحاه.. فلما اجتمعوا حوله، قال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟»، قالوا: ما جربنا عليك كذباً قط. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال له عمه أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه: {تبّتْ يدا أبي لهبٍ وتبَّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب وامرأتُهُ حمالة الحطبِ في جيدِها حَبلٌ من مسد}.

وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما أنزلت هذه الآية: {وأَنْذِر عَشيرتكَ الأقربين} دعا رسول الله r قريشاً، فاجتمعوا، فَعَمّ وخَصّ، فقال: «يا بَني كَعْبِ بن لُؤيّ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بَني عبد مناف! أَنْقِذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشمٍ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ! أنقذي نفسك من النار، فإنّي لا أملك لكم من الله شيئاً، غيرَ أنَّ لكم رحماً سَأبُلُّها بِبِلالها.

ولم تضع صيحة الصفا، بل ظلّ صداها يتردد في أسماع الناس: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فازداد اهتمام الناس بالإسلام، فقيرهم وغنيّهم، عبيدهم وأسيادهم، ضعفاؤهم وأقوياهم.

المستضعفون والعبيد والفقراء وجدوا فيه خلاصاً لهم في دنياهم وآخرتهم، وتصحيحاً لعلاقات المجتمع الجاهلي وانحرافاته، وتصحيحاً لعلاقاتهم بربهم وخالقهم.

أما الأسياد والأغنياء، فقد وجدوا في الإسلام تهديداً لمصالحهم وأهوائهم، وجدوا في عقيدة الحق حرباً على أصنامهم وعاداتهم الجاهلية التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، وجدوا في الإسلام عدالة تهدّد سيادتهم، وتحرّراً للفكر يهدد خرافاتهم، وعلماً يهدد جاهليتهم، وتزكية تهدد أهواءهم ورغباتهم.

وصبّت قريش عذابها على المسلمين، لكن لم يصل الأذى في بداية الأمر إلى رسول الله r مراعاةً لعمه أبي طالب الذي تكفّل بحمايته ورعايته.


مكائد قريش في محاربة الإسلام

موقف قريش من النَّبيّ r إثر جهره بالدعوة:

لما أظهر رسول الله r الدعوة للإسلام وصدع بالحقّ كما أمره الله تعالى لم يبعُد منه قومه ولم يردّوا عليه، وكان إذا مرَّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطلب ليُكلَّم من السماء، وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلـهتهم وسفّه عقولهم، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا عمّه أبا طالب الذي حَدِب (عطف) عليه ومنعه وقام دونه.

سعي قريش في وقف الدعوة:

مضى النبيّ r في الدعوة، ورأت قريش أن رسول الله r لا يُعتِبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأو أن عمّه أبا طالب قد حَدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال إلى أبي طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البَخْتَرِيّ العاص بن هشام، والأسود بن المطلب، وأبو جهل عمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، أو من مشى منهم، فقالوا: يا أبا طالب ! إن ابن أخيك قد سبّ آلـهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإمّا أن تكُفّه عنّا وإمّا أن تُخلّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكَهُ، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردّهم ردّاً جميلاً، فانصرفوا عنه.

خطبة الوليد بن المغيرة:

استمر رسول الله r على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه حتى اقترب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فاحتاروا في أمر رسول الله r بماذا يصفونه وكيف يحولون بينه وبين من يقصده أو يستمع إليه من الحجاج الوافدين، احتارو ماذا سيفعلون وهم يعلمون أنه رجل صادق أمين، لم يعرفوا له نظيراً ولا مثيلاً، فاجتمع نفر منهم إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سنّ فيهم، يتشاورون في شأن النبي r، فقال لهم الوليد: يا معشر قريش! أجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضاً، ويردّ قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأياً نَقُل به، قال: بل أنتم قولوا فأسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن؛ لقد رأينا الكُهان فما هو بزَمْزَمة الكاهن ولا سَجْعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بِخَنْقَه (ضِيْقَهُ) ولا تَخَالُجه (تمايله) ولا وسوسته، قالوا: فنقول: ساحر، قال ما هو بساحر؛ لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم، فما هو بنَفْثهم ولا عَقْدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟؟ قال: والله إنه لقوله لَحَلاوة، وإن أصله لَعَذْق (النَّخلة) وإن فَرْعه لَجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاّ عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: هو ساحر، جاء بقول سِحْر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: {ذرني ومن خلقتُ وحيداً، وجعلت له مالاً ممدوداً، وبنينَ شهوداً، ومهَّدتُ لهُ تمهيداً، ثُمَّ يطْمَعُ أن أزيدَ، كلاَّ إنّه كانَ لآياتنا عَنيداً، سأُرْهِقُهُ صعوداً، إنَّه فكَّر وقدَّر، فَقُتِلَ كيفَ قدَّر، ثمَّ قُتِلَ كيْفَ قدَّرَ، ثم نظر، ثمَّ عبس وبسَر، ثم أدبرَ واستَكْبَر، فقال إنْ هذا إلاّ سحر يؤثر، إنْ هذا إلاّ قولُ البَشَر}[المُدَّثر: 11-25].

وجاء في رواية أخرى عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، أن الوليد كان يختلف إلى أبي بكر، رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، وأنه لما سمعه شهد أنه من كلام الله تعالى، فلما سمع بذلك النفر من قريش قالوا: والله لئن صَبَأَ الوليد لَتَصْبُوَنَّ قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكم شأنه، فانطلق إلى الوليد في بيته وقال له: ألم ترَ قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالاً وولداً؟ قال أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة فتصيب من طعامه، فقال الوليد: قد تحدّثت به عشيرتي !! فلا أقْرَب أبا بكر.


مكائد أبي لهب:

لقي النبيّ r من أذى قومه أنواعاً مختلفة من الأذى والمكر، فمن ذلك ما روي أن أبا لهب كان قد زوّج ولديه عُتْبَةَ وعُتَيْبَة ببنتي رسول الله r رُقَيَّة وأم كُلْثوام قبل النبوة، فلما بادى رسول الله r قريشاً بأمر الله تعالى وعاب آلـهتهم، قالوا: إنكم قد فرَّغتم محمداً من همّه، فرُدّوا عليه بناته فاشغلوه بهنّ. فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع ـ وكانت تحته زينب بنت رسول الله r ـ فقالوا له: فارِق صاحبتك ونحن نزوّجك أيّ امرأة من قريش شئت، قال: لاها لله إذاً، لا أفارِق صاحبتي، وما أحبّ أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله r يثني عليه في صهره خيراً. ثم مَشوا إلى عُتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلّق بنت محمد، ونحن ننكِحك أيّ امرأة من قريش شئت، فقال: إن زوّجتموني بنت أَبان بن سعيد بن العاص أو بنت سعيد بن العاص فارقتها، فزوّجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهواناً له، وخلف عليها عثمان بن عفّان رضي الله عنه، بعده.

وفي رواية: أنه لما نزل قوله تعالى: {تبَّتْ يدا أبي لهبٍ} قال أبو لهب لابنيه عُتْبة وعُتَيْبة: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تُطلِّقا ابنتي محمد، وقالت أمّهما ابنة حرْب بن أُميّة: طلّقاهما فإنهما صَبَأَتا، فطلّقاهما.

ولما طلق عُتَيْبة أمّ كلثوم، رضي الله عنها، جاء إلى النبي r فقال له: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، ثم تسلّط على رسول الله r فشقّ قميصه، فقال رسول الله r : «أَمَا إنِّي أسأَلُ اللهَ أنْ يُسلِّطَ عليكَ كَلْبَهُ». فخرج عتيبة في تجار من قريش حتى نزلوا بمكان في الشّام، يقال له الزرقاء، ليلاً، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أُمّي! هو والله آكلي كما دعا محمّد عليّ، قتلني ابن أبي كَبْشَة وهو بمكّة، وأنا بالشام، فعدى عليه الأسد من بين القوم فضَغَمَه (عضَّه) ضَغْمَة فقتله.

وفي رواية: أنه لما دعا النبي r على عتيبة قال له أبوه: أي بُني! والله ما آمن عليك دعوة محمّد، وأن الأسد لما أطاف بهم تلك الليلة وأرادوا النّوم، جعل أبو لهب ابنه عتيبة وسطهم ثم ناموا، فأقبل الأسد فشمّ وجوههم، ثم تخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففَضَخَه، فقال أبو لهب: قد عرفت والله ما كان لينفِلت من دعوة محمد.


مفاوضات قريش للنبيّ r ليترك الدعوة:

لما رأت قريش مضي النبيّ r في الرسالة، وأنه لن يرجع عنها لجأت إلى المفاوضات، فأرسلت وفداً من أشرافها إلى أبي طالب فطلبوا منه أن يكفّ محمداً عن دعوته وبدعته أو أن يسلمه إليهم، فجاء أبو طالب إلى رسول الله r وقال له: (يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فردّ عليه رسول الله r بكلمات تفيض باليقين: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

عندئذٍ قال أبو طالب: (إذهب يا ابن أخي فقُل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبداً).

وتابع النبي r دعوته، وتابعت قريش مكائدها، فأرسلت وفداً إلى أبي طالب، فيهم المطعم بن عدي فعرضوا عليه أن يأخذ أذكى شباب قريش وأجملهم ـ عمارة بن الوليد بن المغيرة ـ يتخذه ولداً ويعطيهم محمداً. فقال لهم: بئس ما قلتم، تعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! ورفض تسليمه لهم.

ثم عرضوا على رسول الله r المال والنساء والملك فلم يكن لكل ذلك محل في قلبه العامر باليقين.

وعرضوا عليه أن يعبد آلهتهم عاماً ويعبدوا إلـهه عاماً، كما لو كانت رسالته ودعوته لوناً من ألوان المعاوضات. فأنزل الله عزَّ وجلَّ قوله الفصل: {قُل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابِدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين}[سورة الكافرون].


استهزاء قريش بالقرآن:

لما رأت قريش أن النبي r لا يكف عن بلاغ رسالته شرعوا يحاربون الإسلام بالسخرية والاستهزاء والتكذيب، وقد لجأت قريش إلى هذا الأسلوب لتخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي r بالجنون: {وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذِّكْرُ إنَّك لمجنون}[الحجر:6]، ووصموه بالسحر والكذب وقول الشعر: {وعجبوا أن جاءهم منذِرٌ منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذّاب}[ص:4]، {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر}[الأنبياء:5].

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله r إذا تلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، قالوا يهزؤون به: {قُلوبنا في أكنةٍ ممَّا تدعوننا إليه وفي آذاننا وقرٌ ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون}[فُصلت:5]. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبينَ الذين لا يُؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} إلى قوله: {وإذا ذكرت ربّك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نُفُوراً} أي كيف فهموا توحيدك ربّك إن كنتُ جعلت على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقراً وبينك وبينهم حجاباً بزعمهم، أي: إني لم أفعل ذلك {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} أي: ذلك ما تواصَوْ به من ترك ما بعثتك به إليهم {انظُر كيفَ ضربوا لكَ الأمثال فضَلُّوا فلا يستطيعون سبيلاً} أي أخطؤوا المَثَل الذي ضربوا لك فلا يصيبون به هدى، ولا يعتدل لهم فيه قول {وقالوا أئذا كُنّا عِظاماً ورُفاتاً أئنا لمبعوثونَ خَلقاً جديداً} أي قد جئت تخبرنا أنّا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظاماً ورُفاتاً، وذلك ما لا يكون {قُلْ كونوا حِجارةً أو حَديداً أو خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ في صُدُركم فسيقولون من يُعيدنا قلِ الذي فطَرَكُم أوَّل مرَّة} أي: الذي خلقكم مما تعرفون فليس خلقكم من تراب بأعزّ من ذلك عليه.


استهزاء قريش بالصحابة:

كان سفهاء قريش إذا جلس النبي r وحوله المستضعفون من أصحابه استهزؤوا بهم وكانوا محلّ تندّرهم ولمزهم، وكانوا كما حكى الله عنهم في القرآن: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحَكونَ، وإذا مرّوا بهم يتغامَزُن، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأَوْهُم قالوا إنّ هؤلاء لضَالّونَ، وما أُرْسِلوا علَيْهم حافِظين}[المطففين:29-33].


محاولات قريش تفريق المسلمين:

وروى مسلم بسنده عن سَعْد، رضي الله عنه قال: كنّا مع النبي r سِتة نفر، فقال المشركون للنبي r : اطْرُدْ هؤُلاء لا يجترِؤن علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هُذيل وبِلال ورجلان لست أسمّيهما، فوقع في نفس رسول الله r ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {ولا تطرُدِ الّذينَ يَدْعُونَ ربَّهُم بالغداةِ والعَشِيِّ يُريدونَ وجْهَهُ}.


محاولات قريش مساومة النبي r في العقيدة:

وقد حاول المشركون مساومة النبي r حول دينه في سبيل أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي r بعض ما هو عليه.

قال ابن إسحاق: اعترض رسول الله r ـ وهو يطوف بالكعبة ـ الأسْوَد بن المُطَّلب بن أسَد بن عبد العُزَّى، والوليد بن المُغيرة، وأُميّة بن خلَف، والعاص بن وائِل السَّهْميّ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمّد! هَلُمَّ فَلْنَعْبُد ما تعبُد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبُد خيراً مما نعبُد كنّا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبُد خيراً مما تعبُد كنت قد أخذت بحظّك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون}[الكافرون:1-2].

وفي رواية: أن قريشاً وعدوا رسول الله r أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكّة، ويزوّجوه ما أراد من النّساء، مقابل أن يكفّ عن شتم آلـهتهم فلا يذكرها بسوء، ثم عرضوا عليه أن يعبُد آلـهتهم سنة ويعبدون إلـهه سنة، فأنزل الله تعالى: {قل يا أيها الكافرون} السورة، وأنزل: {قُلْ أفغيرَ اللهِ تأمرونّي أعْبُدُ أَيُّها الجاهلون} إلى قوله: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}[الزمر:64-66].

 


الاضطهاد

بداية الإيذاء :

وبذلك علمت قريش أنه لم يبقَ مجال للتفاوض مع المسلمين وأنّ محمداً ماضٍ فيما أمره ربه من الحق لا يصده عنه شيء، وتهيّأ شياطينها لهذه المرحلة وبدأ الابتلاء، وأوذي المسلمون في الله، وعُذّبوا ليتركوا دينهم فما تركوه.

آل ياسر:

وكان ممن أوذي في الله “عمار بن ياسر” وأمه “سمية بنت خياط” وأبوه “ياسر”، فكانوا يخرجونهم في حر النهار ويعذّبونهم على الرمال المحرقة، وهم صابرون متمسكون بدينهم، وكان رسول الله r يمر بهم فيقول: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة».

ومات ياسر في العذاب، وماتت سمية بطعنة وحشية من أبي جهل، فكانا أول شهيدين في الإسلام، وفاضت أرواحهما وهما على أتم حال من اليقين.

وانقلب أبو جهل على ولدهما عمار يصب عليه ألوان العذاب، وعمار صابر موقن، حتى همَّ الطاغية أن يلحقه بوالديه الشهيدين فنطق لسان عمار بكلمات من الكفر، يكف بها أذى أبي جهل ويحفظ بها رمقه من الموت، حتى صرف عنه أبو جهل العذاب.

ثم إن عمار مضى إلى رسول الله r نادماً باكياً يحزنه موت والديه، ويرعبه ما نطق به من كلمة الكفر، وأخبر النبي r خبره في وجل وخوف، فتلقها النبي r في حنان فسأله: «كيف تجد قلبك؟» فقال عمّار: (أجده مطمئناً بالإيمان) فقال: «يا عمارُ، إنْ عادوا فعُد» ونزل فيه قوله تعالى: {إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وقلبُهُ مطمئنٌ بالإيمان}[النحل:106].

بلال:

وممن أوذي في الله “بلالُ بن رباح الحبشي”، وكان عبداً لأمية بن خلف، فكان يلقيه على الرمال في الرمضاء، ويأمر بصخرة فتُوضع على ظهره ويقول: لاتزال كذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى، وبلال يقول: (أحد.. أحد) لا يتزحزح عن إيمانه ويقينه، ولازال موقناً صابراً يعذب في سبيل الله حتى أتعب سيده أمية، فاستعان عليه بالسفهاء من أعوانه، وبلال صابر محتسب حتى جاءه أبو بكر فأعطى أمية عبداً أقوى منه وأخذ بلالاً وأعتقه.

الزبير:

وممن أوذي في الله “الزبير بن العوام”، أسلم وعمره أربع عشرة سنة، وكان عمه يعلّقه في حصير ويدخن عليه ليرجع إلى الكفر، والزبير يقول: (لا أكفر أبداً).

خباب:

وممن أوذي في الله “خبَّابٌ بن الأرتّ”، ـ وهو أول من أظهر إسلامه من العبيد ـ وكانت مولاته: أم أنمار تضع الحديث المحمَّى على ظهره حتى يبرده شحم ظهره وبلغ الأذى ببدنه مبلغاً عظيماً، حتى صار في ظهره مثل الأخاديد من شدة العذاب، فجاء إلى رسول الله r وهو متوسّد ببرده في ظل الكعبة وقد لقي المسلمون من المشركين شدة، فقال خبَّاب: (يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟)، فقعد النبي r وهو محمّر الوجه فقال: «وماذا لقيتم يا خباب؟، لقد كان من قبلكم يُمَشّط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقه اثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

أبو فكيهة:

وممن أوذي في الله “أبو فُكيهة” وكان عبداً لصفوان ابن أمية، فكان أبو فكيهة يربط بحبل في رجله ويجر على الرمال في الرمضاء وهو يقول: (الله ربي) وعُذّب حتى أغمي عليه، فاشتراه أبو بكر وأعتقه.

مصعب بن عمير:

وممن أوذي في الله “مصعب بن عمير”، وكان أنعم شباب مكة وأجملهم وأفضلهم ثياباً، يغدو في حلة ويروح في حلة، ويعيش حياة الرغد والنعيم.

فلما دخل في الإسلام، وأشرقت به نفسه وقلبه، عدا عليه أهله يؤذونه ويعذبونه، وهو يزداد إيماناً ويقيناً، حتى أوثقوه بالحبال فبقي في أغلاله حتى هرب من أهله فكان في أول من هاجر إلى الحبشة.

ما نزل في الصابرين:

ومات جماعة من المسلمين تحت التعذيب والأذى وقتلت سمية، وعميت زنّيرة تحت العذاب. وفيهم أنزل الله عزَّ وجلَّ:

{أمْ حَسِبتُمْ أن تدخُلُوا الجنَّة ولَمّا يَأتِكُم مَّثلُ الّذينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مَّسَّتْهُم البَأْسَاء والضَّراءُ وزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمنُوا مَعَهُ مَتَى نصرُ اللهِ ألا إنَّ نصرَ اللهِ قَرِيبٌ}.

يا سيد الرسل طب نفساً بطائفةٍ               باعوا إلى الله أرواحـاً وأبدانـاً

أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم              والناس تزعم نصر الدين مجاناً

أعطوا ضريبتهم صبـراً على محنٍ           صاغت بلالاً وعمّاراً وسلماناً

إنّ أي تجديد أو إصلاح لا يمكن أن ينهض إلا على أساس من التضحيات الصادقة، فكيف برسالة جاءت لإخراج العالم من الظلمات إلى النور؟

ما لقيه رسول الله r:

ولم يسلم قائد الركب r من الأذى وهو الذي يقول: «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء» وكان يقول: «أوذيت في الله وما أوذي نبي مثل ما أوذيت».

وكان ممن آذى رسول الله r عمه أبو لهب، فرغم قرابته له ورغم تزوج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي رسول الله r ـ رقية وأم كلثوم ـ إلا أن النسب والقرابة لم تغن عنه شيئاً، بل كان من أشد الناس عداوة له، تدفعه إلى ذلك زوجته أم جميل ـ حمَّالة الحطب ـ، فكانا يلقيان القذر أمام دار النبي r وكان يكثر من شتمه وسبه وإيذائه. ولم يكن رسول الله r يزيد على أن يقول: «يا بني عبد مناف أي جوارٍ هذا؟…».

وكان من أشد الإيذاء الذي قام به أبو لهب أنه قال لولده عتبة: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق رقية بنت محمد، وكان قد تزوجها قبل البعثة وكذلك لولده عتيبة وكان قد تزوج بنت النبي r أم كلثوم، فلم يزل بولديه حتى طلقا بنتي النبي r من غير ما ذنب.

واحتضن النبي r بنتيه الطاهرتين في حنان وحب، ومضى في رسالة الدعوة والبلاغ.

أما رقية فقد تزوجها عثمان رضي الله عنه فكانت عنده إلى أن ماتت سنة ثلاث من الهجرة، ولما ماتت تزوج عثمان بأختها أم كلثوم أيضاً فكانت عنده إلى أن ماتت أيضاً فقال النبيّ r : «لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان».


أشرار قريش يحاربون الإسلام:

وكان المجاهرون بالظلم لرسول الله r ولكلّ مَن آمن به: عمّه أبا لهب، وابن عمّه أبا سفيان بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وعُقْبة بن أبي معيط، وأبا سفيان بن حَرْب، وابنه حَنْظَلة، والحكم بن أبي العاص بن أميّة، ومعاويَة بن العاص بن أُمَيَّة، والنَّضْر بن الحارث، والأسود بن الْمُطَّلِب، وابنه زَمْعة، وأبا البَخْتَرِيّ العاصي بن هشام، والأسود بن عبد يَغُوث الزُّهْرِي، وأبا جهْل بن هشام، وأخاه العَاص بن هشام، وعمّهما الوليد بن الْمُغيرة، وابنه أبا قيس بن الوليد، وابن عمّه قَيْس بن الفاكه بن المغيرة، زُهَيْر بن أبي أُمَيّة بن المغيرة أخا أُمّ سَلَمة، وأخاه عبد الله بن أبي أميّة، والأسود بن عبد الأسَد أخا أبي سَلَمة، وصيفي بن السائب، والعاص بن وائل، وابنه عمرو بن العاص، وابن عمّه الحارث بن قيس بن عديّ، ومُنَبّهاً ونُبَيْهاً ابني الحجاج، وأميّة وأُبَيّاً ابني خلف بن وَهْب، وأنيس بن مِعْيَر أخا أبي مَحذورة، والحارِث بن الطُّلاطِلَة الخُزاعيّ، وعَدِيّ بن الحمراء الثَّقَفي.

فهؤلاء كانوا أشدّ على المؤمنين مثابرة بالأذى، ومعهم سائر قريش، فمنهم مَن يُعذّبون مَن لا مَنَعَة له ولا جوار مِن قومه، ومنهم من يُؤْذونَ.

قال ابن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغري بهم رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومَنَعَة أنَّبه وخزّاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنُسَفِّهنَّ حِلْمَك، ولَنُفَيِّلَنَّ (لنُخَطِّأنَّ) رأيك، ولَنَضَعَنَّ شرفك، وإن كان تاجراً قال: والله لَنُكْسِدنَّ تجارتك، ولَنُهْلِكَنَّ مالك، وإن كان ضعيفاً ضربه وأَغْرَى به، لا يعصمه من الهوان والقتل شيء، بل يُحبس على الآلام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.


المستهزؤون يحاربون الإسلام:

وكان على رأس المستهزئين أبو لهب عمّ النبيّ r، وعقبة بن أبي معيط،  و الحكم بن أبي العاص، والأسود بن المطلب أبو زَمْعَة، والأسود بن عبد يَغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطُّلاطِلَة، ويقال: الحارث بن عَيْطَل أو ابن عَيْطَلَة ينسب إلى أمه، وأبوه اسمه قيس.

أبو لهب:

رُوي أن أبا لهب كان يقول في بعض ما يقول: يَعِدني محمّد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ويقول: تبّاً لكما ما أرى فيكما ما يقول محمّد، فأنزل الله تعالى فيه: {تَبَّت يدا أبي لهبٍ وتَبّ} السورة.

وكانت امرأة أبي لهب، وهي أمّ جميل، أرْوى بنت حَرْب بن أُميّة، أخت أبي سفيان، لا تقلّ عن زوجها في عداوة النبي r، فقد كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله r حيث يمرّ. وحين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله r وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وفي يدها فِهْر من حجارة، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله ! إنها امرأة بذيئة وأخاف أن تؤذيك فلو قمتَ، قال: «إنَّها لن تراني»، وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال وقرأ: {وإذا قرأْتَ القُرآنَ جعَلْنَا بَينَكَ وبيْنَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بالآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً} فلما وفقت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله r فلا ترى إلاّ أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر ! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني ـ وفي لفظ: أنه يُنشِد فيَّ الشِّعر، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة ثم قالت:

مُــذمَّماً عَصَيْنا        وأمرَه أَبَيْنا

ودِيــنَــــه قَـــلَـيْــنــــا

ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله ! أما تراها رأتك؟ فقال: «ما رَأَتْنِي، لَقَدْ أخذَ اللهُ بِبَصَرِها عنِّي»، وفي لفظ: «مازال مَلكٌ يَسْتُرني مِنها بِجَنَاحَيْهِ».

أمية بن خلف:

كان أمية بن خلف من أشد الناس عداوة لرسول الله r وللمسلمين .إذا رأى رسول الله r همزه ولمزه، ففيه نزل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} إلى آخر السورة.

وقد لقي حتفه يوم بدر.

أبي بن خلف:

هو أخو أمية بن خَلَف وكان مثله شديد العداوة لرسول الله r فمشى إلى رسول الله r بعظم بال قد ارفَتَّ فقال: يا محمّد ! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أَرَمَّ، ثم فتَّه بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله r، فقال رسول الله r: «نَعَم أنا أقُولُ ذلكَ، يَبْعَثُهُ اللهُ وإيّاكَ بعدَ ما تكونانِ هكذا، ثم يُدْخِلُكَ اللهُ النَّارَ»، فأنزل الله تعالى فيه: {وضَرَب لنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ} إلى قوله تعالى: {فإذا أنتم منه توقِدونَ}. وروى أن هذه الآيات نزلت في العاص بن وائل.

عقبة بن أبي معيط:

كان عُقْبَة بن أبي مُعَيْط قد غلب عليه الشقاء، وكان هو وأُبَيّ بن خَلَف مُتصافيين، وجلس عقبة مرة إلى النبي r وسمع منه، فلما بلغ ذلك أُبيّاً أَنّبهُ وعاتبه وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله r ففعل ذلك عدوّ الله فأنزل الله تعالى فيهما: {ويَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ على يَدَيْهِ يَقولُ يا لَيتَني اتخذتُ مع الرَّسولِ سَبيلاً} إلى قوله: {للإنسانِ خَذُولاً}[الفرقان:27-29]. وقد قتله رسول الله r بعد معركة بدر.

الأخنس بن شريق:

كان الأَخْنَس بن شَريق ممن يؤذي رسول الله r ويصيب منه ويَرُدّ عليه، ونزل فيه قوله تعالى: {ولا تُطِعْ كلَّ حَلاّفٍ مَهينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} إلى قوله تعالى: {زَنِيمٍ}[القلم:10-13].

وقد اختلفت الرواية في شأنه هل دخل في الإسلام بعد ذلك أم لا، والأصح أنه لم يدخل في الإسلام.

الوليد بن المغيرة:

الوليد بن المُغيرة سيد بني مخزوم، وهو من أشراف مكة، وهو أبو خالد والوليد ابني الوليد، وكان عدواً مجاهراً للإسلام وكان يقول: أَيُنْزَل على محمّد وأُترك وأنا كبير قريش وسيّدها؟ ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيّد ثقيف، فنحن عظيما القريتين، فنزل القرآن في قوله: {وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رَجُلٍ من القريتين عظيمٍ} إلى قوله: {مِمَّا يَجْمَعُونَ}[الزخرف:31-32].

العاص بن وائل:

لما مات عبد الله الابن الثاني لرسول الله r ـ قال العاص بن وائِل السهمي: لقد انقطع نسله، وكان إذا ذُكر رسول الله r قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عَقِب له، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، ففي ذلك نزل قوله سبحانه: {إنَّا أَعْطَيناكَ الكَوثَر، فصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ، إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرْ}[الكوثر].

وفيه أيضاً نزل: {أفرأيتَ الَّذي كفَرَ بآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلداً أطَّلَعَ الغيبَ} إلى قوله تعالى: {ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأتينا فَرْداً}[مريم:77-80]. روي عن ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات أن خبَّاب بن الأرَتّ، وكان قَيْناً بمكة، يعمل السيوف، كان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً عملها له، حتى إذا كان له عليه مال، فجاء يتقاضاه، فقال له: يا خبّاب ! أليس يزعُم محمّد صاحبكم هذا الذي أنتَ على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خبّاب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خبّاب، حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقّك، فوالله لا تكون أنت وأصحابك يا خبّاب آثُر عند الله منّي ولا أعظم حظاً في ذلك.

أبو جهل:

هو عمرو بن هشام المخزومي، أشد كفار قريش أذى على الإسلام والمسلمين، وكان سفيهاً شريراً وكان يهزأ برسول الله r وما جاء به من الحقّ، ويؤذيه بالقول، روي أنه قال يوماً: يا معشر قريش ! يخوِّفنا محمّد بشجرة الزَّقُوم، يزعم أنها شجرة في النار يقال لها شجرة الزّقوم والنار تأكل الشجر، إنما الزَّقوم التَّمر والزّبد، هاتوا تمراً وزبداً وتزقَّموا، فأنزل الله تعالى: {إنَّها شَجَرةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجَحيم}[الصافات:64]، وأنزل: {إنَّ شَجَرة الزَّقومِ طَعَامُ الأَثيمِ كالمُهْلِ يَغلْي في البُطُونِ كَغَلي الحَميمِ}[الدخان:43-46].

ولقي أبو جهل مرّة رسول الله r فقال له: والله يا محمّد لتتركنّ سبّ آلهتنا أو لنسُبنّ إلـهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى عليه فيه: {ولا تَسُبُّوا الذين يدعونَ مِنْ دونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ علمٍ}[الأنعام:108]. فكف عندئذ رسول الله r عن سبِّ ألـهتهم وجعل يدعوهم إلى الله تعالى.

وكان أبو جهل يمنع النبي r عن الصلاة منذ أوّل يوم رآه يصلي في الحرم، روي عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: كان النبي r يصلّي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي r فَزَبَره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر منّي، فأنزل الله: {فَلْيَدعُ نادِيَهُ، سَنَدَعُ الزَّبانيةَ}. فقال ابن عبّاس: فوالله لو دعا نادِيَه لأخذته زبانية الله.

قال ابن إسحاق: وقد كان عدوّ الله أبو جهل بن هشام، لعنه الله، مع عداوته لرسول الله r وبغضه إيّاه وشدّته عليه، يُذِلّه الله له إذا رآه.


أول من جهر بالقرآن بمكة:

أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله r عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، وكان رجلاً ضعيفاً رقيقاً، ولكنه في ميزان الله كان أثقل من جبل أحد.

رُوي عن عُرْوَة بن الزُّبير قال: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله r فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ، فمن رجل يُسمِعهُمُوه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دَعوني فإن الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضُّحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} رافعاً بها صوته: {الرَّحْمَن علَّم القرآن}[الرحمن:1-2]، قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: وتأمّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمّ عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمّد ـ r ـ فقاموا إليه، فجعلوا يضرِبون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلُغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأُغادِينّهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.


عناد كفار قريش وموقفهم من القرآن الكريم:

قال ابن إسحاق: فلما جاءهم رسول الله r بما عرفوا من الحقّ، وعرفوا صِدقه فيما حدّث، وموقع نبوّته فيما جاءهم به من علم الغيوب ـ حين سألوه عمّا سألوه عنه ـ حال الحسد منهم له بينهم وبين اتبّاعه وتصديقه، فعَتَوا على الله، وتركوا أمره عياناً، ولجّوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: {لا تَسْمَعُوا لِهذا القُرآنِ والغُوْا فيهِ لعلَّكُم تَغْلِبون} أي: اجعلوه لَغْواً وباطلاً، واتّخذوا هُزُواً لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوماً غلبكم.

فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله r بالقرآن وهو يصلّي يتفرّقون عنه، ويأبون أن يستمعوا له، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله r بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلّي استرق السمع دونهم فَرَقاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، وإن خفض رسول الله r صوته فظنّ الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئاً من قراءته وسمع هو شيئاً دونهم أصاخ له يستمع منه.

روى ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: إنما أُنزلت هذه الآية: {ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخَافِتْ بها وابْتَغِ بَينَ ذلكَ سَبيلاً} من أجل أولئك النفر، يقول:  لا تجهر بصلاتك فيتفرّقوا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها مَن يحبّ أن يسمعها ممن يَسْتَرِق ذلك دونهم لعلّه يَرْعَوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به.

تصريحهم بأنه الحق:

رُوي أن ثلاثة من زعماء قريش، وهم أبو سُفيان بن حَرْب، وأبو جهل بن هشام، والأخْنَس بن شَريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله r وهو يصلّي من اللَّيل في بيته، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطّريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلّ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطّريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أوّل مرّة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت اللّيلة الثّالثة أخذ كلّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطّريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألاّ نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا، فلما أصبح الأَخْنَس بن شَريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمّد، فقال: يا أبا ثَعْلَبة ! والله لقد سمعت أشياء أعرِفها وأعرِف ما يراد منها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد منها، قال الأخْنَس: وأنا والذي حلفت به كذلك، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازَعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأَعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذَينا على الرَّكب وكنّا كفَرَسَيْ رِهان، قالوا: مِنّا نبيِّ يأتيه الوحي من السّماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدّقه فقام عنه الأخنس وتركه.

وروى البيهقي بسنده عن المُغيرة بن شُعبَة، رضي الله عنه، قال: إن أوّل يوم عرفت رسول الله r أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزِقّة مكّة، إذ لقينا رسول الله r، فقال رسول الله r لأبي جهل: «يا أبا الحكم ! هَلُمَّ إلى الله، عزَّ وجلَّ، وإلى رَسُولِهِ أَدْعُوكَ إلى اللهِ»، قال أبو جهل: يا محمّد ! هل أنت مُنْتَهٍ عن سبّ آلـهتنا، هل تريد إلا أن تشهد أن قد بلَّغتَ؟ فنحن نشهد أن قد بلّغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقاً ما اتّبعتك. فانصرف رسول الله r وأقبل عليَّ فقال: فوالله إني لأعلم أن ما يقول حقّ، ولكنّ بني قُصَيٍّ قالوا: فينا الحِجابة، فقلنا: نعم، ثم فقالوا: فينا النَّدْوَة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللِّواء، فقلنا: نعم، قالوا: فينا السِّقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّت الرُّكَب، قالوا: منّا نبيّ، والله لا أفعل.


هجرة الحبشة الأولى

في السنة الخامسة اشتد الإيذاء على أصحاب النبي r، وصار طواغيت قريش يتتبّعون كل من بلغهم أنه دخل في الإسلام بالتعذيب والتقتيل والتشريد، وسفكت دماء طاهرة، وقضت أنفس زكية، وسكبت دموع سخية، وظهر أن مصالح قريش قد اجتمعت على حرب الإسلام بشتى الوسائل، وبدأ التفكير جدياً في البحث عن أرض يهاجر إليها المؤمنون، ويتمكنون فيها من تطبيق شريعة الله وامتثال أوامره. فقال رسول الله r لأصحابه وقد رأى ما ينزل بهم من البلاء: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق. حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه.

فخرج بعض المسلمين مهاجرين بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

أسماء مهاجري الحبشة:

وكانت الهجرة في رجب من السنة الخامسة، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة وهم: أبو حُذَيفةَ بن عُتَيبة بن ربيعة، وامرأته سَهْلَة بنت سُهَيْل بن عمرو، والزُّبَير بن العَوّام، ومُصَعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عَوف، وأبو سلَمَة بن عبد الأسد، وامرأته أم سَلَمة بنت أبي أميّة، وعُثمان بن مَظْعُون وهو أميرهم، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم، وسهيل بن بيضاء، وحاطب بن عمرو، وعُثمان بن عفّان، وامرأته رُقَيَّة ابنة النبي r، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيهما: «إنَّهما لأَوَّلُ مَنْ هاجَرَ بعدَ لُوطٍ وإبراهيم عليهما الصَّلاة والسَّلام».

خطة الهجرة ومدتها:

وكان رحيلهم تسللاً في الخفاء، وقد خرجوا متجهين إلى البحر، منهم الراكب والماشي، حتى انتهوا إلى ميناء الشُّعَبيَة ـ وهو كان مَرْفأ مكّة ومُرْسَى سفنها قبل جُدَّة ـ وقيّض الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وفطنت لهم قريش، فخرجت في آثارهم، لكن عندما بلغت الساحل كان المسلمون قد انطلقوا آمنين.

وأقام المسلمون في الحبشة بخير دار عند خير جار بقية رجب وشعبان إلى رمضان، ثم عادوا إلى مكّة كما سيأتي.

عودة مهاجري الحبشة:

وبعد أن أقام المهاجرون في الحبشة عدة أشهر بلغهم أن قريشاً قد أسلمت وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب وأنهم قد سجدوا مع النبي r حتى الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص، فقال المهاجرون: فمن بقي بمكّة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحبّ إلينا، فخرجوا راجعين في شوال من السنة الخامسة للبعثة، حتى إذا كانوا دون مكّة بساعة من نهار تبيّنت لهم الحقيقة وعرفوا أن المشركين أشدّ ما يكونون خصاماً لله ورسوله والمسلمين، فتشاور القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا. فدخلوا مكة، ولم يدخل أحد منهم إلا مستخفياً، أو في جوار رجل من قريش، وقيل: إنه عاد بعضهم إلى الحبشة.

خبر عثمان بن مظعون:

وممن عاد من الحبشة عثمان بن مظعون، رضي الله عنه، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يُفعل بالمسلمين من الأذى قال: والله إن غُدُوّي ورَواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشِّرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشي إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس ! وَفَت ذِمّتك، وقد رددت إليك جوارك، قال له: لم يا ابن أخي؟ لعلّه آذاك أحد من قومي وأنت في ذمّتي؟ قال: لا، ولكنّي أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فاردُد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردّ عليّ جواري، قال: صدق، قد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكنّي قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، فقال الوليد: أشهدكم أني بريء من جواره. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم ـ قبل إسلامه ـ فجلس عثمان معهم فقال لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكلّ نعيم لا محالة زائل، قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ! والله ما كان يُؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان حتى شَرِي أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أمّا والله يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة، لقد كنتَ في ذمّة مَنيعة فخرجت منها وكنتَ عن الذي لقيت غنيّاً، ثم ضحكوا، فقال عثمان: بل كنت إلى الذي لقيت فقيراً، والله إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، عزّ وجلّ، ولي فيمن هو أحبّ إليَّ منكم أُسوة، وإني والله لفي جوار من هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: إن شئت أجرتك الثانية، قال: لا أرَب لي في جوارك.


سعي قريش في إيقاف الرسالة الإسلامية

مفاوضة قريش أبا طالب في أمر النبيّ r :

وعندما أيقنت قريش أن بطشها بالمستضعفين، ونيلها من غيرهم، لم يصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله، وأن طرق الاستهزاء أو تشويه معالم الدين لم تفلح في الصد عن سبيل الله، لجأت إلى أسلوب المفاوضات مرة أخرى.

فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب ! إنَّ لك سِنّاً وشرفاً ومنزِلة فينا، وإن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإيّاك في ذلك حتى يهلِك أحد الفريقين.

فعَظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطِب نفساً بإسلام رسول الله r ولا خذلانه، فبعث عَقِيلاً ابنه إلى رسول الله r، فلما جاء قال له: يا ابن أخي ! إن قومك قد جاؤوني فزعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانتهِ عن ذلك، وأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أُطيق. فظنّ رسول الله r أنه قد بدا لعمّه فيه بَداء، وأنه خاذِله ومُسلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه، فقال: «يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيهِ ما تَرَكْتُهُ»، ثم أستعبر رسول الله r فبكى، ثم قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً. وقال:

واللهِ لــن يصلـوا إليـــك بجَمْعِهم              حتى أُوَسَّد في التـراب دَفيناً

فاصْدَع بأمرك ما عليك غَضَاضة            وابْشِر وقَرّ بذاكَ منك عُيوناً

وفي رواية: أن رسول الله r قال لقومه وحلّق ببصره إلى السّماء: «ما تَرَوْنَ هذه الشّمس؟» قالوا: نعم، قال: «مَا أَنا بأقْدَرَ على أن أدعَ ذلكَ مِنكُم على أَنْ تَستشْعِلوا مِنها شُعْلَةً»، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قطّ فارجعوا.


طلب قريش تسليم النبي r:

ولما رأت قريش أن رسول الله r ماض في دعوته، وأن أبا طالب قد أبى خذلان ابن أخيه وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعُمارَة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب! قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ونهادة وشِعراً، فخذه فلك نصره وعَقْله وميراثه، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلِم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم، فنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبَّة، وإنما هو رجل برجل. فقال أبو طالب: والله ما أنصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟؟ ما هذا بالنَّصَف، تَسُومونَني سَوْم العَرِير الذّليل، هذا والله لا يكون أبداً. فقال المُطْعِم بن عَديّ: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال أبو طالب: (والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك.


تعنّت قريش وطلبهم المعجزات:

قال ابن إسحاق مشى زعماء قريش إلى النبي r فقالوا: يا محمّد ! فإن كنت غير قابل منّا شيئاً، مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقلّ ماء ولا أشدّ عيشاً منّا، فسَلْ لنا ربّك الذي بعثك بما بعثك به فَلْيُسَيِّر عنا هذه الجبال التي قد ضيّقت علينا، ولْيَبْسُط لنا بلادنا، ولْيُفَجِّر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشّام والعراق، ولْيَبعث لنا مَن مضى من آبائنا، وليكن فيمن يُبعث لنا منهم قُصَي بن كلاب، فإنه كان شيخ صِدْق، فنسألهم عمّا تقول أحقّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: «ما بهذا بُعِثْتُ إلَيكُم، إنّما جِئتُكُم من اللهِ بما بَعَثني به وقدْ بَلَّغْتُكُم ما أرسلتُ بهِ إليكم، فإنْ تَقْبَلوه فَهو حظَّكم في الدُّنيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عليَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللهِ تعالى حتى يَحكُمَ اللهُ بيني وبينكم»، قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخُذ لنفسك، سَل ربّك أن يبعث معك مَلَكاً يصدّقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسَلْه فَلْيَجْعَل لك جِناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضّة، يُغنيك بها عمّا نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنتَ رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله r : «ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يَسْألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ اللهَ بعَثَني بشيراً ونذيراً» ـ أو كما قال ـ «فإنْ تَقْبَلوا ما جئتُكُم بِهِ فَهُوَ حظُّكُم في الدُّنيا والآخِرَة، وإنْ تَردُّوه عليَّ أصبرْ لأَمْرِ اللهِ حتى يحكُمَ اللهُ بيني وبينكم»، قالوا: فأسْقِط السماء علينا كِسَفاً، كما زعمت أن ربّك لو شاء فعل، فإنّا لا نؤمن لك إلاّ أن تفعل، فقال رسول الله r: «ذلكَ إلى اللهِ إنْ شاءَ أنْ يَفعلَهُ بِكُم فَعَلَ»، قالوا: يا محمّد ! أَفما علم ربّك أنّا سنجلس معك، ونسألك عمّا سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدّم إليك فيعلّمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة يقال له عبد الرحمن، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمّد ! وإنّا والله لا نتركك وما بلغت منّا حتى نُهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً، فلما قالوا ذلك لرسول الله r قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد شمس وهو ابن عمّته، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب، فقال له يا محمّد ! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدّقوك ويتّبعوك، فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل، أو كما قال له، فوالله لا أومن بك أبداً حتى تتّخذ إلى السّماء سُلّماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدّقك، ثم انصرف رسول الله r إلى أهله حزيناً آسفاً مما فاته، ممّا كان يطمع به من قومه حين دَعَوه ولِما رأى من مباعدتهم إيّاه.

قال ابن إسحاق: فدعا رسول الله r قومه إلى الإسلام وكلّمهم فأبلغ إليهم، فقال له زَمْعَة بن الأسود، والنَّضر بن الحارث، والأسود بن عبد يَغوث، وأُبَيّ بن خلف، والعاص بن وائل: لو جُعِل معك يا محمّد ملَك يحدّث عنك النّاس ويُرى معك، أنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: {وقالوا لولا أُنزِلَ عليهِ مَلَكٌ، ولو أنزلنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمرُ ثمَّ لا يُنْظَرونَ، ولو جَعَلناهُ ملَكاً لجعَلنَاهُ رَجُلاً، ولَلَبَسْنا عَلَيْهِم ما يَلْبِسُونَ}[الأنعام:8-9].

قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبَعْث من مضى من آبائهم من الموتى: {ولَو أنَّ قُرآناً سُيِّرَت بهِ الجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرضُ أو كُلِّمَ بهِ الموتى بلْ لله الأمرُ جَمِيعاً}[الرعد:31] أي لا أصنع من ذلك إلاّ ما شئت.

وأنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك، ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جناناً وقصوراً وكنوزاً ويبعث معه مَلَكاً يصدِّقه بما يقول ويردّ عنه: {وقالوا ما لهذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسواق لولا أُنزِلَ إليهِ مَلَكٌ فيكونَ معَهُ نذيراً أو يُلْقى إليه كنزاً أو تكونَ له جنّةٌ يأكلُ منها وقال الظالمونَ إنْ تتّبِعونَ إلاّ رجلاً مسحوراً، انظر كيفَ ضَرَبوا لكَ الأمثالَ فضَلُّوا فلا يستطيعونَ سبيلاً، تبَارَكَ الَّذي إن شاءَ جَعلَ لكَ خيراً مِنْ ذلِكَ} أي: من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش {جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لكَ قصوراً}[الفرقان:7-10].

وأنزل عليه في ذلك من قولهم: {وما أرسلنا قبْلَكَ من المرسلينَ إلاّ أنّهُمْ لَيَأكُلونَ الطَّعامَ ويمشونَ في الأسواقِ وجعلْنَا بَعْضكُمْ لبعضٍ فِتْنَةً أَتصبِرونَ وكانَ ربُّكَ بَصِيراً}. أي: جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدّنيا مع رسلي فلا يُخالفوا لفعلت.


إغراءات قريش للنَّبي r:

ولما رأت قريش أن أصحاب النبي r يزيدون ويكثرون يوماً بعد يوم ـ وذلك بعد إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما ـ وأن كل محاولاتها المستمرة في الصد عن سبيل الله وصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله قد فشلت، رأت أن تجرّب أسلوباً آخر من المفاوضة والإغراء، تعرض فيه على النبيّ r من الدنيا ما يشاء لتكفّه عن دعوته، ولم تكن تدري أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دعوته، فخابوا وفشلوا فيما أرادوا.

وفد أعيان قريش:

روى ابن إسحاق بسنده عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: اجتمع عُتْبَة بن ربيعة، وشيبَة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرْب، والنَّضْر بن الحارث بن كَلدة أخو بني عبد الدّار، وأبو البَخْتَريّ بن هشام، والأسود بن المُطَّلِب بن أسد، وزَمْعَة بن الأسود، والوَليد بن المُغيرة، وأبو جهل عمرو بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونُبيه ومُنبّه ابن الحجاج السهميّان، وأُمية بن خلَف، أو من اجتمع منهم، قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمّد فكَلِّموه وخاصِموه حتى تُعذِروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلِّموك فأْتِهم، فجاءهم رسول الله r سريعاً، وهو يظنّ أن قد بدا لهم فيما كلّمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصاً، يحبّ رشدهم، ويعِزّ عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمّد! إنّا قد بعثنا لنكلّمَك، وإنّا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبت الدّين، وشتمت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقي من  أمر قبيح إلاّ قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشّرف فينا فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به مُلْكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيكَ رَئيّاً قد غلب عليك ـ وكانوا يسمّون التابع من الجن رَئيّاً ـ فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطِّبّ لك حتى نُبرِئكَ منه، أو نُعذَر فيك، فقال لهم رسول الله r : «ما بي ما تقولونَ، ما جئتُ بما جئتُكُم بهِ أطْلُبُ أموالَكُم ولا الشَّرَفَ فيكم، ولا المُلْكَ عليكُم، ولكنَّ اللهَ بَعَثَني إليكُم رسولاً، وأنْزَلَ عليَّ كِتاباً وأمَرني أنْ أكونَ لَكُم بشيراً ونذيراً، فبَلَّغْتُكُم رسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُم، فإن تقبَلُوا منِّي ما جئتُكُم به فَهُو حَظُّكُم في الدنيا والآخِرَة، وإن ترُدُّوهُ عليَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللهِ، حتى يَحْكُمَ اللهُ بيني وبينَكُم». أو كما قال r .


وفد عتبة:

كان عتبة بن ربيعة سيّداً مطاعاً في قومه، وكان قد جاوز الثمانين من عمره،  قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله r جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمّد فأكلّمه وأعرض عليه أموراً لعلّه يقبل بعضها، فنعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله r فقال: يا ابن أخي! إنّك منّا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة والمكان في النّسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعِبت به آلـهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله r : «قل يا أبا الوليد أسْمَعْ»، قال: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به مُلكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيّاً تراه، لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطِّبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه، فإنه ربما غلب التّابع على الرّجل حتى يُداوى منه، فلما فرغ من قوله ورسول الله r يستمع منه قال r : «أقَدْ فَرَغْتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال: «فاسْتَمِعْ منّي»، قال: أفعل، فقال: {بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، حم، تَنْزيلٌ مِنَ الرَّحمَنِ الرَّحيم، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناً عَربيّاً لِقَومٍ يعلمون، بَشيراً ونَذيراً، فأَعْرَضَ أكثرُهُم فهم لا يسْمَعُون، وقالوا قُلوبُنا في أكنَّةٍ مِمَّا تَدْعونا إليهِ}[فصلت:1-5]، ثم مضى رسول الله r فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عُتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله r إلى السّجدة منها فسجد، ثم قال: «قد سَمِعتَ يا أبا الوَليدِ مَا سَمِعتَ فأنتَ وذاكَ» ـ وفي رواية أن عتبة استمع حتى وصل رسول الله r إلى قوله تعالى: {فإنْ أعرَضُوا فَقُلْ أنْذَرتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عادٍ وثمودَ}[فصلت:13] فقام مذعوراً، فوضع يده على فم رسول الله r يناشده الله والرحم أن يكفَّ عنه، وذلك مخافة أن يقع النذير ـ وقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلِف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال لهم: ورائي أني سمعت قولاً، والله ما سمعتُ مثله قطّ، وما دريت ما أردّ عليه، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي ـ وفي رواية: أطيعوني في هذا اليوم واعصوني فيما بعد ـ وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تُصِبه العرب كُفِيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فُملْكه مُلْكُكم، وعِزّه عزّكم، وكنتم أسعد النّاس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

قال ابن إسحاق: أنزل الله تعالى فيما عرضوا عليه من أموالهم: {قُلْ ما سَأَلْتُكُم مِنْ أجرٍ فَهُو لَكُم إنْ أجري إلاّ على الله وهُو على كلّ شيءٍ شهيدٌ}[سبأ:47].


محاولة قريش قتل النبيّ r :

اشتد مكر زعماء قريش وأجمعوا على قتل النبي r وقالوا: ما خير من أن يُغتال محمّد، فلما كان مساء الليلة التي عرضوا فيها عُمارة بن الوليد على أبي طالب، فُقِد رسول الله r، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع أبو طالب فتياناً من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كلّ فتى فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظليّة، يعني أبا جهل، فإنه لم يغِب عن شرّ إن كان محمّد قد قُتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد! أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه، فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله r، وهو في دار الأرقم ومعه أصحابه يتحدّثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله r إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي! أين كنت؟ أكنت في خبر؟ قال: «نعم»، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله r، فلما أصبح أبو طالب غدا على النبيّ r فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميّون المطّلبيّون، فقال: يا معشر قريش! هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقَّيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدّهم انكساراً أبو جهل.

وفي رواية: أن كفار قريش تواعدوا للنبيّ r ليقتلوه، فلما أتوا المسجد ليأخذوه وهو في صلاته سمعوا صوتاً شديداً، فما ظنوا أنه بقي بتِهامَة جبل إلاّ تفتَّت، وغشي عليهم، ولم يستفيقوا حتى قضى صلاته، ثم تواعدوا له ليلة أخرى، فحال الله، عزّ وجلّ، بينهم وبينه.


محاولة أبي جهل قتل النبيّ r:

لم تزل فكرة اغتيال النبيّ r تنضج في قلوب المشركين يوماً بعد يوم، روى ابن إسحاق في حديث طويل قال: قال أبو جهل: يا معشر قريش! إن محمّداً قد أبى إلاّ ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلـهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسنّ له غداً بحجر ما أطيق حمله، أو كما قال، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله ما نسلمك لشيء أبداً، فامض لما تريد.

فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف، ثم جلس لرسول الله r ينتظره، وغدا رسول الله r كما كان يغدو، وكان رسول الله r بمكّة وقِبلته إلى الشّام، فكان إذا صلّى صلّى بين الرّكن اليماني والحجر الأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشّام، فقام رسول الله r يصلّي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله r احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزماً مُنتَقَعاً لونه مرعوباً، قد يبِست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فَحْل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قَصَرته ولا أنيابه لفحل قطّ، فهمّ بي أن يأكلني.

قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله r قال: «ذلك جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ لَوْ دَنا لأَخَذَهُ».


ما لقيه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه :

روي أن أبا بكر، رضي الله عنه، ألحّ يوماً على رسول الله r في الخروج من دار الأرقم، فقال: «يا أَبا بَكْرٍ! إنَّا قَلِيلٌ»، فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يلحّ حتى خرج رسول الله r وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً، ورسول الله r جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله r، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضُرِبوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووُطئ أبو بكر، وضُرِب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عُتْبَة بن رَبيعَة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه حتى صار ما يعرف أنفه من وجهه. ولما سمع بنو تيم بذلك أسرعوا إلى المسجد، فأجلوا المشركين عن أبي بكر وقالوا لهم: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عُتبة بن ربيعة، ثم حملوه في ثوب، وهم لا يشكّون في موته، حتى أدخلوه منزله، وجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلّمون أبا بكر حتى أجاب فتكلّم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله r؟ فمسُّوا منه بألسنتهم وعَذَلُوه ،ثم قاموا وقالوا لأمّه أمّ الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إيّاه، فلما خَلَت به ألحّت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله r؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أمّ جميل بنت الخطّاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أمّ جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمّد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمّد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت، قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً (مطروحاً على الأرض) دَنِفاً (مشرفاً على الموت)، فصاحت وقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال أبو بكر: فما فعل رسول الله r؟ قالت: هذه أمّك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله r، فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرِّجْل وسكَن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله r، فأكبّ عليه رسول الله r فقبّله ورقّ له رِقّة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله! ليس بي بأس إلاّ ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمّي بَرّة بولدها، وأنت مبارك، فادعُها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله r ودعا إلى الله فأسلمت.


إسلام حمزة :

وفي هذه السنة أسلم حمزة بن عبد المطلب عم النبي r، وكان حمزة بن عبد المطلب شاباً قوياً عزيزاً، مرهوب الجانب من قريش، وبسبب ما كان يعيش به من عنفوان الشباب ومغامراته، لم يكن يهتم كثيراً بدعوة ابن أخيه، حتى عادَ ذاتَ يومٍ من صيده ومعه قوسه يريد الطواف بالكعبة، إذ جاءت جارية وقالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم؟ آذاه وسبه وانصرف عنه ولم يكلمه محمد !!.

فغضب حمزة لابن أخيه، وقام حتى وصل إلى أبي الحكم ـ أبو جهل ـ فرفع قوسه وضربه بها فشجه شجة عظيمة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول، فَرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعت !!

فقام رجال لينصروا أبا جهل فقال: دعوه.. والله قد سببت ابن أخيه سبّاً قبيحاً.

ولم تكن كلمة حمزة هذه إلا فورة غضب دفعته إليها حمية العصبية لابن أخيه، ولكنه عاد من ليلته إلى داره وبات يقلب النظر في أمر دعوة  ابن أخيه.

وإليك خبر إسلام حمزة كما رواه ابن إسحاق: (أقبل حمزة على نفسه، وقال: ما صنعت؟ اللهم إن كان خيراً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجاً. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح، فغدا على رسول الله r، فقال: يا ابن أخي، إني وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو !! أرشد أم غيّ: شديد. فحدثني حديثاً.. فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني. فأقبل رسول الله r، فذكّره ووعظه، وخوّفه وبشّره، فألقى الله تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول الله r، فقال: أشهد أنك لصادق، فأظهر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحبّ أنّ لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول، فكان حمزة ممن أعز الله به الدين).

وشرح الله صدر حمزة للإسلام، وكان يوم إسلامه يوماً انخلعت له قلوب المشركين، وفرحت له قلوب المؤمنين.


إسلام عمر :

وفي هذه السنة أيضاً أسلم عمر بن الخطاب، وكان من أشد الناس عداوة وحرباً على الإسلام والمسلمين، وقد بلغ من إيذائه للمسلمين وبطشه بهم أنه قتل جاريته ثويبة حين رفضت أن ترجع إلى الكفر بعد إذ دخلت في الإسلام، وبلغ من أذاه وغلظته على المسلمين أنهم كانوا يقولون: لا يسلم ابن الخطاب حتى يسلم حمار الخطاب.

وكان عمر رجل جد وعزيمة، ولم يكن للهزل والعبث سلطان على قلبه الحديدي، وقد كان في الكفر جباراً عنيداً قبل أن يكون في الإسلام رشيداً شديداً.

ولما أسلم حمزة وبدأ المسلمون يجهرون بما هداهم الله إليه، قام عمر بن الخطاب يحسم أمره بما لم يكن قد خطر على بال أحد من قريش، فخرج حاملاً سيفه يريد رسول الله r .

ونروي قصة إسلام عمر فيما بلغني، أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت قد أسلمت، وأسلم بعلها ـ زوجها ـ سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحَّام، رجل من قومه من بني عدي بن كعب، قد أسلم، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه.

وكان خباب بن الأرت يختلف ـ يأتي ـ إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه، يريد رسول الله r ورهطاً من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله r عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، ممن كان أقام مع رسول الله r بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرَّق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها، وسب آلـهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر: أترى بني عبد مناف ـ عشيرة النبي ـ تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك ـ صهرك ـ وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما… أراد بذلك صرفه عن رسول الله r خشية عليه. وإيذاء فاطمة وزوجها أهون من إيذاء رسول الله r على كل حال.

فرجع عمر إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيه (طه) يقرئها إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيّب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها في ثيابها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت، قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة ـ الصوت ـ التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً. قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه ! وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك ! فلما رأى ما بأخته من الدم ندم على ما كان صنع، فارعوى وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ـ وكان عمر كاتباً ـ، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لا تخافي. وحلف لها بآلـهته ليردنها إليها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر ! فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها (طه) فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، والله إني لأرجوا أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب»، فالله الله يا عمر.

فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله r وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله r فنظر من خلل الباب، فرآه متوشحاً بالسيف، فرجع إلى رسول الله r وهو فزع فقال: يا رسول الله ، هذا عمر بن الخطاب متوشحاً السيف، فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلنا له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه.

فقال رسول الله r : إئذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله r حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى يُنزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله ، جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله.

فكبر رسول الله r تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله r أن عمر قد أسلم. فتفرق أصحاب رسول الله r من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر، مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله r وينتصفون بهما من عدوهم.

قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أيَّ أهل مكة أشد لرسول الله r عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت. قال: قلت أبا جهل.

فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه. قال: فخرج إلي أبو جهل فقال: مرحباً وأهلاً بابن أختي، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدّقت بما جاء به !!..

قال عمر: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.

يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإنّ هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه، وما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب.

وبإسلام عمر وحمزة بدأ عهد جديد من عهود الدعوة، واستعلن الناس بالإسلام، وسمي عمر فاروق الإسلام، وسمي حمزة أسد الله وأسد رسوله.

لكن الاضطهاد لم ينته، فقد كان المشركون يعمدون إلى المسلمين فرادى، ويصبّون عليهم العذاب، ويتجنَّبونهم مجتمعين.


الهجرة الثانية إلى الحبشة

 

ثم عادت قريش إلى ما كانت عليه من التنكيل والاضطهاد كأشدّ ما كانت، وأغرت سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديداً، حتى بلغ الجَهْد واشتدّ عليهم البلاء، وأجمعت قريش أن يحاصروا بني هاشم في الشِّعب، فلم ير رسول الله r بداً من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى إلى الحبشة، وذلك في مطلع السنة السابعة من البعثة.

وكانت هذه الهجرة الثانية أشقّ من سابقتها، ولقي المسلمون من قريش تعنيفاً شديداً ونالوهم بالأذى، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن جواره لهم، وكان عزّ على المسلمين مفارقة نبيّهم r وشقّ عليهم ذلك فقال عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، بلسان المسلمين، يا رسول الله ! فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النّجاشي ولست معنا؟ فقال رسول الله r: «أَنتُم مهاجرونَ إلى اللهِ وإليَّ، لَكُم هاتان الهجْرَتانِ جَميعاً، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله».


عدد المهاجرين وأسماؤهم

وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة من الرّجال ثلاثة وثمانين رجلاً ـ إن كان فيهم عمّار بن ياسر، رضي الله عنه، فإنه يشكّ فيه ـ ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب، وهذا هو المروي في كتب السيرة، ولكننا عند الاستقصاء وقفنا على أسماء أكثر من مائة من الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، ومنشؤ هذا الاختلاف هو قرب هاتين الهجرتين من فجر الدعوة، حيث لم يكن ثمة تدوين دقيق لأحداث السيرة، وكذلك اختلاط أمر الهجرتين، ومن عاد منهما، ومن ولد بأرض الحبشة، والله أعلم، وكان فيهم من رجع من المهاجرين الذين خرجوا في المرّة الأولى، وكان أميرهم في هذه المرّة جَعْفَر بن أبي طالب رضي الله عنه. روي عن أبي هُرَيْرَة، رضي الله عنه، قال: لما وجّه رسول الله r جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة شيّعه وزوّده هؤلاء الكلمات: «اللَّهُمَّ الطُفْ بي في تَيسيرِ كلّ عسيرٍ، فإنَّ تَيسيرَ كلِّ عسير عليكَ يَسيرٌ، وأسألُكَ اليُسْرَ والمُعافاةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ». وهذا جدول مفصل بأسماء هؤلاء المهاجرين الكرام:


مكر قريش عند النجاشي

ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله r قد أمِنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها داراً وقراراً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النّجاشيّ فيهم وفداً منهم فيردّهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم. فاختاروا رجلين جَلْدَين وهما عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، وأرسلوا معهما الهدايا للنّجاشيّ ولبطارقته مـمّا يُسْتَطْرَف من متاع مكّة. ولما رأى أبو طالب ما أجمع عليه قومه بعث أبياتاً للنّجاشي يحضّه فيها على حسن جوار المسلمين والدفع عنهم.

واستعان عبد الله وعمرو على تنفيذ مكيدتهم باستمالة البطارقة، فقالوا لكل بطريق منهم بعد أن دفعا إليه هديته ـ قبل أن يكلّما النّجاشي ـ: إنه قد ضَوَى إليه بلد الملك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى المَلِك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا المَلِك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلِّمهم إلينا، ولا يكلِّمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً (أعلم بحالهم)، وأعلم بما عابوا عليهم.

ثم إنهما حضرا إلى النّجاشيّ، وقدّما له الهدايا، وكان فيها أدم كثير وفَرَس وجُبَّه دِيباج، ثم كلّماه فقالا له: أيّها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم عليهم، فهم أعلم بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ـ ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النّجاشيّ ـ فقالت بطارقته حوله: صدقاً أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابو عليهم، فأسلِمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم.

فغضب النّجاشي وأبى أن يقبل كلامهم، وحلف بالله ألاّ يُسلَم من لجأ إليه وإلى بلاده حتى يدعوهم فيسألهم عما يقول هذان في أمرهم. فأرسل إلى أصحاب رسول الله r ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على صدقه فيما ساءه وسرّه كائناً في ذلك ما هو كائن، فقال لهم النّجاشيّ: ما هذا الدّين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه المِلَل؟


خطبة جعفر بن أبي طالب

فقام جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال له: أيّها الملك! كنّا قوماً أهل جاهليّة، نعبدُ الأصنام، ونأكل المَيْتَة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجِوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرِف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لِنُوَحِّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدّد عليه أمور الإسلام ـ فصدّقناه وآمنا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، لِيَرُدّونّا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نَستَحِلّ ما كنّا نستحِلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورغِبنا في جِوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيّها الملك.


جواب النجاشي

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شي؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدر (سورة مريم)، فبكى النجاشي حتى اخْضَلَّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مِشكاة واحدة، ثم أقبل على رسولَيْ قريش فقال: انطلقا؛ فلا والله لا أُسْلِمهم إليكما، ولا يُكادون.


كيد عمرو بن العاص

فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينّه غداً فأحدثنه عنهم بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل؛ فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا، ولكنّ عمراً أصرّ على رأيه، فلما كان الغد غدا على النجاشي وقال له: أيّها الملك! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسَلهم عمّا يقولون فيه، فأرسل إليهم النجاشي ليسألهم عنه، ففزع المسلمون وقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبيّنا كائناً في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم. ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا r: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود، فتناخَرَت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله. ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ـ والشّيوم: الآمنون بلسان الحبشة ـ مَن سبَّكم غرِم، مَن سبّكم غرِم، مَن سبّكم غرِم، ما أُحبّ أن لي دبْراً من ذَهَب وأني آذيت رجلاً منكم ـ والدَّبر: الجبَل بلسان الحبشة ـ ثم قال لبطارقته: ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله منّي الرَّشْوَة حين ردّ عليّ مُلكي فآخُذ الرَّشوة فيه، وما أطاع النّاس فيّ فأطيعهم فيه، فخرجا من عنده مقبوحَين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار.

هذه رواية ابن إسحاق، وفي رواية أن الذي كان يكلّم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه.


الحصار في شعب أبي طالب

بدء الحصار

خلال السنوات السبع من فجر الرسالة، كانت قريش تحارب الإسلام من خلال إيذاء الصحابة بشتى الوسائل، أما النبيّ r  فلم يكن أحد يجرؤ أن يمد يده إليه لما كان فيه من منعة وعزة وعشيرة، فقد كان عمه أبو طالب سيداً من سادات مكة وزعيماً من زعمائها، وكان أعمامه وبنو أعمامه قوة لا يستهان بها في مكة. فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله r وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمع رؤساؤهم وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكِحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم.

فلمّا رأى أبو طالب تألّب قريش على ابن أخيه r قام في أهل بيته من بني هاشم وبني المطلب ودعاهم إلى ما هو عليه من منع ابن أخيه وحياطته والقيام دونه، فأجابوه إلى ذلك، وأجمعوا أمرهم على أن يُدخلوا رسول الله r شِعْبَهم ويمنعوه ممن أراد قتله، فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شِعْبه، سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ـ فالمسلم منهم فعله إيماناً والكافر حميّة ـ إلاّ ما كان من أبي لهب؛ فإنه فارقهم وكان مع قريش.


الصحيفة الظالمة:

تآمر رؤساء قريش من الأشرار على تضييق الخناق على كل من أسلم، وخاصة أهل بيت النبيّ r، وكتبوا بمكرهم صحيفة فيها عهود ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صُلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا هَوادة حتى يُسلِّموا رسول الله r للقتل. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة العَبْدَريّ، ويقال: النّضر بن الحارث أو بَغِيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله r فشلّت يده.

ثم علّقوا الصحيفة في سقف الكعبة، توكيداً لنصوصها، وحصروا بني هاشم وبني النجار ومن انحاز إليهم في الشّعب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وقيل: سنة ثمان.

وقد دخل مع بني هاشم وبني المطلب جماعة من المسلمين فكانوا يلقون في سبيل الله أذى قريش ومكرها وكيدها، ولم يتخلف من بني هاشم إلا أبو لهب حيث خرج من الشعب وانضم إلى قريش.


عناية أبي طالب بالرسول r

وكان أبو طالب يخاف على رسول الله r، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله r فأتى فراشه حتى يراه من أراد به مكراً أو غائِلَة، فإذا نام النّاس، أخذ أحد بَنِيه أو إخوته أو بني عمّه فأضجعه على فراش رسول الله r وأمره أن يأتي بعض فُرُشهم فيرقُد عليها.


شدة الحصار:

لبث رسول الله r والمسلمون في الشِّعب سنتين أو ثلاثاً، اشتدّ عليهم فيهن البلاء والجَهْد، فقد قطعت عنهم قريش المِيْرَة والمادّة، وقطعت عليهم الأسواق، فكانوا لا يتركون طعاماً يدنو من مكّة ولا بيعاً إلاّ بادروا إليه فاشتروه دونهم ليقتلهم الجوع، وكان أبو لهب يدور بين التّجار ويقول لهم: غالُوا على أصحاب محمّد، حتى لا يُدركوا معكم شيئاً، وأنا أدفع لكم أضعافاً مضاعفة، فيزيدون عليهم في السِّلْعة قيمتها أضعافاً حتى يرجع الرجل إلى أطفاله، وهم يتضاغَوْن من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التّجار على أبي لهب فيربحهم، حتى جَهِد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعُرْباً، وحتى سُمع أصوات صبيانهم من وراء الشِّعب، واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود، وهلك منهم من هلك.

قال السهيلي: رُوي عن سعد بن أبي وقّاص أنه قال، لقد جعتُ حتى أني وَطِئت ذات ليلة على شيء رطب، فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن.


أشراف قريش يحزنون للحصار:

وقد سرّ هذا الموضوع كفّار قريش، وأحزن آخرين منهم وقالوا: انظروا ما أصاب منصور بن عِكرِمَة، ولكن كان لا يقدر أحد أن يبعث إلى المحصورين طعاماً ولا أُدْماً إلاّ سرّاً، يحمله مستخفياً به من أراد صلتهم من قريش، حتى أن أبا جهل لقيَ حكيم بن جِزام ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمّته خَدِيجَة بنت خُوَيلِد، وهي عند رسول الله r ومعه في الشِّعب، فتعلَّق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة، فجاءه أبو البَخْتَرِيّ بن هشام فقال: مالك وله، فقال يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال أبو البَخْتَرِيّ: طعام كان لعمّته عنده بعثت إليها، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرَجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْتَرِيّ لَحْيَ (عظم الأسنان) بعير فضربه به فشجّه، ووطِئه وَطْئاً شديداً، وحمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله r وأصحابه فيشمتوا بهم.

وكان هشام بن عمرو العامريّ ممن يصل بني هاشم بالطّعام، فكان يأتي بالبعير ليلاً فيُوقِره طعاماً، ثم يضربه باتجاه الشِّعب ويترك زمامه ليصل إلى المحصورين، روي أنه أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاماً، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلّموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلاً حِمْلاً أو حملين فغالظته قريش وهمّت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دَعُوه، رجل وصل أهل رَحِمه، أمَا إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا.

قال ابن إسحاق: ورسول الله r على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً، وسِرّاً وجهاراً، مُبادِياً بأمر الله لا يتّقي فيه أحداً من الناس. وكان يخرج والمسلمون معه في أيام موسم الحج، فيلقون الناس ويدعونهم إلى الإسلام، ولم تشغلهم آلامهم عن تبليغ الدعوة وعرضها على كل من يلقون.


الحصار يعود بالخير على الدعوة:

ولكن كما أن المقاطعة كانت محنة قاسية في تاريخ الإسلام، فقد تحولت كذلك إلى وسيلة إعلام واسعة بين القبائل العربية وخاصة في موسم الحج، فرأت العرب أن رجلاً قد أخرج قريشاً عن طورها وعقلها، وجعلها تمنع الطعام عن أبنائها ما هو بالمجنون أو الكذاب، وأكد لهم ذلك صبر هذا الرجل مع أتباعه على هذا الابتلاء. وبذلك لم تعد دعوة النبيّ r في الرأي العام العربي مجرد بدعة فتى قرشي طامح متفلّت من تقاليد قريش، بل صارت محل اهتمام العرب، حتى صار كل من يحضر الموسم من العرب يهتم لهم وينشغل بهم، وإذا كانت قريش قد منعت الناس من مقابلتهم والدخول عليهم، فلم يكن لها أن تمنعهم من الاهتمام بهم والسؤال عنهم، وإبداء السخط من هذه المقاطعة الظالمة التي لم يعرفها كل تاريخ العرب.

{وعَسَى أن تَكْرَهُوا شيئاً وَهُوَ خَيرٌ لكُمْ وعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَكُم والله يَعْلَمُ وأَنْتُم لا تَعْلَمون}[البقرة:216]


أول وفد من الحبشة:

خلال فترة الحصار في شعب أبي طالب، تسامعت الناس بذلك وجاء وفد من نصارى الحبشة إلى رسول الله r، وكانوا أكثر من ثلاثين، وكان قد سمعوا بالنبيّ r من خلال أصحابه المهاجرين في الحبشة الذين كانوا يقومون بالدعوة فيها بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار الهادئ فكان هؤلاء ممن وقع في قلوبهم صدق النبيّ r فأحبوا أن يدخلوا في الإسلام موقنين، فشدوا الرحال حتى بلغوا مكة المكرمة، فلما أخبروا بحصار النبيّ r في شعب أبي طالب، دخلوا فيه حتى انتهوا إلى النبيّ r فلما سمعوا من رسول الله r واستمعوا للقرآن آمنوا جميعاً، فعلم بذلك أبو جهل فأتاهم وقال لهم: ما رأيت ركباً أحمق منكم، أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال.

فقالوا لأبي جهل: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنت عليه؛ فكانوا أول وفد إلى رسول الله r يدخلون في الإسلام وفيهم نزل قوله تعالى:

{الَّذين آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبلِهِ هُم بهِ يُؤْمِنونَ وإذا يُتْلَى علَيْهِم قالوا آمنَّا بهِ إنَّه الحَقُّ مِن رَبِّنَا إنّا كُنّا مِن قَبلِهِ مُسلِمِينَ أولئكَ يُؤْتَونَ أجرهم مَّرَّتينِ بِما صَبَروا ويدرَؤُون بالحسنَةِ السَّيِّئَة ومِمَّا رزقناهُم يُنْفِقونَ وإذا سَمِعُوا اللَّغوَ أعرَضوا عنه وقالوا لَنا أعمالنا ولَكُم أَعْمالُكُم سَلامٌ علَيْكُم لا نَبْتَغي الجاهِلينَ}[القصص:52]

وانطوت كذلك سنة أخرى، والحصار على أشّده والإيمان يزيد في نفوسهم قوة وشدة، والكفر يتقلّب في قلوب قريش غيظاً وسفاهةً والنبيّ r مقبل على أصحابه الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، لا تعدو عيناه عنهم، وهو يقرأ لهم ما أنزل الله:

{أَم حَسِبْتُم أن تَدْخُلوا الجنَّةَ ولَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مسَّتْهُمُ البَأساءُ والضرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذين آمَنُوا معَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَريبٌ}.


نقض الصحيفة:

دخلت السنة العاشرة للبعثة والحصار محكم حول المسلمين في شعب أبي طالب، ورسول الله r وأصحابه معه لا يزيدهم الحصار إلا إيماناً وتمسكاً.

وقد أخذ عقلاء مكة وحكماؤها يضيقون ذرعاً بهذا التصرّف الظالم المجنون الذي سعى إليه طغاة مكة وأشرارها، ووافقهم الناس في ساعة غيظ واستثارة، وبدأ حكماء قريش يفكرون بطريقة ينهون فيها هذه المقاطعة، بعد أن ثبت لهم أن الاضطهاد والإيذاء لا يزيد الاعتقاد إلا رسوخاً في النفس وتمكناً في القلب.

ولكن شياطين قريش كانوا قد احتاطوا لذلك، وخشوا من تغيّر الناس على المقاطعة فيما بعد، فجعلوا الصحيفة في جوف الكعبة واعتبروها نسكاً دينياً، يتقربون بها إلى الآلـهة، ويستمطرون بها الخير والبركة.


معجزة ظاهرة في الأرضة:

ثم إن الله أطلع رسوله أن الأرَضَة (حشرة صغيرة) قد أكلت ما في الصحيفة من كلام الجور والظلم، وبقي ما كان فيها من ذكر الله عزّ وجلّ، فأخبر رسول الله r عمه أبا طالب بذلك، فسأله أبو طالب: أربّك أخبرك بذلك؟ قال: نعم، فخرج أبو طالب إلى المسجد وقال لكفّار قريش: إنّ ابن أخي قد أخبرني ـ ولم يكذبني قط ـ أن الله قد سلط على صحيفتكم الأرَضَة، فأتت على كل ما كان فيها من جور وظلم وقطيعة رحم، وبقي فيها كل ما ذكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقاً فارجعوا عن سوء رأيكم، فوالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان كاذباً دفعناه إليكم ففعلتم به ما تشاؤون.

ففرح المشركون بذلك وظنوها فرصتهم للقضاء على رسول الله r فجاؤوا صحيفتهم ففتحوها فإذا بها كما أخبر النبيّ r فما زادهم ذلك إلا بغياً وعدواناً، وقالوا: هذا سحر ابن أخيك، فعاد أبو طالب إلى الشعب وهو يقول: اللهمَّ انصرنا ممن ظلمنا وقَطَّع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا. وانصرف أبو طالب عائداً إلى الشعب، غير أن هذا الموقف كان له أبلغ الأثر في نفوس أصحاب المروءة من قريش فدفعهم ذلك إلى السعي في نقض الصحيفة.


أشراف قريش يمزقون الصحيفة:

تنادى عقلاء قريش لتمزيق الصحيفة الظالمة التي حكمت بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب بعد أن طار الحصار وظهر أن النبيّ r لن ينصرف عن دعوته ورسالته.

فذهب هشام بن عمرو إلى زهير بن أمية فقال: أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، فقال: ماذا أصنع إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، فقال: فأنا معك. فقال زهير: اطلب لنا رجلاً ثالثاً فذهبا إلى المطعم بن عدي فقالا له: أرضيت أن تهلك عائلتان من عبد مناف وأنت شاهد، فقال: إنما أنا واحد فقالا: إنا معك، فقال: اطلبا لنا رجلاً رابعاً، فذهبوا إلى أبي البختري بن هشام، فطلب خامساً، فذهبوا إلى زمعة بن الأسود فقعدوا ليلاً بأعلى مكة، وتعاهدوا على نقض الصحيفة وإخراج بني هاشم من الشعب.

فلما أصبحوا ذهبوا إلى أنديتهم وطاف زهير بالبيت ثم قال للناس: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة، فقال أبو جهل: كذبت والله لا تشق، فقال زمعة: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة، وقال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها وأيدهم هشام، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل.

وكثر النقاش والجدال، فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة وشق ما بقي منها، وقام الخمسة ولبسوا السلاح مع جماعة من الناس، وأعادوا بني هاشم والمطب إلى مساكنهم، وفكوا بذلك الحصار الذي زاد عن السنتين وقارب الثلاث، وكان خروجهم من الشعب أول السنة العاشرة من البعثة.


وفاة خديجة:

وخرجت طائفة الحق من الحصار المرير في شعب أبي طالب، بعد ما يقرب من ثمانية وعشرين شهراً، لتواصل العمل والبلاغ والرسالة، ووجوههم تشرق بنور الحق وصدق البشرى بوعد الله.

لقد انتهى الحصار، لكن المحن لم تنته بعد. وكانت الخبيئة التي ادَّخرتها الأيام لتفاجئهم بها بعد فك الحصار مباشرة هي عام الحزن.

ففي شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة توفيت خديجة بنت خويلد زوج النبيّ r، وأول العالمين دخولاً في الإسلام.

لقد كانت خديجة حصن الدفاع الداخلي للنبيّ r، تتلقاه كل يوم بعد إيذاء قريش له فتشد من أزره، وتقوي عزيمته وتخفف من آلامه.

لقد أنفقت من مالها على رسول الله r خدمة للإسلام واشترت الكثير من العبيد المسلمين وأعتقتهم وفكتهم من أسرهم، وساعدت أصحاب النبي المحتاجين فباعت نفسها ومالها لله رب العالمين.

وكان رسول الله r يحفظ لها جميلها بعد موتها وفاءً لها، ويكرم صديقاتها ويحسن إليهن، وظل يكثر ذكرها في مجالسه حتى آخر حياته.

توفيت السيدة خديجة بعد أن أمضت خمسة وعشرين عاماً إلى جانبه r، فكانت قلباً كبيراً يعينه على همومه وأحزانه، وعقلاً حصيفاً يؤازره وينصحه، وزوجة صالحة تسعده وتواسيه.

لقد كان لموت خديجة من الحزن ما أنسى المسلمين فرحتهم بفك الحصار في العام نفسه، ودفنت خديجة في مقابر مكة المكرمة، ولا يزال قبرها معروفاً إلى اليوم.

وقد أنجب رسول الله r من خديجة أولاده كلهم، فاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم، وكلهن بنات.

أما القاسم والطيب والطاهر وعبد الله أولاده الذكور فجميعهم لم تكتب لهم الحياة.

وقد انقطع عقب النبيّ r من ولده جميعاً إلا من فاطمة التي تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأنجبت السبطين السعيدين: الحسن والحسين ومنهما كان نسل المصطفى r إلى يومنا هذا.


مفاوضة قريش الأخيرة مع أبي طالب:

روى ابن إسحاق وغيره قالوا: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشاً ثِقَله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمّد في قبائل قريش كلّها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منّا، ولله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا، فمشى إليه أشرافهم، وهم خمسة وعشرون تقريباً، منهم عُتْبَة وشَيْبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، وأبو سفيان بن حَرْب، والعاص بن وائل، والأسْوَد بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، فقدّموا رجلاً منهم فاستأذن لهم على أبي طالب، فأذِن لهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب! أنت كبيرنا وسيّدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فَمُره فليكفّ عن شتم آلـهتنا وندعه وإلـهه ـ وفي لفظ: قالوا: يا أبا طالب! إنك منّا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوّفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعُه فخذ له منّا، وخذ لنا منه، ليكُفّ عنّا، ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه.

فبعث إليه أبو طالب، فجاء النبيّ r فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد النبيّ r مجلساً قرب عمّه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي! هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك ـ وفي لفظ: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك أن تكفّ عن شتم آلـهتهم ويَدعوك وإلـهك؛ فاقبل منهم فقد أنصفوك، فقال رسول الله r: «أرأيتُم إنْ أَعطيتُكُم هذِه، هلْ أنتم معطيَّ كلمة إنْ أنتُم تكَلَّمتُم بِها مَلَكْتُم بها العربَ، ودانتْ لكُم بها العجم؟» ـ وفي لفظ: فقال أبو طالب: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ قال: «إنِّي أُريدُ مِنْهُم كلمةً واحِدةً تَدِينُ لَهُم بها العرب، وتُؤدي إليهِم العجَمُ الجِزْيَةَ»، قال: كلمة واحدة؟ قال: «كلمةً واحدةً»، فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات ـ وفي لفظ: فقال أبو جهل من بين القوم: إن هذه لكلمة مربحة، لنعطيكنَّها وعشراً معها فما هي؟ ـ قال «تقولون لا إله إلا الله، وتخلعونَ ما تعْبُدُون مِنْ دونِهِ»، فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شَطَطاً، أما زعماء المشركين فصفَّقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمّد أن تجعل الآلـهة إلـهاً واحداً؟ إن أمرك لعجب ـ وفي لفظ: فاشمأزّوا ونفروا منها وقالوا: سَلْنَا غير هذه، فقال: «لو جئتمُوني بالشَّمسِ حتى تضَعُوها في يَدِي ما سَأَلتُكُم غَيْرَهَا!»، فغضبوا ـ وقال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرّجل بمعطيكم شيئاً ممّا تريدون، فانطلِقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم قاموا من عنده وهم يقولون: والله لنشتمنّك وإلـهك الذي يأمرك بهذا.

فأنزل الله تعالى فيهم: {ص . والقُرآنِ ذي الذِّكرِ، بلِ الَّذينَ كَفَروا في عِزَّةٍ وشقاق، كَم أهلَكْنا من قبْلِهِم من قَرْنٍ فنادوا ولاتَ حينَ مناصٍ، وعجِبُوا أنْ جاءَهُم مُنْذِرٌ منْهُم، وقال الكافرون هّذا ساحِرٌ كذَّاب، أَجَعَل الآلِهةَ إلـهاً واحداً، إنَّ هذا لشيء عجابٌ، وانطلَقَ المَلأُ مِنْهُم أنِ امشوُا واصبروا على آلـِهَتِكُم إنَّ هذا لشيءٌ يُراد، ما سَمِعنا بهذا في الملَّة الآخِرَةِ إنْ هذا إلاّ اختِلاقٌ}[ص:1-7].


وفاة أبي طالب:

خرج أبو طالب من الحصار الظالم مريضاً منهكاً، حيث أمضى ثمانية وعشرين شهراً مع النبيّ r محاصراً في شعبه، ولم يلبث أبو طالب أن وافته المنيّة، وكانت وفاته في رمضان أو في شوال من السنة العاشرة للبعثة، وهو يومئذ ابن بضع وثمانين سنة، وقيل: كانت وفاته في رجب بعد ستة أشهر من خروجهم من الشِّعب، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين.

ثم اختلفت الرويات: هل نطق أبو طالب بالشهادتين أم لا ونسأل الله عز وجل أن يكون قد ختم له بالإيمان والهداية والأسلم أن نفوض أمره إلى الله: {تِلْكَ أمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا ما كَسَبَتْ ولَكُم ما كَسَبْتُم ولا تُسألونَ عمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة:141]

وما هي إلا أن اشتدّ المرض بأبي طالب وثقلت حاله، وقام النبيّ r على رأسه مع عمه العباس، وجعل يكرر عليه الدعوة إلى الإسلام حتى فاضت روحه وغمغم بكلمات غير مفهومة، قال له العباس: قد والله سمعته يا ابن أخي يقول الكلمة التي أمرته بها.

وهكذا فقد مات أبو طالب بعد خديجة بخمسة وثلاثين يوماً. وفقد النبيّ r أقوى ناصر له في مكة، وبذلك نعلم أن نصف عمر الرسالة الإسلامية تقريباً أمضاه النبيّ r تحت حماية عمه أبي طالب على شركه ووثنيته، حتى الذين قالوا بإيمانه قرروا أنه لم يستعلن به حتى مات.


اشتداد الإيذاء بعد أبي طالب:

بعد وفاة أبي طالب اشتد أذى قريش على النبيّ r فكان يقول: «ما بلغت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».

وقد بدأت قريش تشتد في إيذائها للرسول r بالقول والفعل، بعد أن كان مقتصراً على الكلام والاستهزاء، وكان أشد الناس سفهاً وإيذاءً للنبيّ r عُقْبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام.

روي عن عائشة، رضي الله عنها، عن النبيّ r قال: «مازالتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةً (جبناء) حتى تُوفِيَ أبو طالب»، وعن عُروَة أن رسول الله r قال: «ما نَالتْ مِنّي قُرَيْشٌ شَيئاً أكْرَهُهُ حتى مات أبُو طالِبٍ».

قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله r من الأذى ما لم تكن تطمع في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثَر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله r بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله r يقول لها: «لا تَبكي يا بُنَيَّةُ؛ فإنَّ اللهَ مانِعٌ أباكِ».

 


 أشرار قريش:

قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله r في بيته: أبو لهب، والحَكَم بن العاص بن أُمَيَّة، وعُقْبَة بن أبي مُعيط، وعدي بن حمراء الثَّقفي، وابن الأصْداء الـهُذليّ، وكانوا جيرانه، لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص. وكان أحدهم فيما ذُكر لي يطرح عليه r رَحِمَ الشّاة وهو يصلّي، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمَته إذا نُصِبَت له، حتى اتّخذ رسول الله r حَجَراً يستَتِر به منهم إذا صلّى؛ فكان رسول الله r إذا طرحوا عليه ذلك الأذى ـ كما حدّثني عمر بن عبد الله بن عُروة بن الزّبير عن عُروة بن الزّبير ـ يخرُج به رسول الله r على العُود، فيقف به على بابه، ثم يقول: «يا بَنِي عَبْد منافٍ! أَيُّ جِوارٍ هذا؟» ثم يُلقيه بالطّريق.

وأما الذين كانت تنتهي عداوة رسول الله r إليهم بالإضافة إلى مَن ذكرهم ابن إسحاق فهم أبو جهل بن هشام، والأَسْوَد بن عبد يَغُوث، والحارث بن قيس بن عديّ وهو ابن الغَيْطَلَة، والوليد بن المُغيرة، وأُميّة وأُبَيّ ابنا خَلَف، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل، والنَّضْر بن الحارث، ومُنبِّه بن الحَجَّاج، وزُهير بن أبي أميّة، والسائب بن صيفيّ بن عابِد، والأسْوَد بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هشام. وكان عُتْبَة وشَيْبَة ابنا رَبيعَة، وأبو سُفيان بن حَرْب أهل عداوة ولكنهم لم يُشَخِّصوا بالنبيّ r وكانوا كنحو قريش، ولم يسلم منهم أحد إلاّ أبو سفيان بن حَرب. انظر قائمة المجاهرين بالعداوة.


دعاء النبيّ r على بعض المجرمين:

وكان من أشد الناس سفهاً وإيذاء للنبيّ r عُقْبَة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام، فقد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله r قائم يصلّي عند الكعبة، وجَمْع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظُرون إلى هذا المُرائي، أيّكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فَرثها ودمها وسَلاها (الغشاء الذي يحيط بالجنين) فيجيء به، ثم يُمهِله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، ـ وهو عُقبَة بن أبي مُعيط كما في رواية أخرى في الصحيح ـ فلما سجد رسول الله r وضعه بين كتفيه، وثبت النبيّ r ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضّحك، فانطلق منطلِق إلى فاطمة، عليها السلام، وهي جُوَيْرية (تصغير جارية)، فأقبلت تسعى، وثبت النبيّ r ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبّهم، فلما قضى رسول الله r الصلاة قال: «اللَّهُمَّ عليكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عليكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عليكَ بقُرَيْشٍ» ـ وفي رواية أخرى له: فشقّ عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يَرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة ـ ثم سمَّى: «اللَّهمَّ عليكَ بعَمْرو بنِ هشامٍ، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد». قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القَلِيب، قليب بدر، ثم قال رسول الله r: «وأُتْبِعَ أصحابُ القليب لعنةً».


أبو بكر الصديق يهم بالهجرة إلى الحبشة:

ولما رأى أبو بكر، رضي الله عنه، من تظاهر قريش على النبيّ r وعلى أصحابه ما رأى استأذن رسول الله r في الهجرة، فأذن له، فخرج من مكّة حتى بلغ بِرْك الغِمادْ، يريد الحبشة، فلقيه ابن الدُّغُنَّة وهو سيّد القَارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيّقوا عليّ، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبُد ربّي، قال ابن الدُّغُنَّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج؛ إنك تكسِب المعدوم، وتصِل الرَّحِم، وتحمِل الكلّ، وتَقْري الضَّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، ارجع واعبُد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدُّغنَّة، فطاف ابن الدُّغنَّة عشيّة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتخرِجون رجلاً يكسِب المعدوم، ويصِل الرَّحِم، ويحمِل الكلّ، ويَقْري الضَّيف، ويُعين على نوائب الحقّ. فلم تكذِّب قريش بجوار ابن الدُّغنَّة، وقالوا له: مُرْ أبا بكر فليعبدُ ربّه في داره، فَلْيُصلّ فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلِن به، فإنّا نخشى أن يفتِن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغنَّة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبُد ربّه في داره ولا يستعلِن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفِناء داره، وكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن، فتزدحم عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر، رضي الله عنه، رجلاً رقيقاً بكّاءً؛ لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدُّغنَّة فقدِم عليهم، فقالوا: إنّا كنّا أَجَرْنا أبا بكر بجِوارك على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفِناء داره، فأعلن بالصّلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتِن نساءنا وأبناءنا، فانْهَهُ، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبُد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلاّ أن يُعلِن بذلك، فسلْهُ أن يردّ إليك ذمّتك، فإنّا قد كرِهنا أن نُخفِرك (ننقض ذمتك)، ولسنا مقِرّين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدُّغنَّة إلى أبي بكر فقال له: يا أبا بكر! إني لم أُجِرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذّوا بذلك منك، وقد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإمّا أن تُرجِع إليّ ذمّتي؛ فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أني أُخفِرت في رجل عقدت له، قال أبو بكر: فإنّي أرُدّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله عزّ وجلّ، فقام ابن الدُّغنَّة فقال: يا معشر قريش! إن ابن أبي قحافة قد ردّ علي جواري، فشأنكم بصاحبكم.

فعمد أبو بكر، رضي الله عنه، يوماً إلى الكعبة، فلقيه سَفِيه من سفهاء قريش فحثا على رأسه تراباً، فمرّ بأبي الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السَّفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك، فقال أبو بكر رضي الله عنه، أَيْ ربِّ! أيْ ربِّ! ما أحلمك، أيْ ربِّ ما أحلمك، أيْ ربِّ ما أحلمك.


الهجرة إلى الطائف

 

بدأ النبيّ r يفكر بالهجرة من مكة إلى أرض أخرى، يجد فيها قبولاً واستجابة لرسالة الحق، بعد أن أيقن أن شياطين قريش غير تاركيه وقد صار بلا نصير يحميه ويؤويه.

وكانت الطائف أقرب البلاد إلى مكة، فكان رسول الله r يرجو أن يهدي الله قلوب أهلها للإيمان، والطائف مدينة تبعد 75 كم عن مكة، وترتفع عن سطح البحر نحو 1500متر، وهي مصيف الحجاز، وهواؤها يشبه هواء الشام.

وفي شوال من السنة العاشرة خرج النبيّ r إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، والتفت محزوناً إلى مكة وقال: «والله إنك أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».


دعوة زعماء الطائف:

ثم مشى حتى بلغ الطائف وأسيادها يومئذٍ ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي.

فمضى حتى استأذن على الأول فأخبره بما كان من وحي الله له وإعراض قومه عنه وصدهم عن دعوته، وجعل يقلب له الموعظة ويتألفه بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم دعاه ليدخل في الحق ويقوم بنصرة الدعوة والدفاع عن الرسالة.

ولكن… من قال بأن هدي النبوة ينفع القلوب الميتة، والتفت عبد ياليل هازئاً مستكبراً وما زاد على أن قال: أنا أمزق ثوب الكعبة إن كان الله قد أرسلك نبياً.. فخرج المصطفى كاسفاً حزيناً ومضى إلى أخيه مسعود بن عمرو، فما كان رده أحسن من أخيه، وأغلظ له في القول وقال: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك!!..

أما الثالث فكان قد بلغه خبر النبيّ r، فلما حضر النبيّ r يستأذن عليه، أرسل خادمه قائلاً: «إن كنت نبياً فليس لمثلي أن يكلم الأنبياء، وإن تكن صعلوكاً فمثلي لا يكلّم الصعاليك»…


ما لقيه النبيّ r من أهل الطائف:

ثم إنّ النبيّ r لم ييأس من عنادهم وكفرهم، وراح يعرض عليهم أموراً هي أهون من الأولى وأقرب، فأرادهم أن يجيروه حميّةً حتى يمضي فيما أمره به الله فأعرضوا واستكبروا..

فاستأذنهم أن ينشر دعوته في أهل الطائف من غير أن يمسّهم بسوء، فغضبوا وثاروا وقالوا: والله لا نتركك تفسد علينا عبيدنا وتسفه آباءنا وتشتم آلـهتنا.

فدعاهم إلى أهون من ذلك: أن يقيم في أرضهم ويعتزلهم وما يعبدون من دون الله، فأبوا عليه شيئاً من ذلك.. ثم رجاهم أن لا يخبروا قريشاً خبر مقدمه عليهم، وكان بين قريش وثقيف خصومة جاهلية، فخشي النبيّ r أن تعلم قريش نبأ قدومه على الطائف فتزيد نار عداوتها وحربها على الإسلام.

ولكنهم رفضوا ذلك إمعاناً في الإعراض وقالوا: (والله لنخبرنَّ قريشاً خبرك).

فانقلب النبيّ r عنهم كاسفاً حزيناً أسِفاً، ثم إنهم ما تركوه، بل أغروا به صبيانهم وسفاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أغمي عليه r . ثم إنهم ما تركوه بعدئذٍ، بل احتملوه من عضديه يرجمونه بالحجارة حتى سال الدم من رأسه إلى أخمص قدميه، ومعه زيد بن حارثة يذب عنه بجسده، ويدفع عنه الأذى والسوء، ثم تركوه في الرمضاء وزيد قائم فوق رأسه يمسح له وجهه ويصلح له ثوبه.

{إنَّكَ لا تُسْمِعُ الموتَى ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوا مُدبرِينَ وما أنتَ بِهادي العُمْيَ عن ضَلالاتِهِمْ إن تُسْمِعُ إلاّ من يُؤمِنُ بآياتنا فهُم مسلمون}[النمل:79-80]

 


دعاء النبيّ r بعد خروجه من الطائف

ثم استفاق النبيّ r بعد ما لقيه من أهل الطائف فمضى هائماً على وجهه حتى بلغ قرن الثعالب، فرفع يديه ملتجئاً إلى الله عز وجل: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المتسضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي… ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».


تأييد الله للنبيّ r :

ثم إن النبيّ r قال بعدئذٍ: «فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني الله إليك لتأمرني، إن شئت فأطبق عليهم الأخشبين ـ الجبلين ـ وإن شئت خسفت بهم الأرض، فقال النبيّ r: لا، بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً».


خبر عداس:

ثم إن النبيّ r التجأ إلى بستان بالطائف لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما من رؤوس الكفر في مكة. فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وعرفا ما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له: “عداس” فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله r، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله r فيه يده قال: باسم الله. ثم أكل، فنظر “عدّاس” في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله r: ومن أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟ قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله r: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله r: «ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي!.».

فأكب عداس على رسول الله r يقبل رأسه ويديه وقدميه.

قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي! قالا له: ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه!.

وبذلك ترى أن النبيّ r لم يفتر لسانه عن الدعوة إلى الله بالرغم من سوء ما يلقى من قومه، فتألف عداس النصراني ودعاه إلى الله عز وجل، وجعل يدعو لقومه بالهداية والصلاح بالرغم من كل ما لقيه من ردٍّ وصدّ!. وهذه هي عظمة النبوّة: أن لا يخرجك سلوك الجاهلية عن موقفك الرباني: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ولم يُسلم في هذه الهجرة إلا هذا الغلام.


خبر الجن:

وقد أكرم الله سبحانه نبيه عند عودته من الطائف بأن جاءه نفر من الجنّ أخبرنا الله تعالى خبرهم حيث قال:

{وإذْ صَرَفنَا إليكَ نَفَراً من الجنِّ يستَمِعُونَ القرآنَ فلَمَّا حضَرُوهُ قالوا أَنصِتوا فلمَّا قُضِيَ وَلَّوا إلى قومهم منذرينَ قالُوا يا قومَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتاباً أُنزِلَ منْ بعدِ موسى مصدِّقاً لما بينَ يديهِ إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مُستَقِيمٍ * يا قَومَنا أجيبوا داعي اللهِ وآمِنوا بهِ يَغْفِرْ لَكُم مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُم مِنْ عذابٍ أليمٍ * ومن لا يُجِب دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرضِ وليسَ لهُ مِن دُونهِ أولياءُ أُولئِكَ في ضلالٍ مُبينٍ}[الأحقاف:29].


في جوار المطْعِم بن عدي:

مضت تلك الأيام القاسية في الطائف آخر شوال سنة 10 للبعثة، وخرج رسول الله r منها مكسور الخاطر، مهيض الجناح، غير أن إيمانه برسالته، وثقته بما يدعو إليه، كان يزيده إصراراً وتصميماً وبحثاً عن وسائل جديدة يتمكن بها من حماية الدعوة وأداء الرسالة.

وبقي رسول الله r بين مكة والطائف، لا أهل الطائف يستقبلونه، ولا يأمن أذى أهل مكة فيدخلها، لكنه عزم أن يعود إلى مكة ليستأنف البلاغ المبين، وإذا كانت قريش قد تمادت في الإعراض والغواية، فقد كان يرجو أن تصغي إليه وفود العرب في الموسم، ويجعل الله للرسالة فرجاً أو مـخرجاً.

فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم يا رسول الله، وهم أخرجوك؟.

فقال r: «يا زيد؛ إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإنّ الله ناصر دينه ومظهر نبيه».

ولم يكن رسول الله r بالذي يشغله التوكل عن اعتماد الأسباب والوسائل.

فأرسل إلى ثلاثة من رؤوس قريش يستنصرهم، ويطلب جوارهم ليدخل إلى مكة وهم: الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو والمطعم بن عدي…

وقد يبدو هذا السلوك النبوي غريباً في فهم أولئك الذين يتعجلون، إذ كيف يطلب النبيّ r نصرة قوم لا تزال جباههم معفرة بالسجود لغير الله، وألسنتهم مصقولة على الكفر بالله مع أنه مؤيد بقوة الله ونصره وتأييده؟.

فالأخنس بن شريق هذا هو الذي قال الله عز وجل فيه:

{ولا تطِعْ كلَّ حلاَّفٍ مَّهينٍ * همَّازٍ مشّاءٍ بِنَمِيمٍ * منَّاعٍ للخَيرِ مُعتَدٍ أثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعدَ ذلِكَ زَنيمٍ}[القلم:10-12]

وأما سهيل بن عمرو فقد كان أشد من صاحبه حرباً على الإسلام وإيذاءً للمسلمين، وظل عشرين عاماً يخطب في قريش ويؤلّب الناس على رسول الله r من قبل هذا ومن بعده.

وأما المطعم بن عدي فقد كان فيمن مشى إلى أبي طالب وقال: يا أبا طالب أعطنا ولدك محمداً نضرب عنقه فقد شتم آلـهتنا وسفّه آباءنا، وخذ مكانه ولدنا عمارة بن الوليد!!..

لقد كان الله عز وجل قادراً على أن يدخل نبيّه r إلى مكة على أسنة الملائكة!. وأن يؤيِّدَهُ بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قادراً أن يخرج أهل مكة من حيث أخرجوه ويدخله إليها مدخل صدق آمناً مطمئناً…

ولكنه أراد أن يعلم الناس من بعده كيف تصان الرسالة، وتؤيد الدعوة بقانون الأسباب والمسببات الذي جعله الله ناموساً ناظماً لهذا الكون.

فأرسل إلى الأخنس بن شريق أولاً يستجيره ويستنصره فرد قائلاً: إنه حليف قريش، وحليف قريش لا يجير على صميمها.

ثم أرسل إلى سهيل بن عمرو، وكان سيداً مطاعاً في مكة فاعتذر أيضاً وقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، ثم أرسل إلى المطعم بن عدي، وكان من أشراف مكة وسادتها، وكان رجلاً شديد المروءة حسن الجوار. فرضي المطعم ونادى في نوادي مكة: إني قد أجرت محمداً، ثم خرج بأولاده السبعة متقلّدين سيوفهم محلقين حول رسول الله r حتى دخل مكة فطاف بالبيت.

وجاء أبو جهل بن هشام فقال: يا مطعم أتابع أم مجير؟ قال: لا بل مجير، قال: إذاً لا تخفر.

وبات رسول الله r ليلة أو ليلتين في دار المطعم، ثم عاد يستأنف رسالته في ظل سيوف بني المطعم بن عدي.

وحفظ رسول الله r ذلك للمطعم فكان يذكره بخير، وفي يوم بدر لما اجتمعت الأسارى بين يديه قال: «لو كان المطعم بن عدي حياً وجاءني في فداء هؤلاء النتنى، لأطلقتهم من أجله».


النبيّ r يعرض نفسه على القبائل:

دخل رسول الله r مكّة في أواخر ذي القعدة من السنة العاشرة للبعثة، في جوار المُطْعِم بن عديّ، وكان موسم الحج في ذلك العام قد اقترب، فأخذ النبيّ r يتهيّأ لدعوة قبائل العرب إلى الإسلام، كما كان شأنه كل عام منذ أن جهر بالدعوة في السنة الرابعة للبعثة، واستمر على ذلك الأمر حتى آخر موسم للحج قبل هجرته r إلى المدينة، فكان كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرِض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتى يبيّن عن الله ما بعثه به.


موقف أبي لهب

وكان رسول الله r كلما مرّ على ملأ يدعوهم إلى الإسلام، يأتي من خلفه عمه أبو لهب يخاطب القوم: يا بني فلان، إن ابن أخي هذا رجل مسحور، وإنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. فيقول سادتهم وكبراؤهم: لو كان فيما جاء به خير لاتّبَعه قومه وعزّوا به فيعرضون..


رواية عروة بن الزبير

وعن عُرْوَة بن الزُّبير قال: لما أفسد الله، عزّ وجلّ، صحيفة مكرهم خرج النبيّ r وأصحابه فعاشوا وخالطوا الناس، ورسول الله r في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلّم كلّ شريف، لا يسألهم مع ذلك إلاّ أن يُؤووه ويمنعوه، ويقول: «لا أُكْرِهُ مِنكُم أحداً على شيءٍ، مَنْ رضِيَ الّذي أدْعُوهُ إليه قَبلَهُ، ومَنْ كَرِهْهُ، إنَّما أُريدُ أن تَحُوزوني مِمَّا يُرادُ بي مِنَ القَتْلِ، فَتَحُزُوني حتى أُبَلِّغَ رِسالاتِ ربِّي، ويَقْضي اللهُ لي ولِمَنْ صحِبَني بِما شاء». فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلاّ قالوا: قوم الرّجل أعلم به، أَفَتَرى رجلاً يُصلِحنا وقد أفسد قومه؟ وذلك لِما ادَّخر الله، عزّ وجلّ، للأنصار من البركة.


جواب كِنْدَة

روى أبو نعيم بسنده عن ابن رُومَان وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما قالوا: جاء رسول الله r كِندة في منازلهم بعُكاظ، فلم يأت حيّاً من العرب كان ألين منهم، فلما رأى لينهم وقوة حبهم له، جعل يكلمهم ويقول: «أدعُوكم إلى اللهِ وَحْدَهُ لا شريك له، وأنْ تَمْنَعوني ممّا تمنعونَ منه أنْفُسَكُم فإنْ أظْهَرْ فأنتم بالخِيار»، فقال عامّتهم: ما أحسن هذا القول، ولكنّا نعبد ما كان يعبد آباؤنا، قال أصغر القوم: يا قوم! اسبِقوا إلى هذا الرجل قبل أن تُسبَقوا إليه، فوالله إن أهل الكتب ليحدّثون أن نبيّاً يخرج من الحرم قد أظلّ زمانه، وكان في القوم إنسان أعور فقال: أمسِكوا عليّ، أخرجَتْه عشيرته وتؤوونه أنتم؟ تحملون حرب العرب قاطبة، لا ثم لا، فانصرف عنهم حزيناً، فانصرف القوم إلى قومهم فخبّروهم، فقال رجل من اليهود: والله إنكم مخطئون بخطئكم لو سبقتم إلى هذا الرجل لسُدتم العرب، ونحن نجد صفته في كتابنا، فوصفه للقوم الذين رأوه، كل ذلك يصدّقونه بما يصف من صفته، ثم قال: نجد مخرجه بمكّة ودار هجرته يثرب، فأجمع القوم ليوافوه في الموسم القابل، فحبسهم سيّد لهم عن تلك السنة فلم يواف أحد منهم، فمات اليهوديّ فسُمع عند موته يصدّق بمحمّد r ويؤمن به.


جواب بني عامر بن صعصعة

قال ابن إسحاق: حدّثني الزُّهري أنه أتى بني عامر بن صَعْصَعة، فدعاهم إلى الله، عزّ وجلّ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له: بَيْحَرَة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على مَن خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمْرُ للهِ يَضَعُهُ حَيثُ يشَاءُ»: قال: فقال له: أَفَنُهْدِفُ نُحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه، فلما صدر النّاس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السِّنّ، حتى لا يقدِر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلمّا قدِموا عليه ذلك العام سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنّه نبيّ، يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بني عامر! هل لها من تلاف؟ هل لذُناباها من مَطْلَب؟ والذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيليّ قطّ، وإنها لحقّ، فأين رأيكم كان عنكم.

وروى أبو نعيم بسنده عن عبد الرحمن العامِريّ عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله r ونحن بسوق عُكاظ، فقال: «مِمَّن القومُ؟» قلنا: من بني عامر بن صَعْصَعة، قال: «من أيّ بني عامر؟» قلنا: بنو كعب بن ربيعة، قال: «كَيفَ المَنَعَة فيكُم؟» قلنا: لا يُرام ما قِبَلَنا، ولا يُصْطَلى بنارنا، قال: فقال لهم: «إنّي رسول الله؛ فإن أتيتُكُم تَمنَعوني حتى أُبلِّغَ رِسالةَ رَبّي، ولم أُكْرِهْ أحداً منكُم على شَيءٍ؟» قالوا: ومن أي قريش أنت؟ قال: «مِنْ بني عبد المُطَّلِب»، قالوا: فأين أنت من بني عبد مناف؟ قال: «هُم أوّلُ مَنْ كَذَّبَني وطَرَدني»، قالوا: ولكنّا لا نطردك ولا نؤمن بك، ونمنعك حتى تبلّغ رسالة ربك، قال: فنزل إليهم والقوم يتسوَّقون، إذ أتاهم بُجَرَة بن قيْس القُشَيْريّ فقال: مَن هذا الذي أراكم عندكم أُنكِره؟ قالوا: محمّد بن عبد الله القُرَشيّ، قال: ما لكم وله؟ قالوا: زعم لنا أنه رسول الله يطلُب إلينا أن نمنعه حتى يبلّغ رسالة ربّه، قال: فماذا رددتم عليه؟ قالوا: قلنا في الرَّحْب والسَّعَة، نخرجك إلى بلادنا، ونمنعك مـمّا نمنع به أنفسنا، قال: بُجَرَة: ما أعلم أحداً من أهل هذه السّوق يرجع بشيء أشرّ من شيء ترجِعون به، ثم بدأتم لتنابذ الناس وترميكم العرب عن قوس واحد، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعد الناس به، تعمَدون إلى رَهِيق قوم قد طرده قومه وكذَّبوه فتؤوونه وتنصرونه؟ فبِئس الرأي أنتم، ثم أقبل على رسول الله r فقال: قُم فالْحَق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك، قال: فقام رسول الله r إلى ناقته، فركبها، فغمز (طَعَن) الخبيث بُجَرَة شَاكِلَتها (الخَاصِرَةْ) فقَمَصَت (نفرت) برسول الله r فألقته، وعند بني عامر يومئذ ضُبَاعَة بنت عامر بن قرط، كانت من النّسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله r بمكّة، جاءت زائرة إلى بني عمّها، فقالت: يا آل عامر! ولا عامر لي، أيُصنع هذا برسول الله r بين أظهُركم لا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة نَفَر من بني عمّها إلى بُجَرَة، واثنان أعاناه، فأخذ كلّ رجل منهم رجلاً فَجَلد (ضرب) به الأرض، ثم جلس على صدره، ثم عَلَوا وجوههم لَطْمَاً، فقال رسول الله r: «اللَّهُمَّ بارِكْ على هؤلاء، والْعَنْ هَؤلاءِ»، قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه فقتُلوا شهداء، وهلك الآخرون لعناً.

واسم الثلاثة نَفَر الذي نصروا بُجَرة: فِراس، وحَزن بن عبد الله، ومُعاوية بن عُبادة، وأما الثلاثة الذين نصروا رسول الله r فغِطْرِيف وغَطَفان ابنا سَهْل، وعُرْوَة بن عبد الله.

وفي رواية: أنه r لم يلق من أحد من الأذى قط ما لقي منهم، حتى خرج من عندهم وإنهم ليرمونه من ورائه.


جواب بني حنيفة:

قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله r أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردّاً منهم.


جواب بني عَبْس:

روى أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن وابِصَة العَبْسِيّ عن أبيه عن جدّه قال: جاءنا رسول الله r في منازلنا بمنى، ونحن نازلون بالجَمْرَة الأولى التي تلي مسجد الخَيْف، وهو على راحلته، مُردِفاً خلفه زيد بن حارثة، فدعانا، فوالله ما استجبنا له، ولا خير لنا، قال: وقد كنّا سمعنا به وبدعائه في الموسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجِب له، وكان معنا مَيْسَرَة بن مسروق العَبْسِيّ فقال: أحلِف بالله لو صدّقْنا هذا الرجل وحملناه حتى نَحُلّ به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلِف بالله ليظهرنّ أمره حتى يبلُغ كلّ مبلغ، فقال له القوم: دعنا عنك لا تعرّضنا لما لا قِبَل لنا به، فطمع رسول الله r في مَيْسَرة، فكلّمه، فقال مَيْسَرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكنّ قومي يخالفونني، وإنـمـا الرجل بقومه، فإن لم يعضُدوه فالعداء أبعد، فانصرف رسول الله r وخرج القوم صادرين إلى أهلهم، فقال لهم مَيْسَرة: مِيلوا بنا إلى فَدَك، فإن بها يهود نسائلهم عن هذا الرجل، فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سِفْراً لهم، فوضعوه، ثم درسوا ذِكْر رسول الله r النبي الأميّ العربيّ، يركب الجمل، ويجتزئ بالكِسْرَة، وليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجَعْد ولا بالسَّبْط، في عينيه حُمْرة، مُشَرّب اللّون، فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه، وادخلوا في دينه، فإنّا نحسُده فلا نتّبعه، ولنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلاّ اتّبعه أو قاتله، فكونوا ممن يتّبعه، فقال مَيْسَرَة: يا قوم! إن هذا الأمر بيّن، قال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه، فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتّبعه أحد منهم. فلما قدِم رسول الله r المدينة وحجّ حجّة الوداع لقيه مَيْسَرة.


جواب بني شيبان

وكان ممّن عرض عليهم رسول الله r نفسه في العام العاشر من البعثة ـ جماعة من بني شيبان فيهم مَفْرُوق بن عمرو، وهانئ بن قُبَيْصَة، والمثنّى بن حارثة، والنُّعمان بن شريك، فدعاهم رسول الله r إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن، فاستحسنوا قوله وأعجبهم ما يدعو إليه، ولكنهم اعتذروا عن نصرته لكون كسرى قد أخذ عليهم عهداً ألا يُحدِثوا حَدَثاً ولا يُؤوا مُحدِثاً ـ وكانت أرضهم مما يلي بلاد فارس ـ فقال لـهم رسول الله r: «مَا أَسأْتُمُ الرَّدَ إذْ أَفْصَحتُم بالصّدْقِ، إنَّه لا يقومُ بدينِ اللهِ إلاَّ مَنْ أَحَاطَهُ مِنْ جميعِ جوانبهِ»، ثم وعدوا رسول الله r إن نصرهم الله على فارس أن يعودوا إليه، فلما التقوا يوم ذي قار هم والفرس قال شيخهم: ما اسم الرّجل الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا: محمّد، قال: هو شِعاركم، فنُصِروا على القوم، فقال رسول الله r: «بي نُصِروا».


جواب بني مُحارِب

روي عن عبد الله بن كَعْب بن مالك أن رسول الله r انتهى إلى بني مُحارِب بن خَصَفَة، فوجد فيهم شيخاً ابن مائة سنة وعشرين سنة فكلّمه رسول الله r ودعاه إلى الإسلام وأن يمنعه حتى يبلّغ رسالة ربه، فقال الشيخ: أيّها الرجل! قومك أعلم بنبئك، والله لا يؤوب بك رجل إلى أهله إلاّ آب بشرّ ما يؤوب به أهل الموسم، فأغن عنّا نفسك، وإن أبا لهب لقائم يسمع كلام المُحاربيّ، ثم وقف أبو لهب على المُحاربيّ فقال: لو كان أهل الموسم كلّهم مثلك لترك هذا الدين الذي هو عليه، إنه صابئ كذّاب، قال المحاربيّ: أنت والله أعرف به، هو ابن أخيك؛ لُحْمَتك، ثم قال المحاربيّ: لعلّ به يا أبا عتبة لَمَماً؛ فإن معنا رجل من الحيّ يهتدي لعلاجه، فلم يرجع أبو لهب بشيء، غير أنه إذا رآه وقف على حيّ من أحياء العرب صاح به أبو لهب: إنه صابئ كذّاب.


خبر الإسراء والمعراج

 

 

دخلت السنة الحادية عشرة للبعثة والنبي r في جوار المطعم بن عدي، يقوم برعاية أصحابه والعناية بهم، والدعوة في وفود العرب وقبائلها على وجه يستمر به صوت الرسالة من غير أن يحرج به المطعم بن عدي في جواره…

وكان النبي r يتطلع إلى أصحابه في الحبشة ومن آمن به من بني شيبان ومن أهل يثرب، ويقلّب وجهه في السماء لا يدري أي أرضٍ تلك التي تكون أرض الهجرة الموعودة؟، بعد أن استيأس من أشراف مكة أن يدخلوا في الإسلام راغبين.

وفي منتصف هذا العام في شهر رجب ـ على الأغلب ـ وقعت حادثة الإسراء والمعراج.

وأغلب الظن أنها وقعت في شهر رجب في السابع والعشرين منه.

وقد جاءت هذه الرحلة بعد فترة عصيبة مرَّ بها رسول الله r من مقاطعة قريش ووفاة زوجته خديجة، وعمه أبي طالب، وما لحقه من أذى قريش وحصارهم، وبعد هجرته إلى الطائف ـ على الأرجح ـ فكانت تخفيفاً له من مصابه، ومكافأة له على مواصلة الدعوة إلى الله، وإكراماً على صبره.

وإليك قصة الإسراء والمعراج كما أوردها البخاري في الصحيح:

الإسراء والمعراج

عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن رسول الله r كان يحدث من خبر الإسراء والمعراج فقال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل، فقيل من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه… ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية (فكان يلقى في سماء من شاء الله من الأنبياء، فالتقى في الثانية بعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا وفي الثالثة بيوسف وفي الرابعة بإدريس، وفي الخامسة بهارون، وفي السادسة بموسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قال: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد r، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال ـ الجرار ـ فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت من بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كي يوم وليلة، لكل صلاة عشر فلذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتب سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه».

وعاد النبي r بعد تلك الرحلة التي أُكرم بها في ملكوت الله عز وجل، وكانت مواساة له على تكذيب المشركين وإعراضهم.

وأخبر النبي r المشركين بما حصل له في هذه المعجزة، فصاروا بين مصفّق ومصفّر ومستهزئ، وارتد ناس من ضعاف الإيمان أمام شائعات قريش، وسعى رجال إلى أبي بكر وأخبروه بالخبر علّه يتخلى عن صاحبه، فقال أبو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي في ذلك اليوم “الصّدِّيق”.

وجاء المشركون يمتحنون رسول الله r في صدقه فسألوه عن وصف بيت المقدس، فجلى الله له بيت المقدس، وأخذ يصفه لهم باباً باباً وموضعاً موضعاً فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فأخبرنا عن تجارتنا ـ وكانت لهم عير قادمة من الشام ـ فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها فقال لهم: إنها تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ـ في لونه بياض إلى سواد ـ، فخرجوا في ذاك اليوم فقال قائل منهم فرحاً: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق، لكن ذلك لم يزدهم إلا استكباراً وعناداً، وقالوا: هذا سحر مبين.

والحق أن المعجزة مهما كانت ظاهرة بينة لا يمكن أن تحمل الهدى لمن يبتغي المعاندة والمكابرة والجدال.

قال الله تعالى: {ولو أنزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوهُ بأيدهم لقال الذين كفروا إن هذا إلاّ ساحرٌ مبينٌ}[الأنعام:7].

وقال: {ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة وكلَّمهُمُ الموتى وحَشَرنا عليهم كُلَّ شيءٍ قُبُلاً ما كانوا ليُؤْمِنوا إلاّ أن يشاء اللهُ ولكنَّ أكثرهم يجهلون}[الأنعام:110].

من ليس يفتح للضياء عيونه          هيهات يوماً واحداً أن يبصرا

وعلماء السير غير متفقين في توقيت الإسراء والمعراج، ولهم في ذلك روايات واجتهادات، غير أنهم متفقون على أنّ الإسراء والمعراج كان إكراماً من الله عزّ وجلّ لنبيه r، وفتنة للناس ليميز الله بها الخبيث من الطيب والله يعلم وأنتم لا تعلمون…

ودخل رمضان والناس في هرج ومرج من قصة الإسراء والمعراج، والنبي r مستغرق في يقينه وطمأنينته، يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتّبعه من المؤمنين.

ومع بداية الأشهر الحرم من آخر هذه السنة راح رسول الله r يتهيأ لدعوة الوفود شأنه كل عام، ولكنه هذه المرة كان يخفي عن قريش دعوته لئلا تفسدها عليه ولئلا يسيء إلى جوار المطعم بن  عدي.


بيعة العقبة الأولى

كان النبي r في موسم السنة الحادية عشرة للبعثة قد التقى بجماعة من أهل يثرب ودعاهم إلى الإسلام فصدقوه وواعدوه في الموسم القادم، وجاء موسم الحج في السنة الثانية عشرة للبعثة، وجاء وفد من يثرب للقاء النبي r وسمعوا منه ما سبق أن سمعوه، وسمع منهم أحوالهم ومساءلاتهم، ومازال بهم حتى شرح الله صدورهم للإسلام وبايعوه بيعة العقبة الأولى.

وكان الوفد الذي بايع النبي r هذه البيعة اثنا عشر رجلاً، اثنان من الأوس وعشرة من الخزرج. انظر قائمة أهل بيعة العقبة الأولى.

وقد لقي هؤلاء رسول الله r عند العقبة بمنى، فبايعوه بَيعة النّساء؛ أي كمبايعة النساء التي كانت يوم فتح مكّة المكرّمة، وذلك قبيل أن تفترض عليهم الحرب.

قال عبادة بن الصامت، وكان ممن شهد تللك البيعة من الأنصار: بايعنا رسول الله r ليلة العقبة الأولى ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف قال r : «فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله تعالى، إنْ شاء عذب وإن شاء غفر».

وكانت الأوس والخزرج هما القبيلتان الرئيستان في يثرب، وكانتا في حرب دائمة، كما كان في المدينة أقلية يهودية تغذي هذا الصراع وتثير ناره كلما خمد ـ كما هو حالهم اليوم ـ.

وقد وافقت هذه البيعة انصراف أهل المدينة من حرب بعاث، وهي الحرب التي نشبت بين الأوس والخزرج وهلَك فيها الكثير من الطائفتين… وكان اليهود في يثرب يقولون للأوس والخزرج: وقد أوشك ظهور نبيِّ آخر الزمان الذي نجتمع تحت لوائه ونقتلكم قتل عاد وإرم.

وقال قائل الأنصار: والله إن هذا النبي الذي تعدكم به يهود فلا يسبقونكم إليه.

وكانوا يرجون أن يجمع الله به كلمتهم ويجمع شملهم بعد إذ مزّقته الحرب شر ممزق…

وأرسل رسول الله r مع أ هل العقبة الأولى مصعب بن عمير يعلمهم الإسلام، ويتلو عليهم القرآن، فكان بذلك أوّل داعٍ يوفده رسول الله r في مهمة رسالية تبليغية، وأول سفير للمسلمين.

ومعلوم أن مصعب بن عمير من السابقين إلى الإسلام وقد اضطهده قومه وقاطعته أمه، فهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وكان من أصدق الناس إيماناً، وكان عمره يوم أرسله النبي r إلى يثرب 37 سنة.


دعوة مصعب بن عمير

ودّع رسول الله r السنة الحادية عشرة للبعثة بوداعه لمصعب بن عمير حيث أوفده داعياً إلى الله في المدينة، بعد أن أوصاه بما يحتاجه الدعاة إلى الله عز وجل من الصبر والإخلاص والوضوح والحكمة وحبّ الخير.. ومع بداية السنة الثانية عشرة، كان مصعب قد وصل إلى المدينة واستقر في دار أسعد بن زرارة، وهو أحد الأنصار الذين بايعوا رسول الله r يوم العقبة الأولى.

وبدأ مصعب وأسعد بدعوة أهل المدينة إلى الإسلام، ولما بلغ عدد المسلمين الأربعين، أقام فيهم مصعب صلاة الجمعة… فكانت أول جمعة أقيمت في الإسلام.

وتسامع أسياد المدينة بخبر مصعب ودينه الجديد، وما كان ليروق لهم لما فيه من ترك لعبادة الأوثان ومساواة بين الأحرار والعبيد…

وكان للأوس يومئذٍ زعيمان مطاعان وهما: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكان سيد الخزرج سعد بن عبادة وعبد الله بن أبي سلول.


إسلام سعد بن معاذ

كان مصعب بن عمير قد اختار دار أسعد بن زرارة في المدينة المنورة ليبدأ الدعوة من خلالها، كما أمره رسول الله r وذلك منذ مطلع السنة الثالثة عشرة لبعثة النبيّ r، فسمع بذلك سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فوثب غاضباً ثم صرخ في وجه أسيد بن حضير قائلاً: يا أسيد، اغد إلى ابن خالتي أسعد، ومره أن يصرف عنا هذا الشاب القرشي الذي عاب آلهتنا وسفّه آباءنا، فوالله لولا ما بيني وبينه من صلة الرحم لمضيت إلى هذا القرشي أدق عنقه بالسيف.

وحضر أسيد بن حضير غاضباً ثائراً، فضرب باب سعد وصرخ في وجهه: ما هذه البدعة المفتراة التي أتانا بها هذا الفتى القرشي، فسفّه آباءنا وشتم آلهتنا وأنت تؤويه وتنصره… فقال له مصعب: ألا تجلس فتسمع.. فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته صرفنا عنك ما تكره، فقال أسيد وقد هدأت ثورته: لقد أنصفت والله… ثم ركز حربته في الأرض وجلس يستمع، ومصعب يعرض عليه الإسلام بحقيقته وصورته الناصعة ويتلو عليه شيئاً من القرآن، وجعل يقلب له الآيات ويصرف له العبر حتى دخل نور الإيمان في قلبه، فقام واغتسل وتطهر وأعلن شهادة الحق.

ثم قال لهما: إن سعد بن معاذ لو تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه، وسأرسله إليكما وعاد أسيد إلى سعد، فقال سعد لجلسائه: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به. ودخل أسيد على سعد وجلسائه، ولم يكن أمر إقناعه بالذهاب إلى مصعب أمراً ميسوراً، فلم يصارحه بما رأى وسمع ولكنه قال: (يا سعد قد بلغني أن بني حارثة قد خرجوا إلى ابن خالتك أسعد بن زرارة ليقتلوه).

فبلغت الحمية فورتها في نفسه، ولكنها هذه المرة حمية الرحم لا حمية الوثن، ثم مشى مسرعاً إلى أسعد بن زرارة وعنده مصعب بن عمير، وجعل يصرخ في أسعد: أتأكلنا الخزرج عن قوس واحدة من أجل فتاك القرشي هذا؟ فما زال به أسعد ومصعب يستعطفانه ويستلطفانه حتى سكنت فورته وهدأت ثائرته وجلس يستمع الهدى. وما هي إلا ساعة من نهار حتى تحوّل غضبه وحنقه إلى هدى ويقين، وجعلت كلمات مصعب تستقر في نفس سعد، حتى شرح الله صدره للإسلام وأعلن بكلمة التوحيد… وعاد سعد من فوره فدعا قومه وقال لهم: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا، فقال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وقد دخلوا في الإسلام.

وتتابع دخول أهل يثرب في الإسلام، وخلال عام واحد أصبحت يثرب أول مدينة إسلامية في التاريخ وكان رسول الله r يتلقى أخبار مصعب مشرقاً متهلّلاً، يدعوا له بالتوفيق والفتح.


بيعة العقبة الثانية

لما وافى موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة حضر مصعب بن عمير في وفد أهل يثرب، ونزلوا مع الحجيج في منازلهم في مكة من غير أن يعلنوا إسلامهم.

وأخبر رسول الله r بقدومهم، فضرب لهم موعداً في منى في اليوم الثاني من أيام التشريق (12 ذي الحجة)، يبايعهم فيه.

يقول كعب بن مالك: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا نتسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا. انظر قائمة أهل بيعة العقبة الثانية.

فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله r حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج ـ ويعني الأوس أيضاً لكن الأكثرية من الخزرج ـ إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا فهو في عزٍّ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فقال البراء بن معرور: إنا ـ والله ـ لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله r فتكلّم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فنحن نبايعك..

فتكلّم رسول الله r فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة، في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا الحق لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة».

فأخذ البراء بيده ثم قال: نعم ـ والذي بعثك بالحق ـ لنمنعنك مما نمنع منه أعراضنا، فبايعنا يا رسول الله ! فنحن والله أبناء الحروب وأهل السلام وورثناها كابراً عن كابر. فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان فقال: (يا رسول الله إن بيننا وبين يهود عهوداً، وإنا قاطعوها فهل عسيت أن نحن فعلنا ذلك ثم نصرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال r : «بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» ثم قال: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً».

فخرج إليه تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ثم قال r للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي» قالوا: نعم.

فلما اجتمع القوم لبيعة رسول الله r قال العباس بن عبادة: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن ترون أنه إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن فدعوه، فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخر، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه ثم قال رسول الله r: ارفضّوا إلى رحالكم، فقال له العباس بن عبادة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ على أهل منىً غداً بأسيافنا، فقال رسول الله r: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا.

فلما أصبحنا غدت علينا سادة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: (يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم).

فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما علمناه!.. وصدقوا، لم يعلموه، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض فتركهم المشركون، ونفر الناس من منى، وتحرى القوم الخبر فوجدوا أن الأمر قد كان، فخرجوا في طلبنا فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فقد أعجز القوم ففر منهم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بشعر رأسه، وما زال كذلك حتى استجار بجبير بن المطعم والحارث بن حرب ـ وكان يجير لهما تجارتهما ـ فأجاراه وخلصاه من المشركين ولحق بقومه، وهم على وشك أن يكروا على مكة لينقذوه، فدخلوا يثرب جميعاً دعاة إلى الله في عنقهم بيعة الحق، وأخذوا ينشرون الإسلام في مدينتهم، ويعدّون لاستقبال إخوانهم المهاجرين من مكة بلهف وشوق.


السنة الثالثة عشرة للبعثة وهي الأولى للهجرة

تبيّن لقريش في آخر العام الماضي بعد موسم الحج بما لا يدع مجالاً للشك أن أهل يثرب يتحولون إلى الإسلام، وأن قوة الإسلام الحقيقية قد صارت في يثرب…

ومع بداية العام الجديد بدأت قريش تفكّر جدياً بالتخلّص نهائياً من الرسول والرسالة..

لقد كانت بيعة العقبة الثانية بالفعل تمهيداً لنقل مركز الدعوة الإسلامية من مكة إلى يثرب، ومضى مسلمو يثرب مع مصعب بن عمير يمهدون الطريق في مدينتهم لاستقبال إخوانهم من أهل مكة.

وعقب بيعة العقبة الثانية قال رسول الله r لأصحابه: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها وقال لهم: إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها»، فصار الصحابة يتسللون من مكة مثنى وفرادى وجماعات في خفية عن عيون قريش..


أول المهاجرين

اختلف في أول من هاجر من مكّة إلى المدينة، ففي الصحيح عن البراء، رضي الله عنه، قال: أوّل من قدِم علينا من أصحاب النبي r مصعب بن عُمير وابن أمّ مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمّار وبِلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين رجلاً.

ويقال إن مصعباً، رضي الله عنه، أقام مع النبي r بمكّة بقية ذي الحجة والمُحرّم وصفراً، وقدِم قبل رسول الله r إلى المدينة مهاجراً لهلال شهر ربيع الأول قبل مقدم رسول الله r باثنتي عشرة ليلة، وكان منزله على سعد بن مُعاذ رضي الله عنه.

وقال ابن إسحاق: كان أوّل من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله r من المهاجرين من قريش من بني مخزوم: أبو سَلَمة بن عبد الأسد، واسمه عبد الله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله r مكّة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجراً.


هجرة أم سلمة

تقول أمّ سلَمَة رضي الله عنها: لما أجمع أبو سلَمَة الخروج إلى المدينة رَحَلَ لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سَلَمَة بن أبي سلَمة في حجْري، ثم خرج بي يقودُ بي بعيره، فلَمّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خِطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رَهْط أبي سلمة فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلَمَة بينهم، حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي، سنة أو قريباً منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرَحِمَني، فقال لبني المغيرة: ألا تَحَرَّجُون (تتضايقون) من هذه المسكينة؟ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حِجْري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: فقلت: أتبلَّغُ بِمَن أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتَّنْعيم لقيتُ عثمان بن طَلْحة بن أبي طَلْحَة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أميّة؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوَ ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله إلا الله وبنيَّ هذا، قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صبحت رجلاً من العرب قطّ أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري، فحطّ عنه ثم قيّده في الشجرة، ثم تنحّى إلى الشّجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواح إلى بعيري فقدمه فرَحَلَه، ثم استأخر عنّي فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخِطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلَمّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلاً، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكّة.

فكانت تقول أمّ سلمة: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قطّ أكرم من عثمان بن طلحة.


هجرة صهيب:

ومن المهاجرين (صهيب بن سنان الرومي) وقد أدركه كفار قريش في بعض الطريق فقالوا: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك أبداً.

كان جواب صهيب: (أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فترك لهم ماله، وبلغ ذلك رسول الله r فقال: «ربح صهيب، ربح البيع، أبا يحيى ربح البيع»!!..)

ونزل فيه قول الله عزّ وجلَّ: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاتِ اللهِ واللهُ رَؤُوفٌ بالعِبادِ}.


خبر عياش بن أبي ربيعة

وممن أراد الهجرة (عياش بن أبي ربيعة) حيث خرج مهاجراً مع عمر بن الخطاب، فلما كان ببعض الطريق أدركه أبو جهل بن هشام وأخوه الحارث بن هشام فأخبراه بأن أمه قد نذرت أن لا تغسل شعرها ولا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه، وقالا له: وأنت أحب ولد أمك إليها، وأنت في دين يأمر بالبر للوالدين فارجع إلى أمك واعبد ربك في مكة كما تعبده في المدينة، فصدقهما عياش، فقال له عمر بن الخطاب: ما يريدان والله إلا فتنتك عن دينك فاحذرهما، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت ولو اشتد عليها حر الشمس لاستظلت، فقال عياش: أبر أمي، ولي مال هناك آخذه.

لكن عمر خشي عليه فقال له: خذ نصف مالي ولا تذهب معهما فرفض عياش فقال له عمر: فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزمها، فإن شككت فيهما فانج عليها فخرج عياش معهما، حتى إذا كانوا في بعض الطريق قال له أبو جهل: لقد تعبت بعيري، ألا تبادلني ناقتك هذه؟ فرضي عياش، ولما نزل عنها غدرا به وأوثقاه وجلداه وأدخلاه مكة في ضوء النهار وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا..


هجرة عمر

اشتدت قريش في الإيذاء، وتوالت الهجرة، ولم تسمع قريش بهجرة مهاجر إلا بعد وصوله، وكل من علمت أنه يتهيأ للهجرة ردته أو فتنته أو آذته، إلا ما كان من عمر بن الخطاب فإنه لما أراد الهجرة تقلّد سيفه وأخذ قوسه وأسهمه وحربته، ومضى إلى الكعبة وقريش بفنائها فطاف بالبيت سبعاً، ثم أتى المقام فصلى ركعتين ثم وقف على مجالسهم مجلساً مجلساً وقال: شاهت الوجوه!.. لا يرغم الله إلا هذه المعاطس!!.. من أراد أن تثكله أمه أو يُوتم ولده أو ترمّل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي، فإني مهاجر الآن!!..

فما اتبعه أحد ـ إلاّ المستضعفين لحقوا به ليعلمهم ـ ومضى عمر لوجهه.

وكان عمر بن الخطاب شاباً شجاعاً ومن خلفه عشيرة قوية (بني عدي)، أما سائر الصحابة فلم يستعلنوا بهجرتهم خوفاً من بطش قريش..

تتابعت طلائع المهاجرين بعد انقضاء موسم الحج، وخلال شهري المحرم وصفر لم يبق أحد من المسلمين إلا مسلم حصرته قريش أو فتنته، ورسول الله r وأبو بكر وعلي.

ولم يكن الأصحاب يعلمون أن الهجرة عامة ودائمة، وأن رسول الله r سيلحق بالمدينة، وكانوا يحسبونها كهجرة الحبشة من قبل، يخلص بها المستضعفون بدينهم من أذى قريش إلى حين.


قريش تتآمر على قتل النبيّ r

وشعرت قريش بخطورة الوضع حينما هاجر معظم أصحاب رسول الله r إلى المدينة، وتأكدت أن رسول الله مهاجر لا محالة، وأن تمكّنه في المدينة المنوّرة هو الضربة القاصمة لدين الشرك والضلالة الذي ترتبط به مصالحهم ومكاسبهم، فكان أن أجمع سفهاء قريش على قتل النبي r واجتمعت لذلك رؤوس قريش في دار الندوة، فتذاكروا في شأن النبي r ودعوته وهجرة أصحابه، واستقر رأيهم على أن يقتلوا النبي r قبل أن يهاجر إلى المدينة.

ولم يكن حسم هذا الأمر سهلاً ميسوراً، فآل محمد r من بني عبد مناف لهم قوة ومنعة في مكة، وهم غير تاركي دمه هدراً من غير ثأر.

ورأى بعضهم أن يثبتوا النبي على ناقة ويرسلوها في الصحراء حتى يهلكه الجوع والعطش وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ: {وإذ يمكرُ بكَ الذينَ كَفَروا ليُثبِتُوكَ أو يقتلوكَ أو يخرِجوكَ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}[الأنفال:29].

ثم اجتمع رأيهم على  أن يرسلوا أربعين شاباً من مختلف بطون قريش، فيضربوا محمداً ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، ولا يجد بنو عبد مناف من ينتصفون منه ليقتلهم قيقبلوا بالدية وما أيسرها عليهم.

وهكذا كان… وانصرفوا وقد أحكموا التدبير وحددوا لذلك أول ليلة من شهر ربيع الأول حيث لا قمر يفضحهم ولا عين تبصرهم. وفي ذلك اليوم أذن للنبي r أن يهاجر إلى المدينة وأخبره ربه بما كان من كيد المشركين…


خروج النبي r من مكة

كان الصحابة يستأذنون النبي r في هجرتهم فيأذن لهم إلا أبا بكر، فإنه لمّا استأذن قال له النبي r: «على رسلك يا أبا بكر فإني أرجو أن يؤذن لي» فكان أبو بكر يرجو أن يكون صاحبه في هجرته… فجهز لذلك راحلتين وأحسن علفهما وجعل ينتظر الرحلة المباركة.

قالت عائشة: كان لا يخطئ رسول الله r أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله r في وقت الظهيرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله r في هذه الساعة إلا لأمر حدث.

فلما دخل تأخّر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله r وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله r: أخرج عني من عندك، قال: يا رسول الله إنهما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي، قال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: الصحبة، تقول عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي.

ثم قال: يا نبيَّ الله، إن هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا، فخذ إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله r: بالثمن، فجهزوا الراحلتين أحسن الجهاز، وصنعوا لهم طعاماً يتزوّدون به في سفرهم ووضعوه في وعاء فلم يجدوا ما يشدوا به الوعاء، فقطعت أسماء من نطاقها وشدّت به الوعاء، فسماها النبي r ذات النطاقين..

وعاد رسول الله r إلى بيته بعد أن واعد أبا بكر في غسق الليل وهو على علم بما بيتت قريش من المكر، فأمر علي بن أبي طالب أن يبيت على فراشه في الدار، ثم خرج في غفلة من القوم من خوخة في الدار، أو خرج من بابه والقوم نائمون محجوبون عنه ـ على خلاف بين المؤرخين ـ فسار حتى بلغ دار أبي بكر فآذنه بالرحيل فاحتمل ما هيأ من زاد، وخرج مع النبي r، وتركا الراحلتين عند أسماء ترعاهما حتى يحين أوان الرحيل.


في غار ثور

توجه النبي r وصاحبه إلى غار ثور وهو موضع إلى الجنوب من مكة، وذلك حكمة منه r إذ علم أن قريشاً ستتبعه في كل الشعاب الموصلة إلى يثرب، فاختار أن يختفي في غار ثور بضع ليال ريثما تيأس قريش من تطلّبه وتحصيله، وكذلك كان، فقد مضى النبي r وصاحبه إلى الغار وأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يرعى الغنم على آثار أقدامهما حتى يضل سعي قريش في تتبّع أثرهما.

وأمر كذلك عبد الله بن أبي بكر أن يبيت مع المشركين في الليل ثم يأتيهما مع الصباح بخبر ما يبيتون.

وتربص المشركون ببيت النبي r حتى أوشك الفجر، ثم اقتحموا الدار فإذا فيها علي بن أبي طالب وثارت ثائرتهم وأدركوا أن النبي r قد هاجر، فانطلقوا إلى دار صاحبه أبي بكر. ففتحت لهم أسماء فسألوها عن أبيها فأخبرتهم بهجرته، فلطمها أبو جهل لطمة طرح قرطها عن أذنها.

ثم نودي في قريش وما حولها من أحياء العرب أن قريشاً تدفع في رأس محمد مائة رأس من الإبل… وخرج شباب مكة وسفهاؤها في طلب النبي r وصاحبه في شعاب مكة على طريق يثرب.

غير أن النبي r كان قد أحسن التدبير إذ اختار غار ثور فهو إلى الجنوب من مكة على طريق اليمن ولن يفطن أهل مكة إلى ذلك..


قريش تتبع خطى النبيّ r في الهجرة

غير أن قريشاً لما أهمها من خبر النبي r ما وفرت جهداً يمكنها من تحصيله إلا وسعت إليه، وكان قصاص الأثر من العرب يحسنون اقتصاص الأثر، ويميزون بين قدم الذكر وقدم الأنثى، فاستأجرت قريش أمهرهم وأحذقهم، فتتبعوا أثر النبي r وصاحبه من دار أبي بكر ومازالوا يجهدون ويضنون بالرغم مما كان يقوم به عامر بن فهيرة من السير بأغنامه على آثارهما، حتى أمكنهم بلوغ غار ثور، وقال لهم صاحب الأثر: قد انقطع هنا أثر محمد.

ولم يكن الغار بالذي يفطن إليه العابر، فقد كان مجرد تجويف صغير في الجبل لا يكاد يتسع إلا للرجل الواحد، وكان المشركون قد أنهكهم البحث فوصلوا إلى الغار بين مصدق ومكذب. وكان الصديق في الغار قد أفزعه وقع أقدامهم واختلاط أصواتهم وأيقن أنهم لا بد سيقتلون النبي r، ففاضت عيناه بالدمع، واضطرب قلبه بالخفقان فقال له النبي r: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا!..

فقال له النبي r : «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما!!..»

قال يا رسول الله إني لا أبكي لنفسي ولو قتلت فإنما أنا رجل واحد، ولكن أبكي خشية عليك يا رسول الله، فإنك إن قتلت هلكت الأمة!.

قال: «يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا.»

وروى أحمد في مسنده أن عنكبوتاً نسج بباب الغار وباضت حمامة بأمر الله، فصرف الله بصر المشركين عن الغار بعد أن أوشكوا أن يدخلوه، وفي ذلك يقول البوصيري:

ظنوا الحمام وظنّوا العنكبوت         على خير البرية لم ينسج ولم يحم

عناية اللهِ أغنت عن مضاعفة         من الدروع وعن عال من الأطم

ونزل تفصيل خبر الغار في سورة التوبة:

{إلا تنصروهُ فَقَدْ نصرَهُ اللهُ إذْ أخرَجَهُ الذينَ كفروا ثاني اثنينِ إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ اللهَ معنا فأنزل الله سكينَتَهُ عليهِ وأيَّدَهُ بِجنودٍ لم تَرَوها وجعَلَ كلمةَ الذين كفروا السّفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيزٌ حكيمٌ}[التوبة:40].


استئناف رحلة الهجرة

كان عبد الله بن أبي بكر يأتي النبي r وصاحبه في الغار بأخبار القوم وما يبيتون، حتى إذا اكتملت لهم ثلاث ليالٍ في الغار وفتر حماس المشركين في تطلبهم، وأيقنت عامتهم أن النبي r وصل المدينة أو كاد، وانقلبوا إلى أعمالهم وأشغالهم، أرسل النبي r عبد الله بن أبي بكر إلى عبد الله بن أريقط وهو رجل من المشركين كانت له خبرة ودراية بمسالك الطرق والشعاب، فواعده على سيف البحر الأحمر حيث لقي النبي r وصاحبه.

وعلى مشارف مكة وقف النبي r يتطلع إلى مكة ويرسل أشواقه فيها فقال: «ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني منك ما خرجت»، ثم ابتهل إلى الله تعالى بالدعاء فقال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئاً، اللَّهمَّ أعنِّي على هَوْل الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب اللَّيالي والأيامِ، اللَّهُمَّ ! اصحبني في سفري، واخلُفْني في أهلي، وبارِك لي فيما رَزَقتني، ولكَ فَلِّلْني، وعلى صالحِ خُلُقي فقَوِّمْني، وإليكَ رَبِّي فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصَلُحَ عليه أمر الأولين والآخرين أن تُحِلَّ عليَّ غضبك، وتنزِلَ بي سخَطَك، أعوذُ بكَ من زوالِ نِعمتكَ، وفَجاءةِ نقمتك، وتحَوُّل عافيتك، وجميع سَخَطِكَ، لك العُقْبَى عندي خير ما استطعتُ، لا حولَ ولا قوَّة إلا بك».

وكان خروج رسول الله r من الغار في آخر ليلة الاثنين في السَّحر لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول.


سيره r إلى المدينة

وانطلق الجمع في رحلة الهجرة المباركة، فلما مرّوا بحي مدلج في بعض الطريق بصر بهم رجل من الحي فأسرع إلى نادي قومه عند سراقة بن مالك بن جعشم وقال: إني قد رأيت رجالاً بالساحل أراها محمداً وأصحابه، فعرف سراقة بن مالك أنهم هم، لكنه أراد أن يستأثر بالجائزة لنفسه فقال له: إنك قد رأيت فلاناً وفلاناً، وإنا قد أرسلناهم يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس برهة وقام وركب الفرس وسار إليهم، حتى دنا من رسول الله r فعثرت به فرسه فخر عنها، فقام وركبها حتى اقترب وسمع قراءة النبي r فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فسقط عنها ثم زجرها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى خرج لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان!.. فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول الله r وداخله رعب عظيم!.. ووقع في نفسه أنه الحق!.. فناداهما بالأمان.

وعرض سراقة عليهما الزاد فقالا: لا حاجة لنا ولكن عَمِّ عنا الخبر فعاد سراقة حارساً لرسول الله r يصرف أنظار الناس عنه ويبعدهم عن الطريق الذي سلكوه.


شأن أم معبد

ومضى رسول الله r في مسيره برفقة صاحبه حتى مرّا على أمّ معبد الخُزاعية، واسمها عاتكة بنت خالد، ويقال: بنت كعب، وكان منزلها بقُدَيْد، وكانت امرأة بَرْزَة (ظاهرة) جَلْدَة تَحْتَبي (تجلس) بفِناء الخيمة، ثم تسقي وتُطعم من مرّ بها، فسألاها لحماً وتمراً ليشتريا منها، فلم يجدا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم مُرْمِلين (نفد زادهم) مُسْنِتِين (مجدبين)، فنظر رسول الله r إلى شاة في كِسْرِ الخيمة (في جانبها)، فقال: «ما هذه الشاةُ يا أمّ معبدٍ؟» قالت: شاة خلَّفها الجهد عن الغنم، قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي اجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: بأبي أنت وأمي! إن رأيت بها حلباً فاحلُبها، فدعا بها رسول الله r، فمسح بيده ضَرْعها، وسمّى الله تعالى، ودعا لها في شاتها فتفاجَّت عليه ودرَّت فاجْتَرَّت، فدعا بإناء يُرْبِض الرَّهط (أي يرويهم)، فحلب فيه ثجّاً حتى علاه البَهَاء (الرغوة)، ثم سقاها حتى رَويت، وسقى أصحابه حتى رَوَوا، وشرب آخرهم، حتى أراضوا (شربوا)، ثم حلب فيه الثانية على هَدَّة (الصوت الشديد) حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، وارتحلوا عنها.

فقلَّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معْبَد، وهو ابن عمّها ويقال له تَميم بن عبد العزّى من خُزاعة، يسوق أعْنُزاً عِجافاً يتساوَكْن هُزالاً، مُخُّهنّ قليل، فلما رأى أبو معْبَد اللّبن عجب فقال: من أين لك هذا يا أمّ معبد؟ والشّاء عازِب حائل (غير حوامل)، ولا حَلُوب في البيت؟ قالت: لا والله إلاّ أنه مرَّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صِفيه لي يا أم معبد، فوصفته له، فقال أبو مَعْبَد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمر ما ذُكر، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.

وأصبح صوت بمكّة عالياً، يسمعونه ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:

 

جزى الله رب النّاس خير جزائه              رفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد

همـا نـزلا بالـبـرّ ثـم تـروّحــــا                فأفلح من أمسى رفيق محمّد

لِيَهْنِ بنـي كعـب مكـان فتاتهم         ومقعدها للمؤمنين بِمَرْصَـد

قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: مكثنا ثلاث ليال وما ندري أين وجّه رسول الله r حتى سمعنا هذه الأبيات فعرفنا أنه توجه إلى المدينة.


وصول النبيّ r إلى المدينة

وبلغ المسلمين في يثرب خبرُ خروج النبي r فكانوا يرقبون قدومه ببالغ الشوق، وهذا كلامهم قبيل وصول النبي r: «لما سمعنا بمخرج رسول الله r من مكة ورجونا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله r، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلاً رجعنا، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله r جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظلّ دخلنا بيوتنا، وقد وصل رسول الله r حين دخلنا بيوتنا، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله r علينا، فصرخ بأعلى صوته وقد كان على رأس نخلة له، يا أهل يثرب هذا جَدُّكم ـ حظكم وسعدكم ـ قد جاء. فخرجنا إلى رسول الله r وهو في ظل نخلة معه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنّه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله r قبل ذلك، وتزاحم عليه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، فقام أبو بكر فأظلّه بردائه، فعرفناه عند ذلك، وكان استقباله في ثنيات الوداع وهو موضع بظاهر المدينة في يوم الاثنين وبنو النجار ينشدون:

طـلــع البـدر علينـا             مـن ثـنيـات الوداع

وجب الشكر علينا             مــا دعـــا لله داع

أيهـا المـبعـوث فينا            جئت بالأمر المُطاع »

وقبل قدومه يثرب نزل r في قباء عند كلثوم بن الهدم، وأقام عنده أياماً وأسس مسجد قباء أول مسجد في الإسلام، وهو الذي قال الله تعالى فيه:

{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ على التقوى من أول يومٍ أحقُّ أن تَقومَ فيهِ فيهِ رجالٌ يُحِبُّون أن يتطهّروا والله يحب المُطَّهرين}[التوبة:108]

وقد شارك النبي r في بنائه بيديه الشريفتين، ثم توجه صباح الجمعة إلى يثرب فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف فأسس مسجداً هناك.

وأقام أول جمعة له في الإسلام، وخطب فيها بأول خطبة له، وقال فيها:

«أما بعد:

أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..».

وتابع النبي r مسيره نحو يثرب، فدخلها والمسلمون يحفّون به من كل جانب، كل يريد أن يأخذ بزمام ناقته، لينزل عنده، فكان يجيبهم عليه الصلاة والسلام: خلّوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى بركت في مربد لغلامين يتيمين من بني النجار فاشتراه النبي r منهما، وأمر ببناء المسجد فيه، ونزل على أبي أيوب الأنصاري لقرب داره من مكان المسجد، فاستقبله أبو أيوب أحسن استقبال وكرمه أفضل تكريم وآثره على نفسه وعياله.

يقول أبو أيوب رضي الله عنه:

لما نزل عليّ رسول الله r في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: «يا أبا أيوب! إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في أسفل البيت» فكان رسول الله r في سفله وكنا فوقه في المسكن، فقد انكسرت جرة لنا فيها ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، وما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله r منه شيء فيؤذيه.

وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضَع يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة.

حتى بعثنا ليلة إليه بعشائه وقد جعلنا له بصلاً وثوماً، فرده رسول الله r ولم أرَ ليده فيه أثراً فجئته فزعاً فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة! قال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد..

وهكذا استقر المقام بالنبي r وائتلف الجمع المبارك في هذه الأرض الطيبة، وتمت رحلة الهجرة المباركة ثلاثة أيام في غار ثور، وأربعة أيام في طريق المدينة، وثلاثة أيام في حرة الوبرة في ديار بني سالم بن عوف، وفي يوم 12 ربيع الأول الموافق: 23/9/622 ميلادية نزل رسول الله r عن ناقته قرب دار أبي أيوب، ووطئ أرض يثرب التي سميت منذ تلك اللحظة المدينة المنورة.

وفي تلك الأشهر العشرة من السنة الأولى للهجرة ما بين هجرة النبي r في ربيع الأول إلى آخر السنة قام النبي عليه الصلاة والسلام بإرساء أسس مجتمع المدينة أول مجتمع قائم على شريعة القرآن. وكانت أهم الأعمال في هذه الفترة:

1ـ بناء المسجد.

2ـ المؤاخاة.

3ـ دستور المدينة.

4ـ موادعة أهل الكتاب (اليهود).


بناء المسجد

كان أول عمل بدأ به النبي r بعد وصوله إلى المدينة هو بناء المسجد، وذلك أن المسجد هو دار المسلمين الأولى، وفيه تلتقي الأرض بالسماء، وهو المدرسة التي ستصبح فيما بعد مناراً للعالمين.

واشترى النبي r مربداً لغلامين يتيمين من بني النجار ولم يقبل r أن يأخذه منهما بلا ثمن، ثم بدأ أصحاب رسول الله r في بناء المسجد في نشاط اجتماعي منسجم بالغ الروعة، وكان رسول الله r يحمل الحجارة بيديه الشريفتين حتى يغبر صدره وهو يرتجز:

لا هم إن العيش عيش الآخرة         فارحم الأنصار والمهاجرة

والأصحاب من حوله فرحون راغبون ينشدون:

لئن قعدنا والنبي يعمل         فذاك منا العمل المضلل

وجاءه بعض الأصحاب يريدون أن يحملوا عنه فقال لهم: لست أغنى عن الثواب منكم، ولكن خذ غيرها.

وكان الناس يحملون اللبنة الواحدة، وكان عمار بن ياسر يحمل اللبنتين معاً.

وخلال أشهر قليلة بُني أول مسجد في التاريخ على غاية من البساطة في بنيانه ومرافقه، ولكنه كان المدرسة التي أفاضت نورها على العالمين.

وبنيت بعد ذلك مئات الألوف من المساجد في الأرض، ولكن لم يبن إلى اليوم مسجد واحد قدم معشار ما قدم ذلك المسجد من العطاء.


عقد المؤاخاة

هاجر مع النبي r إلى المدينة نحو من مائة مهاجر، وكان غالب هؤلاء من الفقراء المستضعفين الذي لا يجدون ما ينفقون، حتى أولئك الذين كانت لهم أموالٌ في مكة فإنهم تركوها، وهاجروا فراراً بدينهم إلى الله عز وجل.

وكان مصعب بن عمير ينظّم مبدئياً أمر استقبال هؤلاء المهاجرين في بيوت إخوانهم الأنصار، بانتظار قدوم النبي r حتى إذا وصل النبي r المدينة واستقر فيها بضع ليال كان يستشير فيها رؤوس الناس من المهاجرين والأنصار، خرج على النّاس بعقد المؤاخاة.

وعقدت المؤاخاة كما جاء في الصحيحين ـ في دار أنس بن مالك، رضي الله عنه، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فآخى بينهم على الحقّ والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام.

وشدَّد الله عقد نبيّه r وأحكمه بقوله: {إنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آوَوْا ونصروا أولئكَ بعضُهمْ أولياءُ بعضٍ..} إلى قوله: {ورزقٌ كريمٌ}[الأنفال:72-74].

قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله r بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: «تآخَوا في الله أخوين أخوين»، ثم  أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي».

وكان ممّن تآخوا على سبيل المثال: أبو بكر الصدِّيق مع خارجة بن زهير، عمر بن الخطاب مع عِتْبان بن مالك، أبو عبيدة بن الجراح مع سعد بن معاذ، عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع، الزُّبير بن العوام مع سلمة بن سلامة، عثمان بن عفان مع أوس بن ثابت، طلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك، سعيد بن زيد مع أُبَيّ بن كعب، مُصْعَب بن عمير مع أبي أيّوب خالد بن زيد، عبد الله بن مسعود مع مُعاذ بن جبل، أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة مع عبّاد بن بِشر، عمّار بن ياسر مع حُذَيفة بن اليمان، أبو ذر الغفاري جُنْدب بن جُنادة مع المنذر بن عمرو، حاطِب بن أبي بلتعة مع عُوَيم بن ساعدة، سلمان الفارسي مع أبي الدرداء عُوَيمر بن ثعلبة، بلال الحبشي مع أبي رُوَيحة عبد الله بن  عبد الرحمن الخثعمي، عُتْبة بن غزوان مع أبي دُجانَة، أبو سَلَمة عبد الله بن عبد الأسد مع سعد بن خَيْثمة، زيد بن حارثة مع أُسَيد بن حُضَير، عبد الله بن جحش مع عاصِم بن ثابت رضي الله عنهم.

ولا تحسب أن أمر المؤاخاة كان مسألة ارتجالية عشوائية بل إنّه r ما كان يختار للمهاجر أخاه من الأنصار إلاّ على بيّنة واستبصار. فكان يختار للمزارع من المهجرين صاحب أرض من الأنصار، ويختار لصاحب الصنعة من المهاجرين صاحب مال من الأنصار، وذلك حتى استقامت أحوال الناس، وأوضح الأمثلة على ذلك ما رواه البخاري:

«إنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله r بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إنّي أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما عليك فسمّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجْها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟

فدلّوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضلٌ من أقط وسمن ثم تابع الغدو.. ثم جاء يوماً، وبه أثر صفرة (زينة) فقال النبيr: «مهيم» (سؤال عن حاله) قال: تزوّجت.

قال: «كم سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب!.

ثم احتفظ r بطائفةٍ من أصحابه الشباب غالبهم لا عيال لهم، فجعلهم في صفّة المسجد فكانوا يقومون بحوائج النّاس العامّة ويطلبون العلم ويكتبون عن النبي r، وكان النبي r يسوق إلى أهل الصفة طعامهم وحاجتهم مما يقدّمه الناس من هدايا وصدقات.


دستور المدينة

أمر رسول الله r في أيامه الأولى بعد الهجرة بكتابة وثيقة في المدينة تكون كالقانون الناظم لشؤون النّاس وحياتهم، ومما جاء في هذه الصحيفة:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا كتاب من محمّد النبيّ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومَنْ تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنّهم أمَّة واحدة من الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (الرّبعة: الحال التي وجدهم عليها الإسلام) يتعاقلون بينهم (أي يعقل بعضهم عن بعض، والعقل: الدّية). وهم يفدون عانيَهم (أسيرهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف وبنو ساعدة وبنو الحارث وبنو جشم وبنو النجار وبنو عمرو وبنو النبيت وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإنَّ المؤمنين لا يتركون مُفْرجاً (المفرج: المثقل بالدّين والكثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وأنّ المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (الدسيعة: المدخل) أو إثم أو عدوان أو فسادٍ بين المؤمنين، وأنّ أيديهم عليهم جميعاً، ولو كان ولد أحدهم. لا يقتل مؤمنٌ في كافر، ولا ينصر كافر على مسلم، وأنَّ ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون النّاس، وأنّه من تبعنا من يهود فإنّ له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأن سِلْم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن في قتالٍ في سبيل الله إلا على سواء وعَدْلٍ بينهم. وأنّ كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً، وأنَّ المؤمنين يـبـيء (أباءه به، قتله به، جعله بواء به) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسنِ هَدْيٍ وأقومه.

وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريشٍ ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن، وأنّه مَنِ اعتبط (اعتبطه: قتله بلا جناية توجب القتل) مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنه قود به (أي قصاص به إلاّ أن يرضى ولي المقتول، وأنّ المؤمنين عليه كافة، ولا يحلّ لهم إلاّ قيام عليه، وأنّه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وأنّ من نصره أو آواه فإنّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وأنّكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنّ مردَّه إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد r.».

وهكذا فقد كانت هذه الوثيقة أول دستور سياسي داخلي في دولة المسلمين، وكانوا يرجعون إليها في تقرير الأحكام والوقائع، والحق أنّ الإيمان الذي عمرت به قلوبهم، كفاهم أن يحتاجوا معه إلى نص مكتوب.


تحديد العلاقة باليهود

كما كتب النبي r كتاباً فيما بين المهاجرين والأنصار، كتب كتاباً آخر فيما بين المسلمين واليهود، فقد كان اليهود في المدينة مجموعة قبائل ذات شوكة ومال، وكان لهم أثرهم في التحرش والفساد بين أهل المدينة، فأراد النبي r أن يأمن شرهم وغدرهم، فكتب مع زعمائهم وثيقة موادعة ومما جاء فيها:

«إنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإنّ يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين ـ لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلاّ مَنْ ظلم وأثم، وإن الله على أبر هذا وأوثقه. (أي إن الله يشهد على ما كتب في هذه الصحيفة).

وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.

وإنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دونَ الإثم، وإنّ بينهم النّصر على من دهم يثرب، لا يكسب كاسب إلاَّ على نفسه، وإنّ الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه، وإنّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم. وإنه مَنْ خرجَ آمنٌ، ومَنْ قعد آمنٌ إلاّ من ظلم وأثم، وإنّ الله جار لمن بر واتقى ومحمّد رسول الله r »..

والحقيقة أنّ اليهود الذين اعتادوا الغدر حتى تأصّل في طبائعهم، لم يحفظوا حرمة هذه المعاهدة، بل أخذت القبائل تنقضها واحدة، واحدة، غير أنّ النبي r لم ينقض عهد أحدٍ منهم، حتى يكونوا هم الذين ينقضون..


بدء الآذان:

شرع الآذان في السنة الأولى للهجرة، وفي ذلك إشارةٌ إلى موقع العبادةِ في الإسلام؛ حتى أنّه ما مرّ على دولةِ الإسلام يوم واحد بغير صلاة.

وكان من خبر الأذان أن الصحابة كانوا يحضرون الصلاة لمواقيتها بغير دعوة، فهمَّ رسول الله r حين قدمها أن يجعل بوقاً كبوق يهود الذي يهرعون به لصلاتهم، ثم كرهه. ثم أمر بالناقوس فنحت ليضربَ به للمسلمين للصلاة. فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيدٍ بن ثعلبة أخو بَلحارث بن الخزرج النّداء، فأتى رسول الله r فقال له: يا رسول الله ، إنه طافَ بي هذه الليلة طائف. مرّ بي رجلٌ عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوساً في يده فقلتُ له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قُلتُ: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلّك على خيرٍ من ذلك؟ قلتُ: وما هو؟ قال: تقول: ألله أكبر ألله أكبر، ألله أكبر ألله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشدُ أنّ محمداً رسول الله. حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، ألله أكبر ألله أكبر، لا إله إلاّ الله..

فلمّا أُخبر بها رسول الله r قال: إنّها لرؤية حق إن شاء الله، فقم مع بلالٍ فألقها عليه فليؤذن بها، فإنّه أندى صوتاً منك. فلمّا أذّن بها بلال، سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله r وهو يجرّ رداءه، وهو يقول: يا نبيّ الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله r: فلله الحمد على ذلك.

ومنذ اللحظة التي أقرّ فيها النبي r الأذان وحتى قيام الساعة، تؤذن الدنيا كل يوم خمس مرات، واليوم لا تمرّ على الدنيا ساعة من ليل أو نهارٍ إلاّ وفيها أُلوف الهاتفين: ألله أكبر.


محالفة القبائل

اجتهد رسول الله r منذ أيامه الأولى بعد الهجرة أن يحالفَ القبائل من حول المدينة، ليضمن للجماعة المسلمة سلاماً يتيح للرّسالة العظيمة أن تنتشر بلسان الدعوة والموعظة الحسنة.

وهكذا فقد بدأت حركة التربية والتعليم في المدينة، واجتهد المهاجرون في تعليم إخوانهم الأنصار شرائع الدين وعقائده، إضافةً إلى مجالس النبي r عشيّة غالب الأيام.

ولكنّ قريشاً لم تتركهم كما تركوها، وساءها أن يجد جماعةُ المستضعفين من الصحابة أرضاً يأمنون فيها على دينهم وأنفسهم.

فعمد كفّار مكة إلى كلّ ما تركه المسلمون فيها من عقارٍ ومتاع وأثاث، فباعوه جملةً وأخذوا يتجرون به بين الحجاز والشام وكأنما ورثوه عن آبائهم.

ثم راحت قريش تؤلب القبائل حول المدينة على حرب النبي r ونقض عهده، وتعدهم بالمؤازرة والنصر، حتى صار واضحاً أن الحرب لا بدّ آتية، وأنّ قريشاً تنفخ في كيرها وتتربص بالمسلمين الدوائر.

وقد أكّد ذلك حصول بعض الزيارات المريبة بين قريش ويهود، كما أن بعض المشركين من أهل المدينة رفضوا الدخول في الإسلام، والتحقوا بقريش ساخطين على الإسلام والمسلمين، وأشهر هؤلاء: أبو عامر الراهب.


زواج النبيّ r من عائشة رضي الله عنها

وفي شوّال من السنة الأولى للهجرة بنى رسول الله r بعائشة، رضي الله عنها، وهي بنت تسع سنين، وأصدقها أربعمائة درهم، وقيل خمسمائة.

وروي عن عُروة قال: توفّيت خديجة قبل مخرج النبي r إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريباً من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ستّ سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وقيل نكحها وهي بنت سبع.

وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: تزوّجني رسول الله r في شوّال، وبني بي في شوّال، فأيّ نساء رسول الله r كانت أحظى عنده منّي؟ وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءها في شوال.

وكان رسول الله r أُريها في المنام، قبل أن يخطبها، يقال: هذه امرأتك عائشة، فعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي r قال لها: «أُرِيتك في المنام مرَّتين، أرى أنَّك في سَرَقةٍ (قطعة) من حرير ويقُولُ: هذه امرأتك فاكشف عنها، فإذا هي أنتِ فأقول: إنْ يَكُ هذا من عند الله يُمضِهِ». وفي رواية أن جبريل عليه السلام قال له: إن هذه زوجتك في الدّنيا والآخرة.

فخطب النبي r عائشة إلى أبي بكر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ! قد كنت وعدت بها المُطْعِم بن عديّ لابنه جُبَيْر، فدَعني أسُلّها منهم، ففعل، ثم تزوّجها رسول الله r وكانت بكراً.

رواية الإمام أحمد في زواجه r من عائشة

روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سلمة ويحيى قالا: لما هلكت خديجة جاءت خَوْلَة بنت حكيم امرأة عثمان بن مَظْعُون قالت: يا رسول الله ! ألا تزوّج؟ قال: «مَنْ»، قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً، قال: «فَمَنِ البِكْرُ؟» قالت: ابنة أحبّ خلق الله عزَّ وجلَّ، إليك عائشة بنت أبي بكر، قال: «ومَنِ الثَّيّيبُ؟» قالت: سَودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتّبعتك على ما تقول، قال: «فاذهبي، فاذكريهما عليَّ».

فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أمّ رومان! ماذا أدخل الله عزّ وجلّ، عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذلك؟ قالت: أرسلني رسول الله r أخطبُ عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر! ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله r أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلحُ له؟ إنما هي ابنة أخيه.

فرجعت إلى رسول الله r فذكرت له ذلك، قال: «ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي»، فرجعت فذكرت ذلك له، قال انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مُطعِم بن عديّ قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعداً قطّ فأخلفه، لأبي بكر، فدخل أبو بكر على مطعم بن عديّ، وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قُحافة! لعلّك مُصْبٍ صاحبنا مُدخِله في دينك الذي أنت عليه إن تزوّج إليك، قال أبو بكر للمُطعم بن عديّ: أقولَ هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك، فخرج من عنده وقد أذهب الله، عزّ وجلّ، ما كان في نفسه من عِدَته التي وعده، فرجع، فقال لخولَة: ادعي لي رسول الله r، فزوّجها إيّاه، وعائشة يومئذٍ بنت ست سنين.

فلما هاجر رسول الله r إلى المدينة خلّف أهله وبناته، ثم إنهم قدموا المدينة، كما ذكرنا آنِفاً، فنزلت عائشة، رضي الله عنها، مع عيال أبي بكر بالسُّنح، فلم تلبث أن وُعِكَت ـ أي أصابتها الحمّى ـ فكان أبو بكر، رضي الله عنه، يدخل عليها قيُقبِّل خدّها ويقول: كيف أنت يا بُنية؟ قالت عائشة: فتَمَرَّق شعري (تساقط)، فوفَى جُمَيْمَة (كثر)، فقال أبو بكر: يا رسول الله ! ما يمنعك من أن تبني بأهلك؟ فقال رسول الله r: «الصَّداقُ»، فأعطاه أبو بكر خمسمائة درهم.

قالت عائشة: فجاء رسول الله r ضحى فدخل بيتنا، فأتتني أمّي أمّ رُومان، وإني لفي أُرْجُوحَة ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأُنْهِج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذتْ شيئاً من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقُلن على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهنّ، فأصلحن من شأني، فلم يَرْعني إلاّ رسول الله r فأسلمتني إليه، وهي يومئذ بنت تسع سنين ولُعبها معها.

رواية أخرى في زواجه r من عائشة

وفي رواية أخرى: قالت عائشة رضي الله عنها، ثم أقبلت أمّي بي تقودني، ثم دخلت بي على رسول الله r، فإذا رسول الله r جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فاحتبستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك، فوثب الرجال والنساء، قالت عائشة: وبنى بي رسول الله r في بيتنا ـ وفي رواية أخرى عنها قالت: وبنى بي رسول الله r في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفّي فيه النبيّ r ـ قالت عائشة: ما نُحِرت عليّ جَزور، ولا ذُبحت عليّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عُبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله r إذا دار على نسائه.

وكانت أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، رضي الله عنها، ممّن هيّأ عائشة، رضي الله عنها، وأدخلتها على رسول الله r في نسوة معها، قالت أسماء: فوالله ما وجدنا عنده قِرى، إلاّ قدحاً من لبن، فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية وخفضت رأسها، قالت أسماء: فانتهرتها وقلت لها: لا تَرُدّي يد رسول الله r، خُذي منه، فأخذته على حياء فشربت منه، ثم قال لها النبيّ r: «ناولي صواحبك»، قالت أسماء: يا رسول الله! بل خذه فاشرب منه ثم ناولنيه من يدك، فأخذه فشرب منه، ثم ناوَلَنيه، قالت: فجلست ثم وضعته على ركبتي، ثم طفِقت أُديره وأتّبعه بشفتي لأُصيب منه مَشْرب النبيّ r، ثم قال لنسوة عندي: «ناوِليهِنَّ»، فقُلن: لا نشتهيه، فقال النبيّ r: «لا تجْمَعنَّ جُوعاً وكذباً»، فقلت: يا رسول الله ! إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه يُعدّ ذلك كذباً؟ قال: «إنَّ الكذبَ يُكْتَبُ كَذِباً، حتى الكُذَيْبَة كُذَيْبَة».

لطف النبيّ r بعائشة

وكان رسول الله r يلاطف عائشة، رضي الله عنها، ويباسطها، ويراعي صغر سنّها، روي عنها أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله r، قالت: وكانت تأتيني صَواحبي فكنّ ينقمعن (يتسترن) من رسول الله r، قالت: فكان رسول الله r يُسَرِّبُهُنّ إليّ.

وكان يأذن لها أن تلهو يوم العيد وتنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فقد روي عنها أن أبا بكر، رضي الله عنه، دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى تُدَفِّفان وتضرِبان، والنبيّ r مُتَغَشّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبيّ r عن وجهه فقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنَّها أيّام عيد». وتلك الأيام أيام منى، وقالت عائشة: رأيت النبيّ r يستُرني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالمسجد، فزجرهم عمر، فقال النبيّ r: «دَعْهُم، أَمْناً بَني أَرْفِدَةَ» يعني من الأمن.

وعنهما أيضاً قالت: خرجت مع النبيّ r في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمِل اللّحم ولم أبدُن، فقال للنّاس: «تقَدَّموا»، فتقدّموا، ثم قال لي: «تَعالَيْ حتى أسَابِقَكِ»، فسابقته، فسبقته، فسكت عنّي، حتى إذا حملت اللحم، وبدُنت ونسِيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للنّاس: «تقَدَّموا»، فتقدّموا، ثم قال لي: «تَعالَيْ حتى أسَابِقَكِ»، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتلك».

وكانت عائشة، رضي الله عنها، تكنى بأمّ عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزبير، روي عنها أنها قالت: يا رسول الله ! كلّ صواحبي لهنّ كُنى، قال: «فاكتَنِي بابنِكِ عبد اللهِ».


مكانة عائشة رضي الله عنها وبعض فضائلها:

كانت عائشة، رضي الله عنها، أحبّ نساء النبيّ r إليه، فعن أنس، رضي الله عنه، أن النبيّ r سُئلَ: مَن أحبّ النّاس إليك؟ قال: «عائشَةُ»، فقيل: لا نعني أهلك، قال: «أبو بكرٍ».

وكان سيدنا عمر، رضي الله عنه، يعطي أمّهات المؤمنين عشرة آلاف عشرة آلاف، ويزيد لعائشة في العطاء ويقول: أُفضِّلها لحبّ رسول الله r إيّاها.

وروي عن عامر الشَّعبي قال: أتاني رجل فقال لي: كلّ أمهات المؤمنين أحبّ إليّ من عائشة، قلت: أمّا أنت فقد خالفت رسول الله r، كانت عائشة أحبّهنّ إلى رسول الله r.

وقد كانت عائشة، رضي الله عنها، من أكبر النّاس عقلاً، وأفقههم، وأفصحهم كلاماً، وأعلمهم بالحلال والحرام والشّعر والطّبّ، ومن أحفظ أهل زمانها لحديث النبيّ r.

روي عن الزّهري قال: لو جُمع عِلم النّاس، كلّهم ثم علم أزواج النبيّ r لكانت عائشة أوسعهم علماً.

وعن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله r حديث قطّ فسألنا عائشة إلاّ وجدنا عندها فيه علماً.

وعن القاسم بن محمّد عن عائشة قالت: فضِّلت على نساء النبيّ r بعشر، قيل: ما هنّ يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بكراً قطّ غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله  عزّ وجلّ  براءتي من السّماء، وجاءه جبريل بصورتي من السّماء في حريرة وقال: تزوّجها فإنها امرأتك، فكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلّي وأنا معترضة بين يديه، ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سَحْري ونحْري، ومات في الليلة التي كان يدور عليّ فيها، ودُفن في بيتي.

وكانت مدة مقامه معها عليه الصلاة والسلام تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، وتوفّيت، رضي الله عنها، سنة سبع وخمسين للهجرة ليلة الثلاثاء بعد صلاة الوتر، ودُفنت من ليلتها بالبقيع لخمس عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وصلّى عليها أبو هريرة زمن خلافة معاوية رضي الله عنهما، ودخل في قبرها عبد الله وعروة ابنا محمّد بن أبي بكر وكانت رضي الله عنها، تُحدّث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله r وأبي بكر، رضي الله عنه، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله r حَدَثاً، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنت بالبقيع.


ما لقيه المهاجرون من حُمّى المدينة

كانت المدينة في الجاهلية معروفة بالوباء، وكان واديها بُطْحَان يجري نَجْلاً (ماء قليل)، فلما قدمها المسلمون وأكلوا من ثمارها أصابت الحمّى كثيراً منهم، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيّه r.

واجتوَى المهاجرون المدينة، ولم يوافق هواؤها أبدانهم، وجُهِدوا حتى كانوا ما يصلّون إلاّ وهم قعود، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود، فكان رسول الله r يصبّرهم على احتمال الشدائد ويطالبهم بالمزيد من الجهد والتضحية لنصرة الإسلام، روي أنه رآهم يوماً وهم يصلّون من قعود فقال لهم: «اعْلَمُوا أنَّ صلاةَ القَاعِدِ على النِّصْفِ من صلاةِ القائمِ»، فتجشّم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسَّقم التماس الفضل.

كما كان رسول الله r يسعى إلى جمع قلوبهم على المهجر الجديد حتى تطيب به وتنفر من مغادرته، فكان يقول: «المدينةُ خيرٌ لهُم لَو كانُوا يَعلمون، لا يدَعُها أحدٌ رغْبَةً عنها إلاّ أبدل اللهُ فيها مَن هو خيرٌ مِنهُ، ولا يثبُتُ أحدٌ على لأْوائِها وجَهْدِها إلاّ كُنْتُ له شَفيعاً أو شهيداً يومَ القِيامة».

قالت عائشة، رضي الله عنها، لما قدم رسول الله r المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحُمّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسَقَم، فكان أبو بكر وعامر بن فُهَيْرة وبلال مَوْلَيا أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمّى، فاستأذنت رسول الله r في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذِن لي، فدخلت عليهم، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبي بكر فقلت له: كيف تجدُك يا أبت؟ فقال:

كلّ امرئ مُصَبّح في أهله             والموت أدنى من شِراك نعله

فقالت عائشة: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فُهيرة فقلت له: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه           إن الجبان حَتْفه من فوقـه

كل امرئ مـجـاهد بطـوقــه           كالثّور يحمي جلده بَروْقه

قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول، قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفِناء البيت ثم رفع عَقِيرته فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة          يفخّ وحولي إذْخِر وجَليــل

وهـل أرِدَنْ يومــاً ميـاه مَجَنَّة         وهل يبدو لي شامَة وطِفيل

اللَّهمّ العن شَيْبَة بن ربيعة، وعُتْبة بن ربيعة، وأُميّة بن خلَف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.

قالت عائشة: فذكرت لرسول الله r ما سمعت منهم فقلت: إنهم ليَهذُون وما يعقلون من شدّة الحمّى، فقال رسول الله r : «اللَّهُمَّ! حبِّبْ إلينا المدينة كما حَبَّبْتَ إلينا مكَّة أو أشدَّ، اللهمّ! بارك لنا في مُدِّها وصاعها، وصَحِّحْها لَنا، وانْقُلْ وَبَاءَها إلى مَهْيَعَةَ».

ثم دعا النبيّ r للمدينة فقال: «اللَّهُمَّ! اجعَلْ بالمدينةِ ضِعْفَي ما جعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البرَكَةِ».

وعن أبي سعيد الخُدْري، رضي الله عنه، قال: قال النبيّ r: «اللَّهُمَّ ! إنَّ إبراهيم حرَّم مَكَّة فجعَلَها حراماً، وإنِّي حَرَّمتُ المدينة حراماً ما بين مَأْزِمَيْهَا (مضيق)، أن لا يُهراقَ فيها دمٌ، ولا يُحمَلَ فيها سِلاحٌ لقتال، ولا يُخْبَطَ فيها شجرةٌ إلاَّ لِعَلَفٍ. اللَّهُمَّ! بارِكْ لنا في مدينتنا، اللهمَّ ! بارك لنا في صاعنا، اللَّهُمَّ ! باركْ لنا في مُدِّنا، اللهمَّ ! بارك لنا في صاعنا، اللَّهُمَّ ! باركْ لنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ! بارِكْ لنا في مدينتنا، اللَّهُمَّ! اجعل البركةِ برَكَتَينِ، والّذي نفسي بيده! ما من المدينةِ شِعبٌ ولا نَقْبٌ إلاّ علَيهِ مَلَكانِ يَحرُسانها حتى تَقْدَمُوا إليها».


من توفي بالمدينة في السنة الأولى للهجرة:

وكان أوّل من توفي من المسلمين بعد مقدم النبيّ r المدينة كُلثُوم بن الهدْم، رضي الله عنه، ثم توفّي بعده أسعد بن زُرارة، رضي الله عنه، على رأس تسعة أشهر من الهجرة، أخذه وجع في حَلْقه، يقال له الذُّبْحَة أو الشَّهْقة، فقال النبيّ r: «لأُبْلِغَنَّ أو لأُبْلَيَنَّ في أبي أمامَة عُذْراً»، فكواه بيده، فمات، فقال النبيّ r: «بِئْسَ الْمَيِّتُ أبو أُمامَةَ لِيَهُودَ ومنافقي العرَبِ؛ يقولون: لو كانَ نبياً لم يَمُتْ صاحبُهُ، ولا أملِكُ لنفسي ولا لصَاحبي مِنَ الله شيئاً».

ثم حضر رسول الله r غُسله، وكفَّنه في ثلاثة أثواب منها بُرد، ومشى أمام جنازته ودفنه بالبقيع رضي الله عنه. فجاءت بنو النجار إلى رسول الله r، وكان أبو أمامَة أسعد بن زرارة نقيبهم، فقالوا له: يا رسول الله ! إن هذا الرجل قد كان منّا حيث قد علمت، فاجعل منّا رجلاً مكانه، يُقيم من أمرنا ما كان يقيم ـ وفي رواية: قالوا: قد مات نقيبنا فنقِّب علينا ـ فقال رسول الله r لهم: «أنتُم أخوالي، وأنا بما فيكُم، وأنا نقيبُكُم»، وكره رسول الله r أن يَخُصّ بها بعضهم دون بعض، وكان من فضل بني النجار الذي كانوا يعُدّون على قومهم أن رسول الله r كان نقيبهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أهم أحداث السنة الثانية للهجرة

1ـ الإذن بالجهاد.

2ـ تحويل القبلة إلى البيت الحرام.

3ـ غزوات وسرايا بقصد استرداد أموال المهاجرين.

4ـ سرايا إلى القبائل المجاورة بقصد عرض الإسلام.

5ـ وقعة بدر الكبرى.

6ـ تشريع الصيام.

7ـ غزوة بني قينقاع.

8ـ إرسال الدعاة إلى القبائل المجاورة.

الإذن بالقتال

مضى على رسول الله r عشرة أشهر من السّنة الأولى لهجرته، استطاع فيها أن يُرْسي دعائم دولة الإسلام الجديدة، فبنى المسجد وعقد المؤاخاة، ونظّم إقامة اليهود في المدينة، وأُذِنَ فيها رسول الله r بالقتال دفاعاً عن الشريعة. وفيها عقد مع القبائل المجاورة للمدينة معاهدات حسن جوار.

وفي هذه السنة ـ الثانية ـ فُرِضَ الصيام على المسلمين، وهو تمهيد وإعدادٌ للنفوس لتحمل الشدائد والمصاعب التي لا بدّ ن يتحملها كل سالك في طريق الحق.

وأما روايات الإذن بالقتال فهي كثيرة، واختار الزرقاني في المواهب أن بدء الأمر بالقتال كان في يوم 12/صفر/ عام اثنين للهجرة، وذلك بعد وصوله r إلى المدينة بأحد عشر شهراً.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبيّ r، فقالوا: يا نبيَّ الله ! كنّا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنّا صِرنا أذِلّة، فقال: «إنِّي أُمِرْتُ بالعفْوَ، فلا تُقَاتِلُوا القومَ»، فلما حوَّله إلى المدينة أمره بالقتال. أي أذِن له فيه.

وعن ابن إسحاق قال: وكان رسول الله r قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تُحلَّ له الدّماء، إنما يؤمر بالدّعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصَّفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتّبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفَوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه ،ومن بين معذَّب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فِراراً؛ منهم مَن بأرض الحبشة، ومنهم مَن بالمدينة، وفي كلّ وجه.

فلما عتت قريش على الله، عزّ وجلّ، وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذّبوا نبيّه r وعذّبوا ونفَوا مَن عبَده ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينه، أذِن الله، عزّ وجلّ، لرسوله r في القتال والامتناع والانتصار مِمَّن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه في الحرب وإحلاله له الدّماء والقتال لمن بغى عليهم ـ فيما بلغني عن عُروة بن الزُّبير وغيره من العلماء ـ قول الله تبارك وتعالى: {أُذِنَ للذين يُقاتلونَ بأنَّهم ظُلِموا وإنَّ الله على نصرهِمْ لَقَدير الذينَ أُخرِجوا مِنْ دِيارهم بغير حقٍّ إلاّ أن يقولوا رَبُّنا اللهُ، ولولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم ببَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صوامِعُ وبِيَعٌ وصلَواتٌ ومساجدُ يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كثيراً، ولَيَنْصُرنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عزيزٌ، الَّذين إن مكنَّاهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ وآتَوا الزَّكاةَ وأمَرُوا بالمعروفِ ونَهَوا عن المُنكَرِ وللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج:39-41]

وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، قال: لما خرج النبيّ r من مكّة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لَيُهْلَكُنَّ، فنزلت: : {أُذِنَ للذين يُقاتلونَ بأنَّهم ظُلِموا وإنَّ الله على نصرهِمْ لَقَدير}، قال: فعرف أن سيكون قتال، قال ابن عبّاس: هي أوّل آية نزلت في القتال.

وفي هذه السنة أرسل النبيّ r عدداً من السرايا وخرج بنفسه لملاقاة المشركين، ومن هذه السرايا:


سرية حمزَة رضي الله عنه إلى سِيْفِ البحر

وكان أول لواء عقده رسول الله r لأحد من المسلمين لواء حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وذلك على رأس السنة الثانية من الهجرة، وحمل اللواء، وكان أبيض، أبو مَرْثَد كَنَّاز بن الحُصَيْن الغَنَويّ حليف حمزة بن عبد المطَّلب، رضي الله عنهما.

وبعثه رسول الله r في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، وقيل: كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار، والأرجح أنهم كانوا جميعاً من المهاجرين، ولم يبعث r أحداً من الأنصار بعثاً حتى غزا بهم بدراً، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم.

وخرج حمزة، رضي الله عنه، يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكّة، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكّة، فبلغوا سِيف البحر من ناحية العِيص، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشى مَجدي بن عمروالْجُهنيّ، وكان حليفاً للفريقين جميعاً، إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة، حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا، فتوجه أبو جهل وأصحابه وعيره إلى مكّة، وانصرف حمزة في أصحابه إلى المدينة.

فلما قدم أبو جهل مكّة قال: يا معشر قريش ! إن محمّداً قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئاً فاحذروا أن تمرّوا بطريقه وأن تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، وإنه حَنِق عليكم، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قَيْلَة، فهو عدوّ استعان بعدوّ، فقال له مُطْعِم بن عديّ: يا أبا الحكم ! والله ما رأيت أحداً أصدق لساناً ولا أصدق موعداً من أخيكم الذي طردتم، فإن فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكفّ الناس عنه، فقال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشدّ ما كنتم عليه؛ فإن ابني قيْلَة إن ظفِروا بكم لا يرقُبوا فيكم إلاًّ ولا ذمّة، وإن أطعتموني ألحقوهم حيز كُتانَة، أو تخرجوا محمّداً من بين أظهرهم فيكون وحيداً طريداً، وأما ابنا قَيْلَة فوالله ما هما وأهل دَهْلَك في المذلّة إلاّ سواء، وسأكفيكم حدّهم وقال:

سأمنح جانباً منّي غليظاً               على ما كان من قُرب وبُعد

رجال الخزرجيّة أهل ذُلّ             إذا ما كان هزل بـعـد جــدّ

فبلغ ذلك النبيّ r فقال: «والذي نفسي بيدِهِ لأَقْتُلَنَّهُم، ولأَصْلِبَنَّهُم ،ولأَهْدِيَنَّهُم وهم كارهونَ، إنِّي رحْمَةٌ بَعَثَني الله، عزَّ وجلَّ، ولا يتوفاني حتى يُظْهِرَ الله دينَهُ».


سريّة عُبيدَة بن الحارث رضي الله عنه إلى رابِغ

ثم بعث رسول الله r عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، رضي الله عنه في مطلع السنة الثانية للهجرة، إلى بطن رابغ وروي أن هذه السرية كانت على رأس ثمانية أشهر من مهاجر رسول الله r في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين، وليس فيهم من الأنصار أحد، وعقد النبيّ r له لواء أبيض حمله مِسْطَح بن أُثاثَة، رضي الله عنه، فلقي أبا سفيان بن حرب، وكان على المشركين، وقيل: كان عليهم عِكْرِمة بن أبي جهل أو مِكْرَز بن حفص، وهو في مائتين، على ماء يقال له الأحياء من بطن رابِغ على عشرة أميال من الجُحْفَة، وقد ترامى الفريقان بالنَّبْل، ولم يَسُلّوا السيوف ولم يصطفوا للقتال، ورمى سعد بن أبي وقّاص، رضي الله عنه، يومئذ بسهم، فكان أوّل سهم رُمي به في الإسلام، ثم انكفأ بعضهم عن بعض وللمسلمين حامية.

وفرّ من المشركين إلى المسلمين المِقْداد بن عمرو البَهْرانيّ حليف بني زُهْرَة، وعُتْبة بن غَزْوان المازنيّ حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصّلا بالكفّار، وقيل: كانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك فتوصّلا بالمشركين حتى خرجا إلى عُبيدة وأصحابه.

قال ابن إسحاق: وكانت رايةُ عُبَيدَة بن الحارث أوّل راية عقدها رسول الله r في الإسلام لأحد من المسلمين، وبعض العلماء يزعم أنه r بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أوّل راية.


سرية سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه إلى الْخَرَّار

بعث رسول الله r سعد بن أبي وقّاص، رضي الله عنه، إلى الْخَرَّار وذلك في مطلع السنة الثانية للهجرة وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، وبعثه في عشرين رجلاً من المهاجرين، وقيل ثمانية، يعترض عِيراً لقريش، وعهِد إليه أن لا يجاوز الْخَرَّار، فخرجوا على أقدامهم يكمُنون بالنهار ويسيرون باللَّيل حتى صبحوها صُبْح خمس، فوجدوا العير قد مرّت بالأمس، فانصرفوا إلى المدينة ولم يلقوا كيداً.

قال ابن هشام: وقد ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة، رضي الله عنهما، فالله أعلم.


غزوة ودان

خرج رسول الله r في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة مع جمع من أصحابه، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، يريد قافلة لقريش فيها من أموال المهاجرين فلم يدركها، فصالح بَني ضمرة وأمن على المدينة من جانبهم.

فهذه أوّل غزوةٍ غزاها النبيّ r ولم يحصل فيها قتال.

وفي هذه الغزوة وادع مَخْشِيّ بن عمرو، وكان سيد ضَمْرَة في زمانه، على أن لا يغزو بني ضَمْرة ولا يغزوه، ولا يكثّروا عليه جمعاً، ولا يعينوا عدوّاً، وكتب بينه وبينهم كتاباً هذا نصه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمّدٌ رسول الله لبَني ضَمْرة بن بكر بن عبدِ مناةَ بن كِنانَة، أنَّهم آمِنونَ على أموالهم وأنْفُسِهِم، وأنَّ لَهُمُ النَّصر على من دَهمَهُم بظُلْمٍ، وعليهم نصرُ النبيّ r ما بَلَّ بَحْرٌ صُوْفَةَ؛ إلاّ أن يُحاربوا في دينِ اللهِ، وأنَّ النبيّ r إذا دعاهُم أجابوهُ، علَيهِم بذلك ذِمَّةُ اللهِ ورسولهِ، ولَهُمُ النَّصْرُ على مَنْ بَرَّ منهم واتَّقى».

ثم انصرف رسول الله r إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.

غزوة بواط

خرجَ رسول الله r في شهر ربيع الأول من السنة الثانية ومعه مائتان من أصحابه لملاقاة عير قريش، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، رضي الله عنه، وكان كفّار مكّة قد باعوا واقتسموا متاع المهاجرين، وأرسلوا به متاجرين إلى الشام فخرج رسول الله r يستردّ حق أصحابه المغصوب، فلم يلقَ أحداً ورجع ولم يحصل فيها قتال.


غزوة العُشَيْرَة

وفي غزوة “العُشَيْرَة” خرج r في جمادى الأولى من السنة الثانية للهجرة ومعه مائة وخمسين من أصحابه واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي يريد عير قريش أيضاً، فلم يدركها ولم يحصل فيها قتال، وصالح النبيّ r فيها بني مُدْلِج على أن ينصرهم وينصروه، وتقع ذات العشيرة قريباً من ينبع.


غزوة بدر الأولى

خرج النبيّ r بنفسه في جمادى الأولى من السنة الثانية للهجرة لردّ العدوان الذي قام به كرز بن جابر الفهري، وهو قاطع طريق أغار بعصابته على المدينة فسرق ونهب، وهرب كرز ولم يحصل قتال، وتسمى هذه الغزوة غزوة بدر الأولى، لأنها جرت عند ماء بدر.


سرية عبد الله بن جحش

وأرسل النبيّ r في رجب من السنة الثانية للهجرة سرية بقيادة عبد الله بن جحش، وأرسل معه كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلمّا سار يومين، فتحه فإذا فيه أمر النبيّ r له، أن يتجه إلى منطقة نخلة (وطريقها يختلف عن الطريق الذي سلكه) ولكنّه أمره بذلك للتمويه على الأعداء، ولاختباره واختبار أصحابه، وقد طَلَبَ منه النبيّ r أن لا يجبر أحداً من أصحابه، فلمّا أخبرهم عبد الله ساروا جميعاً معه، وهاجموا قافلةً لقريش في آخر يوم من الشهر الحرام رجب، وقتلوا وأسروا منهم، فتكلّم المشركون في ذلك، وجعلوا يقولون: إنّ المسلمين يقاتلون في الأشهر الحرم ولا يرعون لها حرمة، وأكثر المسلمون في لوم عبد الله إلى أن أنزل الله براءته بقوله:

{يَسألونَكَ عنِ الشَّهرِ الحرَامِ قِتالٍ فيهِ قُلْ قِتالٌ فيهِ كبيرٌ وصَدٌّ عن سَبيلِ اللهِ وكُفْرٌ بهِ والْمَسجِدِ الحرامِ وإخراجُ أهلِهِ منهُ أكبرُ عندَ اللهِ والفِتْنَةُ أكبَرُ مِنَ القَتْلِ..}[البقرة:217].

فبين لهم الله تعالى أنّ عملهم هذا ردّ على أعمال المشركين واعتداءاتهم، وأن ما فعله المشركون أعظم وأشد فتنة.

قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصِّديق، رضي الله عنه، في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحلّ محمّد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه المال، وأسروا الرجال:

تَعُــدّون قتــلاً في الحرام عظيمـة             وأعظم منه لو يرى الرُّشد راشِد

صُـدودكـم عمّـــا يقـول محمّــد                وكـفــر بــــه والله راء وشاهـد

وإخراجكم من مسجد الله أهله         لئــلاّ يُـرى لله في البيت سـاجد

فــإنّــــا وإن عـيّــرتـمـونا بقتـله               وأرجف بالإسلام باغ  وحاسـد

سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا              بنخلــة لَمّــا أوقـد الحـرب واقد

دماً وابن عبد الله عثمان بيـنـنـا               ينــازِعــه غـلّ مـن الـقِـدِّ عـاند

وكانت تلك السرية مما هاجت الحرب بين رسول الله r وبين قريش، وأدركت الأخيرة بأن تجارتها إلى الشام أمام خطر دائم، وأن المسلمين يترقبون كلّ حركة من حركاتهم التجارية، فازدادوا حنقاً وعيظاً، وصمّم صناديدهم على إبادة المسلمين في عُقر دارهم.


تحويل القبلة

وفي منتصف شعبان من السنة الثانية للهجرة تحولت القبلة إلى المسجد الحرام. وكان النبيّ r في مكة، قد أمر بالتوجه إلى بيت المقدس في صلاته، ليظهر تميّز الإسلام عن عقائد الوثنية الأولى التي كانت تتوجه إلى البيت الحرام في مكة.

وكان رسول الله r يرغب أن تكونَ قبلته إلى الكعبة المشرّفة في البلد الحرام، ولذلك كان حين يصلّي في مكة، يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنه بذلك يستقبل القبلتين جميعاً، ولم يعد ذلك ممكناً لما هاجر إلى المدينة المنورة، فصار النبيّ r يقلّب وجهه في السماء، ويسأل الله عزّ وجلّ أن يأذن له بالتوجه إلى البيت الحرام، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{قد نَرى تقلُّبَ وجهِكَ في السَّماءِ فلَنُولّيَنَّكَ قِبلَةً ترضاها فولِّ وجهكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كُنْتُم فولُّوا وُجُوهَكُم شَطرَهُ وإنَّ الذينَ أوتُوا الكتابَ لَيعلَمونَ أنَّه الحقُّ من ربِّهِم وما اللهُ بغافلٍ عمَّا يعملونَ}[البقرة:143].

وكان تحويل القبلة في منتصف رجب من السنة الثانية وقيل بل كان منتصف شعبان، ولما حول الله القبلة قال المنافقون ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وقال المشركون من قريش: تحيّر على محمّد دينه فاستقبل قبلتكم، وعلم أنكم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم، وقالت اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه، وهو يريد أن يُرضي قومه، ولو ثبت على قبلتنا لَرَجونا أن يكون هو النبي الذي كنّا ننتظر أن يأتي. فأنزل الله تعالى جواب الفِرق كلّها، فأنزل في المنافقين: {سَيَقولُ السّفَهاءُ منَ النّاسِ ما وَلاّهُم عن قبلتِهِمُ التي كانوا عليها، قُلْ للهِ المشرقُ والمغربُ يَهْدي مَنْ يشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ}[البقرة:142]، وأنزل في اليهود: {ولئنْ أتيتَ الَّذينَ أوتوا الكتاب بكل آيةٍ ما تَبِعوا قِبلَتَكَ وما أنتَ بتابعٍ قبلتَهُم وما بعضُهُم بتابعٍ قبلةَ بعضٍ ولئن اتَّبَعْتَ أهواءَهُم من بعدِ ما جاءَكَ منَ العلمِ إنّكَ إذاً لمنَ الظالمينَ. الّذين آتيناهُمُ الكتَابَ يَعْرِفونَهُ كمَا يَعرِفونَ أبناءَهُم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمُونَ الحقَّ وهُم يعلمونَ}[البقرة:154-146]، قال السّدِّيّ في تفسير هذه الآيات: لئن جئتهم بكل آية أنزلها الله في التوراة في شأن القبلة أنها إلى الكعبة ما تبعوا قبلتك، وهم يعرفونه بذلك كما يعرفون أبناءهم وهم يكتمون ذلك، وهم يعلمون أن ذلك هو الحقّ، يقول الله تعالى: {الحّقُّ مِنْ ربِّكَ فلا تَكونَنَّ مِنَ الممْتَرِينَ}[البقرة:147].

وأنزل في قريش وما قالوا: {لئلاَّ يكونَ للناسِ عَليْكُم حُجَّةٌ إلاّ الذين ظلمُوا مِنهُم فلا تَخشَوهم واخشوْني ولأُتِمَّ نعْمَتي علَيْكُم}[البقرة:150] أي: لا تخشوا قول قريش أن أردّكم في دينهم وسأظهر دينكم على الأديان كلّها.

أما المسلمون فقال بعضهم: كيف حالنا بصلاتنا إلى بيت المقدس؟ وكيف بمن مات من إخواننا وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟ وقال بعضهم: كان ذلك طاعة وهذا طاعة، نفعل ما أمرنا النبيّ r، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ومَا جَعَلْنَا القِبلَةَ الّتي كُنْتَ عليها إلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يتبَّعُ الرَّسولَ مِمَّنْ ينقلبُ على عَقيبيهِ، وإنْ كانت لكبيرةً إلاّ على الذين هدى اللهُ، وما كانَ اللهُ ليضيعَ إيمانَكُم}[البقرة: 143]. أي: صلاتكم لأنكم كنتم مطيعين في ذلك.

روي أنه لما صُرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة أتى رسول الله r نفر من اليهود، فيهم كعب بن الأشرف، ورافِع بن أبي الرَّبيع بن الرَّبيع بن أبي الْحُقَيْق، فقالوا: يا محمّد! ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على مِلَّة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتّبعك ونصدقك، وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأنزل الله تعالى فيهم: {سيقولُ السُّفَهاءُ مِنَ الناسِ ما ولاّهم عن قبلتِهِمُ…} الآيات إلى قوله تعالى: {الحقُّ من ربِّكَ فلا تكونَنَّ من الممترينَ}.

وكانت اليهود وأهل الكتاب قد أعجبهم إذ كان يصلّي r قِبَل بيت المقدس ـ كما روى البخاري عن البراء رضي الله عنه ـ فلما ولّى وجهه قِبَل الكعبة أنكروا ذلك.


غزوة بدر الكبرى

وفي رمضان من السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى، وسببها أن رسول الله r بلَغَهُ أن قافلة عظيمةً لقريش، في طريقها إلى مكة من الشّام، وكانت بضائع هذه القافلة، قد اشتراها كفّار مكة بالمتاع الذي تركه المسلمون بمكة قبل هجرتهم، فخرج رسول الله r مع أصحابه وهم المالكون الشرعيون لهذه الأموال، بهدف استرجاعها من جيب غاصبيها إلى كف أصحابها.. وكيف يتركونها تمرّ أمام أعينهم يتاجر بها أعداؤهم، ويحاربونهم بها، والمسلمون في أسوأ حال من المعيشة !.

لقد كان المهاجرون في المدينة في ضنك من العيش، رغم ما بذله لهم إخوانهم الأنصار، إلاّ أن أنفسهم كانت تعف عن أموالهم، وقوانين الحرب تسمح لهم أن يأخذوا أموال أعدائهم، فكيف إذا كانت أموالهم عند أعدائهم؟. لذلك فقد قال رسول الله r لأصحابه: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله أن يغنمكموها، ولم يُلْزِمْ أحداً من أصحابه بالخروج، ولم يكترث بها البعض، ورغبوا عن متاعها..

وخرج النبيّ r سريعاً لإدراك العير، وكان ذلك في الثاني عشر من رمضان؛ فخرج معه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، ومعهم سبعون بعيراً..

واستخلف النبيّ r على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم أبا لبابة بن عبد المنذر، حيث كان ابن أم مكتوم يقوم بالصلاة فيما يقوم أبو لبابة بشؤون المدينة الأخرى.


استعراض النبيّ r أصحابه وردّه الصّغار في بدر

ولما خرج رسول الله r من المدينة ضرب عسكره ببئر أبي عِنَبة، وهي على ميل من المدينة، فعرض أصحابه، وردّ من استصغره.

وكان ممن ردّه: أُسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ورافع بن خَديج، وأُسَيْد بن ظُهَيْر، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.

وردّ عُمَيْر بن أبي وقّاص فبكى، فأجازه، قال سعد: رأيت أخي عُمَيراً قبل أن يعرِضنا رسول الله r للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ فقال إني أخاف أن يراني رسول الله r فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج لعلّ الله يرزقني الشهادة، قال: فعُرِض على رسول الله r فاستصغره، فقال: «ارْجِعْ»، فبكى عُمَيْر، فأجازه رسول الله r، قال سعد: فكنت أعقِد له حمائل سيفه من صِغَره، قال عُمَيْر: لقد شهدت بدراً وما في وجهي إلاّ شعرة واحدة أمسحها بيدي. فقتل ببدر، قتله عمرو بن عبد وُدّ.

ويروى أنه r عسكر ببيوت السُّقْيَا، وهي عين بينها وبين المدينة يومان، وأنه شرب منها حين خرج إلى بدر، وكان يشرب منها بعد.


توزيع الألوية في بدر

ودفع رسول الله r اللّواء الأعظم، وكان أبيض، إلى مُصْعَب بن عُمَيْر، وكان أمامه رايتان سوداوان؛ إحداهما راية المهاجرين مع عليّ بن أبي طالب يقال لها العُقاب، والأخرى راية الأنصار مع سعد بن معاذ، وقيل: مع الْحُبـاب بن المُنذِر.

وقيل: كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحُباب بن المُنذِر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ.

وجعل رسول الله r الزُّبير بن العوّام على الميمنة، والمِقْداد بن الأسود على الميسرة، وجعل على السَّاقّة قيس بن أبي صَعْصَعة أخا بني مازن بن النجار.

ولبس رسول الله r دِرعه ذات الفُضُول، وتقلّد سيفه العَضْب، وكان أرسل إليه بهما سعد بن عُبادة رضي الله عنه.

فلما فصل رسول الله r من بيوت السُّقيا قال: «اللَّهُمَّ ! إنَّهُم حُفَاةٌ فاحْمِلْهُم، اللَّهُمَّ ! إنَّهُم عُراةً فَاكْسُهُم، اللَّهُمَّ ! إنَّهُم جياعٌ فأَشْبِعْهُم».

وأمرهم رسول الله r بالإفطار، وأفطر، فعن عبد الله بن عُبيدة أن رسول الله r غزا غزوة بدر في شهر رمضان، فلم يَصُم يوماً حتى رجع إلى أهله.

أبو سفيان يستنجد بقريش

وعلم أبو سفيان بخروجهم، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري يستنهض قريشاً لنصرته، فخرجت قريش في تسعمائةٍ وخمسين مقاتلاً واستطاع أبو سفيان أن ينجوَ بالقافلة، وأرسل إلى قريش يطمئنها، ويطلب رجوع جيشهم إلى مكّة، لكنّ أبا جهل أصرّ على المضيّ وقال: والله لا نرجِعُ حتى نرِدَ بدراً، فنقيم عليه ثلاثاً: فننحرَ الجزر (الإبل) ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا…

وتفاقم الخلاف بين المشركين، فريقٌ يؤيد كلام أبي جهل، وفريق يعارضه، حتى خضعوا لقوله، اتقاءً، لشرّه وسفهه وفحش كلامه.

النبيّ r يستشير أصحابه في بدر

وعلم النبيّ r بخروج المشركين، وعلم أن عدوهم قريبٌ من الألف، فجمع أصحابه يستشيرهم، ويتعرّف على عزيمتهم، فلم يرغب بعضهم بالقتال، لأنهم خرجوا على غير استعداد له، فاستعدادهم كانَ للقاء قافلة، لا للقاء جيش..

والتفت رسول الله r إلى صحبه الكرام، وفيهم (84) رجلاً من المهاجرين، و(229) رجلاً من الأنصار، وقال: أشيروا عليَّ أيّها النّاس.

خطبة المقداد في بدر

فقام المقداد بن عمرو من المهاجرين فقال: يا رسول الله ، امضِ لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّكَ فقاتِلا، إنّا هـهنا قاعدون!.. ولكن اذهب أنتَ وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرتَ بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه!!..

استمع النبيّ r لخطبة المقداد فاستبشر r ودعا له بخير ثم قال: أشيروا عليَّ أيّها النّاس، وكان يريد بذلك الأنصار، لأنّه إنّما بايعهم أن يحموه في ديارهم، والبيعة لا تلزمهم بنصرته خارج ديارهم، فقال سعد بن معاذ: لعلك تريدنا يا رسول الله ؟، قال: أجل، فقال سعد: إنّك عسى أن تكون خرجت لأمرٍ وأحدث الله لك غيره، فانظرْ الذي أحدث الله إليك، فامضِ له، فإنّا قد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك عهودنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى ألاّ تكون الأنصار ترى عليها ألا ينصروك إلاّ في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن يا رسول الله حيث شئت، وصلْ حبل مَن شئت، واقطع حبلَ مَنْ شئت وسالِمْ مَنْ شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذتَ من أموالنا أحبّ إلينا ممّا تركت، وما أمرت فينا من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضتهُ لخضناه معك، ما تخلّف منا رجلٌ واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً، إنّا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسِر على بركة الله.

فسُرَّ بذلك رسول الله r وتهلّل وجهه وقال: «سيروا على بركة الله، وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، واللهِ لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم».

وفي ذلك أنزل الله عز وجل: {إذ يُريكَهُمُ اللهُ في منامِكَ قليلاً ولو أراكَهُم كثيراً لّفشلتُم ولتنازعتُم في الأمرِ ولكنَّ اللهَ سلَّم إنّهُ عليمٌ بذاتِ الصُّدورِ وإذ يُريكُمُوهُم إذا لقيتُمْ في أعينِكُم قليلاً ويُقلّلُكُم في أعيُنِهِم ليقضِي اللهُ أمراً كانَ مفعولاً وإلى اللهِ تُرجَعُ الأمورُ * يا أيُّها الذينَ آمنوا إذا لَقِيتُم فِئةً فاثبُتُوا واذكروا اللهَ كثيراً لعلَّكُم تفلحونَ وأطِيعوا اللهَ ورسولَهُ ولا تنازعُوا فتفشلُوا وتَذهَبَ ريحُكُمْ واصبروا إنَّ الله مع الصابرينَ ولا تكونوا كالذينَ خرجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ النّاسِ ويَصدُّونَ عن سبيلِ اللهِ واللهُ بما يعملون محيطٌ}[الأنفال:42-47].

رأي الحباب بن المنذر في بدر

ثم مضى رسول الله r بالمسلمين حتى نزلوا قريباً من ماء بدرٍ، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه الله، لَيْسَ لَنَا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! فقال رسول الله r: بل هو الرأي والحرب فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نفسد ماوراءه ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال له النبيّ r: لقد أشرتَ بالرأي، وعمل بمشورته..

بناء العريش لرسول الله r في بدر

ثم قام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله ألاّ نبني لك عريشاً تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبنا ،ثمّ نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببناه، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا، قد تخلف عنك أقوام يا رسول الله، ما نحن بأشد لك حبّاً منهم ولو ظنّوا أنّك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.

فدعا له النبيّ r، وبني العريش ليكون مركزاً لقيادة الجيش.

خبر سواد بن قارب بن غزية في بدر

وبدأ النبيّ r بتسوية الجيش، فمرّ على الصفوف يعدّلها وفي يده سهم، فمرّ بسواد بن غزيّة وهو خارج الصف، فوكزه بالسهم في بطنه وقال: استو يا سواد، فقال: رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني (دعني أقتص منك) فكشف رسول الله r عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه، فقال له رسول الله r: ما حملك على هذا يا سواد؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك، فدعا له بخير..

خبر عمير بن الحمام في بدر

وأخذ النبيّ r يحضّ أصحابه على القتال، فقال: والذي نفس محمدٍ بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلاّ أدخله الله الجنّة..

فنظر عمير بن الحُمام وفي يده تمراتٍ يريد أكلهنَّ وقال: بخٍ بخٍ، فما بيني وبين أن أدخلَ الجنّة، إلاّ أن يقتلني هؤلاء!.. ثم رمى التمرات من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثمَّ اندفع إلى المعركة وهو يقول:

ركضــاً إلى الله بغـيـر زاد            إلاّ التقى وعمل الـمعاد

والصّبر في الله على الجهاد           وكل زادٍ  عرضة النفاد

غير التقى والبرّ والرّشاد

وقاتل عمير المشركين حتى قتل..


مصرع الأسود بن عبد الأسد في بدر

اندفع من صفوف المشركين الأسْوَد بن عبد الأسد إلى حوض الماء الذي أقامه المسلمون وهو يقول: أُعاهدَ الله لأشربنَّ من حوضهم، أو لأهدمنّه أو لأموتنّ من دونه.

فتلقاه حمزة بن عبد المطلب بضربة قطع بها رجله فوقع على الأرض، واستمر يزحف حتى وصل إلى الحوض، فلحقه حمزة وقتله في الحوض..


مصرع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة في بدر

خرج بعد الأسود بن عبد الأسد عتبة بن ربيعة بن أخيه شَيْبَة وابنه الوليد، حتى إذا فصل من الصّف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم عوف ومُعّوِّذ ابنا الحارث، وأمّهما عَفْراء، وعبد الله بن رواحة ـ وفي رواية مُعاذ بن الحارث بدل ابن رواحه ـ فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، قالوا: أَكْفَاء كِرام، ما لنا بكم من حاجة، إنما نريد بني عمّنا، ثم نادى مناديهم: يا مـحمّد ! أخرِج إلينا أكفاءنا من قومنا ـ وفي رواية أن النبيّ r استحيا من خروج الأنصار، لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون وهو r شاهد معهم، فأحبّ أن تكون الشوكة ببني عمّه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافّهم وقال لهم خيراً، ثم نادى بني هاشم فقال: (قوموا قاتِلوا بحَقِّكُم الذي بعث اللهُ به نبيّكم إذ جاؤوا بباطِلِهِم ليُطفُئوا نورَ الله) ـ فقال رسول الله r: «قُم يا عُبيدة بن الحارث، قم يا حمزةُ، قم يا عليُّ»، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ وكان عليهم البِيض، فتسمّوا لهم، قالوا: نعم أكْفاء كرام، فبارز عبيدة ـ وكان أسنّ القوم ـ عتبة بن ربيعة ـ وكان أسنّ الثلاثة المشركين ـ وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة ـ وقيل: كان عتبة لحمزة وشيبة لعبيدة والوليد لعليّ، وقيل: بل الوليد لعبيدة ـ فأما حمزة وعليّ فلم يُمهلا صاحبيهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، فأثخن كلّ واحد منهما صاحبه، ثم كرّ حمزة وعليّ على عتبة بأسيافهما فقتلاه، واحتملا عبيدة، فجاءا به إلى النبيّ r وقد قطعت رجله ومُخّها يسيل فقال: ألست شهيداً يا رسول الله ؟ قال: «بلى»، فقال عبيدة، لو كان أبو طالب حيّاً لعلم أنّا أحق بما قال منه، حيث يقول:

ونُسلِمه حتى نُصرّع حوله            ونُذهَل عن أبنائنا والْحلائِل

ثم قال:

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم         أُرجّي بها عَيشاً من الله دانيا

وأنزل الله تعالى في هذه المبارزة قوله: {هَذَانِ خَصْمانِ اختَصَمُوا في رَبِّهم}[الحج:19]، فقد روى البخاري بسنده عن قيس قال: سمعت أبا ذرّ يقسم قسماً إن هذه الآية نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.


التقاء الفريقين ونشوب الحرب في بدر

ولما قُتل المبارزون خرج رسول الله r من العريش فعدّل صفوف المسلمين وجعل شعارهم: أحَد أحَد، ويقال: بل كان شعارهم: يا منصور أَمِت.

ثم عاد إلى العريش ومعه أبو بكر، رضي الله عنه، ليس معه أحد غيره، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، متوشّح بالسيف مع نفر من الأنصار يخافون على رسول الله r كرّة العدوّ، فاضطجع r فغشيه نوم غلبه، فلما نظر بعض القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: رسول الله ! قد دنا القوم، فاستيقظ رسول الله r وقد أراه الله تعالى إيّاهم في منامه قليلاً، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، وقلّل المشركين في أعين المسلمين، حتى طمع بعض القوم في بعض، كما قال الله عزّ وجلّ: {وإذْ يريكَهُمُ اللهُ في منامِكَ قليلاً ولَوْ أرَاكَهُم كثيراً لَفَشِلتُم ولتنازَعتُم في الأمرِ ولكنَّ اللهَ سلَّمَ إنَّهُ عليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ، وإذْ يُرِيكُمُوهُم إذِ الْتَقيتُم في أَعْيُنِكُم قليلاً ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِم ليَقضِيَ اللهُ أمْراً كان مفْعولاً وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُور}.

ثم تزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعض، وجاء عُمير بن وهْب فناوش المسلمين، فثبت المسلمون على صفّهم ولم يزولوا، وقد كان رسول الله r أمر أصحابه ألاّ يحملوا على القوم حتى يؤذنهم وقال لهم: «إنْ أَكْثَبُوكُم فعلَيْكُم بالنُّبْلِ» ـ كما ذكرنا سابقاً ـ وشدّ عامر بن الحضرمي على المسلمين ونَشِبت الحرب، فقتل مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب، فكان أول قتيل من المسلمين، ثم رُمِيَ حارثة بن سُراقة أحد بني عديّ بن النجار، وهو يشرب من الحوض، بسهم فأصاب نحره فقُتل، فكان أول قتيل من الأنصار، قتله حَبَّان بن العَرِقَة.

وحميت المعركة، واشتدَّ القتال، وأمدَّ اللهُ المؤمنين بروح من عنده، فانطلقوا يخوضون في ساحات القتال، يغمسون أيديهم في أعدائهم دون خوف، وكيف لا وقد وعدهم الله إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة والجنة.

فتضاءلت في أعين المؤمنين كثرة المشركين، والنبيّ r يشارك في القتال، ويحرّض المؤمنين ويلتجئ بقلبه إلى الله فيقول: «اللهمَّ أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذه العصابةَ لا تعبد بعدها في الأرض، اللَّهمَّ نصرك الذي وعدتني، اللَّهمَّ أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم»..


دعاء النبيّ r ودعاء المشركين في بدر

كان النبيّ r دائم الصلة بربه، وحين التقى الجمعان في بدر واشتد في ضراعته فكان يدعو: «اللَّهُمَّ ! أنْجِز لي ما وعدْتَني، اللَّهُمَّ ! إنِّي أنشدُكَ عَهْدَكَ ووعدَكَ، اللَّهُمَّ ! إن تشَأ لا تُعْبَدْ بعدَ اليومِ، اللَّهُمَّ ! إنْ تُهْلِكْ هذه العصابة من أهل الإسلامِ لا تُعْبَدْ في الأرضِ»، فما زال يهتف بربِّه مادّاً يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فردّه عليه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبيّ الله ! بعض مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك، ولينصرنّك وليبيضنّ وجهك ـ وفي رواية قال: حصب يا رسول الله ! ألححت على ربك. فكان عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، يقول: ما سمعنا مناشداً ينشد حقّاً له أشدّ مناشدة من محمّد r .

روي عن عليّ ين أبي طالب، رضي الله عنه، قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال، ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله r ما فعل، فجئت فوجدته وهو ساجد يقول: «يا حَيُّ يا قيُّومُ» لا يزيد عليها، فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثم ذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، فلم يزل يقول ذلك حتى فتح الله عليه.

ثم نادى النبيّ r في جيش المسلمين (شدّوا) سيهزم الجمع ويولُّون الدّبر.

فحمل المسلمون حملةً على المشركين، وأمدّهم الله بمدد من عنده، وذلك قول الله عزّ وجلّ: {إذ تقولُ للمؤمنينَ ألن يكفيكُمْ أن يُمِدّكُمْ ربكمِ بثلاثةِ آلافٍ منَ الملائكة مُنزِلينَ بَلَى إن تصبروا وتتَّقوا ويأتوكُمْ مِنْ فَورِهِم هذا يُمْدِدْكُمْ ربُّكُم بِخَمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ وما جعَلَه اللهُ إلاّ بُشرى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قلوبُكُمْ بهِ وما النَّصرُ إلاّ مِن عند اللهِ العزيزِ الحكيمِ}[آل عمران:124-126].

أما المشركون فقد كان دعاؤهم: (اللهم أهلك أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف)، وفيهم أنزل الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح من ربكم وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين}.


نهي النبيّ r عن قتل رجال من قريش في بدر

نهى النبيّ r يومئذ عن قتل رجال من قريش، فقال: «إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم قد أُخرِجوا كُرهاً لا حاجةَ لهم بقتالنا، فمَنْ لقي منكُم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لَقِيَ أبا البخْتَري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله r فلا يقتله؛ فإنه إنّما أُخرِجَ مُستكرَهاً» ـ وفي رواية قال: «مَنْ استطعتُم أن تأسِروا من بني عبد المطَّلب فإنهم خرجوا كُرهاً»، ويقال إنهم كانوا قد أسلموا؛ لكنهم يكتمون إسلامهم فرقاً من المشركين، وهم العبّاس بن عبد المطَّلب، وعَقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث.

ولما أمر رسول الله r بالكفّ عن هؤلاء قال أبو حذيفة بن عتبة: أتقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العبّاس!! والله لئن لقيته لأُلْحِمَنَّه السيف ـ أو لأُلْجِمَنّه ـ فبلغت مقالته رسول الله r، فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص! أيضربُ وجهُ عمّ رسول الله r بالسَّيف؟»، قال عمر: والله إنه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله r بأبي حفص، ثم قال: يا رسول الله ! دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق.

فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفاً، إلاّ أن تكفّرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً.

ويروى أن رسول الله r قال لأبي حذيفة ـ لما بلغه ما قال ـ: «أنتَ القائِلُ كذا وكذا؟» قال: نعم يا رسول الله ، شقّ عليّ إذ رأيت أبي وعمي وأخي مُقَتَّلين، فقلت الذي قلت، فقال له رسول الله r: «إنَّ أباكَ وعمّكَ وأخاكَ خرجوا جادّينَ في قتالنا طائعينَ غير مُكرهينَ، وإنَّ هؤلاء أُخرجُوا مُكرهينَ غير طائعينَ لقتالنا».

فأُسِرَ أولئك النّفر الذين أوصى بهم رسول الله r إلاّ أبا البخْتَري العاص بن هشام بن الحارث؛ فإنه وُجد قد قتل، قتله المُجَذَّر بن ذِياد. وقد كان رسول الله r نهى عن قتله وقال: «ألا إنَّهُ ليسَ لأحدٍ مِنَ القومِ عِندي مِنَّةٌ إلاّ لأبي البَخْتَرِيِّ، فَمَنْ كان أخَذَهُ فلْيُخَلِّ سَبيلَهُ» وذلك لأنه كان أكفّ القوم عن رسول الله r وهو بمكّة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب.


مقتل أبي جهل في بدر

قتل ببدر عدو الله أبو جهل عمرو بن هشام، قال عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتَيان من الأنصار حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما ـ وفي لفظ: تمنّيت أن أكون بين أَضْلَع منهما ـ فغمزني أحدهما وقال لي سرّاً من صاحبه: يا عمّ ! هل تعرف أبا جهل؟ قلت نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي ـ أو قال: ما تصنع به؟ قال: أُخبرت أنه يسبّ رسول الله r، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبت لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما ـ وفي لفظ: فشدّا عليه مثل الصقرين ـ فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله r فأخبراه، فقال: «أيُّكُما قَتَلَهُ؟» فقال كلّ واحد منهما: أنا قتلته، فقال: «هَلْ مسحتُما سيفيكُما؟» قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: «كِلاكُما قتَلهُ»، وقضى رسول الله r بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وكان الفتيان معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح.

وفي رواية أنهما عوف ومعوِّذ ابنا عفراء، وقد استشهدا ببدر، فلما وقف النبيّ r على مصرعهما قال: «يَرْحَمُ اللهُ ابْنَي عَفْراء، فَهما شُرَكاءَ في قتل فِرعَونَ هذه الأمّةِ ورأْسِ أئمَّةِ الكُفْرِ»، فقيل: يا رسول الله ! ومن قتله معهما؟ قال: «الملائكةُ، وابنُ مسعودٍ قد شَرِكَ في قتلِهِ».

فلما فرغ رسول الله r من عدوّه قال: «مَنْ يَنْظُر ما صنَعَ أبو جهل؟» فتفرّق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بآخر رمق، فعرفه ـ وقد كان رسول الله r قال لهم حين أمر بالتماسه: «انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جُرحٍ في رُكبتِهِ، فإنّي ازدَحَمتُ يوماً أنا وهو على مأدبةٍ لعبد الله بن جُدعانَ، ونحن غلامانِ، وكُنتُ أشَفَّ مِنهُ بِيَسِيرٍ، فدفعتُهُ، فوقع على ركبتيهِ، فجُحِشَ في إحداهما جحشاً لم يزل أثرُهُ بهِ» ـ قال ابن مسعود: فوضعت رجلي على عنقه ـ وقد كان ضَبَثَ (قبض) بي مرّة بمكّة فآذاني ولكَزَني ـ فقال لي لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم، ثم أخذت لحيته لأحتزّ رأسه فقلت له: هل أخزاك الله يا عدوّ الله؟ فقال: وبماذا أخزاني؟! أَأعْمد من رجل قتلتموه؟ ـ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ ـ ثم قال: فلو غير أكّار (زرَّاعُ) قتلني، أخبِرني لمن الدائرة اليوم؟ أو لمن الدَّبْرَة (الظفرة) اليوم؟ فقلت: لله ولرسوله. ثم جعل ابن مسعود يضربه بسيف له غير طائل، فأصاب يده، فندر سيف أبي جهل فأخذه، فضربه به حتى قتله، ثم احتزَّ رأسه، وجاء به إلى رسول الله r، فقال: يا رسول الله ! هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال رسول الله r : «آللهِ الذي لا إلَهَ إلاّ هو؟» فكررها ثلاثاً، فقال ابن مسعود: نعم، والله الذي لا إله إلاّ هو، ثم ألقى رأسه بين يديه، فقال رسول الله r: «الله أكبرُ، الحمْدُ للهِ الذي صدقَ وَعْدَهُ، ونصَرَ عبدهُ، وأعزَّ دينهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدهُ»، ثم خرَّ النبيّ r ساجداً شكراً لله عزّ وجلّ فركع ركعتين، ثم قال لابن مسعود: انطلق أرنيه، فانطلقا حتى قام عليه رسول الله r، فقال: «الحمْدُ للهِ الذي أخزاك يا عدوَّ اللهِ، هذا كانَ فِرعونَ هذه الأُمَّةِ».

روي عن موسى بن عُقْبَة أن رسول الله r أقبل حتى وقف على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عُرف ذلك من وجهه: فقال: «اللَّهُمَّ ! لا يُعْجزُني فِرعَونُ هذه الأمة»، فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود وذكر الخبر بنحو ما تقدّم وزاد فيه: وأبصر في عنقه جُدَراً وفي يديه وفي كتفيه كهيئة آثار السّياط، فقال النبيّ r: «ذلِكَ ضَربُ الملائكةِ».

وعن جابر، رضي الله عنه، قال: قال أبو جهل بن هشام: إن محمداً يزعم أنكم إن لم تطيعوه كان له منكم ذبح، فقال رسول الله r: «وأنا أقول ذلك، وأنت من ذلك الذِّبْحِ» فلما نظر إليه يوم بدر مقتولاً قال: «اللَّهُمَّ ! قد أنجزتَ لي ما وَعدتني»، وقال لعمّار بن ياسر: «قد قتَلَ اللهُ قاتِلَ أُمِّكَ».


نتيجة معركة بدر

وكان ابتداء المعركة في صباح يوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، وما جاء عصر ذلك اليوم إلاّ والمشركون منهزمون على أعقابهم، بين قتيل وأسير وفارٍ بنفسه، وانجلت المعركة عن سبعين أسيراً من المشركين وسبعين قتيلاً فيهم رؤوس الكفر وزعماؤهم، كأبي جهل، وأميّة بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، ثم أمر الرسول r بقتلى المشركين، فطرحوا في القليب، ثم وقف عليهم يناديهم بأسمائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان.. أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟، هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟.. فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقاً. فقال له  أصحابه: يا رسول الله أتكلّم قوماً موتى؟ فقال لهم: لقد علموا أن ما وعد ربّهم حقاً.

وقد استشهد في هذه الغزوة أربعة عشر رجلاً من الصحابة، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين. انظر جدول الشهداء والقتلى في بدر.

ثم ارتحل النبيّ r صبيحة اليوم التالي عائداً إلى المدينة، ومعه أسرى المشركين والغنائم والأموال التي غنمها المسلمون منهم، فوزّعها النبيّ r على أصحابه، وخصَّ بالقسمة طائفة من الصحابة لم يشهدوا القتال، بعد أن رضي أعذارهم.

وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {ولَقَدْ نصَرَكُم اللهُ ببدرٍ وأنتُمْ أذِلّةٌ فاتّقوا الله لعلَّكُم تَشْكُرون}[آل عمران:123].


تنفيذ حكم الإعدام بالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط بعد بدر

عاد رسول الله r إلى الصّفْراء وهناك أمر بقتل النَّضْر بن الحارث ـ وقيل: قتله بالأُثَيل ـ وكان من أشدّ المشركين إيذاء لرسول الله r، فضرب عنقه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق: وقالت قُتَيْلَة بنت الحارث أخت النّضر بن الحارث تبكيه فذكر أبياتاً منها:

يا راكبــاً إن الأُثَيْــل مَظِنّـــة          من صبح خامسة وأنت موفّق

أبلغ بهــا ميتــاً بــأن تـحيّــة           ما إن تزال بها النّجائب تخفِق

منّي إليك وعـبـرة مسـفوحـة          جـادت بِوَاكِفها وأخرى تخنُق

هل يسمعن النّضر إن ناديتــه         أم كيف يسمع ميّت لا ينطِق

أمحمّد يا خير ضِنء كريـمـــة                في قومها والفحل فحل مُعْرِق

ما كان ضرّك لو مننت وربما                منّ الفتى وهو الْمَغِيظ المُحِنق

قال ابن هشام: فيقال والله أعلم: إن رسول الله r لما بلغه هذا الشّعر قال: «لو بلغني قبل قتله لَمَننتُ عَليه».

وعندما وصل رسول الله r إلى عِرق الظّبْيَة أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلَح أحد بني عمرو بن عوف، رضي الله عنه، أن يضرب عنق عُقبة بن أبي معيط أسير عبد الله بن سلمة أحد بني العجلان. وكان عُقْبَة من أشدّ الناس عداوة لرسول الله r حتى همّ بقتله، وهو الذي وضع سَلا جَزُور على ظهر النبيّ r وهو ساجد.

ويروى أن رسول الله r لما أمر بقتله جعل عُقبة يقول: يا ويلاه ! فلما أبصر عاصماً مقبلاً إليه استغاث بقريش، فنادى بأعلى صوته: يا معشر قريش! مالي أقتل من بينكم صبراً؟ فقال رسول الله r: «بِكُفرِكَ بالله وافترائكَ على رسول الله» ـ وفي لفظ: «على عداوتك للهِ ورسولِهِ ـ فقال عقبة: يا محمّد ! منّك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتَهم قتلتني، وإن مننت عليهم مننت عليّ، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، فأبى رسول الله r، فقال عقبة: مَنْ للصبيّة يا محمّد؟ فقال رسول الله r: «النّارُ، يا عاصِمُ قدِّمْهُ فاضربْ عُنُقَهُ»، فقدّمه فضرب عنقه. ويقال: قتله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.


تهنئة النبيّ r بالنّصر:

ولما وصل رسول الله r إلى الرَّوحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سَلَمة بن سلامة رضي الله عنه، ماالذي تهنئوننا به؟ فوالله إنْ لقينا إلاّ عجائز صُلْعاً كالبُدْن المُعَقَّلة فنحرناها، فتبسّم رسول الله r، ثم قال: «أي ابن أخي! أولئكَ المَلأُ».

وقال أُسَيْد بن الحُضَير: الحمد لله الذي أظفرك وأقرّ عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلّفي عن بدر وأنا أظنّ أنك تلقى عدوّاً، ولكن ظننت أنها عِير، ولو ظننت أنه عدوّ ما تخلّفتُ، فقال رسول الله r: «صدقتَ».

ثم مضى رسول الله r حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم، فدخلها من ثنيّة الوداع مؤيّداً منصوراً قد خافه كلّ عدوّ له بها وحولها، فأسلم حينئذ عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُول وأصحابه نفاقاً.

وكان فراغ رسول الله r من بدر في عقب شهر رمضان أو في شوال، ويقال إنه قدم المدينة يوم الأربعاء لثماني ليال بقين من رمضان.


أمر أسرى بدر

انجلت المعركة عن سبعين أسيراً من المشركين، ولم يكن قد نزل وحيٌ في تفصيل شأن الأسرى بعد، وكانَ النبي r يحب أن يسمع رأي أصحابه فيما هو من أمور المشورة، فجمع رؤوس المهاجرين والأنصار واستشارهم في أمر الأسرى.

عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله r: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعلّ الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله أخرجوك وكذّبوك، قرّبهم واضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وداياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم ناراً. فقال العباس: قطعت رحمك!! فدخل رسول الله r ولم يرد عليهم شيئاً. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج عليهم رسول الله r فقال: إنَّ الله ليليّنُ قلوبَ رجالٍ فيه حتى تكونَ ألين من اللَّبن، وإنَّ الله ليشدّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإنَّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام: قال من تبعني فإنه مني، ومَنْ عصاك فإنّك غفور رحيم، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإنّ مثلك يا عمر كمثل نوح قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، وإنّ مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ربّ اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذابَ الأليم: ثم التفت إلى الأسرى وقال لهم: أنتم عالة فلا ينفلتنّ أحدٌ إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله فقلت يا رسول الله: إلاّ سهيل بن بيضاء فإنّي قد سمعته يذكر الإسلام. قال: فسكت، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ حجارةٌ من السّماء من ذلك اليوم حتى قال: إلاّ سهيل بن بيضاء قال: فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {ما كانَ لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتى يُثخِنَ في الأرضِ تُريدونَ عرضَ الدنيا والله يُريدُ الآخِرةَ والله عزيزٌ حكيمٌ…} إلى قوله: {..عذابٌ عظيمٌ}.

وبذلك فقد كانَ رأيُ النبيّ r رأياً وسطاً بين رأي أصحابه، فأقر العفو ولكن شرط الفداء، وجاء المشركون من قريش إلى النبي r في فداء أساراهم وكان غالبُ ما يدفعون للفداء من أموال المهاجرين التي خلّفوها في مكّة فسرقتها قريش!..

ثم نودي أنّ من لم يجد مالاً من أسرى المشركين، ففداؤه أن يعلّم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة، وكان القرّاء والكتّاب في مكّة أكثر منهم في المدينة، وذلك بسبب الأهمية التاريخية لمكّة.

ولـمّا تمَّ إطلاق الأسرى نزل القرآن العظيم بالآيات السابقة مؤيداً رأي عمر فيما رآه من قتل الأسرى.


فداء سهيل بن عمرو بعد بدر

كان سُهيل بن عمرو خطيباً مفوّهاً وكان يشتد في حرب الإسلام، وجمع الجيوش لمحاربة المسلمين في المدينة، وفي بدر خرج مع قريش فوقع أسيراً في أيدي الصحابة فقال عمر رضي الله عنه، لرسول الله r: يا رسول الله ! دعني أنزع ثَنِيَّتَي سهيل بن عمرو يَدْلَع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فأبى رسول الله r خوفاً من بطش الله يوم القيامة فقال: «لا أُمَثّلُ به فَيُمَثِّلُ اللهُ بي وإنْ كنتُ نبيّاً»، ثم قال له: «إنَّه عسى أنْ يقومَ مقاماً لا تَذُمُّهُ». فلما توفّي رسول الله r همّ أكثر أهل مكّة بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، فقام سهيل بن عمرو عند الكعبة فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله r وقال: يا معشر قريش: كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أول من كفر ثم قال: إن قوماً قد ارتدوا وفارقوا، فلم يزد ذلك الإسلام إلا قوة، فمن رابَنا ضربنا عنقه، فتراجع النّاس وكفّوا عما همّوا به، فهذا المقام الذي أراد رسول الله r في قوله لعمر رضي الله عنه.


فداء العباس بعد بدر

كان العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول الله r قد خرج مع قريش يوم بدر، فوقع في الأسر مع أسارى قريش، وكان قد شُدّ وثاقه في بعض الليالي فأنّ، فسهر النبي r تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك يا نبيّ الله ؟ فقال: «أنِينُ العبّاسِ»، فقام رجل فأرخى من وثاقه، فقال رسول الله r: «ما لي لا أسمعُ أنِينَ العبّاسِ؟» فقال الرجل: إني أرخيت من وثاقه شيئاً، قال: «فافْعَلْ ذلكَ بالأَسارَى كُلِّهم».

وكان العبّاس رجلاً طوالاً، فلما أتي به أسيراً إلى المدينة طلبت الأنصار ثوباً يلبسونه، فلم يجدوا قميصاً يصلُح عليه، إلاّ قميص عبد الله بن أُبيّ ابن سلُول، فكساه إيّاه، فلذلك كفّن رسول الله r ابن أبيّ في قميصه مكافأة له لما فعل بالعبّاس.

وجعل رسول الله r فداء العبّاس أربعمائة دينار، وقيل مائة أوقية أو أربعين أوقية من ذهب، وجعل عليه فداء ابن أخيه عَقِيل بن أبي طالب ثمانين أوقية. فكان العبّاس أكثر الأسارى فداء وذلك لأنه كان رجلاً موسراً.

ويروى أن النبي r قال له: «افدِ نفسكَ يا عبَّاسُ»، فقال العبّاس: يا رسول الله ! إني كنت مسلماً قبل ذلك، إنما استكرهوني، فقال رسول الله r: «اللهُ أعلمُ بإسْلامِكَ، فإنْ يَكُنْ كما تقولُ فاللهُ يَجزِيكَ، فافدِ نفسَكَ وابنَي أخَوَيكَ نَوْفَلَ بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفَكَ عُتبَةَ بن عمرو بن جَحْدَمٍ أخا بني الحارث بن فِهرٍ»، فقال العبّاس: يا رسول الله ! تركتني أسأل الناس ما بقيت ـ وفي لفظ: أللقرابة صنعت بي هذا؟ لقد تركتني فقير قريش ما بقيت ـ فقال له رسول الله r: «فأين الذهبُ يا عبّاسُ؟»، قال العبّاس: أيّ ذهب؟ قال: «الذي دفنتَ أنت وأم الفضل بنادِقَ الذَّهبِ، ثم أقبلتَ إليَّ وقُلتَ لها: إنْ قُتِلْتُ تركتُكِ غنيَّة ما بقيتِ، وإن رجعتُ فلا يهمَّنَّكِ شيء؟» ـ فقال العبّاس: والله يا رسول الله إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، إنّ هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، وما أخبرك بهذا إلاّ الله تعالى، فاحسُب لي يا رسول الله ما أصبتم منّي عشرين أوقية من مالك كان معي لـمّا أُسرت، فقال رسول الله r: «لا، ذاكَ شَيءٌ أعطانَا اللهُ تعالى مِنكَ».

ففدى العبّأس، رضي الله عنه، نفسه وابني أخويه وحليفه، ويقال إنه لم يفد إلاّ نفسه وابن أخيه عقيلاً فقط، ففي رواية أن رسول الله r قال لابن عمه نَوْفَل بن الحارث: «افدِ نفسكَ يا نوفل»، فقال: ما لي شيء أفد به يا رسول الله ، قال: «افدِ نفسكَ برِماحِكَ التي بجُدَّة»، فقال: والله ما علم أحد أن لي بُجدَّة رماحاً بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله ، ففدى نفسه، وكانت ألف رمح.

ويروى أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله r، فقالوا: يا رسول الله ! ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عبّاس فداءه، فقال: «لا تَدَعوا مِنها دِرْهَماً».


إسلام عُمير بن وَهْب رضي الله عنه بعد بدر

وكان في أسارى بدر وَهْب بن عُمَير رضي الله عنه ـ فإنه أسلم بعد ذلك ـ أسره رِفاعَة بن رافع الزُّرَقي، رضي الله عنه، وكان أبوه عُمير شيطاناً من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله r وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكّة، فجلس يوماً من  صَفْوان بن أُميّة في الحِجر بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير، فتذاكرا أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش بعدهم خير، فقال عُمير: صدقت والله، أما والله لولا دَين عليّ ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعَة بعدي، لركبت إلى محمّد حتى أقتله، فإن لي قِبَلهم عِلّة، ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دَينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أُواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجِز عنهم، فقال له عمير: فاكتُم عني شأني وشأنك، قال: أفعل، ثم أمر  عمير بسيفه فشُحِذَ له، وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في نفر من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم به من عدوّهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشّحاً السيف، فقال: هذا الكلب عدوّ الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشرّ، وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله r، فقال: يا نبيّ الله ! هذا عدوّ الله عمير بن وهب قد جاء متوشّحاً سيفه، قال: «فأدخلْهُ عليَّ»، فأقبل عمر حتى أخذ بِحَمَالة سيفه في عنقه فلَبَّبَه (فجره) بها، وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله r، وعمر آخذ بحمالَة سيفه في عنقه، قال: «أرْسِلهُ يا عُمَرُ، ادنُ يا عُمَيْرُ»، فدنا، ثم قال: أنعِموا صباحاً ـ وكانت تحيّة أهل الجاهليّة بينهم ـ فقال رسول الله r: «قد أكرَمَنا اللهُ بتحيَّةِ خيرٍ مِن تحيّتك يا عُمَير، بالسّلام تحيَّة أهلِ الجنَّةِ»، فقال: أما والله يا محمّد إنْ كنتَ بها لحديث عهد، قال: «فما جاء بكَ يا عُمَيْرُ؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسِنوا فيه، قال: «فما بال السيفِ في عُنُقِكَ»، قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنّا شيئاً؟ قال: «اصدقني، ما الذي جِئتَ لهُ؟» قال: ما جئت إلاّ لذلك، قال: «بل قعدْتَ أنتَ وصفوانُ بن أميَّة في الحِجْر فذكَرْتُما أصحاب القليب من قُريش، ثم قلتَ: لولا دَيْنٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجْتُ حتى أقتلَ محمَّداً، فتحمَّلَ لكَ صفوانُ بنُ أميّة بدَينكَ وعيالك على أن تقتلني لَهُ، واللهُ حائِلٌ بينكَ وبين ذلِكَ». قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنّا يا رسول الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلاّ أنا وصفوان، فوالله إني أعلم ما أتاك به إلاّ الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهِد شهادة الحقّ، ففرح المسلمون حين هداه الله وقال عمر: لخنزير كان أحبّ إليّ منه حين طلع، وهو اليوم أحبّ إليّ من بعض بَنِيَّ، فقال رسول الله r: «فَقِّهوا أخاكُم في دينه، وأقرئُوهُ القرآنُ، وأطلِقوا له أَسيرهُ، ففعلوا. ثم قال عمير: يا رسول الله ! إني كنت جاهداً على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، عزّ وجلّ، وأنا أحبّ أن تأذن لي فأقدَم مكّة، فأدعوهم إلى الله تعالى وإلى رسوله r وإلى الإسلام، لعلّ الله يهديهم وإلاّ آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله r، فلَحِقَ بمكّة، وكان صفوان بن أميّة حين خرج عمير يقول: أبشروا بواقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عن الرُّكبان، حتى قدم راكب فأخبره أن عميراً قد أسلم، فحلف أن لا يكلّمه أبداً، ولا ينفعه بنفع أبداً.

فلما قدم عمير مكّة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذىً شديداً، فأسلم على يديه ناس كثير.


أسباب النصر في معركة بدر

انتهت غزوة بدر، بنصر ساحقٍ للمسلمين وصارتْ عيداً يذكر النّاس فيه نعمةَ الله وفضله، ولكنَّ هذا النصر لم يكن عبثاً بل كان ثمرة الجهاد والصبر والطاعة والاستقامة، وبمقارنةٍ بسيطة تفهم أن أهمَّ أسباب نصر المسلمين:

1ـ أن المسلمين يقاتلون بحماس بالغ دفاعاً عن عقيدة حق واضحة محكمة، والمشركون يقاتلون دفاعاً عن حميّة الجاهليّة وشرف الأصنام التي يعلمون أنّها لا تضرّ ولا تنفع.

2ـ المسلمون كانت لهم قيادة واحدة حكيمة مُطَاعة، أما المشركون فلم تكن لهم قيادة واحدة، ولا خطة محكمة..

3ـ كان موقع الجيش الإسلامي عند ماء بدر سبباً في وهن قوة المشركين الذين أربكهم فقدان الماء، وهي الخطة  التي أشار إليها الحباب بن المنذر.

4ـ لم يخرج المشركون بنفسية المحارب المكافئ بل استهانوا بعدد المسلمين وعدتهم وبدؤواً قتالهم كالمستهزئ العابث وكانت معهم المغنيات والقيان فأدركتهم صدمة المفاجأة مما أدى إلى اختلال قواهم.


وفاة رقية بنت النبي r

وعاد  النبي r إلى المدينة بعد نصره في معركة بدر أواخر رمضان من السنة الثانية للهجرة، واستقبل أحسن استقبال، ولكن كان على موعد مع القدر، إذ شاء الله سبحانه أن تتوفى رقية بنت رسول الله r.

وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد تأخر عن وقعة بدر بأمر رسول الله r ليقوم بتمريض رقية التي كانت قد دخلت المرض.

وبالفعل عاد رسول الله r ليجد زينب على فراش الموت وقد ودعها بدموع عينيه، رحمها الله ورضي عنها.

وتعتبر رقية عليها رضوان الله شهيدة من أعظم شهداء الإسلام إذ أصابها المرض نتيجة قيام هبار بن الأسود بنخس دابتها وهي في طريق الهجرة، وذلك مما لقيته في سبيل الله.


زواج علي بفاطمة رضي الله عنها

في ذي الحجة من السنة الثانية دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بفاطمة وكان قد خطبها في صفر من السنة نفسها، وكانت سنها يوم بنى بها ثمان عشرة سنة، وسن علي رضي الله عنه أربع وعشرون سنة.

أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد أنه جاء أبو بكر ثم عمر، رضي الله عنهما، يخطبان فاطمة إلى النبي r، فسكت ولم يرجع إليهما شيئاً ـ ويقال إنه أعرض عنهما، أو قال لكل منهما: «إنّها صغيرة». وكان ينتظر نزول القضاء ـ فانطلق أبو بكر وعمر إلى عليّ يأمرانه بطلب فاطمة، قال عليّ: فنبّهاني لأمر، فقمت أجرّ ردائي، طرف على عاتقي وطرف آخر على الأرض، حتى أتيت النبي r فقلت: تزوّجني فاطمة؟ قال: «وما عِندَكَ؟» فقلت: فرسي وبَدَني، يعني دِرعي، قال: «أمّا فرسُكَ فلا بُدَّ لكَ مِنها، وأمَّا بدَنُكَ فبِعْها»، قال عليّ: فبعتها بأربعمائة وثمانين درهماً، فأتيت النبي r فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: «يا بلالُ! ابْغِنا بِها طيباً». ـ وفي رواية أنه أمر أن يجعل ثلثي الأربعمائة والثمانين في الطّيب وثلثاً في الثياب، وأنه قال: «أكثروا الطِّيب لِفاطمةَ فإنها امرأة من النساءِ ـ.

وعن علي رضي الله عنه، قال: خُطبت فاطمة إلى رسول الله r، فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خُطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله r فيزوّجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوّج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله r زوّجك، قال: فوالله ما زالت تُرَجِّيني حتى دخلت على رسول الله r، وكان لرسول الله r جَلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أُفْحِمت، فوالله ما استطعت أن أتكلّم، فقال رسول الله r: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكتُّ، فقال: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكتُّ، فقال: «لعلَّكَ جئتَ تخطبُ فاطِمَةَ»، فقلت: نعم، فقال: «وهل عندك من شيء تستَحِلُّها به؟» فقلت: لا والله يا رسول الله ، فقال: «ما فَعَلَتْ دِرْعٌ سَلَّحْتُكَها؟» ـ فوالذي نفس عليّ بيده إنها لَحُطَمِيَّة.. فقلت: عندي، فقال: «قدْ زوّجتُكَها، فابعثْ إليها بِها فاستحِلَّها بِها». فإنها كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله r .

وجاء في روايات أخرى أن عليّاً، رضي الله عنه، لما أراد أن يخطب إلى رسول الله r ابنته، قال: ما لي من شيء فكيف؟ ثم إنه ذكر صلته وعائدته، فأتاه، فقال: «ما حاجَةُ ابن أبي طالبٍ؟» قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله r، قال: «مَرْحباً وأهلاً»، فخرج عليّ على رهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: «مَرْحباً وأهلاً»، قالوا: يكفيك من رسول الله إحداهما، أعطاك الأهل، أعطاك المرحب.

قال أنس: فدعاني عليه الصلاة والسلام بعد أيام، فقال: «ادعُ لي أبا بكرٍ وعُمَر وعُثمانَ وعبد الرحمن وعِدَّةٌ منَ الأنصارِ»، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم، وكان عليّ غائباً، فقال r: «الحمدُ للهِ المحمودِ بنعمتهِ، المعبود بقدرته، المُطاعِ المرهوبِ من عَذابِه وسَطْوَتِه، النّافِذِ أمُرُه في سمائِهِ وأرضِهِ، الذي خلق الخلقَ بقُدرتِه، وميَّزهم بأحكامهِ، وأعزَّهُم بدينه، وأكرَمَهُم بنبيِّه مُحمّدٍ r. إن الله تبارك اسمه، وتعالى عظمتُه، جعَلَ المُصاهرَةَ سبباً لاحِقاً وأمراً مُفترضاً، أوشجَ به الأرحامَ، وألزَمَ به الأنامَ، فقال عزَّ مِن قائل: {وهو الذي خلقَ منَ الماءِ بشراً فجعَلَهُ نسباً وصهراً}[الفرقان:54]، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاءٍ قدرٌ، ولكلِّ قَدَرٍ أجَلٌ، ولكلِّ أجَلٍ كتابٌ {يَمحُو الله ما يشاء ويُثبتُ وعندهُ أمّ الكتاب}[الرعد:39]، ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطِمَة من عليّ بن أبي طالب، فاشهدوا أَنِّي قد زوّجته على أربعمائة مِثقَالٍ فَضَّةٍ إنْ رضَي بذلكَ عليٌّ».

ثم دعا r بطبَقٍ من بُسْر، ثم قال: «انتبهوا»، قال أنس: فانتبهنا، ودخل عليّ فتبسّم النبي r في وجهه، ثم قال: «إنَّ اللهَ، عزّ وجلّ، أمرَني أن أُزوّجك فاطمةَ على أربعمائةِ مثقالِ فضّةٍ، أَرَضِيتَ بذلك؟» فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «جَمَعَ الله شملكما، وأعزَّ جدّكُما، وباركَ عليكُما، وأخرجَ منكُما كثيراً طيّباً». قال أنس: فوالله لقد أخرج منهما الكثير الطيِّب.

وولدت فاطمة لعلي رضي الله عنهما، الحسن والحُسين ومُحَسِّن، فذهب مُحَسِّن صغيراً، وولدت له أمّ كلثوم وزينب.

روي عن عليّ رضي الله عن، قال: لما ولد الحسن سمّاه حمزة، فلما ولد الحسين سمّاه بعمّه جعفر، قال: فدعاني رسول الله r، فقال: «إنِّي أُمِرتُ أنْ أُغيِّرَ اسمَ هذين»، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسمّاهما حسناً وحسيناً.

وعنه أيضاً قال: لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي r فقال: «أَرُوني ابني ما سمَّيْتُموهُ؟» قال: قلت: سميّته حَرْباً، قال: «بل هو حسنٌ»، فلما ولد الحسين جاء رسول الله r، فقال: «أرُوني ابنِي ما سمَّيْتُموهُ؟» قال: قلت: سميّته حرباً، فقال: «بل هو حُسَينٌ» ثم لما ولدت الثالث جاء رسول الله r، فقال: «أرُوني ابنِي ما سمَّيْتُموهُ؟» قلت: سميّته حرباً، فقال: «بل هو مُحَسِّنٌ»، ثم قال: «إنَّما سَمَّيْتُهم باسم وَلَدِ هارُونَ: شَبَّرَ وشَبِيراً ومُشَبِّراً».

ولم يتزوّج علي رضي الله عنه عليها حتى ماتت، وذلك بعد وفاة النبي r بستة أشهر، فتزوّج بعدها أُمامَة بنت أُختِها زينب رضي الله عنهما بوصيّة من فاطمة، رضي الله عنها، بذلك.

وكانت وفاة فاطمة رضي الله عنها لثلاث ليال خلون من رمضان من السنة الحادية عشرة للهجرة وسنها يومئذ تسع وعشرون سنة.


غزوة بني قينقاع

كان رسول الله r قد عاهد اليهود منذ بداية عهده في المدينة، أن لهم حق المواطنة في المدينة من غير أن يؤذوا أحداً من المسلمين أو يتآمروا مع أعدائهم، ولكنَّ اليهود كما يعرف من تاريخهم، تشرّبوا الغَدْرَ والخيانة ونقض العهود والمواثيق، فظهرت بوادر المكر والغدر وتوعّدوا رسول الله بعد النصر في معركة بدرٍ فقالوا له: (يا محمّد لا يغرّنّك أنَّك لقيتَ قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبتَ منهم فرصةً، إنّا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن النّاس).

وفي شهر شوال من السنة الثانية للهجرة حاول صائغ يهودي كشف ستر امرأةٍ مسلمة، فاستجارت بالمسلمين، فثار رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله، فقامت يهود فقتلت ذلك المسلم الذي انتصر لامرأةٍ مظلومة، فخرج رسول الله r إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة ختى نزلوا على حكمه r .

وجاء عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان من زعماء الخزرج، وقد أظهر الإسلام مكراً وخبثاً لـمّا خشي ضياع زعامته وفوات مصالحه، وكان عبد الله حليفاً لبني قينقاع، فجاء إلى النبي r يستشفع لهم، ورأى النبيّ r أن يقبل شفاعته بهم حقناً للدماء، ورجاءَ أن يحسن إسلام عبد الله بن أبي، وتستقيم أحواله.

وحكم النبي r بإجلائهم عن المدينة، وأمهلهم ثلاثة أيام، ووكل بإخراجهم منها عُبادة بن الصّامت، رضي الله عنه، فجعلت بنو قينقاع تقول: يا أبا الوليد! من بين الأوس والخزرج ـ ونحن مواليك ـ فعلت هذا بنا؟ فقال عُبادة لهم: لَمّا حاربتم جئت إلى رسول الله r فقلت: يا رسول الله ! أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ إليك من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ـ وكان ابن أبيّ وعُبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف ـ فقال عبد الله بن أُبيّ له: تبرّأت من حلف مواليك؟ ما هذه بيدهم عندك، فذكّره مواطن قد أبلوا فيها، فقال عُبادَة: أبا الحُباب ! تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمعتصم بأمر سترى غِبَّه غداً. ففيه وفي عبد الله بن أُبيّ نزلت القصّة من سورة المائدة: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا اليهودَ والنصَارى أولياءَ بعضهُم أولياء بعض ومن يتولّهُم منكم فإنّه منهُم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرةٌ فعَسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عندِه فيصبِحُوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين، إنّما وليكم الله ورسولُهُ والذين آمنوا الذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم راكعون، ومن يتولّ اللهَ ورسولَهُ والّذين آمنوا فإنَّ حزب اللهِ همُ الغالِبونَ}[المائدة:51-56].

فأمرهم عُبادَة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفُّس، فقال لهم: ولا ساعة من نهار، لكم ثلاث لا أزيدكم عليها، هذا أمر رسول الله r، ولو كنت أنا ما نفَّستكم. فلما مضت ثلاث خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى خيبر المعقل الأساسي لليهود في الجزيرة العربية.

ولم يحصل في هذه الغزوة أيضاً أي قتال.

وغنم رسول الله r ما كان لهم من مال، ولم تكن لهم أرضون ولا مزارع، إنما كانوا صاغة، ووجدوا في حصونهم آلة الصياغة وسلاحاً كثيراً، فأخذ رسول الله r منها ثلاث قِسِيّ: قوساً تدعى الكَتُوم ـ لأنه لا يُسمع لها صوت إذا رمي بها ـ كُسرت يوم أحد، وقوساً تدعى الرَّوْحاء، وقوساً تدعى البيضاء، وأخذ درعين: يقال لها الصَّغْدِيّة، وأخرى فِضّة، وثلاثة أسياف: سيف قَلَعِيّ، وسيف يقال له بَتَّار، وسيف آخر يدعى الحَتْف، وثلاثة رماح، وخمّس رسول الله r غنائمهم، فأخذ صفّيه والخُمُس، وفضّ أربعة أخماس على أصحابه، فكان أوّل خمس خُمِّس بعد بدر، وكان الذي ولي قبض أموالهم محمّد بن مَسْلَمة رضي الله عنه.


غزوة السّويْق

غزا أبو سيفان بن حرب غزوة السَّويق في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، وكان أبو سفيان حين رجع إلى مكّة، ورجع فَلّ (القوم المنهزمون) قريش من بدر نذر أن لا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمّداً r ويثأر لأصحابه، فخرج في مائتي راكب من قريش ـ وقيل في أربعين راكباً ـ لِيُبِرّ يمينه، فسلك النَّجديّة، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثَيْب، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النَّضِير تحت الليل، فأتى حُيَيّ بن أخطب، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سّلاّم بن مِشْكَم، وكان سيّد بني النَّضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقراه وسقاه خمراً، وأخبره من أخبار رسول الله r، ثم خرج في عقِب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالاً من قريش فأتوا ناحية من المدينة يقال لها العُرَيْض، فحرّقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلاً من الأنصار، يقال هو مَعْبَد بن عمرو، وحليفاً له في حَرْث لهما فقتلوهما، ثم ولّوا هاربين.

فبلغ ذلك رسول الله r، فخرج في أثرهم يطلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار، واستعمل على المدينة أبا لُبابة بشير بن عبد المنذر، وكان خروجه يوم الأحد لخمس خلون من ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة.

وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جُرَب السّويق، وهي عامة أزوادهم، يتخفّفون منها للنّجاء، وبلغ رسول الله r قَرْقَرَة الكُدْر، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وكانت غيبته خمسة أيام. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله r: يا رسول الله ! أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: «نعم».

وإنما سُمّيت غزوة السّوِيق لأن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السّوِيق، فرجع المسلمون بِسَويق كثير فسمّيت بذلك.

ولم يحصل في هذه الغزوة أيضاً أي قتال.


أهم أحداث السنة الثالثة للهجرة

1ـ ظهور النفاق في مجتمع المدينة.

2ـ قتل غراب الحرب اليهودي الماكر: كعب بن الأشرف.

3ـ خروج قريش للإنتقام من المسلمين.

4ـ وقعة أحد.

5ـ استشهاد حمزة ومصعب وسبعين من الصحابة في أحد.

6ـ غزوة حمراء الأسد.

 

نتائج بدر على قريش

مضت السنةُ الثانية وفيها تحددت هوية الجماعة المسلمة، والتزموا قبلتهم في مكة إلى المسجد الحرام، وبدأ تشريع الأحكام، ففرض صيام رمضان، وصدقة الفطر، وشرّعت صلاة العيدين، غير أن الحدث الأبرز فيها كان (غزوة بدر) فقد كانت الحد الفاصل بين الحق والباطل، وتسامع العرب بأنّ قريشاً وهي أعزّ حيّ في العرب قد انثلمت رايتها، وكسرت شوكتها أمام المسلمين، ولم يكن هذا ليرضي غرور قريش وكبرياءها، وعادت الثكالى والأرامل من نساء قريش تبكي قتلاها السبعين، بقصائد الرثاء المثيرة، التي كتبها شعراء قريش في قتلى بدر، وأخذت قريش تعد العدة لمعركة جديدة. وكان رسول الله r يسعى جاهداً لتجنّب اللقاء مع قريش، وسفك الدّمَاء.

وكانت غارته على بني قينقاع من أجل أن يدرأ ذلك، إذ بلغه أنّهم يتحالفون مع قريش لحرب النبيّ r، وظهر مكرهم وغدرهم عند اعتدائهم على المرأة المسلمة.


غزوة بني سليم المحرم 3هـ

وكان سببها أن قبائل من سُلَيْم وغَطَفَان حشدت قواتها لغزو المدينة في موضع يقال له قَرْقَرة الكُدْر، فلما بلغ الخبر رسول الله r خرج إليهم في مائتي رجل من أصحابه، واستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفَطَة الغِفاريّ أو ابن أمّ مَكتُوم، ودفع لواءه إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

فسار إليهم رسول الله r حتى بلغ ماء من مياههم يقال له الكُدْر، فأقام عليه ثلاث ليال،  فلم يلق أحداً من سُلَيْم وغَطَفَان، فأرسل النبيّ r نفراً من أصحابه في أعلى الوادي، واستقبلهم رسول الله r في بطن الوادي غير أن القوم تفرقوا في كل وجه بعد أن تركوا أغنامهم وإبلهم فغنمها رسول الله r وقسمها بين المسلمين وكانت النَّعَم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وكان غياب رسول الله r خمس عشرة ليلة.

وكانت هذه الغزوة في نصف المحرم من السنة الثالثة للهجرة، وقيل في أول شوال بعد بدر بسبعة أيام أي في السنة الثانية للهجرة. وتسمى هذه الغزوة (قَرْقَرَة الكُدْر).


غزوة ذي أمَرَّ (أَنْمَار) المحرم 3هـ

وسببها أن جمعاً من بني ثَعْلَبة بن سعد من غَطَفان، ومن بني محارب بن خَصَفَة قد تجمعوا بذي أَمَرّ في نَجْد يريدون الإغارة على أطراف المدينة، جمعهم رجل منهم يقال له دُعْثُور بن الحارث المُحارِبيّ، فلما بلغ الخبر رسول الله r ندب المسلمين وخرج في المحرم من السنة الثالثة للهجرة في أربعمائة وخمسين رجلاً، ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، فأصابوا في الطريق رجلاً منهم يقال له جَبَّار من بني ثعلبة، فأُدخل على رسول الله r فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك، ولو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال، فدعاه رسول الله r إلى الإسلام فأسلم، فضمّه إلى بلال، رضي الله عنه، وأصبح دليلاً للمسلمين إلى غَطَفَان. فلما وصلوا إلى مكان تجمعهم لم يجدوا أحداً وكانوا قد تفرّقوا في رؤوس الجبال فأقام رسول الله r بنَجْد صفراً كلّه، أو قريباً من ذلك، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً.

وأسلم في هذه الغزوة دُعْثُور بن الحارث الذي كان قد جمع قومه لمحاربة النبيّ r، فقد روي أن مطراً أصاب المسلمين في تلك الغزوة، فنزع رسول الله r ثويبه ونشرهما ليجفّا وألقاهما على شجرة، واضطجع، فجاء دُعْثُور ومعه سيف حتى قام على رأس رسول الله r، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله r: «الله!» ودفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله r وقال له: «مَنْ يمنَعُكَ مِنِّي؟» قال: لا أحد! أشهد أن لا إلـه إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله! فأعطاه رسول الله r سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه فقال: والله لأنت خير منّي، فقال رسول الله r: «أنا أحَقُّ بذلِكَ مِنكَ»، فأتى قومه، فقالوا: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟ قال: قد كان والله ذلك رأيي، ولكن نظرت إلى رجل أبيض طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه مَلَك، وشهدت أن محمّداً رسول الله، والله ا لا أكثّر عليه، ثم جعل يدعو قومه إلى الإسلام. ونزلت هذه الآية فيه: {يا أيّها الذينَ آمنوا اذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ علَيكُم إذْ هَمَّ قومٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُم أَيْديهم..}.


قتل كعب بن الأشرف

كان كعب بن الأشرف من كبار أثرياء يهود، وقد حضر إلى المدينة مرابياً مستغلاً ماكراً، ولم يدخل مع النبيّ r في أيِّ حلفٍ، ولم يخف كذلك بغضه وحربه على الإسلام، بل إنه مضى إلى قريش في مكّة، يشجعها على غزو المدينة، ويعدها بالنصرةِ والمدد.

ولم يكن رسول الله r بالذي يغفل عن مثل هذا المكر، فيفجأه العدو في عقر داره، بل أرسل r إلى كعب بن الأشرف محمّد بن مسلمة وأبا نائلة وهو أخو كعب من الرضاع، فقتلاه في داره التي كانَ يحيك فيها المؤامرات؛ وبموت هذا الغادر الفاجر، انتهى خطرٌ عظيم، كان يهدد يهود المدينة بحربٍ كانت وشيكة الوقوع..

ولم يبق في المدينة بعد جلاء بني قينقاع ومقتل كعب إلاّ مسلم متبع، أو يهوديّ معاهد.


غزوة بـحْران جمادى الأولى 3هـ

ذكر ابن سعد أن سببها بلوغ النبيّ r أن بِبُجران جمعاً كثيراً من بني سُلَيْم، فخرج r في ثلاثمائة رجل من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتُوم، رضي الله عنه، وأحثّ السير حتى بلغ بُحران، فوجدهم قد تفرّقوا في مياههم، فرجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، وكانت غيبته عشر ليال.


سرية القِرَدَة

أرسل النبيّ r هذه السرية في أواخر السنة الثالثة للهجرة، وكان سببها أن قريش قامت بتحويل طريق تجارتها عن جهة المدينة، وصارت القوافل تمرّ عبر طريق العراق في خفية وجبن، كما يفعل أي سارق بالمتاع المسروق، ولم يغفل رسول الله r عن ذلك، فأرسل زيد بن حارثة في مائة فارس، فاستولوا على قافلةٍ لهم، وهربّ أبو سفيان وصفوان بن أميّة، وكانت هذه أهم قافلة يستولي عليها المسلمون حتى ذلك الوقت إذ كان فيها مال كثير وفضة كثيرة وفوق ثلاثين ألف درهم، وسميت هذه السريّة سريّة القردة.


زواج أم كلـثـوم بنت النبيّ r

لما توفّيت رُقَيّة بنت رسول الله r تزوج عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، أم كُلْثُوم بنت النبيّ r، وكانت بكراً، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأُدخلت عليه في جمادى الآخرة من السنة نفسها.

وقد كان عمر بن الخطاب عرض على عثمان، رضي الله عنهما، ابنته حَفْصة، رضي الله عنها، فأبى، فلقيه النبيّ r وهو مغموم فقال: «مَا شَأنُكَ يا عُثْمانُ؟» قال: بأبي أنت يا رسول الله وأمّي، هل دخل على أحد من الناس ما دخل عليّ؟ توفيت بنت رسول الله r، رحمها الله، وانقطع الصهر فيما بيني وبينك إلى آخر الأبد، فقال رسول الله r: «أَتَقُولُ ذلِكَ يا عُثمانُ؟ وهذا جبريل، عليه الصلاة والسلام، يأمُرُني عن أمرِ اللهِ، عزّ وجلّ، أنْ أُزَوِّجَك أُخْتَها أُمّ كُلْثُومٍ على مِثْل صَداقها وعلى مِثْلِ عُدَّتها». فزوّجه رسول الله r إيّاها، وأمر أمّ أيمن أن تجهّزها فقال لها: «هَيِّئي ابْنَتي أُمّ كُلْثُومٍ وزُفِّيها إلى عُثْمانَ، وخَفِّقِي بينَ يديْهَا بالدُّفّ»، ففعلت. فجاءها النبيّ r بعد ثلاث فسألها: «كَيْفَ وَجَدْتِ بَعْلَكِ؟» فقالت: هو خير بعل، فقال النبيّ r: «أمّا إنَّه أشْبَهُ النَّاسِ بِجدِّكِ إبراهيمَ وأبيكِ مُحمَّدٍ».

ويروى أن رسول الله r قال لعثمان حين زوّجه أمّ كُلْثُوم رضي الله عنهما: «لو أنَّ عِندِي عَشْراً لَزَوَّجْتُكَهُنَّ واحِدةً بَعدَ واحِدَةٍ، فإنِّي عنكَ راضٍ».


زواج النبيّ r من حَفْصة رضي الله عنها

وفي شعبان من السنة الثالثة للهجرة تزوّج رسول الله r حَفْصَة بنت عمر بن الخطّاب، رضي الله عنهما، بعد أن انقضت عدّتها من زوجها خُنَيْس بن حُذافة السَّهْمِيّ، رضي الله عنه، الذي كان قد توفي عنها مرجعه من بدر، ولم تلد له، وأصدقها رسول الله r أربعمائة درهم.

وكان عمر، رضي الله عنه، حين تَأيّمَتْ حفصة من زوجها عرضها على عثمان بن عفان، فقال له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، ثم قال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقي عمر أبا بكر، فقال له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليه شيئاً، فكان عمر عليه أَوْجَد منه على عثمان. فلبث ليالي، ثم خطبها رسول الله r، فأنكحها إياه ـ وفي رواية: أن عمر أتى النبيّ r فشكاه عثمان، فقال النبيّ r: «قدْ زوّج اللهُ عثْمانَ خيراً مِنْ ابنَتِكَ، وزَوّجَ ابنَتَكَ خيراً مِنْ عُثْمانَ» فتزوّج رسول الله r حفصة، وزوّج أم كلثوم من عثمان بن عفّان رضي الله عنهما ـ قال عمر رضي الله عنه: فلقيني أبو بكر، فقال: لعلّك وَجَدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك، قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلاّ أني قد علمت أن رسول الله r قد ذكرها فلم أكن لأُفشي سرّ رسول الله r ولو تركها لقبلتها.

توفيت حفصة، رضي الله عنها، في شعبان سنة خمس وأربعين، أو إحدى وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، وهي يومئذ ابنة ستين سنة أو ثلاث وستين سنة، فصلّى عليها مروان بن الحَكَم، وهو يومئذ عامل المدينة، ثم تبعها إلى البقيع، وجلس حتى فُرغ من دفنها، وكان نزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر.


زواج النبيّ r من زينب بنت خزيمة رضي الله عنها

تزوّج رسول الله r في شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة زَيْنَب بنت خُزَيمة الهِلاليَّة من بني عامر بن صَعْصَعَة، وكانت تسمّى أمّ المساكين لرحمتها إيّاهم ورِقّتها عليهم.

وكانت عند الطُّفيل بن الحارث فطلّقها، فتزوّجها عُبيدة بن الحارث، فقتل عنها يوم بدر شهيداً. وقيل: كانت قبل عبيدة عند ابن عمها جَهْم بن عمرو بن الحارث، كما قيل: كانت قبل رسول الله r عند عبد الله بن جحش، فقُتل عنها يوم أُحُد شهيداً، فخطبها رسول الله r فجعلت أمرها إليه ـ ويقال زوّجه إيّاها قُبَيْصة بن عمرو الهلاليّ، وأصدقها رسول الله r أربعمائة درهم. فلم تلبث عنده r إلاّ يسيراً حتى توفّيت في آخر شهر ربيع الآخر من السنة الرابعة للهجرة، وكان عمرها يومئذ ثلاثين سنة أو نحوها، فصلّى عليها رسول الله r، ودفنها بالبقيع، وكان إخوة لها ثلاثة قد نزلوا في حفرتها.


غزوة أُحُد

مضى عام كامل بعد بدرٍ، وقريش لا يغمض لها جفن، ولا ترقد لها عين، وهي تعدّ العدّة للانتقام من النبيّ r ..

وفي أوّل شوال من السنة الثالثة خرجت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، في ثلاثة آلاف مقاتل من قريش وحلفائها من الأحابيش، فكتب عمّ النبيّ r العبّاس بن عبد المطلب إلى النبيّ r بخبره بما صنعت قريش، ولم يكن العبّاس قد أظهر إسلامه بعد.

فأرسل النبيّ r من يستطلع أخبار قريش، فأخبروه بمنزلهم في وادي أحد، وقدّروا له أعدادهم، فأمر النبيّ r بحراسة المدينة.

استشارة النبيّ r للصحابة قبل أحد

ثم استشار النبيّ r أصحابه، فكان رأي أهل السنّ منهم عدم الخروج من المدينة، ورغِبَ النبيّ r في ذلك، فأهل المدينة أعرف وأقدر على حمايتها وهم داخلها، وقال النبيّ r : «امكثوا في المدينة، واجعلوا النّساءَ والذَّرارِيّ في الآطامِ، فإنْ دَخَلَ علينا القَومُ قاتلناهُم في الأزِقّة، ورُمُوا مِن فوقِ البُيوتِ» ـ وكانت المدينة قد شبّكت بالبنيان من كل ناحية حتى صارت كالحصن ـ «وإن أقامُوا حَيْثُ نَزَلُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ».

وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، ووافقهم عليه عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، فقد أرسل إليه رسول الله r يستشيره ـ بصفته أحد زعماء الخزرج ـ ولم يستشره قبل ذلك، فكان رأيه مع رأي النبيّ r، وقال يا رسول الله ! أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قطّ إلاّ أصاب منّا، ولا دخلها علينا إلاّ أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مَحْبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا.

لكن المتحمسين من شباب الصحابة، وعلى رأسهم حمزة ومن تخلّفَ عن بدر، ألحوا في الخروج لملاقاة المشركين، وقالوا يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا، فقال رجال من الأنصار: ما دُخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يُدخل علينا فيها في الإسلام؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يُزرع؟ وقالت طائفة أخرى من الأنصار: إنّا نخشى يا رسول الله أن يظنّ عدوّنا أنّا كرهنا الخروج جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جراءة منهم علينا، وتجترئ العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم. فلم يزل أولئك القوم الذين رغبوا في الشهادة يلحّون على النبيّ r في الخروج، حتى قال النّعمان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله ! لا تحرمنا الجنّة، فوالذي بعثك بالحقّ، لأدخلنّها، فقال له رسول الله r : «بِمَ ؟» قال: بأني أحبّ الله ورسوله ـ وفي لفظ: بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأني لا أفرّ يوم الزحف ـ فقال له رسول الله r: «صدقتَ»، فاستشهد يومئذ. وقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم خارج المدينة. وما زالوا برسول الله r حتى دخلَ بيته من بعد صلاة الجمعة، ولَبسَ لأمته ـ لباس الحرب ـ فندم النّاس على إخراجهم وإلحاحهم على رسول الله r، وقالوا: استكرهنا رسول الله r ولم يكن لنا ذلك، فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول الله، استكرهناك، ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال النبيّ r: «ما كان لنبيّ إذا لَبِسَ لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه».

فخرج النبيّ r في ألفٍ من أصحابه، وخلّف عبد الله بن أمّ مكتوم على المدينة، واستعرض النبيّ r الجيش، فردَّ مَنْ كانَ منهم صغيراً دون الخامسة عشرة، فكان منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج، فقيل له: إنَّ رافعاً يحسن الرماية فأجازه، فبكى سمرة وقال: أجاز رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فسمع بذلك رسول الله r، فأمرهما أن يتصارعا، فغلب سمرة رافعاً، فضحك رسول الله r وأجازهما معاً.

عقد الألوية في أحد

ثم دعا النبيّ r بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، لواء للأوس دفعه إلى أُسَيْد بن حُضَير، ولواء للخزرج دفعه إلى الحُباب بن المنذر، ويقال إلى سعد بن عُبادة، ولواء للمهاجرين دفعه إلى عليّ بن أبي طالب، ثم أخذه النبيّ r منه فدفعه لـمُصعب بن عُمير، وذلك لأن رسول الله r سأل: «مَعَ مَن لِواءُ القَومِ؟» فقيل: مع طلحة بن أبي طلحة أخي بني عبد الدار، فقال رسول الله r: «نحن أحَقُّ بالوَفاءِ مِنهم»، فدعا مصعب بن عمير فأعطاه اللواء، لأنه من بني عبد الدار، وهم أصحاب اللواء في الجاهلية.

انسحاب المنافقين في أحد

وسار جيش المسلمين للقاء المشركين، فلمّا كانوا بين المدينة وأُحد، انسحب عبد الله بن أُبيّ بن سلول بثلث الناس ساخطاً مرتاباً، وقال: أطاعهم وعصاني!.. ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها النّاس. وكان قد اعترض على الخزرج من أوّل الأمر، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، وكانوا قُرابة الثلاثمائة.

فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول لهم: يا قوم أذكركم اللهَ ألاّ تخذلوا قومكم ونبيّكم عندما حضر من عدوّهم…

فاستعصوا عليه وأَبَوْا إلاّ الانصراف عنهم فقال: أبعدكم اللهُ أعداء الله، فيسغني اللهُ عنكم نبيّه.

وفيهم أنزل الله عزَّ وجلَّ: {إنَّ الّذينَ تولَّوا مِنكُم يومَ التقَى الجمعانِ إنّما استزَلَّهُمُ الشّيطانُ ببعضِ ما كَسَبُوا ولَقَد عَفا اللهُ عَنْهُمْ إنَّ اللهَ غَفورٌ حَليمٌ}[آل عمران:155].

ثم إنّ الأنصار قالوا لرسول الله r يا رسول الله: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟.

فقال: لا حاجة لنا فيهم.

ومضى رسول الله r بالجيش، حتى نزل شِعب أُحُد، وجعل ظهر الجيش إلى جبل أحد وقال: لا يقاتلنَّ أحدٌ منكم حتى نأمُركم بالقتال، وجعل خمسين من الرّماة على الجبل، ليحموا ظهور المسلمين، وأَمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال له: إنْ كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك.. وأمسك النبيّ r بسيف فقال: مَنْ يأخذ هذا السَّيْفَ بحقه؟ فقام أبو دجانةَ قائلاً: وما حقُّه يا رسول الله؟.. قال: أن تضربَ به العدوّ حتى ينحني، فأخذه أبو دجانة وعصبَ رأسه بعصابةٍ حمراء، هي عصابة الموت. ومشى يتبختر بين صفوف المسلمين، فقال رسول الله r: إنّها لمشيةٌ يبغضها الله إلاّ في مثل هذا الموقف.


خطبة النبيّ r صبيحة يوم أُحُد

وتم خروج المسلمين إلى أُحد صباح يوم السبت الخامس عشر من شوال أو الحادي عشر منه أو السابع على اختلاف الروايات، ثم قام رسول الله r فخطب المسلمين فقال: «يا أُيُّها النّاس! أوصيكُم بِمَا أوْصاني الله في كتابه من العمل بطاعَتِهِ والتّناهي عن محارمه، ثم إنّكم اليوم بمنزل أجرٍ وذُخر لِمَن ذكر الذي عليه ثم وطّن نفسَهُ له على الصبْرِ واليَقينِ والجدّ والنّشاط، فإنَّ جِهادَ العَدوّ شديد، شديدٌ كَرْبُهُ، قَليلٌ مَنْ يصْبرُ عليه إلاّ مَن عَزَمَ الله رُشْدَه، فإنَّ الله مع مَن أطاعَهُ، وإنّ الشيطان مع مَنْ عصاه، فافتتحوا أعمالكم بالصّبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكُم اللهُ، وعليكم بالذي أمركُم به، فإنّي حريصٌ على رَشَدِكم، فإنّ الاختلافَ والتّنازعَ والتثبيط مِنْ أمرِ العَجز والضعف ممّا لا يُحبّ الله ولا يُعطي عليه النَّصرَ ولا الظّفر.

يا أيّه الناس جُدّدَ في صدري أن من كان على حرام فرّق الله بينه وبينَهُ، ومَن رغب لهُ عنه غَفرَ اللهُ ذنبهُ، ومن صلّى عَليَّ صلى اللهُ عليه وملائكته عشْراً، ومَنْ أحسَنَ مِنْ مُسلمٍ أو كافرٍ وقَعَ أجرُه على اللهِ في عاجلِ دُنْياهُ أو آجل آخرِتِه، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليوم الآخر فعليه الجُمُعَةُ يومَ الجمعَة إلاّ صبياً أو امرأة أو مريضاً أو عبْداً مملوكاً، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غنيّ حميد. ما أعلمُ مِن عملٍ يُقرِّبُكم إلى الله إلا وقد أمرتُكُم به، ولا أعلمُ مِنْ عملٍ يقرّبُكُم إلى النّار إلاّ وقد نهيتكم عنه، وإنّه قد نفَثَ في روْعي الرّوح الأمينُ أنّه لن تموتَ نفسٌ حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ربكم، فإنه لا يقدر على ما عِندهُ إلاّ بطاعته. قد بيّن لكُم الحلال والحرام، غير أنّ بينهما شُبَهاً منَ الأمرِ لم يعلمها كثير من الناس إلا من عَصَم، فمن تركها حفظ عِرضَهُ ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنبِ الحِمى أوشَكَ أن يقعَ فيه، وليس مَلِكٌ إلا ولهُ حمىً، ألا وإنّ حمى الله محارمه، والمؤمنُ من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى عليه سائر الجسد. والسلام عليكم.».

وابتدأ القتال بالمبارزة، وقتل عددٌ من المشركين في هذه المبارزة، ثم خرَجَ من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر وطلب المبارزة، فأراد أبو بكر أن يبرز له فقال له النبيّ r: متعنا بنفسك يا أبا بكر، ثم حمل المشركون على جيش المسلمين فما ازدادوا إلاّ تقهقراً وتراجعاً، والمسلمون ينضحونهم بالنّبل.

استشهاد حمزة في أحد

وفي غمار المعركة كمن وحشي بن حرب، (وهو عبدٌ حبشيٌّ لجبير بن مطعم) خلف ساترٍ مترقباً حمزة بن عبد المطلب، وكان جبير بن مطعم قد وعده أن يعتقه إنْ قتل حمزة، فظلّ يترصده حتى رماه بحربته، وهو يصول ويجول، فوقع حمزة شهيداً.

وقد حّدث وحشي بخبره فقال: كنت غلاماً لجبير بن مُطْعِم، وكان عمّه طُعَيْمَة بن عديّ قد قتله حمزة يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي مولاي جُبَيْر بن مُطعم: إن قتلت حمزة عم محمّد بعمّي فأنت حرّ، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلاً حبشياً أقذِف بالحَربَة قذف الحبشة، قلّما أُخطِئ بها شيئاً، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عُرْض الناس (وسطهم) مثل الجمل الأوْرَق يَهُدّ الناس بسيفه هدّاً ما يقوم له شيء، وهو يقول: أنا أسد الله، ويُقبل ويدبر، فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره، فانكشف الدرع عن بطنه، فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثُنَّته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي، فغُلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حَربتي، ثم تَنَحَّيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيء حاجة غيره، وإنما قتلته لأُعتق، فلما قدمت مكة أُعتِقت.

نزول الرماة عن الجبل في أحد

وقتل حملةُ لواء المشركين، وهم أحد عشر من بني عبد الدار، حتى سقط اللواء على الأرض، فلم يقم به أحد، فسارع المسلمون إليهم يقتلونهم ويجمعون الغنائم منشغلين بها عن أوامر النبيّ r، والتفاف خالد بن الوليد عليهم ورأى الرماةُ أن النَّصر قد حَالَفَ المؤمنين، فتراكض بعضهم لجمع الغنائم، فذكّرهم أميرهم عبد الله بن جبير بأوامر رسول الله r، لكنهم تناسوا الأوامر وأوّلوها، وقالوا: إنّ المعركة قد انتهت، وتركوا الجبل.

فما بقي منهم إلاّ عدد قليل ومعهم أميرهم، ولـمّا رأى خالدُ بن الوليد ذلك، وكان أميراً على خيول المشركين، التفَّ حول المسلمين وباغت الرماة من خلفهم، وانهال على المسلمين بالسهام، ورفعت راية المشركين، فعاد المشركون وتجمّعوا وكرّوا على المسلمين وهم يجمعون الغنائم. فتراجع المسلمون وترك بعضهم ميدان المعركة، وتوجهوا إلى المدينة، فما ردّهم إلى المعركة إلاّ حياؤهم، وأقبل ابن قمئة على مصعب بن عمير وبيده لواء المسلمين فضربه بسيفه فقطع يده اليمنى، فحمله مصعب بيسراه، وهو يقول: (ومَا مُحمَّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَتْ من قبلِهِ الرسل..). فضربه ابن قمئة فقطع يده اليسرى، فاحتضن اللواء بعضديه، ثم ضربه الثالثة، فكتبت له الشهادة في سبيل الله، وكان مصعب شبيهاً برسول الله r، وفيه نزل قول الله عزّ وجلّ:

{مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صَدَقُوا ما عاهدُوا اللهَ عليهِ فَمِنْهُم مَن قضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وما بدَّلوا تبديلاً}[الأحزاب: 23].

اضطراب المسلمين في أحد

وطار الخبر في الناس أن محمّداً r قد قتل، فاضطرب الناس، وقالوا: علام نقاتل إذا كانَ محمّدٌ قد قتل؟.

وفيهم أنزل الله عزَّ وجلَّ: {إذْ تُصْعِدُونَ ولا تلوون عَلَى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخراكُمْ فأَثابَكُم غَمَّاً بِغَمٍّ لِكَيلا تَحْزَنوا على ما فاتَكُم ولا مَا أَصابَكُمْ واللهُ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[آل عمران: 153].

ومرّ أنس بن النّضر أمامَ رجال من الصحابة وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم، قالوا: قتل رسول الله r، فقال لهم: فماذا تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله r !!..

ثمّ قام فقاتل حتى قتل وبه سبعون ضربة، فما عرفه إلاّ أخته.

وثبت رسول الله r في ساحة المعركة، وثَبَتَ معه عددٌ من الصحابة وأبلوا أشدَّ البلاء، فوقَفَ أبو طلحة بين يدي رسول الله r يردُّ عنه سهام المشركين وضرباتهم، ويقول: وجهي لوجهك فداء، وكان كلّما التفت النبيّ r قال له أبو طلحة: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم القوم، نحري دون نحرك، وثبت أبو دجانة وجَعَلَ ظَهْرَهُ ترساً لرسول الله r، لا يبالي ما أصابَهُ في سبيل الله.

وأقبل أبيّ بن خلف يريد قَتْلَ رسول الله r، فضرَبَه النبيّ r بحربته فجرحه، فارتدّ إلى قومه صارخاً: قتلني محمّد، وما زال جرحه ينزف حتى قتله، وكان يقول وهو في سكرات الموت: لو بصق عليّ محمّد لقتلني، فكان أبيّ هو الوحيد الذي قتله رسول الله r بيده.

وتحمّل النبيّ r الكثيرَ الكثير في هذه الغزوة، فوقع في حفرة حفرها له أبو عامر الراهب وغطّاها، فأغمي عليه وخدشت ركبتاه وشج وجهه، ورماه عتبة بن أبي وقّاص بحجر فكسرت رباعيته (بعض أسنانه)، فتبعه حاطب بن أبي بلتعة فقتله، وضربه ابن قمئة فدخلت حلقات المغفر في وجنتيه الشريفتين فنزعها أبو عبيدة بأسنانه لئلا يؤلم رسولَ الله r، حتى كُسِرَتْ ثنيتا أبي عبيدة وسال الدم من وجه النبيّ r.

فجعل يمسحُ الدّم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله تعالى عليه: {ليسَ لكَ منَ الأمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أو يُعذِّبَهُم فإنَّهُم ظالمونَ}[آل عمران:128].

الصحابة يدافعون عن الرسول الله r في أحد

واستمات الصحابة الذين اجتمعوا إلى رسول الله r في الدفاع عنه وحمايته، كلهم يجيء حتى يجثوا أو يتقدّم بين يديه، ثم يقول: وجهي لوجهك الوِقاء، ونفسي لنفسك الفِداء، وعليك سلام الله غير مودّع، حتى تساقط منهم الكثير وأصابتهم الجراح وهم يقاتلون قتالاً بطولياً مريراً.

منهم أبو طلحة زيد بن سهل، رضي الله عنه، فعن أنس رضي الله عنه، قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبيّ r، وأبو طلحة بين يدي النبيّ r مُجَوّب (يقي) عليه بحَجَفة (الترس) له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النّزْع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمرُّ معه بِجَعْبَة من النّبل فيقول: (انْثُرْها لأَبي طلحةَ)، قال: ويشرف النبيّ r ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمّي لا تُشرِف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك.

وعنه أيضاً أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله r يوم أُحُد، والنبي خلفه يَتَتَرَّس به، وكان رامياً، وكان إذا رمى رفع رسول الله r شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول: هكذا بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، لا يصيبك سهم، نَحْري دون نحرك، وكان أبو طلحة يسوق نفسه بين يدي رسول الله r ويقول: إنّي جَلْد يا رسول الله ، فوجّهني في حوائجك ومُرْني بما شئت، وكان رسول الله r يقول: «صَوْت أَبي طَلْحَة في الجيشِ خَيرٌ من أَلْفِ رَجُلٍ».

ومنهم أيضاً الحارث بن الصّمَّة، وسهل بن حُنَيف، رضي الله عنهما، فإنهما بايعا النبيّ r على الموت، وجعل سهل ينضح بالنّبل عن رسول الله r، فقال رسول الله r: «نَبِّلوا سَهْلاً فإنَّه سَهْلٌ».

وترَّس أبو دُجانَة، رضي الله عنه، بنفسه دون رسول الله r، يقع النّبل في ظهره وهو منحن على النبيّ r حتى امتلأ ظهره سهاماً وهو لا يتحرّك، غير مبال ما أصابه في سبيل الله.

وقاتل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، حتى أُصيبَ فُوه يومئذ فَهُتِم، وجرح عشرين جرحاً أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرَجَ.

ودافع شمّاس بن عثمان، رضي الله عنه، عن رسول الله r، حتى قال r: «ما وَجدتُ لِشمَّاسِ بن عُثْمانَ شَبَهاً إلاّ الجنَّة»، وكان رسول الله r لا يرمي ببصره يميناً ولا شمالاً إلاّ رأى شماساً في ذلك الوجه يذُبّ بسيفه، حتى غُشي رسول الله r فترس بنفسه دونه حتى قتل.

وكان رسول الله r يباشر الرماية بنفسه ولم يزل يرمي عن قوسه حتى اندقَّت سِيَتها، فأخذها قَتادَة بن النُّعمان، رضي الله عنه، فكانت عنده، وكان قتادة يقف نُصْب وجه رسول الله r يقي وجهه الشريف بوجهه، وأصيبت عينه يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله r بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظراً.

بطولة أم عمارة في أحد

قاتلت أمّ عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) دون رسول الله r في أحد حتى جرحت اثني عشر جرحاً بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، وهي تدافع عن رسول الله r، فعن أمّ سعد بنت سعد بن الربيع قالت: دخلت على أمّ عُمارَة، فقلت لها: يا خالة! أخبريني خبرك، فقالت: خرجت أوّل النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سِقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله r وهو في أصحابه، والدَّوْلَة والرِّيح (النصر والغلبة) للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله r، فقمت أباشر القتال وأذُبّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خَلَصَت الجراح إليّ، فرأيت على عاتقها جُرحاً أجوف له غَوْر، فقلت من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قَمِئَة أقمأه الله، لما ولّى الناس عن رسول الله r، أقبل يقول: دُلُّوني على محمّد فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله r، فضربني هذه الضربة، فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدوّ الله كانت عليه درعان.

وفي رواية أنها خرجت يوم أُحد وزوجها زيد بن عاصم وابناها عبد الله وحَبيب ولما جُرح ابنها عبد الله بن زيد ـ وكان يقاتل دون رسول الله r ويذُب عنه ـ وراح الدم ينزف منه بغزاره من عضده اليسرى، سعت أمّ عُمارَة، وربطت جُرحه بعِصابة كانت قد أعدّتها لمداواة الجرحى، ثم قالت له: انهض يا بُني فضارب القوم، فناداها رسول الله r قائلاً: «ومَنْ يطيقُ ما تُطيقين يا أُمَّ عُمَارة!» ثم قال لأصحابه: «ما التفت يميناً ولا شِمالاً إلاّ وأنا أراها تقاتل دوني !.» فسألتهُ أم عُمَارة: ادع الله أن نرافقك في الجنة، قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفقائي في الجنَّةِ»، فقالت: ما أُبالي ما أصابني من الدنيا.

بطولة المزينيين في أحد

وممن أبلى يومئذ وَهْب بن قابُوس المُزَنيّ وابن أخيه الحارث بن عُقْبة، رضي الله عنهما، فقد أقبلا ومعهما غنم لهما، فدخلا المدينة، فلقياها قد خلت من الناس، فقالا: أين النّاس؟ فقيل: بأحد، فلحقا بهم، وكان ممن ثبت مع رسول الله r وقاتلا أشدّ القتال حتى قتلا، ووُجد في وَهْب يومئذ عشرون طعنة برمح كلها قد خلصت إلى مقتل، ومُثِّل به يومئذٍ أقبح الْمَثْل، فوقف عليه رسول الله r فقال: «رضيَ الله عنكَ فإنِّي عَنكَ راضٍ»، ثم قام r على قدميه، وقد ناله من الجراح ما ناله، وإن القيام ليشقّ عليه، فلم يزل قائماً حتى وُضع وهب في لَحْده، عليه بُرْدة لها أعلام حُمر، فمدّ رسول الله r البُردة على رأسه فخمّره وجعل الحَرْمَل على رجليه، ثم انصرف رسول الله r. فكان عمر بن الخطّاب وسعد بن أبي وقّاص يقولان: فما حال نموت عليها أحبّ إلينا من أن نلقى الله على حال الْمُزَنيّ.

ما لقيه النبيّ r في أحد

وكان رسول الله r قد عطش عطشاً شديداً، حتى جعل يقع على ركبتيه، فلما انتهى إلى فم الشِّعب خرج علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، حتى ملأ درقته ماء من المِهْرَاس، فجاء به إلى رسول الله r ليشرب منه، فوجد له ريحاً فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصبّ على رأسه وهو يقول: «اشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على مَنْ دَمَّى وجْهَ نَبيِّهِ».

وما لبث محمد بن مَسْلمة رضي الله عنه، أن جاء بماء عذب فشرب منه رسول الله r ودعا له بخير، وصلّى النبيّ r يومئذ الظهر قاعداً من أثر الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعوداً.

وكانت فاطمة بنت النبيّ r قد خرجت من المدينة ـ بعد أن انتهت المعركة ـ في نساء من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام، فلما لقيت فاطمة أباها اعتنقته، وجعلت تغسل جراحاته، وعليّ يسكب الماء بالمِجَنّ، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلاّ كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، ثم ألصقتها بالجرح، فاستمسك الدم.

وكان في هؤلاء النسوة أمّ سُلَيم وأمّ سَلِيط والدة أبي سعيد الخدري، وأم أيمن، وعائشة، وحَمْنَة بنت جحش رضي الله عنهن. فكن يسقين الماء ويداوين الجرحى.

روى البخاري بسنده عن أنس، رضي الله عنه، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأمّ سُلَيم وإنّهما لَمُشَمِّرتان، أرى خَدَم سُوقهما، تَنْقُزان القِرَب عن مُـتُونهما تُفرِغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتُفرِغانه في أفواه القوم.

وروى بسنده عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: كنّا نغزو مع النبيّ r، فنسقي القوم ونخدمهم، ونرُدّ الجرحى والقتلى إلى المدينة.

نتائج معركة أحد

وانتهت معركة أحد، بعد دَرْسٍ مرير للمسلمين ذاقوا فيه أشدّ البلاء من المشركين، وقُتل من المسلمين بضع وسبعون رجلاً، ستةٌ من المهاجرين، والباقون من الأنصار.

استشهاد حنظلة بن أبي عامر في أحد

وكان في القتلى حنظلة بن أبي عامر، وكان قد جرح لَيْلَةَ عرسه بعد أن سمع المنادي يقول: يا خيل الله اركبي، وكان جنباً فاستشهد، فقال فيه النبيّ r: إنّ صاحبكم لتغسله الملائكة، واستشهد عمرو بن الجموح، وهو رجلٌ شديد العرج، منعه أولاده من الخروج فاشتكى لرسول الله r وقال: إنَّ بنيَّ يريدونَ أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إنّي لأرجو أن أطأ الجنّة بعرجتي هذه، فأَذِنَ له رسول الله r بالجهاد فقاتل حتى قتل.

استشهاد سعد بن الربيع في أحد

واستشهد كذلك سعد بن الرَّبيع، وكان من خبره أن النبيّ r قال بعد المعركة: مَنْ رجلٌ ينظر لي ما فَعَلَ سعد بن الرّبيع أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فإنّي رأيت الأسنّة قد أشرعت إليه، فقال أبيّ بن كعب أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد. فقال له النبيّ r: «إنْ رأَيْتَهُ فأقرئهُ منّي السّلام، وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟»، فبحث أبيّ عنه فوجده جريحاً وبه رمق فقال له: إن رسول الله r أمرني أن أقرِئك السلام وأن أنظر أفي الأحياء أنت أَمْ في الأموات؟ فقال سعد أنا في الأموات، وأبلغ رسول الله r عنّي السلام وقُلْ له: إن سعد بن الرّبيع يقول لك: جزاك الله عنا خيرَ ما جزى نبيّاً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقُلْ لهم: إنّ سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذرَ لكم.. عند اللهِ إنْ خُلِصَ إلى نبيّكم وفيكم عينٌ تطرف، ثم عاد سعد يقول: أَقْرِأْ على قومي منّي السلام، وقُلْ لهم، يقول لكم سعد بن الرَّبيع: اللهَ اللهَ وما عاهدتم عليه رسول الله r ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عُذْرٌ، لا عذر لكم عند الله إن قتل رسول الله r وفيكم أحدٌ حيّ، وما هي إلاّ لحظات حتى خرجت روحه الطاهرة.

وأبلَغ أُبيّ رسالةَ أخيه الشهيد إلى النبيّ r، فتأثر بها رسول الله r وقال: «رحمه الله، لقد نصح لله ولرسوله حيّاً وميّتاً».

استشهاد عبد الله بن جحش في أحد

وقتل عبد الله بن جَحْش، وكان قد قال قَبْلَ المعركة: اللَّهُمَّ إني أقسم عليك أن نلقى العدوَّ غداً فيقتلونني ويبقرون بطني ويمثّلون بي، فألقاك مقتولاً قد صُنِعَ هذا بي، فتقول: فيم صنع بك هذا؟، فأقول: فيك، وفي سبيلك. فقاتل حتى قتل، ووجدَ وقد صنع به الأعداء ما تمنّى، ومثّل المشركون بالكثير من الشهداء، ومثّلتْ هِنْدُ زوجة أبي سفيان بحمزة بن عبد المطلب فَبَقَرت بطنه، وأخرجت كبده لتأكلها فلاكتها ثم أرسلتها، ونزل رسول الله r إلى مكان المعركة لينظر القتلى من أصحابه، فلمّا رأى عمّه حمزة، حَزِنَ حزناً شديداً وقال: ما وقفتُ موقفاً أغيظ إلَيَّ من هذا الموقف..

استشهاد مصعب بن عمير في أحد

ونظر إلى مصعب بن عُمير وهو صريع في برده، وكانوا إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطوا رجليه بدا رأسه، فقال النبيّ r:

«لقد رأيتك بمكةٍ وما بها أحدٌ أرقّ حلّة، وأحسن لَمَّةٌ منك، ثم أنت أشعث الرأس في بردة!» ثم نظر إلى القتلى جميعاً فقال: «أنا شهيد على هؤلاء؛ إنّه ما من جريحٍ يجرح في الله إلاّ ويبعثه الله يوم القيامة يدمى جرحه، اللّون لون دم، والريح ريح مسك!» وأمر أن يدفن القتلى في ثيابهم حيث استشهدوا دون الصلاة عليهم ـ وهذا حكم الشهيد وقال: «لفّوهم بدمائهم وجراحهم، وانظروا أكثرهم جمعاً للقرآن، فاجعلوه أمام أصحابه في القبر».

فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، لما كانوا فيه من الإعياء والضعف.

وأنزل الله في شهداء أحد: {ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يرزقون فرحين بما آتاهُم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمةٍ من اللهِ وفضلٍ وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجْرَ الـمؤْمنينَ الَّذينَ استجابوا للهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابَهُم القرحُ لِلَّذينَ أحسنوا مِنهُم واتَّقوا أجرٌ عظيمٌ الذين قال لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قد جمعوا لكمْ فاخْشَوهُم فزادَهُم إيماناً وقالوا حسبنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ فانقلَبوا بنِعْمَةٍ من اللهِ وفضلٍ لَّمْ يمسسْهُم سُوءٌ واتَّبَعوا رِضْوانَ اللهِ واللهُ ذُو فضلٍ عظيمٍ}[آل عمران:169-174].

عودة النبيّ r إلى المدينة في أحد

ثم توجّه النبيّ r مع المسلمين إلى المدينة، وأكثرهم جرحى، ولـمّا وصلوا المدينة، كان نساؤها يبكين قتلاهُنّ، فلما رأيْنَ النبيّ r نسين قتلاهُنّ فرحاً بسلامة النبيّ r، حتى أن امرأةً من بني دينار، استشهد زوجها وأخوها وأبوها فلما نُعُوا إليها قالت فما فعل رسول الله r؟ فقالوا: خيراً هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير لها إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَللٌ (تعني صغيرة) يا رسول الله .

وخطب يومها رسول الله r الناس في أصل جبل أحد، فأثنى على ربّه، وتضرع إليه، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن رفاعة الزُّرَقي قال: لما كان يوم أُحُد وانكفأ المشركون، قال رسول الله r: «اسْتَوُوا حتّى أُثْنِيَ على رَبيّ»، فصارو خلفه صفوفاً، فقال: «اللَّهُمَّ ! لك الحمدُ كلُّهُ، اللَّهُمَّ ! لا قابِضَ لِمَا بسَطْتَ، ولا باسِطَ لِمَا قبضتَ، ولا هاديَ لِمَا أَضْللْتَ، ولا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيتَ، ولا معطيَ لِمَا منعت، ولا مانع لِمَا أعطيتَ، ولا مُقّرِّبَ لِمَا باعَدْتَ، ولا مُباعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ! ابْسُطْ عَلَينا من بركاتكَ ورحمتك وفضلِكَ ورِزقَكَ، اللَّهُمَّ ! إنِّي أسألك النَّعيمَ الْمُقيمَ الذي لا يحولُ ولا يَزُولُ، اللَّهُمَّ ! إنِّي أسألُكَ النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ، والأمنَ يومَ الخوفِ، اللَّهُمَّ ! إنِّي عائذ بكَ من شرِّ ما أعطَيْتَنا، وشرِّ ما مَنَعْتَ، اللَّهُمَّ ! حَبِّبْ إلينا الإيمان وزيِّنْهُ في قُلُوبِنا، وكَرِّهْ إلينا الكُفْرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، واجْعَلنا من الرَّاشِدينَ، اللَّهُمَّ ! تَوفَّنا مُسلمينَ، وأحْيِنا مُسْلِمين، وألْحِقْنَا بالصَّالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللَّهُمَّ ! قاتِل الكفَرَة الذين يكذبونَ رُسُلكَ ويصُدُّون عن سبيلكَ، واجْعَلِ عَليهم رِجْزَكَ وعذابَكَ، اللَّهُمَّ ! قاتِلِ الكَفَرَة الذين أُوتُوا الكتابَ إلـَهَ الحَقِّ».

ثم انصرف رسول الله r مساء يوم السبت راجعاً إلى المدينة، فصلّى بها المغرب.

وعزّى النبيّ r أهل القتلى وبشرهم بالجنة، فكان هذا أحسن عزاءٍ لهم، ثم أصرّ النبيّ r على الجرحى أن يتركوه ويركنوا إلى بيوتهم ليداووا جراحهم، ومضى النبيّ r إلى بيته، وما نزل عن فرسه إلاّ حملاً، ومشى يتحامل بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ حتى دَخَلَ بيتَهُ، فلما أذّن بلال المغرب خرج وهو يتحامل أيضاً، فصلّى في المسجد ثم عاد إلى بيته.


غزوة حمراء الأسد:

مضى يوم السبت الخامس عشر من شوّال من السنة الثالثة للهجرة وهو اليوم، الذي حدثت فيه غزوة أحد، وباتَ المسلمون ليلة الأحد في المدينة، وعند الصباح أمر النبيّ r الناس بالخروج للّحاق بالعدو، وأذّن مؤذّنه ألاّ يخرجُنَّ مَعَنَا أحد، إلاّ مَنْ حَضَرَ بالأمس.

وكان ذلكَ تثبيتاً عظيماً لقلوب المؤمنين، بعد يومِ المحنة المرير.

وما كان للنبيّ r أن يرضى لأصحابه أن يساموا على خسف أو يقيموا على ضيم، سيما وقد بلغه أنّ أبا سفيان قد عقد العزم على الكرّ على المدينة، واستغلال تبعات يوم الأمس في تحقيق نصرٍ ساحقٍ، ينهي به دولة الإسلام.

وقام منادي النبيّ r فنادى في الناس: أن أوجفوا خيل الله، ولا يقدمنَّ فيها إلا من شهد غزاة الأمس، وما إن سمع المسلمون نداء رسول الله r، حتى تسارعوا إلى أسلحتهم وتوافدوا إلى المسجد لم يتخلف عن رسول الله r صحيحٌ ولا جريحٌ، حتى أن عبدالله ورافع ابنا سهم الأنصاريان، كانا قد رجعا من أحد وبهما جراحٌ كثيرة، فخرجا يزحفان ليلحقا برسول الله r، وضعف رافع عن المتابعة فجعل أخوه عبد الله يحمله مسافةً حتى يستريح ثم يتركه يمشي مسافة ثم يحمله حتى لحقا برسول الله r .

وندم الكثير على تخلفهم عن رسول الله r في أحد، وجاؤوا يعتذرون ويريدون الخروج، لكنّه r لم يقبل أحداً منهم إلاّ جابر بن عبد الله لشديد عذره، فكانَ هذا مكافأةً لأصحابه الذين شهدوا أحداً وإكراماً لهم.

ومضى رسول الله r بجيشٍ جريحٍ لم يعرف التاريخُ له مثيلاً، ووصل إلى حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة.

وأقام النبيّ r فيها ثلاثة أيّام، قبالة معسكر المشركين، وكان يأمر أصحابه بالنّهار، فيجمعون الأحطاب ثم يوقد كل واحدٍ منهم ناراً بالليل، فكانت النيرانُ تُرى من بعد وكأنّها نيران جيشٍ من ألوفٍ مؤلّفة، فتسامع الناس بها، وبلغ ذلك أبا سفيان فدبَّ الرعب في قلبه، وجاءه معبد الخزاعي حليف المسلمين، وأخذ يهوّل له جيش المسلمين، ويذكر له عددهم وكثرتهم، ويخوّفه منهم حتى انسحب أبو سفيان بجيشه إلى مكة راضياً بالسلامة والنجاة، حيث آثر أن يرجع بنصف نصرٍ على  أن يرجع بهزيمة كاملة.

ونظر المسلمون إلى أعقاب قريش وهي تولّي نصف خائبة، نصف رابحة، فعادت إلى نفوسهم إشراقة الأمل، وانطلقوا يبنون دولة الحق من جديد.

ونزل بعد أحد سبعون آيةً من سورة آل عمران في درس هذه الغزوة وأسبابها ونتائجها.

{ولا تَهِنُوا ولا تحزنوا وأنتمُ الأعلونَ إن كنتُمْ مؤمنينَ إن يَمْسَسْكُم قرحٌ فقَدْ مسَّ القومَ قرحٌ مثلُهُ، وتلكَ الأيامُ نداوِلُها بين الناسِ وليعلمَ اللهُ الذينَ آمنوا ويتَّخذَ مِنكُمْ شُهداءَ واللهُ لا يُحبُّ الظَّالمينَ ولِيُمحِّصَ اللهُ الذينَ آمنوا ويمحقَ الكافرينَ أم حسبتُم أن تدخلوا الجنَّة ولَمَّا يعلمِ اللهُ الَّذينَ آمنوا منكُم ويعلمَ الصابرينَ ولقد كنتُمْ تَمَنَّونَ الموتِ من قَبلِ أن تَلقوهُ فقَدْ رأيتموهُ وأنتم تنظُرونَ وما محمَّدٌ إلاّ رسولٌ قد خلتْ من قبلهِ الرُّسلُ أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُم على أعقابِكُم ومن ينقلبْ على عَقِبَيهِ فلن يَضُرَّ اللهَ شيئاً وسيجزي اللهُ الشاكرينَ وما كان لنَفسٍ أن تموتَ إلاّ بإذن اللهِ كِتاباً مُؤجَّلاً ومن يُرِد ثوابَ الدُّنيا نُؤتِهِ مِنها ومَن يُرِد ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤتِهِ مِنها وسَنَجزي الشاكرينَ وكأيّن من نبيٍّ قاتلَ معهُ رِبّيّونَ كثيرٌ فما وهَنُوا لِما أصابَهُم في سبيل الله وما ضَعُفُوا ومَا استكانوا واللهُ يُحِبُّ الصَّابرينَ وما كانَ قولَهُم إلاّ أن قالوا رَبَّنا اغفِر لنا ذُنُوبَنا وإسرافَنَا في أمرِنا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرينَ فآتاهُمُ اللهُ ثوابَ الدُّنيا وحُسنَ ثوابِ الآخِرَةِ واللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ}.


سرايا عقب أحد

في أعقاب غزوة أحد أخذ قريش تنشر الإشاعات بين العرب أنها حطمت دولة الإسلام، وأنّها على وشك القضاء عليها، فطمعت قبائل العرب بالمسلمين وأخذوا يعدّون للإغارة على المدينة، فأرسل النبيّ r أبا سلمة بن عبد الأسد في مائةٍ وخمسينَ من أصحابه إلى بني أسد فباغتهم وشتت شملهم، وعاد إلى المدينة غانِماً.

ثمَّ بلغ رسول الله r أن خالد بن سفيان الهذلي يجمع الرجال من شتى القبائل ليغير على المدينة، فأرسل إليه عبد الله بن أنيس يقتله، فاحتال عليه عبد الله وقتله متلافياً بقتله الفتنة التي كان خالد بن سفيان يدبرها ويعدّ لها..


أهم أحداث السنة الرابعة للهجرة (16 للبعثة)

1ـ إعادة ترتيب الجماعة المسلمة بعد يوم أحد.

2ـ إرسال الدعاة ومأساة يوم الرجيع.

3ـ الغدر بالقراء الدعاة يوم بئر معونة

4ـ إجلاء جرثومة الغدر (بني النضير) من المدينة.

5ـ تحريم الخمر بشكل نهائي.

6ـ غزوة غزوة ذات الرقاع.

7ـ استئناف إرسال سرايا الدعاة.

في أعقاب أحد

ـ مضت غزوة بدرٍ بما قتل فيها من المشركين، ودبّ الرعب في قلوب العرب من المسلمين، ولم يجرؤ أحدٌ على الاعتداء عليهم، إلى أن جاءت غزوة أُحُدٍ بنكبتيها على المسلمين، فطمعت بهم القبائل، وحرضتهم على ذلك قريش، علّها تحظى برجالٍ من المسلمين يثأرون بهم لقتلاهم في بدر، لكنَّ رسول الله r لم يغفل عن هذه التحركات، فأرسل من يسكتها منذ بدايتها، فأرسل سرية أبي سلمة لبني أسد، وأرسل عبد الله بن أنيس فقتل خالد بن سفيان من بني هذيل.

وكان حريصاً أن يقطع أسباب المواجهة من قريش، وكانوا كلَّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها النبيّ r بنور الحكمة.

ولكن شياطين قريش كانوا يبيّتونَ الشرّ والأذى، والله يكتب ما يبيّتون،

وردّ العقارب عن لسعها              تكليف ما ليس في وسعها

ودبّرت قريش مع بعض قبائل العرب مذبحةَ يوم الرّجيع..


يَوْم الرجيع

في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة قدم على رسول الله r وَفْدٌ من قبيلتي عضل والقارة، فقالوا يا رسول الله: إن فينا إسلاماً، فابْعَثْ معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله r ستةً من أصحابه، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وهم إضافة إلى عاصم، مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدثنة الأنصاري الخزرجي، وخالد بن البكير الليثي المهاجري، وسائرهم ممن شهد بدراً.

فلمّا كانوا عند ماء الرّجيع، قريباً من بني هذيل، هاجمهم مائتا رَجُلٍ منهم، فقاتل الصحابة حتى قتل أربعةٌ منهم وبقي خبيب بن عدي، وزيد بن الدّثنة، فساقوهما إلى مكة وباعوهما هناك فاشترى خبيباً عقبة بن الحارث ليقتله بأبيه، واشترى زيداً صفوان بن أميّة ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فحبساهما حتى انقضت الأشهر الحرم، ولما قُدّمَ زيد بن الدّثنّة ليقتل، قالَ له أبو سفيان: أُنْشُدُك الله يا زيد، أتحبُّ أنَّ محمداً عندنا الآن في مكانك فنضرب عنقه … وأنّكَ في أهلك؟ فقال زيدٌ: واللهِ ما أحبُّ أن محمداً الآن في مكانه الذي هوَ فيه، تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي !!..

فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحبُ أحداً كحب أصحابِ محمّدٍ محمّداً،.

ولحق زيدٌ بركب الشهداء، أمّا خبيب فقد جمعوا له أبناء مَنْ قُتِلَ في بدر، ولما همّوا أن يضعوه على الصليب ليقتلوه استأذنهم أن يصليّ ركعتين فأذنوا له، فركع ركعتين..

فكان أوّلَ من سنَّ صلاة الموت، ثم قال لهم: أَمَا والله لولا أن تظنّوا أنّي إنّما طوّلت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة!..

ولـمّا وضعوه على الصليب قال: (اللَّهُمَّ إنّا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا)، ثم نظر إلى القوم وقال: (اللَّهُمَّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً)، ففزع القوم من دعوته وقتلوه وهو يقول:

لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا                قبــائلـهـم واستجمعـوا كـــــل مجمع

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي                وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

وذلك في ذات الإلــه وإن يشأ         يبـــارك على أوصــــال شلوٍ مـمزع

ولست أبالي حين أقتل مسلماً          على أيّ جنبٍ كانَ في الله مصرعي


يوم بئر معونة (سرّية القرّاء)

في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة قدم المدينة أبو براء عامر بن مالك، وكان يسمّى ملاعب الأسنّة، وهو سيّد من سادات العرب المشهورين وهو سيد بني عامر بن صعصعة فعرض عليه النبيّ r الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد عن الإسلام، وقال لرسول الله r: لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نَجْدٍ فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله r: أخشى عليهم أهل نجدٍ، فقال عامر: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا إلى أمرك.

وكان عامر بن مالك يريد بذلك أن يُسْلِمَ قومُهُ قبله فيدخل معهم في الإسلام.. فبعث رسول الله r المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً من خيرة أصحابه، يسمّون بالقرّاء، لكثرة ما يحفظون من القرآن،.

فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حرام بن مِلْحان بكتاب رسول الله r إلى عامر بن الطّفيل وكان رئيس بني عامر، وكانت منازلهم حول بئر معونة، فلما قرأ كتابَ النبيّ r غضب أشدَّ الغضب، وقتل حامل الكتاب حرام بن ملحان، ثم طَلَب من بني عامر أن يخرجوا للتعرض لوفد المسلمين، فرفضوا أن ينقضوا (يحفزوا) ذمّة أبي براء (عامر بن مالك)، فاستصرخ عليهم بعض القبائل فأجابوه وخرجوا، فأحاطوا بوفد المسلمين، فما كانَ من المسلمين إلاّ أن قاتلوا على قلّة عددهم وسلاحهم، فهم لم يخرجوا لقتال، وإنما خرجوا دعاةً لتبليغ رسالة الله، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلاّ كعب بن زيد، فإنّه قد جُرِح وظنّوا أنهم قد أجهزوا عليه فتركوه، وعمرو بن أميّة الضمري كانَ قد ذهب في حاجة وفد المسلمين فنجا من القتل، وفي طريق عودته لقي رجلين من بني عامر فبادر إليهما فقتلهما خوفاً منهما، ثم تبين أن لهما من النبيّ r جواراً، فكان أول قتل خطأ في الإسلام.

ولـمّا علم النبيّ r بذلك حزن أشدّ الحزن على شهداء الرجيع ومعونة ومكثَ شهراً كاملاً يدعو في صلاته على الفئة الغادرة من عُضل والقارّة..

ومن شهداء بئر معونة المنذر بن عمرو، والحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، ونافع بن بديل بن ورقاء، وعروة بن أسماء السلمي.


غزوة بني النضير ربيع الأول سنة 4هـ

كانَ يوم أحد مطمعاً لكُلِّ خصومِ الإسلام، فأظهروا بعده ما كانوا يضمرونه من العداوة والخيانة للنبيّ r وأصحابه، وها هم بنو النضير الذينَ كانَ رسول الله r قد عاهدهم عند دخوله للمدينة قد بدأت تتكشف منهم نوايا كانت دفينةً في نفوسهم، فأراد النبيّ r أن يختبرهم، فجاءهم ليستعين بهم على ديّة الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أميّة الضمري خطأ في حادثة بئر معونة، وكان في عقد المعاهدة فيما بينهم وبين النبيّ r، أن يعينوا في حمل الديّات، فلما دَخَل عليهم وذكر لهم ما جاء من أجله، وكان معه كبار الصحابة، وجَلَسَ إلى جنب جدارٍ من بيوتهم ينتظرُ وفاءهم بما وعدوا، فتسارّ اليهود فيما بينهم: إنّكم لن تجدوا محمداً على مثل حاله هذه، فمن رجلٍ منكم يقوم على سطح الدّار فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه فقام رجلٌ اسمه عمرو بن جحّاش، وصعد ليلقي الصّخرة، وأوشك اليهود على على إنفاذ مكيدتهم ورأى رسول الله r الريبة في التفاتهم وحركاتهم، وأعلم الله نبيه الكريم بالخطر المدبّر له فنهض عَجِلاً من جوار البيت الذي اضطجع إلى جداره، وقفل راجعاً إلى المدينة.

وشعر أصحاب النبيّ r بمغيبه، فقاموا في طلبه، فإذا رجلٌ مقبلٌ من المدينة يخبرهم أنّه رآه يدخلها، فأسرعوا يلحقون به، فلما انتهوا إليه، أخبرهم بما كادت له يهود.

عندئذٍ لم يكن هناك بدٌّ من إجلائهم، بعد أن نقضوا عهدهم في حمل الدّيات وهمّوا بالغدر والاغتيال، فأرسل إليهم r يأمرهم بالخروج من المدينة نتيجة غدرهم، وكانوا قد توقعوا ذلك، فهمّوا بالخروج لولا أن المنافقين أرسلوا إليهم يشجعونهم على البقاء وعدم الانصياع لأمر النبيّ r، وقال لهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولئن قوتلتم لننصرنّكم، وبالفعل فقد أرسل زعيم بني النضير حييّ بن أخطب إلى النبيّ r: إنّا لا نخرج من ديارنا، فاصْنَعْ ما بدا لك، فسار النبيّ r بأصحابه في مطلع ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة فحاصرهم في بيوتهم، فلبثوا ينتظرون نصرة المنافقين، ثم ظهر لهم تخلّي المنافقين عن نصرتهم، وفيهم نزل قول الله عزّ وجلّ:

{لئن أُخرِجُوا لا يَخرُجُونَ معَهُمْ ولئن قُوتِلوا لا يَنصُرونهُمْ ولئن نّصَروهُم لَيُوَلُّنَّ الأدبارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ}[الحشر:12]

فنزلوا تحت حكم النبيّ r بالجلاء، على أن لهم ما حملته إبلهم إلاّ السلاح، وجعل الواحد فيهم يخرب بيته قبل أن يخرج منه، كيلا ينتفع به المسلمون بمن بعدهم !. ومضوا حتى نزلوا خيبر مع إخوانهم من يهود.

وفيهم أنزل الله عزَّ وجلَّ سورة الحشر: {وظنُّوا أَنَّهُم ما نَعتُهُمْ حُصُونُهم من اللهِ من حيث لم يحتَسِبُوا وقذَفَ في قُلُوبِهُم الرُّعْبَ يُخْرِبونَ بيوتَهُم بأيديهِم وأيدي المؤمنينَ فاعتبروا يا أُوْلِي الأَبْصارِ}

ولـمّا غنم النبيّ r من بني النَّضير، بَعَث إلى الأنصار فجمعهم، فَحمَدَ اللهَ وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صَنعوا بالمهاجرين وإيثارهم لهم ثم قال:

إنْ أحببتم قَسَمْتُ بَيْنَكُم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليَّ من بني النَّضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكن في مساكنكم وأموالكم، وإنْ أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم. فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ (سيّد الأنصار): بل نقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا…

ونادت الأنصار: رضينا وسلّمنا يا رسول الله، فقال رسول الله r: «اللَّهُمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار».


تحريم الخمر

أنزل الله تحريم الخمر في السنة الرابعة للهجرة، وقد جرى تحريمها على مراحل، وسبب ذلك أن العرب اعتادوا الخمر حتى استغنى بها بعضهم عن الشّراب، فلم يكن إقلاعهم عنها ميسوراً، فنزل أوّلاً في مكّة قوله عزّ وجلّ: {وَمِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ تتَّخذونَ مِنهُ سَكَراً ورِزقاً حَسَناً}[النحل: 67] وهي تشير إلى أن الخمر ليست بالرزق الحسن. ثم نزَلَ قوله عزّ وجلّ: {…يَسْئَلونَكَ عنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إثمٌ كَبيرٌ ومنافِعُ للنّاسِ وإثمُهُما أَكبَرُ مِن نَفعِهِما}، فقال عمر بن الخطاب: اللَّهُمَّ بيّنْ لنا في الخمر بياناً شافياً. ثم نزل قوله عزّ وجلّ: {يا أَيُّها الّذين آمنواْ لا تَقربُوا الصَّلاةَ وأنتم سُكارى حتَّى تعلموا ما تَقُولونَ}[النساء:43]

وهي تفيد تحريم شرب الخمر قبل الصلاة، وبهذا فقد قلَّ شرب الخمر، وامتنع كثيرٌ من الصحابة عنها نهائياً، ثم نزل التحريم القاطع في قوله تعالى: {يا أَيُّها الذينَ آمنوا إنَّما الخمرُ والـمَيْسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ فاجتنبوهُ لعلَّكُمْ تُفلِحونَ إنَّما يريدُ الشَّيطانُ أن يُوقِعَ بَيْنَكُم العداوَةَ والبغضَاءَ في الخمرِ والـمَيسرِ ويصدّكُمْ عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ فهل أنتُمْ مُنْتَهونَ}[المائدة:90]

فلمّا سمع المسلمون قالوا: انتهينا وألقوا بالأقداح من أيديهم، وكسروا الدّنان حتى سالت أزقّة المدينة بالخمر،.

وهكذا ترى أن الخمر رغم استقباحه عقلاً وشرعاً، إلاّ أنه تأخر في تحريمه النهائي، حتى وقر الإيمان في القلب، وصارت النفوس مهيأةً لاستقبالِ أوامر الله، وصار الصحابة يتساءلون في حكم من مات منهم.. قبل نزول التحريم، وأشفقوا أن يصيبهم العذاب بما شربوا فأنزل الله عزّ وجلّ: {ليسَ على الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ جُناحٌ فيما طَعِموا إذا ما اتَّقوا وآمَنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ ثُمَّ اتَّقوا وآمنوا ثم اتَّقوا وأحسنُوا والله يُحِبُّ المُحسِنِينَ}[المائدة:92].


غزوة ذات الرّقاع جمادى الأولى 4هـ

وفي جمادى الأولى من السّنة الرابعة للهجرة، خرجَ رسول الله r ومعه 700 مقاتل إلى نجد، بَعْدَ أن بَلَغَهُ أنّ بني محارب وبني ثعلبة يعدّون لقتاله، ولما علموا بمقدمه فرّوا وتفرقوا، لكنهم كانوا يعدّون للغدر، وكان الناس في خوف وحذر، فشرّعت صلاة الخوف، وصلاّها رسول الله r إماماً بالنّاس، وفي إحدى الليالي نزل رسول الله r منزلاً يبيت فيه، فَطَلبَ رجلاً يحرس جيش المسلمين، فقام عمّار بن ياسر وعبّاد بن بشر، وتقاسما الليل، فنام عمار بن ياسر النّصف الأول من الليل، وقام عبّاد يصلّي، فبصر به رَصَدُ المشركين فرموه بسهمٍ فأصابه في رجله فنزعه وتابع صلاته ثم رماه بآخر فنزعه وتابع صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد ثم أيقظ صاحبه فقال: اجلس فقد أصبت، فنظر عمّار فإذا بإصابته تعجزه عن القيام، فقال عمّار: سبحان الله أفلا أيقظتني أوَّل ما رماك، فقال عبّاد: كنتُ في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أتـمَّها، فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله r بحفظه لقطعت نفسي قبل أن أقطَعَها أو أنفذها!!..

وفي هذه الغزوة نَزَل رسول الله r في ظلّ شجرةٍ وعلّق عليها سيفه ونام تحتها، فتسلل رجلٌ من بني محارب اسمه غورث بن الحارث، وأمسك سيف رسول الله r، فانتبه النبيّ r من نومه فإذا بالرّجل قائم عند رأسه والسيف بيده، فقال غورث: مَنْ يمنعك مني يا محمد؟

فقال النبيّ r: الله!!..

فسقط السَّيف من يده. فأخذه النبيّ r وقال له: من يمنعك منّي؟. فقال الرجل: كُنْ خيرَ آخذ، فعفا عنه النبيّ r ..


غَزْوَةْ بَدْرٍ الآخرة

في شعبان من السّنة الرابعة للهجرة خرجَ النبيّ r إلى بدرٍ لميعادِ أبي سفيان لهم بعد انصرافه في أحد، فأقام ثمان ليالٍ ينتظر أبا سفيان، لكنَّ أبا سفيان ـ بعد أن خرجَ بجيش قريش خاف وانسحب قبل أن يصل إلى بدرٍ، وجعل يعتذر بأنّ العامَ جدبٌ، والمعركة تحتاج إلى عام خصيب، فكانت وصمة العارِ التي لحقت بقريش في هذه الغزوة أعظم من السمعة التي بلغتها في أُحُدٍ، حتى سُمّي جيشهم بين العرب جيش السُّويق، وصاروا يسخرون منهم ويقولون: إنّما خرجتم تشربون السُّويق، أمّا المسلمون فقد باعوا واشتروا وتاجروا وربحوا رِبْحاً عظيماً،.

وأنزل الله: {فانقَلَبوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضلٍ لَّمْ يَمسسهُم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضوانَ اللهِ واللهُ ذُو فضلٍ عظيمٍ}[آل عمران:174]


زواج رسول الله r من زينب بنت خزيمة

هي زينب بنت خزيمة من بني هلال، وكان عقد رسول الله r عليها وبناؤه بها في شهر رمضان عام /4هـ/.

وكانت زينب بنت خزيمة الهلالية متزوجة من الطفيل بن الحارث بن المطلب وطلقها وانقضت عدتها، وتزوجها أخوه عبيدة بن الحارث الذي استشهد عنها يوم بدر، ولما انقضت عدّتها فتزوجها من بعده عبد الله بن جحش الذي استشهد عنها يوم أحد ودفن مع خاله حمزة في قبر واحد وانقضت عدتها فتزوجها رسول الله r وكانت تكنّى:(أم المساكين) في الجاهلية والإسلام لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم، وإحسانها إليهم وقد أصدقها الرسول r ثنتي عشرة أوقية ونصفاً من الفضة ودخل بها في شهر رمضان عام /4هـ/ رضي الله عنها.


زواج رسول الله r بأم سلمة

أم سلمة هي: هند بنت أبي أمية من بني مخزوم، وكان عقد رسول الله r عليها، وبناؤه بها في شهر شوال عام /4هـ/.

وكانت أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية متزوجة بأبي سلمة وهو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، فولدت له أربعة أولاد وقد جرح في معركة أحد فداوي جرحه شهراً حتى برئ، ثم خرج في سرية قطن فغنم نعماً ومغنماً جيداً وبعد إقامته بقليل انتقض عليه جرحه فمات رضي الله عنه، وهو صاحب النبيّ r وأخوه من الرضاعة وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ولما انقضت عدتها في شهر شوال عام /4هـ/ فأرسل لها يخطبها فتذكر أنها امرأة شديدة الغيرة ولها صبيان فلهم عمل، ويحتاجون إلى معونة ورد النبيّ الكريم r بأن الصبية لله ورسوله، والغيرة فيدعو الله فيذهبها فأمرت ابنها سلمة أن يزوج رسول الله فزوجه بها وكانت تشكو له قبل زواجها منه عن فقدها لزوجها، فكان يقول لها: قولي اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها وقالت: ثم إني رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير من أبي سلمة فلما تزوجت برسول الله r قلت: فقد أبدلني الله خيراً منه رسول الله r، رضي الله عنها.


وفاة زينب بنت خزيمة

عاشت زينب بنت خزيمة عند رسول الله r نحو شهرين اثنين، ولكن هذه المرأة الصابرة كانت منهكة ضعيفة من شدة تتابع مصائب الدهر عليها إذ فارقت قبل النبيّ r ثلاثة أزواج، وكان زواج النبيّ r بها تكريماً لها وإحساناً بها، وتقديراً لصبرها وجهادها، غير أنها لم تعش عنده أكثر من سبعين يوماً حيث توفيت بعد ذلك، فأمر الرسول بتغسيلها وتكفينها وصلى عليها ودفنها في البقيع وذلك في شهر ذي الحجة عام /4هـ/، وهي آخر من توفي في هذه السنة من المسلمين.


أهم حوادث السنة الخامسة للهجرة (17 بعد البعثة)

1ـ اشتداد النفاق وتفاقمه.

2ـ دخول بني المصطلق في الإسلام عقب زواج رسول الله r بجويرية بنت الحارث.

3ـ نزول سورة المنافقين في فضح النفاق في المدينة عقب محاولة فاشلة من المنافقين للإيقاع بين المهاجرين والأنصار.

4ـ حديث الإفك ونزول سورة النور في براءة عائشة.

5ـ غزوة الأحزاب (الخندق).

6ـ قتل بني قريظة آخر جرثومة غدر في المدينة.

7ـ وفاة سعد بن معاذ.

 

غزوة دومة الجندل

دخلت السنة الخامسة للهجرة، والنبيّ r يرسل دعاته في الآفاق لنشر الدعوة في القبائل، وهي سنة محنٍ وشدائد، تكشّفت فيها للنبيّ r طوايا دفينة من الحقد الأسود المرّ، بعد ما ظهر أن مصالح المستغلين والمستكبرين تجري في هوى قريش. وأول ما كان من الأحداث في هذه السنة غزوة دومة الجندل وقد سميت باسم دومى بن إسماعيل وكان قد نزلها، تبعد عن دمشق (5) ليال، وهي أقرب بلاد الشام إلى المدينة، وتبعد عن المدينة (15) ليلة، وتقع قريباً من تبوك وتمرها جيد يذوب بالفم، وكانت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول عام /5هـ/.

وقد أقام رسول الله r في المدينة عقب دخول السنة يمارس سلطاته الدينية والإدارية والسياسية والعسكرية شهري المحرم وصفر ولما دخل شهر ربيع الأول فقد وردت الأنباء إلى المدينة بأن جمعاً كبيراً من الأعراب يتجمعون بدومة الجندل يظلمون من مرَّ بهم وأنهم يريدون الدنو من المدينة لغزوها، وكان لدومة سوق عظيم، فتجهز النبيّ r يريد تأديبهم، فأمّر على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وأمَّر ابن أم مكتوم ليؤم المسلمين في المسجد الشريف، وأخذ مذكور العذري دليلاً، وكان ماهراً في معرفة طرق البلاد فخرج الرسول r في أوائل شهر ربيع الأول على رأس ألف مقاتل من أصحابه فكانوا يمشون في الليل ويكمنون في النهار حتى دنوا منهم، فأخبره دليله بوجود سوائم بني تميم، وأخبر أهل دومة بمجيئه r فتفرقوا في كل وجه وهجم المسلمون على ماشيتهم ورعائهم فاستاقوها فأصاب من أصاب r وهرب من هرب خوفاً ورعباً منه، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحداً، فأقام بها أياماً، وبث السرايا بقيادة أفراد من أصحابه فرجعوا، وأخذ محمد بن مسلمة الأوسي رجلاً منهم فأتى به رسول الله r فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وقفل راجعاً غانماً، وصالح وهو عائد عيينه بن حصن الفزاري الذي كان يسمَّى الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه ألف قناة، ومنحه r أرضاً يرعى فيها بُهمه على بعد (36) ميلاً من المدينة لأن أرضه كانت مجدبة، ثم تابع مسيره ومعه أصحابه حتى دخلوا المدينة في شهر ربيع الثاني من نفس العام وفي أثناء غيابه توفيت والدة سعد بن عبادة سيد الخزرج.


اشتداد النفاق في السنة الخامسة

النفاق مرضٌ اجتماعي خبيث يصيب الجبناء من أهل الباطل، حين يجبنون عن مقارعة الحق ومواجهته، وتغلبهم أهواؤهم، فلا يدخلون في الحق عن قناعة ويقين، وقد ظهر النفاق في المدينة مع قيامة دولة الإسلام فيها، من الذين تضررت مصالحهم وأنانيتهم بالإسلام من أمثال عبد الله بن أبيّ، الذي كان حين مجيء رسول الله r إلى المدينة، يستعد ليتوج ملكاً على المدينة، فكان يرى أنّ النبيّ r قد سلبه ملكه، ونزع عنه تاجه، وَوَجَد نفسه معزولاً بين قومه الذين التفّوا حول رسول الله r بقلوبهم وأرواحهم،..

فدخل فيما دخل النّاس فيه، رجاءَ أن يستردَّ ما فاته من ملك ومجدٍ، ومن داخل الجماعة المسلمة جَعَل يطعن من الخلف، ويتواطؤ مع قبائل اليهود، ويتصل بقريش وبالأعراب، ويغريهم بحرب النبيّ r ويشيّعُ الأكاذيب والفتن داخلَ المجتمع الإسلامي، وظهر ذلك أشدّ ما ظهر يوم المصطلق، وذلك في حادثتين اثنتين: على ماء المريسيع، وحادثة الإفك.


يومُ المُصْطَلَق شعبان 5هـ

كان بنو المصطلق من خزاعة، لا يخفون عداءهم للنبيّ r وللمسلمين ممّن معه، ومنذ أن وَقَعَ ما وقع يوم أحد وهم يتهيئون للإغارة على المدينة، وفي شهر شعبان من هذه السّنة، بلغ النبيّ r أنّ بني المصطلق قد جمعوا جموعاً عظيمةً، وهم يستعدون للإغارة على المدينة، تحت قيادة زعيمهم المطاع الحارث بن أبي ضرار، فبادر رسول الله r بالخروج إليهم دفاعاً عن بلاد المسلمين من قبل أن يغزوهم في عقر دارهم، فإنّه ما غُزِيَ قَومٌ في دارهم إلاّ ذَلّوا. فقاتلهم رسول الله r في عقر دارهم عند ماءٍ اسمه (المُرَيْسيع)، ونصره اللهُ عزَّ وجلَّ ومكّنه منهم، فأسر من أسر، وارتدَ الباقون على أعقابهم، وقسم النبيّ r السبايا من النساء على المسلمين، وكان جملة من قتل من المشركين عشرة رجال، وكان جملة الغنائم التي غنمها الرسول r نحو ألفي رأس من الإبل، وخمسة آلاف من الشياه، وهلك من المسلمين هشام بن صبابة قتله خطأ أحد المسلمين بسهم غارب.


زواجه r بجويرية في المصطلق

عاد المسلمون يوم المصطلق، والأسارى في أيديهم، وغالب هؤلاء الأسرى مـمـن خرجوا في هوى (الحارث بن أبي ضرار) لا أربَ لهم في حرب الإسلام إلاّ طاعة أسيادهم، فخطَبَ رسول الله r من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: أحماء رسول الله.. لا ينبغي لنا أن نمسكهم في أيدينا، فأرسلوا مَنْ كان في أيديهم من الأسارى والسبايا، وقال النّاس: لا نعلم امرأةً كانت أعظم بركة على قومها من (جويرية) وتتابع قومها بعدئذٍ في الدخول في الإسلام، وقد عاشت جويرية بعد النبيّ r إلى عام 50هـ، فماتت وعمرها 65 عاماً، ودفنت في البقيع.


فتنة المنافقين على ماءِ المُرَيْسيْع

بينما كان الصّحابة على ماء المريسيع يشربون عقب عزوة المصطلق، تزاحم على الماء أجيرٌ لعمر بن الخطاب واسمه جهجاه بن مسعود، وسنان بن وبر الأنصاري، وتلامَسَ الرجلان، وهمَّ كلٌّ بصاحبه، فنادى الأنصاريُّ يا معشر الأنصار، ونادى المُهاجريُّ يا معشر المهاجرين.

وكانت تربية رسول الله r قد نزعت من نفوس الناس عصبيّة الجاهليّة، فلم يستجب أحدٌ من الصحابة لهذا النداء الجاهلي إلاّ القلائل من الذين لم يتمكن الإيمانُ في قلوبهم، ففصل بينهم رسول الله r وقال: دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة، وحكم بين الرّجلين، ورضي الجميع ومضى كُلّ لشأنه، غيرَ أنَّ أفعى النفاق عبد الله بن أبي بن سلول استغل ذلك وقال في جمع من الناس: “أوقد فعلوها، كاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: (أي إن مثلنا ومثل صعاليك قريش) سمّن كلبَكَ يأكلْكَ، أَمَا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ، ثم أقبلَ على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزّ منها الأذلّ” ثم مشى كالأفعى ينفث سمّه في النّاس.

وبلغَ هذا الكلام رسول الله r وثار أصحابه من حوله، وطلبَ عمر بن الخطاب من النبيّ r أن يأمر بقتل المنافق، فقال رسول الله r: فكيف يا عمر إذا تحدّث النّاس أن محمداً يقتل أصحابه، لا ولكن، أذّن بالرحيل، فأذّن بالرحيل، وتشاغل النّاس بالرحيل والسّفر عن الخوض في هذه الفتنة، وبهذا الرّحيل المفاجئ هدّأ النبيّ r ثائرة الفتنة.

وجاء بعبد الله بن أبيّ، فسأله أمام أصحابه، فحلف بالله ما قال ولا سمع بما نقل إلى رسول الله r، واكتفى رسول الله r منه بهذا، فقد ظهر كذبه وتفرّقَ عنه أصحابه الذين رأوا بأعينهم كذبه وجبنه ونفاقه.

وجاء أُسيد بن حضير إلى رسول الله r فقال: يا نبيّ الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله r أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟، قال: وأي صاحب يا رسول الله ؟، قال: عبد الله بن أبي، زعم أنّه إنْ رجع إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال أسيد، فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت. هو والله الذّليل وأنت العزيز، ثم قال يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنَّ قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنّك قد استلبته ملكاً.

ثم مشى رسول الله r بالنّاس يومهم ذاك حتى أمسى وليلتهم، حتى أصبح وصدر يومهم ذاك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس وهم في غاية التعب، فما كان منهم إلاّ أن ناموا وشغلوا بذلك عن فتنة ابن أبيّ،.

وأنزل الله في ذلك سورة (المنافقون) وفيها {هُمُ الذين يقولون لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسول الله حتَّى ينفضُّوا وللهِ خزَائِنُ السَّمواتِ والأرضِ ولَكِنَّ المنافقين لا يفقهونَ يقولونَ لئنْ رَجعنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ وللهِ العزَّةُ ولرسولهِ وللمؤمنينَ ولكنَّ المنافقينَ لا يَعْلَمونَ}[المنافقون:7].

وبلَغَ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول ما كانَ من أمر أبيه، وكان مؤمناً عظيم الإيمان، فجاء إلى رسول الله r وقال: يا رسول الله، إنّه بلغني أنّك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده منّي، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار.

فقال له النبيّ r: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا، وبعد ذلك صار عبد الله كلما أحدث أمراً عاتبه قومه وعنّفوه، فقال رسول الله r لعمر بن الخطاب: كيف ترى يا عمر؟، أما والله لو قتلته يوم قلت اقتلْهُ لأرْعِدَتْ له آنُفٌ ـ لغضبَ له رجالٌ ـ لو أمرتها اليوم بقتله لقتله. فقال عمر: قد والله علمتُ لأَمْرُ رسول الله r أعظم بركةً من أمري.

وهكذا فقد عاد مكر المنافقين على أنفسهم، وافتضح عبد الله بن أبيّ بين قومه وأصحابه، ولكن كلّ ذلك لم يغيّر من حقده ونفاقه شيئاً..


حديث الإفك:

وفي أعقاب غزوة المصطلق، في شعبان من السنة الخامسة للهجرة وقعت حادثة الإفك التي كانت محنة خطيرة للمؤمنين.

ولنستمع إلى السيدة عائشة أم المؤمنين تروي لنا خبر الإفك كاملاً، كما رواه عنها الإمام البخاري:

قالت السيدة عائشة: كان رسول الله r إذا أراد سفراً، أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرجت معه.

فلما كانت (غزوة بني المصطلق) خرج سهمي عليهن، فارتحلت معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلْنَ العلق، لم يهيجهن اللّحم فيثقلْنَ، وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم فيحملونني، يأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه، ثم يضعونه على ظهر البعير ويشدّونه بالحبال، وَبَعْدَئذٍ ينطلقون. قالت: فلما فرغ رسول الله r من سفره ذاك، توجه قافلاً، حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً فباتَ فيه بعض الليل. ثم أذّنَ مؤذّنٌ في النّاس بالرحيل، فتهيؤوا لذلك. وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقدٌ لي، فلما فرغت انسلّ من عنقي ولا أدري، ورجعت إلى الرحل فالتمست عقدي فلم أجده! وقد أخذ الناس في الرّحيل، فعدتُ إلى مكاني الذي ذهبت إليه، وجاء القوم الذين كانوا يُرْحِلُونَ لي البعير ـ وقد كانوا فرغوا من إعداده ـ فأخذوا الهودج يظنّون أنّي فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدّوه على البعير، ولم يشكّوا إنّي به ثم أخذوا برأس البعير وانطلقوا.

ورجعت إلى المعسكر وما فيه داعٍ ولا مجيب؟ لقد انطلق النّاس! قالت: فتلففتُ بجلبابي ثمّ اضطجعت في مكاني وعرفتُ أنّي لو افتقدت لرجع الناسُ إليّ، فوالله إني لمضطجعة، إذ مرّ بي (صفوان بن المعطل السلمي) وكان قد تخلّف لبعض حاجته، فلم يبت مع النّاس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف عليّ ـ وقد كان يراني قبل أن يضربَ علينا الحجاب ـ فلما رآني قال: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون” ظعينة رسول الله ؟ وأنا متلففة في ثيابي!!.

ما خلّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرّب إليَّ البعير وقال: اركبي، واستأخر عني. قالت: فركبتُ وأخذ برأس البعير منطلقاً يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزلوا، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي البعير، فقال أهل الإفك ما قالوا. وارتجّ العسكر والله ما أعلم بشيء من ذلك؛ وكان عبد الله بن أبيّ جالساً في جماعةٍ في أصحابه، فيهم مسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابت، لـمّا مرّ بهم صفوان بن المعطل يسوق البعير بعائشة فقال الشّقي: هذا صفوان بن المعطّل مع بنت أبي بكر، والله ما سلمت منه ولا سلم منها. وقال أصحابه مثل قوله وفشا القول في النّاس.

النفاق.. نتيجة لازمة للحسد:

كل العداوات قد ترجى إزالتها       إلا عداوة من عاداك بالحسد

 

كانت كل مصاهرات النبيّ r بركةً وخيراً عادت على الأمة بالخير العميم.

 

أمراض الجاهلية.. قد تعود للظهور

وواجب الدعاة أن يكونوا لها بالمرصاد.

 

لسان الحاسد فاجر خبيث

لا يفريه إلا حلم الدعاة وطول أنفاسهم

 

كثير من الفتن تموت بالإهمال… واهتمامك بها تشجيع لها

وما شيء أحب إلى سفيـه             إذا شتم الكريم من الجواب

 

رباط العقيدة أقوى من رباط النسب

والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ومن آبائهم.

 

بالحكمة المجردة ثم تجريد العدو من سلاحه ورجاله.

 

كان النبي حريصاً على العدل في كل شيء

وعدله بين نسائه صورة عدله في العالمين.

 

الإشاعة الكاذبة من أخبث وسائل الطاغوت

ودعوة الحق معرضة لكل أنواع الإشاعة الكاذبة.

ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة (مرضاً شديداً) ولَيْسَ يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وإلى أبوي، وهم لا يذكرون منه كثيراً ولا قليلاً. إلاّ أنّي قد أنكرت من رسول الله r بعض لطفه في شكواي هذه.

فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليّ وعندي أمّي تمرضني، قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وَجدت في نفسي ـ غضبت ـ فقلتُ يا رسول الله ـ حين رأيت ما رأيت من جفائه لي ـ: لو أذنت فانتقلت إلى أمي؟ قال: لا عليك، قالت: فانقلبت إلى أمّي ولا علم لي بشيءٍ مـمّا كان، حتى نقهت من وجعي بَعْدَ بضعٍ وعشرين ليلة، وكنا قوماً عرباً، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنّما كنّا نخرج في فسح المدينة، وكانت النساء يخرجْنَ كل ليلةٍ في حوائجهن، فخرجت ليلةً لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطح، فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها ـ ثوبها ـ فقالت: تعس مسطح؟ فقلت: بئس (لعمر الله) ما قلت لرجلٍ من المهاجرين شهد بَدْراً!!..

قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلتُ: ما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كانَ من أهل الإفك. قلت: أوقد كان هذا؟!.. قالت: نعم، والله لقد كان..

قالت عائشة: فوالله ما قدرتُ على أَنْ أقضيَ حاجتي، ورجعت، فوالله ما زلتُ أبكي حتى ظَنَنْتُ أن البكاءَ سيصدع كبدي. وقلتُ لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدّثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً؟ قالت: أي بنيّة، خففي عنك فوالله لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجلٍ يحبّها، ولها ضرائر، إلاّ كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله r فخطبهم ولا أعلم بذلك، ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس ما بال رجالٍ يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق؟. والله ما علمت عليهم إلاّ خيراً. ويقولون ذلك لرجلٍ والله ما علمتُ منه إلاّ خيراً ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلاّ وهو معي! (قالت: وكان كبر ذلك (أصل الفتنة) عند عبد الله بن أبيّ في رجالٍ من الخزرج مع الذي قال: “مسطح” و”حمنة بنت جحش”، وذلك أنّ أختها زَينب بنت جحش كانت عند رسول الله r ولم تكن امرأةً من نسائِهِ تناصبني في المنزلة عندَهُ غيرها، فأمّا زينب فعصَمَها الله بدينها فلم تقل إلاّ خيراً، وأمّا “حمنة” فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارّني بأختها).

فلمّا قال رسول الله r تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا أمرك، فوالله إنهم لأهل أن نضربَ أعناقهم. فقام سعد بن عبادة ـ وكان قبل ذلك يرى رجلاً صالحاً ـ فقال: كذبت لعمر الله، ما تضرب أعناقهم، إنك ما قلتَ هذه المقالة إلاّ وقد عرفتَ أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا.

فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادلُ عن المنافقين.

وتساوَرَ الناس حتى كادَ يكون بين هذين الحيّين شرّ، فجعل رسول الله r يقول: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية تدعون وأنا بين أظهركم وما زال بهم حتى تفرقوا، ونزل رسول الله r،.فدخل عليّ ودعا (عليّ بنَ أبي طالب) و(أسامة بن زيد) فاستشارهما، فأمّا (أسامة) فأثنى خيراً ثم قال: يا رسول الله، أهلُكَ، وما نعلم منهم إلاّ خيراً. وهذا الكذب والباطل!.

وأمّا (عليّ) فقال: يا رسول الله إن النّساء لكثير. وإنّك لقادرٌ على أن تستخلفَ، وسَلْ الجارية فإنها تصدقك.

فدعا رسول الله r “بريرة” يسألها، وقام إليها عليٌّ فقال: اصدقي رسول الله! فتقول: والله ما أعلم إلاّ خيراً وما كنت أعيب على عائشة إلاّ أنّي كنت أعجنُ عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه فتأتي الشاة وتأكله!!.

قالت: ثم دَخَلَ عليّ رسول الله وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

يا عائشة إنّه قد كانَ ما بلغك من قول النّاس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفتِ سوءاً مـمّا يقول الناس، فتوبي إلى الله يقبل التوبة عن عباده.. قالت: فوالله، إن هو إلاّ أن قال لي حتى قلص دمعي، فما أحسّ منه شيئاً، وانتظرتُ أبواي أن يجيبا عنّي فلم يتكلما!.

قالت عائشة: وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأناً من أن ينزل الله فيّ قرآناً، لكنّي كنت أرجو أن يرى النبيّ عليه الصلاة والسلام في نومه شيئاً يكذّب الله به عني، لما يعلم من براءتي، أمّا قرآناً ينزل فيَّ، فوالله، لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.

قالت: فلمّا لم أرَ أبويَّ يتكلمان! قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالا: والله لا ندري بم نجيبه؟ قالت: والله ما علم أهل بيتٍ دَخَلَ عليهم ما دَخَلَ على آل أبي بكرٍ في تلك الأيام. ثم قالت: فلمّا استعجما علي ـ سكتا ـ استعبرت فبَكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مـمّا ذكرت أبداً، والله إني لأعلم لئن أقررتُ بما يقول الناس ـ والله يعلم إنّي بريئة ـ لأقولنّ ما لم يكن، ولئن أنا أنكرتُ ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: أقول ما قال أبو يوسف: {فَصَبرٌ جميلٌ واللهُ المُستانُ على ما تَصِفونَ}[يوسف:18]

فوالله ما برح رسول الله مجلسه حتى تغشّاه من الله ما كان يتغشّاه، فسُجي بثوبه ووضعت وسادة تحت رأسه، فأمّا أَنَا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت وما باليت، وقد عرفتُ أنّي بريئة، والله غير ظالمي، وأمّا أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سُرّي (كشف) عن رسول الله r حتى ظننتُ لتخرجنّ أنفسهما فَرَقاً (خوفاً) أن يأتيَ من الله تحقيق ما قال الناس، ثم سرّي عن رسول الله فجلس، وإنّه لينحدر من وجهه مثل الجمان (المطر) في يومٍ شاتٍ من شدة العرق، فجلس يمسح العرق عن وجهه ويقول: «أبشري يا عائشة، قد أنزل الله عزّ وجلّ براءتك، فقلتُ الحمد لله، ثم خرجَ إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم الآيات».

{إنَّ الّذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنّكُم لا تَحْسَبوهُ شرّاً لكُمْ بل هوَ خَيرٌ لَكُم لِكُلّ امرئٍ مِنْهُم ما اكتسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذي تولَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عذابٌ عظيمٌ}[النور:10].

ثم أمرَ رسول الله r بمسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا مـمّن أفصح بالفاحِشةِ فجلدوا حَدَّ القذف.


مَا بعدَ الإفك

هزَّت حادثة الإفك كيان المجتمع الإسلامي، وأوشكت ـ لولا عناية الله ـ أن تمزّق وحدة الجماعة المسلمة، غير أنّ الله سبحانه وتعالى رَدَّ كيد المنافقين في نحورهم وأبطل مكرهم وتدبيرهم، ولكن كيد أعداء الإسلام ما توقف، ففي شعبان من هذه السنة بدأت قريشٌ بالإعداد لحرب شاملة، للقضاء على الإسلام بتحريض زعماء اليهود، وانطلق اليهود يجيّشون قبائل العرب الكبرى لحرب المسلمين، وخُيِّلَ إليهم أن شوكة المسلمين قد كسرت في أحد، وأنّ على العرب أن يشتركوا جميعاً في المعركة الحاسمة لاستئصال هذه البدعة الوافدة على وثنية العرب، وخلال أقلّ من شهرين تمكن أعداء المسلمين من حشد عشرة آلاف مقاتل من قبائل العرب، وعقدت المؤامرات مع اليهود الباقين في المدينة ـ بنو قريظة ـ.

وطلب من المنافقين داخل المدينة أن يمارسوا دورهم في إثارة الفتنة داخل جيش المسلمين.

وما فرغ رسول الله r من حادثة الإفك وذيولها، حتى كانت جيوش الأحزاب بألوفها المؤلّفة في طريقها إلى المدينة.


غزوة الـخَنْدَق شوال 5هـ

وفي مطلع شوال من السنة الخامسة خرجت قريش بجموعها من مكّة، وصارت كلما مرَّت بحيٍّ من أحياء العرب تستثيرهم وتدعوهم للخروج معها حميّة وعصبيّة جاهلية. واجتمع لقريش نحو عشرة آلاف مقاتل مِنْ قُريش وسُلَيْم وفزارة وأسد وأشجع وغطفان. وأرسل أبو سفيان إلى النبي r مهدداً متوعداً، وبدا لقاء الفصل وشيكاً قريباً. وجمع النبي r أصحابَهُ يشاورهم في الأمر، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله إنّا كنّا بأرض فارس إذا خفنا العدوّ خَنْدَقْنَا علينا.

فسُـرَّ النبيّ r بذلك، لأنّها خطّةٌ ما تعرفها العرب، ورأى أن المدينة تحيط بها حّرتان ـ جبلان ـ حرّة واقم وحرّة الوبرة، وأنّ جنوب المدينة منازل اليهود من بني قريظة وهم حلفاء معاهدون، كما إن بيوت المدينة المتلاصقة تمنع دخول جيش قريش من جهة بني قريظة، فلم يَبْقَ إلاّ شمال المدينة بين الحرّتين، وهو موضع لا يزيد على 5.000 آلاف ذراع ـ 2كم تقريباً ـ،.

ودعا النبيّ r الناس لحفر الخندق؛ واستجاب الأصحابُ للنداء، وامتدت تلك الأيدي الطاهرة تنكت الأرض بالمعاول والمساحي والرفوش.

وقام النبي r يشاركهم في حفر الخندق، وكانَ أمامَ أصحابه يضرب بالمعول ويغرف بالمسحاة وينقل التراب حتى اختلف لون بشرته للناس، ولقد تواصل العمل لَيْلَ نهار، فالوقت عصيب والأحزاب في طريقهم إلى المدينة، وبلغ الإرهاق برسول الله r مبلغاً شديداً، حتى إنه اتكأ على حجر لحظةً فغلبته عيناه فنام، وقام عند رأسه أبو بكر وعمر يمنعان النّاس أن يمرّوا به لئلا ينتبه من نومه، ثم انتبه رسول الله r فوثب يقول: أفلا أفزعتموني، ثم قام إلى العمل وراح يرتجز:

اللَّهُمَّ لا عيش إلا عيش الآخرة                فارحم الأنصار والمهاجرة

وقلَّ الطعام واشتدَّ السغب على المسلمين، حتى كان رسول الله r يشدّ الحجز على بطنه من شدّة الجوع.


معجزة تكثير الطعام لجابر يوم الخندق

وجاء جابر بن عبد الله إلى النبيّ r فدعاه إلى الطعام في بيته، وكانَ مع النبيّ رجلٌ أو رجلان، فنادى رسول الله r في الناس «يا أهل الخندق.. إنَّ جابراً قد صنعَ لكم سوراً ـ طعاماً ـ فحيَّ هلا بكم» فلما دخَلَ جابر على امرأته قال: ويحك! جاء النبيّ r بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك كم طعامك؟ فقال: نعم. قالت: الله ورسول أعلم. وبارك الله في الطعام، وصار النبيّ r يسكب بيده الشريفة من القدر، حتى أكل منه أهل الخندق جميعاً، وبقي الطعام على حاله.


معجزة صخرة سلمان يوم الخندق

وضربَ سلمان بالمعول صخرةً فانكسر معوله منها، ولم تنسكر فكرّرَ مراراً والصخرة على حالها. فجاء النبيّ r فضرب بمعوله ضربةً لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربةً أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثمَّ ضرب به الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى، قال سلمان: قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت لمعَ تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: نعم، قال: أمّا الأول فإنّ الله فتح عليَّ بها اليمن، وأمّا الثانية، فإن الله فتح عليَّ بها الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق.

{ولَقَد سَبَقَت كَلِمَـُنا لِعبادِنا الـمُرْسَلينَ * إنَّهُم لَهُمْ المنصُورُون * وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبونَ}.

وظهر النفاق على أشدّه، وصار المنافقون يهزؤون بالنبيّ r وأصحابه ويقولون: يعدنا محمّدٌ كنوز كسرى وقيصر واليمن وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهَبَ إلى بيت الخلاء، وجعلوا يتسللون إلى بيتوهم لواذاً، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر ويرقبون ما تأتي به الأيام، وفيهم أنزل الله:

{وإِذ يَقُولُ المنافقونَ والَّذينَ في قُلُوبهِمْ مَرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً * وإذ قالت طائفةٌ مِنْهُمْ يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لَكُم فارجعوا ويستئذنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبيَّ يقولون إنَّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورةٍ إن يُريدونَ إلا فراراً * ولو دخلتَ عليهِمِ من أقطارِها ثُمَّ سُئِلُواْ الفِتنَةَ لأَتَوها وما تلبَّثوا بها إلاَّ يسيراً * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبلُ لا يُوَلّونَ الأدبارَ وكانَ عهدُ اللهِ مَسؤولاً * قال لن ينفعَكُم الفِرارُ إن فررتُمْ مِنَ الموتِ أو القتلِ وإذاً لا تُمَتَّعُونَ إلاّ قليلاً * قُلْ مَن ذا الذي يعصمُكُم مِن اللهِ إن أرادَ بكمُ سُوءاً أو أرادَ بِكُم رحمةً ولا يجدونَ لَهُم من دونِ اللهِ ولياً ولا نصيراً}[الأحزاب:12-17].

وخلال ستة أيام من العمل المتواصل تمكّن المسلمون من حفر الخندق، وكان طوله نحو خمسة آلاف ذراع حوالي 2كم، وعرضه نحو تسعة أذرع حوالي (4) أربعة أمتار، وعمقه بين 7 و10 أذرع حوالي (4) أمتار أيضاً.

وما إن فرغ المسلمون من حفر الخندق حتى ظهرت طلائع الأحزاب بقيادة أبي سفيان، يقرعون طبول الحرب ويأملون بغنائم المدينة وبَسَاتينها.

{ولَمَّا رَأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وعدَنَا اللهُ ورسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُم إلاَّ تسليماً..}[الأحزاب:22].

ـ أما المنافقون فإنهم لما رأوا الأحزاب صاروا كما وصفهم الله عزّ وجلّ: {فإذا جاءَ الخوفُ رَأَيتَهُمْ ينظُرونَ إليكَ تَدورُ أعيُنُهُم كالَّذي يُغْشَى عليهِ منَ الموتِ}[الأحزاب:19].

ولـما رأى المشركون الخندق وقفوا مشدوهين أمام هذه المفاجأة الحربية وقالوا: (والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العربُ تكيدها) وعلم الأحزاب أن معركتهم ليست يوماً أو بعض يوم، وأن الحَسْمَ غير ممكن بالبساطة التي كانوا يحسبونَ!!..

فضربوا خيامهم قريباً من الخندق، وأخذوا يبحثون عن ثغرة في الخندق يقتحمون منها المدينة.


غدر يهود قريظة

وما إنْ وصل الأحزاب إلى المدينة حتى قام حيي بن أخطب اليهودي، زعيم بني النضير الذين أجلاهم النبيّ r من المدينة عقب أحد، قام إلى منازل بني قريظة يغريهم بنقض العهد مع النبيّ r، وكان هو الذي أغرى قريشاً بمهاجمة المدينة، ووعدهم مؤازرة يهود بني قريظة.

وبعد ترددٍ قصير تمكّن حييّ بن أخطب من إقناع كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة بنقض العهد مع النبيّ r، فبلغ ذلك النبيّ r، فاستوثق من الخبر فعلم صدقه، ومع أن النبيّ r كتم الخبر عن النّاس، لكن سرعان ما ذاع الخبر في الناس بدعاية المنافقين، فاشتدّ البلاء وعظم الخوف، وانتشر المنافقون يرجفون في المدينة الأراجيف ويثبطون الهمم والعزائم.

وبدأ التراشق بالنبال بين الصّفين، وصارت كل حركة في المدينة مرصودة بسهام المشركين، والرسول r مع أصحابه صامدٌ راسخ خلف الخندق، لا يشكّ في نصرِ الله ووعده الأكيد.

وتمكّن بعض فرسان المشركين من اقتحام الخندق، وكان فيهم عمرو بن عبد ودّ العامري، وصفوان ابن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، وكانَ فارساً فاتكاً مغواراً لا يصمد أمامه أحدٌ، وطَلَبَ المبارزة فخرجَ له عليّ بن أبي طالب. وما زال به حتى أجهز عليه، ففرّ أصحابه وانهزمت خيولهم، ووقع أحدهم في الخندق فقتله المسلمون. واشتد هجوم المشركين على المدينة، وصمد المسلمون لهم وقاتلوهم إلى الليل حتى شغلوا عن صلاة العصر، فصلّوها بعد المغرب.

وهمّت بنو قريظة بالإغارة ليلاً على المدينة. فكلَّفَ النبيّ r خمسمائة رَجُلٍ بحراسة المدينة، واشتدَّ الأمر على المسلمين، ورسول الله r يتابع الأحداث، ويلتجئ إلى ربّه عزَّ وجلَّ يلتمس المعونة والتأييد.


مفاوضة غطفان خلال غزوة الخندق

ورأى رسول الله r شدة الأمر على المسلمين، فأراد أن يصالح قبيلة غطفان، التي شاركت قريشاً في جيش الأحزاب على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، وينصرفوا عنهم، بعثَ إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيّدي الأنصار يستشيرهما في ذلك فقالا: يا رسول الله أهو أمر تحبّه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به، فلا نترك أمر ربنا، أم هو شيء تصنعه لنا؟ فقال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأنني رأيت العرب قد رمَتْكم عن قَوْسٍ واحدةٍ، وكالبوكم من كلّ جانب.

فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كُنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبدُ الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلاَّ قِرىً أو بيعاً، أفحينَ أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فسُرَّ رسول الله r من ثبات المسلمين وصبرهم وقال له فأنت وذاك. فقام سعد بن معاذ فمزق الصحيفة، ولما تبرم.

وكان النبيّ r حريصاً أن يحقن دماء الناس ما استطاع، ومن أجل ذلك احتفر الخندق، وهمّ بمصالحة غطفان، ولقد كانت قريش من خلف الخندق تنعت المسلمين بالجبن والخوف، وتحثّهم على الخروج إليها، والرسول r صامت خَلْفَ خندقه، لا يَرُدُّ جهلهم بجهلٍ ولا طيشهم بطيشٍ.

ومـمّا قاله في ذلك شاعر المشركين (عمرو بن عبد ودّ العامري):

ولقد بححت من الصباح لجمعهم              هــل مــن مـبـارز؟

ووقـــفـــت إذ جـبــن الـمـشـــــ                ـجع موقف المناجز

وقال في ذلك شاعر قريش: (ضرار بن الخطّاب بن مرداس):

فأحـجـرنـاهم شهراً كريتاً              وكنّـا فوقهـم كالقاهرينــــا

نراوحـهم ونغدوا كل يَوْمٍ              عليهم في السّلاح مدججينا

بأيـدينا صـوارم مـرهفات             نقدُّ بها الـمفارق والشؤونا

فلولا خنـدقٌ كـانـوا لديه               لـدمّرنــا علـيـهـم أجـمـعينا

ولكن حال دونهم وكانوا               بـه مـن خـوفـنـا مـتـعـوذينا

وقال عبد الله بن الزّبعرى السّهمي:

شهراً وعشراً قاهرين مـحـمّــداً               وصحابه في الحرب خير صحاب

لولا الخنادق غادروا من جمعهم              قتلــى لـطـيـر ســغَّــبٍ وذئــاب

كلّ ذلك كان يقع في سمع النبيّ r فلا يخرج عن حزمه وصبره، ولا ينفك عن إرادته في حقن دماء النّاس.

واستمر الحصار قرابةَ شهرٍ، والمسلمون بين ثلاثة قوى من المكر والحصار:

1ـ قريش والأحزاب شمال المدينة ومن حولها.

2ـ يهود بني قريظة جنوب المدينة.

3ـ المنافقون داخل المدينة.

والصحابة في صبرهم وإيمانهم يرقبون نصر الله وكانوا يقلبون أبصارهم في السماء، يرقبون نصر الله، فالأمر جدّ، وقد بذلوا ما أمكنهم غير أن ما أحاط بهم من الجهد كان أقسى من احتمالهم.

{أَمْ حَسِبْتُم أن تدخُلُوا الجنَّةَ ولـمَّا يأتِكُم مَثلُ الذينَ خَلَوا من قبلكم مسَّتْهُمُ البَأسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلزِلُوا حتَّى يقولَ الرَّسُولُ والَّذينَ آمنوا مَعَه مَتَى نَصر اللهِ ألا إنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ}

وعلم الله صدق إيمانهم، وتدخَّلت جنود الله فغيّرت الأحوال بأيسر السبل {ومَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُو}[المدثر:20].


خبر نعيم بن مسعود في غزوة الخندق

وفي ذلك الموقف العصيب، جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله r مسلماً، وقال يا رسول الله: إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله r: إنّما أنت فينا رجلٌ واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة!.

فخرج أبو نعيم حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودّي إيّاكم وخاصّة ما بيني وبينكم قالوا: صدقت لَسْتَ عِندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشاً وغطفان لا تؤثّر فيهم الهزيمة، فالبلاد ليست بلادهم، أمّا بنو قريظة، فإن كانت الهزيمة فستدور الدائرة عليهم وعلى أعراضهم، وقال لهم: فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، فقالوا: لقد أشرتَ بالرأي.

ثم خرج نعيم حتى أتى قريشاً، فقال لهم: قد عرفتم ودّي لكم، وإنّه قد بلغني أمرٌ قد رأيت عليّ حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم، فاكتموا عنّي، فقالوا: نفعل فقال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه، إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيكَ أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضربَ أعناقهم، ثم نكون معك، على من بقي منهم حتى نستأصلهم، فأرسل إليهم أن نعم. فإنْ بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً!..

ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم ما قاله لقريش. ولـمّا كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة، يطلبُ منهم الاستعداد للقتال في الغد، فقالت اليهود: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً ولسنا مع ذلك نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقةً لنا، فإنا نخشى إنِ اشتدّ القتال أن تعودوا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلمّا رَجَعَ عكرمة إلى قريش قالوا: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وقالوا لبني قريظة والله لا نعطيكم رهناً أبداً، فاخرجوا معنا إن شئتم، وإلاّ فلا عهد بيننا وبينكم، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم بن مسعود.

وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم.

ومكث المشركون حول المدينة يوماً وليلة، حائرين لا يدرون ما يصنعون، بعد أن استقرّ في نفوسهم أنّ يهودَ بني قريظة قد تخلّوا عن مؤازرتهم ومناصرتهم. واشتد البرد عليهم، وسلّط الله عليهم ريحاً شديدة كفأت قدورهم وأطفأت نيرانهم، وانتزعت خيامهم وانكشفوا أمامَ نبال المسلمين، فعقدوا عزمهم على الرّحيل.

{فلمّا أحسّوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أُترِفْتُمْ فيهِ ومَساكِنِكُم لعَلَّكُم تُسئَلُونَ}

وقام أبو سفيان خطيباً في القوم يقول: يا معشر الناس، ارتحلوا فإني مرتحل. وجَعَل الناس يلتقطون متاعهم ويجمعون حوائجهم، بعد أن فرقتها الرّيح، وما طلع الصبح إلاّ وقد صرف الله كيد المشركين وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيراً.

ونزل في ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اذكروا نِعمَةَ اللهِ علَيكُم إذ جاءَتْكُم جُنُودٌ فأرسلنا عليهِمْ ريحاً وجُنوداً لَّم تَرَوها وكانَ اللهُ بِما تعمَلُونَ بصيراً إذ جاؤوكُم مِن فوقكم ومِنْ أَسفلَ مِنكُم وإذ زاغتِ الأبصارُ وبلَغَتِ القلوبُ الحَناجِرَ وتظنُّونَ باللهِ الظُّنونا هُنالِكَ ابتُليَ المؤمنونَ وزُلْزِلوا زِلزالاً شديداً}[الأحزاب:9-11]

وفيهم أنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَرَدَّ اللهُ الَّذينَ كَفَروا بِغَيظِهِم لَم ينالوا خيراً وكَفَى اللهُ المؤمنينَ القتالَ وكان اللهُ قوياً عزيزاً}[الأحزاب:25]

وتهلّل وجه النبيّ r وهو ينظر إلى أطلال القوم، وقال في ثقة: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». (انظر شهداء وقتلى الخندق).

وهتف المسلمون بلسان النـّصر والشّكر:

لا إله إلاّ الله وحده…

صدق وعده، ونصر عبده…

وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده…

لا شيءَ قبله ولا شيء بعده…


غزوةُ بني قُريظة ذو القعدة 5هـ

ولـمّا انصرفَ رسول الله r من غزوة الخندق في شوال سنة خمس للهجرة، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم، كان لا بدّ أن يفرغ النبيّ r لأولئك الذين نقضوا العهد، ومارسوا الغدر، وكادت مؤامرتهم أن تزلزلَ دولة الإسلام، وهم يهود بني قريظة.

وجاء جبريل الأمين إلى النبيّ r فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله …؟. فما وضعت الملائكة السلاح بعد، فإنّ الله عزَّ وجلَّ يأمرك بالمسير إلى بني قريظة!.

فنادى المنادي: من كانَ سامعاً مطيعاً فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة.

فخرج رسول الله r وأصحابه من فورهم، وما وافى المساء إلاّ وهم مجتمعون حول حصن بني قريظة. وأحكم النبيّ r الحصار حول القوم خمساً وعشرين ليلةً، حتى أجهدهم الحصار وقلّت مؤونتهم وأشرفوا على الهلاك.

وأرسل زعيمهم كعب بن أسد القرظي إلى النبيّ r يسأله العفو عن بني قريظة على أن يرحلوا بدمائهم وأموالهم.

فرفض النبيّ r ذلك، ثمَّ عرضُوا أن يتركوا أموالهم ويفرّوا بدمائهم، فرفض النبيّ r لأنه علم أنهم ما يخرجون إلاّ ليواصلوا كيدهم ومكرهم للإسلام. فقد كان نقضهم للعهد وتآمرهم مع المشركين كلّه من صنيعة حيي بن أخطب زعيم بني النضير الذي عفا عنهم رسول الله r بعد يوم أحد. ولكنّ رسول الله r طلبَ إليهم أن يختاروا رجلاً من المسلمين يحكم بينهم، فاختاروا سعد بن معاذ، وكان حليفاً لهم وبينهم وبينه معاملات وتجارات، فرضي رسول الله r بذلك، وأرسل في طلب سعد بن معاذ، وكان سعد قد تخلف في المدينة لجراحةٍ أصابته يوم الخندق، فجيء بسعد بن معاذ محمولاً على البعير، وصار المنافقون من حلفاء بني قريظة يسرّون في أذنه أن يحسنَ إلى القوم، ويعدونه ويمنونه وهو صامت لا يردّ.

حتى إذا نزل عن ناقته واجتمع حوله رؤساء بني قريظة ورؤساء الصحابة، فقال سعد لليهود: عليكم عهد الله وميثاقه إن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، ثم أشار إلى الناحيّة التي فيها رسول الله r وقال: وعلى من هنا؟ فقال النبيّ r: نعم.

فقال سعد بن معاذ: قد آن لسعدٍ أن لا تأخذَهُ في الله لومةُ لائم. ثم قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرّجال وتقسّم الأموال وتسبى الذراري والنساء.

فقال له النبيّ r: «لقد حكمت فيهم حكم الله من فوق سبع سموات»

وقدمت تلك الرؤوس الغادرة تفوح منها رائحة المكر والشرّ والغدر، واصطفت بانتظار جزائها العادل، وعلا بكاء النّساء ونحيبهنّ وصراخهنّ، ولكن ما كان لهذا البكاء أن يثلم سيفَ العدالة والقسط، وما كان للنبيّ أن يفلت هذه العقارب والأفاعي لثغاء مباضعها وفحيح ذراريها، بعد إذ مكّنه الله من سمّها ونارها. وأمرَ بالرّجالِ فضربت أعناقهم إلاّ أفراداً منهم، صدق إيمانهم وتوبتهم ووزّعت سباياهم وذراريهم وأموالهم على المسلمين. وبذلك أراح النبيّ r المدينة مما بقي من سرطانها الخبيث.

وفي منتصف ذي الحجّة عاد المسلمون إلى مدينتهم، بعد أن ردّ الله كيدَ الأحزاب وخلّصهم من مكر يهود قريظة، ونزل في ذلك قول الله عزَّ وجلَّ:

{وردَّ اللهُ الّذينَ كَفرُوا بِغَيظِهِم لم ينالُوا خيراً وكَفَى اللهُ المُومِنينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قوياً عزيزاً وأنزلَ الَّذين ظاهَرُوهُم مِن أهلِ الكتابِ مِن صَيَاصِيهِم وقذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعبَ فرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأسِرونَ فريقاً * وأَورَثَكُم أَرضَهُم وديارَهُم وأموالَهُم وأرضاً لم تَطَؤوهَا وكانَ اللهُ على كلِّ شَيءٍ قَديراً}[الأحزاب:25]

وكان أوّل ما أصابهم في المدينة وداعهم لسعد بن معاذ، فقد انفجر به جرحه الذي أصابه يوم الخندق، وودّع الحياة راضياً قريرَ العين، بعد أن كتبَ اللهُ على يده شفاء المدينة من هذا الطاعون المزمن، طاعون المكر اليهودي. وخرج رسول الله r مع أصحابه في تشييع سعد بن معاذ، ذلك الرّجل العظيم الذي مهد طريق الهجرة إلى المدينة بحزمه وعزمه وإيـمانِهِ ويقينه.

ورُؤيَ رسولُ الله r يمشي في جنازة سعد على رؤوس أصابعه، فسئل في ذلك فقال: «لقد شيَّعَهُ سبعونَ ألفاً من الملائكة!!…».


أهم حوادث السنة السادسة للهجرة (18 بعد البعثة)

1ـ استئناف إرسال سرايا الدعاة.

2ـ تطهير أطراف المدينة من بقايا اليهود ومقتل أبي رافع.

3ـ التفكير في موادعة قريش ومعاهدتها.

4ـ الخروج للحديبية وبيعة الرضوان.

5ـ صلح الحديبية وفيه:

أ ـ اعتراف قريش بالدولة الإسلامية.

ب ـ وضع الحرب عشر سنين.

جـ ـ قطع الأحلاف بين قريش واليهود.

6ـ فتح خيبر.. آخر معاقل الغدر في جزيرة العرب.

7ـ نزول سورة الفتح.

دخول السنة السادسة

مضت خَمْسُ سنواتٍ والنبيّ r في المدينة لا يهدأ من تلقي الصدمات ومواجهة المكائد.

وفي السّنة السادسة هدأ وضعُ المدينة بعد خلاصها من بني قريظة، وكسرت شوكة النفاق، ولم يبق في المدينة مصرّح بنفاقٍ بعد أن رأوا ما جرى لإخوانهم يوم الخندق ويوم قريظة، وأَمِنَ المسلمون في المدينة وسائر هذه السّنة، باستثناء بعض الأخبار التي كانت تردُ عن عزم بعض القبائل على الاعتداء على المدينة. فكانَ النبيّ r يذهب لتأديب هذه القبائل، أو يرسل مَنْ يؤدبها قَبْلَ أن تجمعَ قوتها لحرب المسلمين.


سرايا السنة السادسة

كانَ جو الجزيرة العربيّة قبلياً، وكانت الحروب شائعة بين القبائل بهدف السلب والنهب، وكانت شريعة الصحراء: (ومَنْ لا يَظْلِمِ النّاسَ يُظْلَمِ).

وكان فيما حول المدينة أعرابٌ جاهليّون من بني فزارة وتميم، تحمشهم الحرب فيغيرون على بعض أطراف المدينة، وينهبون ويسرقون.

فكان النبيّ r يرسل السّرايا المختلفة لردّ هذه الغزوات قبل أن تحصل، وأغلب سرايا السنة السادسة كانت من هذا النوع للرد على قطاع الطرق.

غزوةُ بني لحيان جمادى الأولى السنة السادسة

بنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله r بالرجيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم متوغلة في الحجاز إلى حدود مكة، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب، لم يكن يرى رسول الله r أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأى أن الوقت قد آن لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادى الأولى سنة 6هـ في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران ـ واد بين أمج وعسفان، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم ـ وسمعت به بنو لحيان، فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة.

سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ربيع الأول سنة 6هـ

في ربيع الأول أو الآخر سنة 6هـ خرج عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً إلى الغمر، وهي ماء لبني أسد ،ففر القوم، وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة.

سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة ربيع الأول 6هـ

في ربيع الأول أو الآخر سنة 6هـ خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى القصة في ديار بني ثعلبة، فكمن القوم لهم ـ وهم مائة ـ فلما ناموا قتلوهم، إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهم جريحاً.

سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ربيع الآخر 6هـ

وفي ربيع الآخر سنة 6هـ بعث النبيّ r أبي عبيدة على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، فخرج ومعه أربعون رجلاً إلى مصارعهم، فساروا ليلتهم مشاة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابوا رجلاً واحداً فأسم، وغنموا نعماً وشاءً.

سرية زيد بن حارثة إلى الجموم ربيع الأخر 6هـ

في ربيع الآخر سنة 6هـ خرج زيد إلى الجموم وهي ماء لبني سليم في مر الظهران، فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعماً وشاءً وأسرى، فلما قفل بما أصاب، وهب رسول الله r للمزينية نفسها وزوجها.

سرية زيد إلى العيص جمادى الأولى 6هـ

وفي جمادى الأولى سنة 6هـ خرج زيد أيضاً في سبعين ومائة راكب، وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص ختن رسول الله r، وأفلت أبو العاص، فأتى زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب من رسول الله r رد أموال العير عليه، ففعلت، وأشار رسول الله r على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم، فردوا الكثير والقليل والكبير والصغير، حتى رجع أبو العاص إلى مكة، وأدى الودائع إلى أهلها، ثم أسلم وهاجر، فرد عليه رسول الله r زينب بالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف، كما ثبت في الحديث الصحيح، ردها بالنكاح الأول؛ لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك.

سرية زيد إلى الطرف جمادى الآخرة 6هـ

وتسمى الطرق في جمادى الآخرة سنة 6هـ خرج زيد في خمسة عشر رجلاً إلى بني ثعلبة، فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون رسول الله r سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيراً، وغاب أربع ليال.

سرية زيد إلى وادي القرى رجب 6هـ

وفي رجب سنة 6هـ خرج زيد في اثني عشر رجلاً إلى وادي القرى؛ لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك، فهجم عليهم سكان وادي القرى، فقتلوا تسعة، وأفلت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة.

سرية الخبط آخر السنة السادسة

تذكر هذه السرية في رجب سنة 8هـ، ولكن السياق يدل على أنها كانت قبل الحديبية، قال جابر: بعثنا النبيّ r في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيراً لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا منه، حتى ثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه، ومر تحته، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله r، فذكرنا له ذلك، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا، فأرسلنا إلى رسول الله r منه.

وإنما قلنا: إن سياق هذه السرية يدل على أنه كانت قبل الحديبية؛ لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية.


مقتل أبي رافع رمضان 6هـ

وفي شهر رمضان من السنة السادسة أرسل النبيّ r خمسةً من أصحابه من الخزرج لقتل أبي رافع (سلاّم بن أبي الحقيق)، وكان أبو رافع من زعماء بني النضير، وساهم في جيش الأحزاب وأمدّهم بالمال وهو تاجرُ الحجاز الأكبر، ثم لجأ إلى يهود خيبر وأخذ يحرضهم على حرب رسول الله r، فذهب الصحابة إليه وقتلوه في داره، فدفعوا بقتله حرباً كانت وشيكة الوقوع.

ولم تكنْ هذه السّرايا والغزوات التأديبية ذات أثرٍ كبيرٍ على المدينة، فالعدد الذي كان يخرج فيها قليلٌ ولم تحدث ضجّة في المدينة، وهذا ما جعلَ المدينة في أمانٍ واستقرارٍ.

وفَزَعَ النبيّ r ليعلّم الناس دينهم ويوضح لهم أحكام الشَّريعة، وكان مـمّا شرّع في هذه السّنة الحج والعمرة.


صُلْحُ الحُدَيْبِيَة ذو القعدة 6هـ

في آخر السّنة السادسة وفي شهر ذي القعدة، رأى رسول الله r في الرؤيا أنّه يطوف بالبيت مع أصحابه، ورؤيا الأنبياء حق، فما هي إلا أن ذكرها لأصحابه حتى هاج شوق الصحابة لزيارة البيت، وأيقنوا أنهم لا بدَّ أن يأتوا البيت ويطوفوا به.

واستنفر العرب ومن حوله البوادي ليخرجوا معه، فأبطأ كثير من الأعراب، وغسل ثيابه، وركب ناقته القصواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نميلة الليثي، وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة 6هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا سرح المسافر، السيوف في القرب.

واجتمع حول النبيّ r ألفٌ وأربعمائة من أصحابه، كلهم يريد زيارة بيت الله الحرام.

وفي ذي القعدة خرج النبيّ r بهم معتمراً لا يريد حرباً، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن النّاس من حربِهِ، وليعلموا أنّه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له.

وارتفعت أصوات الصحابة من حول النبيّ r وهم يهلّلون ويكبرون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمة لك والملك لا شريك لك…».


قريش تستعد لمواجهة الرسول يوم الحديبية

خرج رسول الله r من المدينة قاصداً مكة حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريشٌ قد سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل (وهي النوق الحلوب وأولادها) وقد نزلوا (بذي طوى) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خَيْلهم قد قدّموها إلى (كراع الغَميم). فقال رسول الله r: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني اللهُ عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهِدُ على الذي بعثني الله به حتى يظهرَهُ اللهُ أو تنفردَ به هذه السالفة!!..»


الرّسول يغيّر طريقه

ثم قال: مَنْ رجلٌ يخرجُ بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من بني أسلم: أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقاً وعراً كثير الحجارة بين شعار، فلما خرجوا منه وقد شقّ ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرضٍ سهلةٍ عند منقطع الوادي، قال رسول الله r للناس: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه». والله إنها للحطَّة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.

وهكذا فإنَّ النبيّ r جهد أن لا يلقى خيل قريش، حرصاً على حقن الدماء ونشر الإخاء، ومازال في مسيره الذي سار فيه حتى نزل في ثنية المرار قرب الحديبيّة.

مفاوضات غير مباشرة مع قريش قبل الحديبية

فلمّا اطمأن رسول الله r أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي رسولاً من قريش في رجالٍ من خزاعة. فكلموه وسألوه: ماالذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لـم يأت يريد حَرْباً، وإنّما جاء زائراً للبيت، ومعظّماً لحرمته، ثم قال لهم نحواً مـما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنّكم تعجلون على محمّدٍ، إنّ محمّداً لم يأتِ لقتالٍ وإنما جاء زائراً هذا البيت.

فاتهموهم وجبَّهوهم وقالوا: وإن كان جاءَ لا يريد قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدّث بذلك عنا العرب.

وكانت خزاعة على كفرها تنصح لرسول الله r، مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة.

ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، فلما رآه رسول الله r مقبلاً قال: هذا رجلٌ غادر. فلما انتهى إلى رسول الله r وكلّمه، قال له رسول الله r نحواً مـمّا قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله r.

ثم بعثوا إلَيْهِ الـحُلَيْس بن علقمة ـ أو ابن زبان ـ، وكان يَومئذٍ سيّدُ الأحابيش وهم حلفاء قريش بمكة، فلما رآه رسول الله r قال: إنّ هذا من قومٍ يتألّهون ـ يعبدون الله ويعظمونه ـ، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه.

فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طولَ الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله r إعظاماً لما رأى. فقال لهم ذلك، فقالوا لهُ: اجلسْ فإنما أنت أعرابي لا علم لك. فغضب عند ذلك وقال: يا مَعشَر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم!. أيصد عن بيت الله من جاء معظّماً له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمّدٍ وبين ما جاء له أو لأنفرنَّ بالأحابيش نفرةَ رجلٍ واحد! فقالوا له: مه، كفَّ عنا يا حُلَيْس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

ثم بعثوا إلى رسول الله r عروة بن مسعود الثقفي، فخرج حتى أتى رسول الله r، فجلس بين يديه ثم قال: يا محمّد، أجمعت أو شاب النّاس ثم جئت بهم إلى بيضتك ـ عشيرتك ـ لتفضّها ـ لتكسرها ـ بهم؟ إنّها قريش قد خرجت، معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوةً أبداً. وأَيْمُ الله لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً!.

فوثب أبو بكر الصديق وكان خلف النبيّ r فقال: امصص بظر اللاّت، أنحن نتكشّف عنه؟ قال: مَنْ هذا يا محمّد؟. قال: هذا ابن أبي قحافة. قال: أما والله لولا يدٌ كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها.

ثم جَعَلَ يتناول لحيةَ رسول الله r وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله r في الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناوَلَ لحية رسول الله r، ويقول: اكْفُفْ يدك عن وجه رسول الله قبل أن لا تصل إليك! فيقول عروة: وَيْحَك! ما أفظّك وأغلظك! فتبسّم رسول الله r، فقال له عروة: مَنْ هذا يا محمّد؟ قال: هذا ابنُ أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غُدَر!..، وهل غسلت سوأتك إلاّ بالأمس، فكلّمه رسول الله r بنحو مما كلّم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأتِ يريد حرباً.

فقام من عند رسول الله r وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلاّ ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنّي جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنَّجاشيّ في ملكه، وإنّي والله ما رأيت ملكاً في قومٍ قط مثل محمّدٍ في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيءٍ أبداً فروا رأيكم.

وإنّ رسول الله r دعا خُراشَ بنَ أميّةَ الخزاعي، فبعثَهُ إلى قريش بمكة، وحمله على بعيرٍ له يقال له: (الثعلب) ليبلغَ أشرافهم عَنْهُ ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله r وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله، حتى عاد إلى رسول الله r .


الرّسول يرسل عثمان لقريش مفاوضاً قبل الحديبية

ثم دعا النبيّ r عمرَ بنَ الخطاب ليبعثَهُ إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رَجُلٍ أعزّ بها منّي: عثمان بن عفان.

فدعا رسول الله r عثمان بنَ عفّان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأتِ لحربٍ، وأنّه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته.

فخرجَ عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دَخَلَ مكةَ أو قبل أن يدخلها، فحَمَلهُ بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغَ رسالةَ رسول الله r فانطلقَ عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله r ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالةِ رسول الله r إليهم: إنْ شئتَ أن تطوفَ بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفْعَلَ حتى يطوف به رسول الله r، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله r والمسلمين أن عثمان بنَ عفّان قد قتل.


بَيْعَةُ الرّضوان في الحديبية

ولـمّا بَلغَ النبيّ r ما تحدّث به الناس من قتل عثمان غضب غضباً شديداً، ثم جمع أصحابَهُ تحت شجرةٍ قربَ ماء الحديبية، فدعاهم إلى المبايعة على الموت.

فاجتمع حوله الأصحاب فبايعوه واحداً واحداً إلا رجلاً واحدا كان ضعيف الإيمان فاختبأ تحت ناقة. وفي هذه البيعة الصادقة نزل قول الله عزَّ وجلّ:

{لقَدْ رضيَ اللهُ عنِ المؤمنينَ إذْ يبايعونكَ تحتَ الشَّجَرةِ فَعَلِمَ ما في قلوبِهِمْ فأنزلَ السَّكينَةَ علَيهِم وأثابهُم فَتحاً قرِيباً}[الفتح:17]

وإنّما سُمّيت بَيْعَةُ الرّضوان، لأن الله رَضيَهَا وأثنى على أهلها.

ثم أتى رسول الله r أنّ الذي ذُكِرَ من أمر مقتل عثمان باطل.


المفاوضة المباشرة في الحديبية

ولما علمت قريش بما كانَ من أمر البيعة، وأيقنت أن المسلمين قد عقدوا العزم على دخول البيت، بعثت سهيل بن عمرو مفاوضاً ومصالحاً، وكان سهيل بن عمرو خطيب قريش، وكان زعيماً مطاعاً فيها، فلما رآه النبيّ r قال: أبشروا فقد سهل أمركم.

وقام النبيّ r إلى سهيل بن عمرو يخبره بغاية قدومه، وأنّه جاء معتمراً زائراً للبيت، لا يريد حرباً ولا قتالاً، وسهيل بن عمرو يلظُّ بالباطل ويراوغ في القول، حتى اتفق مع النبيّ r على صلح توضع فيه الحرب ويأمن الناس في شروط، ظاهرها لَيْسَ في مصلحة المسلمين.

ثم دعا رسول الله r عليَّ بنَ أبي طالب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرفُ هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله r: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنّك رسول الله لم أقاتلْكَ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك! فقال رسول الله r: والله إني لرسول الله ولو كذبتموني، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو،.

واصطلحا على وضع الحرب عن النّاس عشر سنين يأمن فيها النّاس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى محمّداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً مـمن مع محمّد لم يردوه عليه!.

ومما جاء في نص الصلح: (إن بيننا عيبة مكفوفة وأنّه لا إسلال وإغلال ـ لا سرقة ولا خيانة ـ وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد r وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

وأنّك ترجع عنّا عامَكَ هذا فلا تدخل علينا بمكة، وأنّه إذا كانَ عام قابل خرجنا عَنْك فدخلتها بأصحابِكَ، فأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الرّاكب، السّيوف في القرب لا تدخلها بغيرها.).

وثار الأصحاب لهذا الصّلح الظّالم في ظاهره، ووثبَ عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكرٍ أَلَيْس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نُعْطِي الدّنية في ديننا!!.

قال أبو بكر: يا عمر ألزم غرزة ـ أمره ـ فإنّي أشهد أنّه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول الله !.

ثم أتى رسولَ الله، فقال: ألست برسول الله! قال: بلى. قال: أَوَلَسْنا بالمسلمين! قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا؟.

قال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيّعني».

وجعل معسكر الصحابة يغلي بالوجد، والنبيّ r فرحٌ راضٍ بما أمضى مع القَوْمِ مِنْ ميثاق.

{وعسى أنْ تَكْرَهُوا شيئاً وهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وعسَى أن تُحِبُّوا شَيئْاً وهوَ شرٌّ لَكُمْ واللهُ يعلمُ وأنتم لا تعلَمونَ}.


رد أبي جندل إلى المشركين يوم الحديبية

ولـمّا أمضى رسول الله الكتاب وأشهد عليه جماعةٌ من المؤمنين ورجالاً من الكافرين، جاء إلى معسكر المسلمين أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكان شاباً قد أسلم فوثقه أبوه سهيل بن عمرو بالحديد، لئلا يهاجر إلى المدينة وفيما كان أبوه يفاوض النبيّ، أعانَهُ بعض المستضعفين في مكة، ففكَّ أغلاله، وخرج إلى رسول الله بالحديبية.

فلما رآه سهيل بن عمرو وقامَ إليه يضربُ وجهه ويأخذ بثوبه، ثم قام: يا مـحمّد قد لُجَّتِ القضيَّة بيني وبينك قبل أن يأتيَ هذا!. قال: صدقت.

فجَعَل سهيلٌ يدفع أبا جندل ويلطمه، وأخذ غصناً من شوك فَجَعلَ يضربه على وجهه إمعاناً في المكابره، وإصراراً على الباطل.

وجعل أبو جندل يقول: يا معشر المسلمين، أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني.

ورسول الله يقول: يا أبا جندل، إنّا قد أعطينا القوم عهودنا ومواثيقنا، وإنّ الله جاعلٌ لما ترى فَرَجاً ومخرجاً.

وانقلب الأصحاب وبهم من الهم والغمّ ما لا يعلمه إلاّ الله، ووثبَ عمر بن الخطّاب فمشى إلى جانب أبي جندل، وجعل يدني مقبض السّيف من كفّ أبي جندل ويقول: يا أبا جندل، إنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، وكان يريد أن يأخذ أبو جندل السّيف فيضربَ به أباه، وقال أبو جندل بعدئذٍ: والله ما منعني أن أصدّ أبي إلاّ خشية أن ينتقضَ ميثاق النبيّ r.

ثم قال رسول الله r لِمَنْ معه من الناس: «قوموا فانحروا، واحلقوا وحلّوا، فلم يجبه أحدٌ إلى ذلك بعد أن بَلَغَ بهم الذهول كل مبلغ، فدخل مغضباً على أم سلمة فقال لها: هلك  الناس أمرتهم فلم يمتثلوا!!.. قالت أمّ سلمة: يا رسول الله، إنّ النّاس قد دخلهم أمرٌ عظيمٌ مما أدخَلْتَ على نفسِكَ من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح، فاخرج يا رسول الله فلا تكلم أحداً حتى تنحر بدنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك.

فلما رأى الناس ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلِق لبعضٍ حتى كادَ بعضهم يقتل بعضاً من شدّة الغم.

الانصراف من الحديبية

ولـمّا انصرفَ رسول الله r من الحديبية، أنزل الله عليه:

{إنَّا فتَحْنَا لكَ فتحاً مُبيناً لِيَغْفِرَ لكَ اللهُ ما تقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخَّرَ ويُتِمَّ نِعمَتَهُ عليكَ ويهديكَ صِراطاً مستقيماً}[سورة الفتح]

فأقبلَ عمر بن الخطاب على النبيّ r وقال: يا رسول الله، أو فتحٌ هو يا رسول الله؟ فقال نعم والّذي نفسي بيده إنّه لفتح. فعاد عمر يسأل قال: يا رسول الله، أَلَسْتَ كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال النبيّ r: أكنت حدّثتكم أنّكم تدخلون هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه فمطوف به إن شاء الله.

وسأله عمر: فقال يا رسول الله كيف نردّ مَنْ جاءنا مسلماً ولا يردّونَ مَنْ رَجَعَ إليهم؟!..

فقال النبيّ r: «مَنْ ذَهَبَ منا إليهم فلا ردّه الله، ومَنْ جاءنا منهم فرددناه فإنّ الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً».

{وَمَن ينقلب على عَقِبيهِ فَلن يَضُرَّ اللهَ شيئاً وسَيجزِي اللهُ الشّاكرين}[آل عمران:144]

وانقلب المسلمون إلى المدينة مع نبيّهم r وهم في حيرةٍ من أمرهم، فهم لا يشكّون أنّه فتحٌ مبين، ولكنهم لا يفهمون كيف يكون ذلك الصلح المجحف نصراً مبيناً!!.

وقد جاءت الأيام بصدق ما بشرهم به النبيّ r.

فقد كان العهد اعترافاً رسمياً بدولة الإسلام من أشد خصوم الإسلام عداوةً في جزيرة العرب.

وإذا عاهد القوي ضعيفاً               كان معناه الإذلال والتوهينا

وقد انقطع بهذا الحلف كل نشاط النّفاق في المدينة، وصارت العرب تنظر إلى المسلمين نظرةً أخرى.

وهكذا ودّع رسول الله r السّنة السادسة، بعد أن هيأ فرصة السّلام الرابحة والتي ستعود على الإسلام بأعظم البركات في أمدٍ قريب…


فتح خيبر المحرم 7هـ

بعد عودة النبيّ r من الحديبيّة بعشرين يوماً، نادى في المسلمين بنفير الجهاد إلى خيبر. فوصلها في أواخر ذي الحجة ومعه ألف وستمائة مقاتل..

وخيبر هي معقل اليهود المركزي في جزيرة العرب، ففيها قلاعهم وحصونهم وأموالهم، وإليها لجأ يهود قينقاع والنضير بعد  إجلائهم من المدينة، وقد بدؤوا يعدّون العدّة، ويستعدّون للإنتقام من المسلمين بعد أن رأوا ما حلّ بإخوانهم يهود بني قريظة.

وكانَ تحالف قريش مع اليهود أكبَرَ خطرٍ يهدد الجماعة المسلمة في كل حين، فكانَ صلح الحديبية بمثابة قطعٍ لحلف التآمر بين يهود وقريش.

وكان جل من مع النبيّ r ممن شهد الحديبية، فضرب الحصار من فوره حول قلاع خيبر وحصونها، وتجهّز اليهود في ألفٍ وأربعمائة مقاتل، ولواؤهم مع سلام بن مشكم، فمكث المسلمون ستة أيامٍ، فلم يفتح عليهم أي حصْنٍ من حصونها.

ثم قال رسول الله r: لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُهُ!

فباتَ النّاس يذكرون أيهم يعطاها؟.

فلما أصبحوا غدوا إليه متطلعين إلى أخذها، فنادى النبيّ r علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ من أن يكون لَكَ حمر النّعم.

وإنما ساقَ رسولُ الله r هذا النّصح الرّشيد حتى يقطع تطلّع النفوس إلى المغانم المعجّلة، فإنّ ثروة اليهود (إذا هزموا) ضخمة، ولكن ثوابَ مقاتليهم إذا اهتدوا أكبر!!..

وابتدأ القتال حول الحصون، فجعلت تسقط واحداً إثر واحدٍ في أيدي المسلمين، فسقط حصن ناعم ثم حصن القموص بعد عشرين يوماً، وكانوا كلّما تهاوى حِصْنٌ لجأوا إلى الذي يليه، حتى اجتمعوا في حصني الأظبية والوطيح، وتحصّنوا فيهما أشدّ التحصين، واستمرَّ القتار أربعة عشر يوماً حول هذا الحصن، وبرز فيه من مقاتلي المسلمين عليّ بن أبي طالب وأبو دجانة، وكانَ حصناً منيعاً صعباً حتى نصَبَ رسول الله المنجنيق وهم بهدمه.

ولما تيقنوا من عزم النبيّ r على هدم حصونهم، ورأوا أنهم مغلوبون لا محالة نزلوا فاستسلموا. وقد صالحهم رسول الله r بما صالح به بني النضير من قبل، على أن يخرجوا من خيبر ولهم ما حملت إبلهم فرضوا بذلك، ثمّ إنهم تضرعوا إليه أن يبقيهم على أراضيهم، بحيث يزرعونها بنصف ما تخرج من غلال، على أن تكون ملكيتها للمسلمين، فرضي رسول الله r بذلك على أن يخرجهم منها متى شاء.

وقد بقي اليهود في خيبر يزرعونها بنصف ما تخرجه من غلال، طيلة حياة النبيّ r وخلافة أبي بكرٍ وشطراً من خلافة عمر، حيث أخرجهم منها لوقوع الغدر منهم في عهده.

ما نزل من القرآن في خيبر

عقب انصرافه r من خيبر، أدرك أصحابه الكرام وهم يسوقون الغنائم العظيمة من خيبر أدركوا معنى الفتح الذي بشرهم به الله عقب الحديبية، وأنزل الله عزَّ وجلّ:

{ومغانِمَ كثيرةً يأخُذُونَها وكان اللهُ عزيزاً حَكِيماً * وعَدَكُم اللهُ مَغَانِمَ كثيرةً تأخذونها فَعَجَّل لكُم هذه وكفَّ أيدي النّاس عنكم ولِتَكُونَ آيةً لِلمؤمنينَ ويَهدِيَكُم صِراطاً مُستقيماً * وأُخرى لَم تَقْدِرُوا عَلَيها قد أحاطَ اللهُ بِهَا وكان اللهُ على كُلِّ شَيءٍ قديراً * ولو قاتَلَكُم الذينَ كفروا لَوَلّوا الأدبارَ ثُمَّ لا يَجِدونَ وَلياً ولا نصيراً * سُنَّة اللهِ التي قَدْ خَلَت مِن قَبلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تبديلاً * وهُوَ الّذي كَفَّ أيديهُم عنكُم وأيديَكُم عَنهُم بِبطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أن أَظفَرَكُم عَليهِم وكانَ اللهُ بِمَا تَعملونَ بَصِيراً}.[الفتح:19-24]


فتح فدك – صفر 7هـ

ولـمّا بلغ رسول الله r إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك، ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله r يصالحونه على النصف من فدك، بمثل ما صالح عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله r خالصة، لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.


فتح وادي القرى

ولـمّا فرغ رسول الله r من خيبر، انصرف في صفر سنة سبع للهجرة إلى وادي القرى، وكان بها جماعة من اليهود، وانضم إليهم جماعة من العرب.

فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة، فقتل مدعم عبداً لرسول الله r، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال النبيّ r: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبيّ r بشراك أو شراكين، فقال النبيّ r: شراك من نار أو شراكان من نار.

ثم عبأ رسول الله r أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبادة بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز أخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام.

وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم، فيصلي بأصحابه، ثم يعود، فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً.

وأقام رسول الله r بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر.


تيماء

ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر في المحرم سنة سبع ثم فدك ووادي القرى لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله r، وأقاموا بأموالهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، وهاك نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا، إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد، وكتب خالد بن سعيد.


زواج النبيّ r بصفية بنت حيي

بعد انتصاره في خيبر  في المحرم سنة سبع عاد النبيّ r إلى مثل ما فعل مع بني المصطلق بزواجه من ابنة زعيمهم جويرية بنت الحارث، فتزوّج من ابنة زعيم بني النضير صفيّة بنت حيي بن أخطب، وكانَ أبوها قد خرج مع بني النضير يوم خرجوا إلى بني قريظة، وحرضهم على نقض العهد يوم الخندق، ثم خرجت هي مع زوجها سلام بن مشكم إلى خيبر، وقد قتل أبوها يوم قريظة وقتل زوجها يوم خيبر وكانت هي في السبايا، فأعتقها رسول الله r وأكرمها وتزوّجها، وصارت من أمّهات المؤمنين.

وبذلك فقد اندفع الناس إلى الإحسان في سباياهم وأسراهم من يهود خيبر، وذلك إكراماً لزوجة النبيّ r.

ورجع رسول الله r إلى مكّة بعد فتح خيبر في مطلع السّنة السّابعة.


خبر أبي بصير

كانت قريش قد شرطت في صلح الحديبية أن لا يؤوي رسول الله r أحد يسلم من قريش، إلا بإذن والديه، ولا يمنع مرتداً يريد العودة إلى قريش، وهو مطلب تعسفي ظاهر ولكنه عادَ وبالاً عليها، إذ جاء إلى المدينة أبو بصير عتبة بن أسيد مسلماً فاراً من قريش، وما هي إلا أن جاءت قريش في طلبه، فدفعه رسول الله r بحسب الميثاق والمعاهدة وقال:

«يا أبا بصير إنَّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنّ الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك».

ومضى أبو بصير مع الرّجلين حتى خرجوا جميعاً من المدينة، حتى وفى بذمّة النبيّ r لكنّه أبى أن يسلم عنقه إلى جلاديه، وحاكمهم قبل أن يحاكموه، واحتال في الطريق عليهما فأخذ سيفَ أحدهما فضربَ بهِ عنقه وفرّ صاحبه مذعوراً حتى أتى النبيّ r فأخبره بما كان، فما هي إلاّ أن طلع أبو بصير والسّيف بيده فقال: يا رسول الله قد وفيت بذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه!..

فقال رسول الله r: «ويل أمّه، مسعر حربٍ لو كان معه رجال».

وخرج أبو بصير إلى ساحل البحر في موضع يقال له (العيص)، وأقام معتصماً بدينه معتزاً بما استنار به قلبه من الإيمان، وقد أدرك أنه لا مأمَنَ له في مكة، ولا مقام له في المدينة، وصار يهدد قوافل قريش.

وتسامع المستضعفون المعذّبون في مكة بخبر أبي بصير، فرأوا في ذلك فرصةً يخلصون بها من أذى المشركين، ولا يحرجون رسول الله r فيما عاهد به القوم.

وكان أوّل من لحق بأبي بصير أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وتبعه إخوانه من الضعفاء، حتى اجتمع إليه نحو سبعين، فكانوا أوّل منظمة فدائية في الإسلام، وجعلوا يهدّدون كل قوافل قريش الظالمة، بعد أن منعتهم من حرية الاعتقاد في مكة، ونعمة الهجرة إلى المدينة.

ولم يطل ذلك بالقوم، فسرعانَ ما جاء إلى النبيّ r وفدٌ من قريش، يرجونه أن يقبل أبا بصير ومَنْ معه في المدينة، وأن يلغي الشرط الثاني من شروط صلح الحديبية، والّذي ينصّ على عدم قبول المهاجرين إلى المدينة.

أمّا المهاجرات فلم يردّ رسول الله r منهنّ أحداً أصلاً، فقد نزل عليه قولُ الله عزّ وجلّ:

{يا أيُّها الَّذينَ آمنوا إذا جاءَكُمُ المؤمِنَاتُ مُهاجِراتٍ فامتحِنوهُنَّ اللهُ أعلَمُ بإيمانِهِنَّ فإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِناتٍ فلا تَرِجعوهُنَّ إلى الكفّار لا هُنَّ حِلٌّ لَهُم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة:10].


أهم حوادث السنة السابعة للهجرة (19 بعد البعثة)

1ـ عودة مهاجري الحبشة.

2ـ بدء قدوم وفود القبائل المسلمة.

3ـ قدوم الأشعريين.

4ـ تعديل صلح الحديبية لمصلحة المسلمين بطلب قريش بعد قيام حركة أبي بصير.

5ـ زواج النبي برملة بنت أبي سفيان وبدء تحول قريش إلى الإسلام.

6ـ إرسال الرسل إلى الملوك.

7ـ إسلام المنذر بن ساوى والنجاشي.

 

دخلت السّنة السابعة وقد استراحَ رسول الله r فيها من خصومه الرئيسيين من اليهود وقريش. أمّا قريش فقد صالحها على أن يضع الحرب معها عشر سنين.

وأمّا اليهود فقد دكَّ أخِرَ معاقلهم في خيبر، وصاروا أجراء المسلمين بلا عهدٍ ولا عقدٍ، وآن له r أن يهنأ بالسلام ليكون رجل السلام كما كان رجل الحرب.


عودة مهاجري الحبشة مطلع السنة السابعة للهجرة

بعد صلح الحديبية مباشرةً، أرسل رسول الله r عمرو بن أمية الضمّري إلى الحبشة، ليعود بالمهاجرين الأوائل إلى النبيّ r وليخطب له رملة بنت ابي سفيان. فالتقى عمرو بالنجاشي وأخبره الخبر، فقدّم النجاشي سفينتين للمهاجرين، وبعثَ بشكره وهداياه للنبيّ r مع العائدين.

ووصل وفد المهاجرين إلى النبيّ r وهو في خيبر، فسُرَّ بهم سروراً عظيماً، وعانق ابن عمّه جعفر بن أبي طالب وكان رئيس الوفد، وقال: والله لا أدري بأيّهما أسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟…

وكان قدوم المهاجرين بدايةً لمرحلة جديدة من الدعوة والجهاد، وسمّوا (أصحاب الهجرتين).(انظر جدول أسماء العائدين من الحبشة)


الزّواج برملة بنت أبي سفيان (أم حبيبة)

كان صلح الحديبية في الظاهر هدنة عسكرية بين طرفين متحاربين، ولكنّهُ كانَ عند النبيّ r بداية ثورةٍ إصلاحيّة في جزيرة العربِ عموماً، وفي قريش بشكل أخصّ.

وقد انتقى النبيّ r ألدَّ أعدائه من قريش (أبو سفيان) ليخوضَ معه هذه المرّة حرباً بلا سنان، غايتها قتل العداوة المستحكمة في قلبه.

فأرسل إلى الحبشة عمرو بن أمية الضمري في آخر السنة السادسة للهجرة ليخطبَ له رملة بنت أبي سفيان وذلك قبل أن يرجع المهاجرون إلى المدينة، وكانت من المسلمات اللواتي هاجَرْنَ إلى الحبشة، وكان زوجها عبيد الله بن جحش قد تنصّر فبقيت وحدها غريبة في الحبشة، فزوجها له خالها عثمان بن أبي العاص، ودفع النّجاشي صداقها وهو أربعمائة دينار، وبعثَ بها إلى النبيّ r .

فكان هذا الزواج الكريم نقطة تحوّلٍ في حياة زعيم الشرك والوثنية في قريش أبي سفيان، ولما بلغه خبرُ الزواج وأن رسول الله قد غدا صهره لم يتمالك نفسه أن قال: (هو الفحل لا يجدع أنفه)، وذلك على عادته في الفخر والتعالي.

وبدأ بذلك غلواء الحقد الجاهلي الأعمى يتلاشى شيئاً فشيئاً.

وهكذا.. فإنّه ما إن صمتت طبول الحرب.. واجتمع شمل الأصحاب في المدينة، حتى انطلقت جحافل الهداية ومواكب الدعاة إلى الآفاق:

{يُبلِّغونَ رِسالاتِ اللهِ ويخشَونَهُ ولا يخشون أحداً إلاَّ الله وكفى بالله حسيباً}[الأحزاب:39].

ولأول مرة طرقت أسماع ملوك الروم والعجم وزعماء القبائل الكبرى دعوة التوحيد.

فكيف كان الجواب؟؟…


مكاتبة الملوك

كانت شعوب العالم في عهد البعثة ترزح تحت نير الظلم والجهل والاستبداد وكان لا بدَّ لنور النبوة أن يشرق في العالمين.

ولـمّا استقرَّ الأمرُ للنبيّ r بعد صلح الحديبية وفتخ خيبر، تفرّغ للدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. (انظر كتبه r إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي والمنذر بن ساوى وغيرهم)

كتابه r إلى هِرَقْل

كانت بلاد الشام تحت حكم الرومان البيزنطيين؛ وكانت عاصمتهم في القسطنطينيّة، وكان هرقل عاملاً للقيصر على بلاد الشام، وكان من أهل الكتاب وله علم بالكتاب والنبوءات، وكان مراد النبيّ r أن يرفَعَ تسلطه عن أهل الشام، ليختاروا من الدين ما يرونه أنه الحق، فأرسل إليه دحية بن خليفة الكلبي بكتاب هذا نصّه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمّد بن عبد الله، عبدِ اللهِ ورسوله إلى هِرَقْلَ عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتكَ اللهُ أجركَ مرتين، فإن توليتَ فإنّما عليك إثم الإريسيين.

{يا أهلَ الكتابِ تَعالَوا إلى كَلِمَةٍ سواء بينَنَا وبينَكُم الاَّ نعبدَ إلاَّ اللهَ ولا نُشرِكْ بهِ شيئاً ولا يتَّخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً من دونِ اللهِ فإن توَلَّوا فَقُولوا اشهدوا بأنَّا مُسلِمونَ}.»

وختمه بخاتمه الذي نقش عليه، محمّد رسول الله.

فلما قرأ هرقلُ الكتابَ، أدرك بما أوتي من علم سابق أنّه النبيّ الموعود. وطَلَبَ من رجالِهِ أن يحضروا له وفداً من تجار مكّة الذين اعتادوا أن يتجروا في الشام فحضروا، وكان فيهم أبو سفيان بن حرب فاستنطقه أمام قومه، وأمرهم أن يكذبوه إذا كذب، فسأله: كيف نسبه فيكم؟ فقال: هو فينا ذو نسب، فسأله: هل كانّ من آبائه من ملك؟ قال: لا، فسأله: هل قال هذا القول منكم أحدٌ قبله؟، قال: لا، فسأله: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فسأله أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون، فسأله: هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، فسأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فسأله هل يغدر؟ قال: لا. فسأله هرقل: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قال الحرب بيننا وبينه سجال ينال منّا وننال منه، فسأله ماذا يأمركم؟ قال: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصّلة. فقال هرقل لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه ذو نسب فيكم، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحدٌ منكم هذا القول فذكرت أنه لا، فقلتُ لو كانَ أحدٌ قال هذا القول قَبْلَهُ لقلت رجلٌ يتأسى بقولٍ قيلَ قبله، وسألتك هل كانَ من آبائه من ملكٍ فذكرت أنّه لا، فلو كانَ من آبائه من ملك لقلتُ رجلٌ يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قَبْلَ أن يقول ما قال فذكرتَ أَنْ لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذِبَ على الناس ويكذب على الله، وسألتك أَأَشْراف النّاس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه، فذكرتَ أنْ لا، وكذلك الإيمان حين تخالطُ بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أَنْ لا وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. وينهاكُم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإنْ كانَ ما تقول حقّاً فسيملك موضعَ قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنّه خارجٍ، ولم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه، لتجشّمت لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلْتُ عن قدميه.

ولـمّا خرج أبو سفيان قال لأصحابه: لقد أُمِرَّ أمرُ ابن أبي كبشة، إنّه يخافه ملك بني الأصفر، وكان يقول بعد أن أسلم: ما زلت منذ لقيت هرقل موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. ثم إن هرقل جمع دهاقنته وبطارقته وعظماء الرّوم في قاعة مغلقة، وخطب فيهم فقال:

(يا معشر الروم: هل لكم في الفلاح والرّشد وأن يثبت لكم ملككم. فاتبعوا هذا النبيّ) فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت.

فلما رأى هرقل نفرتهم وأيسَ من إيمانهم، عاد فجمعهم وقال: (إنِّي إنما قلتُ مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه).

وبذلك فإن هرقل قد أغشى بصرَه بعد أن استبان له نور الحق، وأصمَّ أذنيه بعد أن أذن لصوت الإيمان.


كتابه r إلى كسرى

كانت العراق وفارس تحت الحكم الساساني الفارسي، وكان كسرى هو الامبراطور الفارسي عليها، وعاصمته المدائن، فأرسل رسول الله r إليه عبدَ الله بن حذافة السَّهمي، وحمّله رسالةً هذا نصّها:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، وأن محمّداً عبدُه ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافّة، لأنذر مَنْ كانَ حيّاً، ويحق القول على الكافرين. أسلم تسلم فإنْ أبيتَ فإنّما عليكَ إثم المجوس.

فلما قرأ كسرى الكتاب مزّقه وصرخ في وجه الرّسول، ويلك.. لولا أنَّ الرسل لا تقتل لمزقت جِلْدَكَ.

ثم أرسل إلى (باذان) عامله على اليمن يأمره أن يوجه إلى محمّد r رجلين يحضرانه إليه ليضربَ عنقَهُ.

فأرسلَ باذان رجلين في طلَبِ النبيّ r، فقال لهما: من أمركما بهذا؟ فقالوا ربنا (يريدان كسرى) فقال لهما: أبلغا صاحبكما أنّ ربّي قتل ربّه كسرى في هذه الليلة، وأنّ الله تبارك وتعالى سلّط عليه ابنَهُ شيرويْه فقتله، فعادَ الرجلان وأخبرا باذان بخبر رسول الله r فما مكثوا غير بعيد حتى وافت الرّسل مِنْ لَدُنْ فارس بما صنع الله بكسرى كما أخبر النبيّ r تماماً، وفي اليوم والساعة نفسها، وكان ذلك سبباً في إسلام باذان ومَنْ معه من أهل اليمن، وقدومهم على النبيّ r في عام الوفود كما سنرى فيما بعد…

وهكذا… فإنّ كسرى ردّ أبشع ردّ، وأنكر أشدَّ الإنكار، ومزّق كتاب النبيّ r، وما هي إلاّ بضع سنين حتى كانت جيوش المسلمين تقرع باب المدائن، وتمزّق ملك كسرى وامبراطوريته في معركة القادسية، (وكان حقاً علينا نَصْرُ المؤمنين)…


كتابه r إلى النّجاشيّ

أما النجاشي فقد سبقت منه المودة وظهر منه التصديق، وأكرم وفادة المهاجرين وفاضت عيناه بالدمع لما سمع من الحق.

فأرسل إليه النبيّ r عمرو بن أمية الضمري، وكان أحداً من أبرع الناس فصاحة ومنطقاً، وحمَّله كتاباً جاء فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة

أما بعد..

فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم الطاهرة البتول، الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله تعالى من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الـهدى».

فلما قرأ النجاشي الكتاب، تأثر به ونزل عن سريره وجلس على الأرض وقال: (لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته).

وتكلّم عمرو بن أميّة فأثنى على النَّجاشي لحبّه للحق، وأظهر له حبَّ النبيّ r له، وكان عمرو بن أميَّة الضمّري حكيماً رائعاً في دعوته للنجاشي، فقال له:

(يا أصحمة… (وهو اسم النجاشي) إنّ عليَّ القول وعليك الاستماع، إنّك كأنّك في الرّقة علينا منّا، وكأنا في الثقة بك منك، لأنَّا لـم نظنُّ بك خيراً قط إلاّ نلناه، ولم نخفك على شيءٍ إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يردّ، وقاضٍ لا يجور. وفي ذلك توقع الجَدّ، وإصابة الفصل، وإلاّ فأنت في هذا النبيّ الأمي كاليهود في عيسى بن مريم، وقد فرّق النبيّ r رسله في الناس فرجاك لما لم يرجهم، وأمِنك على ما خافهم عليه، بخير سالف، وأجرٍ ينتظر).

ثم قال النّجاشي: (أشهد أنّه النبيّ الأميّ الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وإن العيان لَيْسَ أشفى من الخبر. ولكنَّ أعواني من الحبشة قليلٌ، فانظرني حتى أكثر الأعوان وأُلَيِّن القلوب.

ثم كتب إلى رسول الله كتاباً دفعه إلى عمرو بن أميّة الضمري وفيه:

(بسم الله الرحمن الرحيم

إلى محمّد رسول الله r من النّجاشي أصحمة، سلامٌ عليكَ يا نبيّ الله من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السَّماء والأرض إنّ عيسى لا يزيد على ما ذكر، إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد عرفنا ابن عمّك (جعفر بن أبي طالب) وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك، وأسلمت على يديه لله ربِّ العالمين.

لقد علم النّجاشي أن معرفة الحقّ تستلزم اتباعه، فلم يبال بعرشه ولا بـمـلكه في سبيل اتباع طريق الخير والحق والهدى.


كتابه r إلى المنذر بن ساوى

كان المنذر بن ساوى والياً على البحرين فكتب إليه النبيّ r كتاباً، يدعوه فيه وقومَهُ إلى الإسلام، وأرسله مع العلاء بن الحضرمي، فتكلم العلاء وعرض له الإسلام وأحسن في الكلام، فكان مما قال له: يا منذر: إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تقصرنّ عن الآخرة، إنّ هذه المجوسية شرّ دين، لَيْسَ فيها تكرم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه ويأكلون ما يتكرم (ما يتنزه) عن أكله، ويعبدونَ في الدّنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولَسْتَ بعديم عقلٍ ولا رأيٍ، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به، ولا زال العلاء يعرض عليه الإسلام، ويقيم له الحجج والبراهين حتى أسلم المنذر.

ودعا قومه للإسلام، فمنهم من أسلم ومنهم من بقي على دينه، فأرسل إلى النبيّ r يستأذنه فيهم، فنهاه النبيّ r أن يكرههم على الإسلام. ثم تتالى دخول الناس في الإسلام بعد، فما بقي في البحرين أحدٌ لم ينطق بشهادة الحق. وأقرّ رسول الله r المنذر على البحرين حتى توفي في السّنة الحادية عشرة.


كتابه r إلى مَلِكِ عُمَان

كانت عُمان ترتبط ولاءً بقياصرة الرّوم، وكان لها ما يشبه الحكم الذّاتي، وقد وُلِّيَ الحكم عليها أخوان هما: جيفر بن الجلندي وأخوه عبد بن الجلندي، فكتب إليهما رسول الله r كتاباً مع عمرو بن العاص جاء فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمّد رسول الله إلى جيفر وعبد ابنيّ الجلندي، سلام على من اتبع الـهدى، أمّا بعد: فإني أدعوكم بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى النّاس كافّة، لأنذر مَنْ كان حياً ويحقّ القول على الكافرين، وإنكما إن أسلمتما وليتكما، وإنْ أبيتما أن تقرَّا بالإسلام فإنَّ ملككما زائل عنكما وخيلي تحلّ بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما».

ومضى عمرو بن العاص بالكتاب إلى عمان، فدخل إلى عبد بن الجلندي وهو الأصغر والأحلم منهما، فمازال به حتى أسلم، ثم أعانه على إسلام أخيه الذي رواغ واستكبرَ، ثم ما لبثَ أن فاءَ إلى الحقّ وهداه الله.


كتابه r إلى الـمُقَوْقِسِ

كانت مصر تحت حكم الرومان أيضاً، وكان لها ما يشبه الحكم الذّاتي، والسيطرة فيه للأقباط وهم الغالبيّة من أهل مصر، ولقب زعيمهم (بالمقوقس)، فأرسل رسول الله r إليه حاطب بن أبي بلتعة، وحمّلهُ كتاباً جاء فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمّد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلامٌ على من اتبع الهدى، أمّا بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِم تَسْلَم، أسلِم يؤتك اللهُ أجرك مرتين، وإنْ تولَّيتَ فإنما عليكَ إثْمُ أَهْلِ القبط {ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دونِ اللهِ، فإنْ تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون}».

فقال المقوقس: ما منعه إن كانَ نبيّاً أن يدعُوَ على مَنْ خالفه وأخرجَهُ من قوْمه؟ فقال حاطب: ألسْتَ تشهد بأنّ عيسى بن مريم رسول الله r، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه ألا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه؟

فأعجب المقوقس بذلك ورضيه، وكانَ قد سمع شيئاً عن الإسلام. ثم  إنّه أحْسَنَ وفادة حاطب وأكرمه وأحْسَنَ منزله، وكتب إلى النبيّ r كتاباً فيه اعتذارٌ رقيق، وقولٌ شفيق، وأرسل مع حاطب بن أبي بلتعة جملة هدايا إلى النبي r فيها طيبٌ وجارية، وهي (مارية القبطية) التي أعتقها النبيّ r وتزوّجها، وأنجبت له ولده إبراهيم الذي مات صغيراً.

وقد بشّر النبيّ r أصحابه بفتح مصر فقال: «ستفتح عليكم مصر بعدي، فاستوصوا بالأقباط خيراً، فإنّ لكم فيهم صهراً ورحماً»، ولم يدخل المقوقس في الإسلام.


كتابه r إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة

وكتب النبي r إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك».

واختار لحمل هذا الكتاب سليط بن عمرو العامري، فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوماً أنزله، وحياه، وقرأ عليه الكتاب، فرد على النبيّ r بكتاب جاء فيه: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطاً بجائزة، وكساه أثواباً من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي r فأخبره، وقرأ النبي r كتابه فقال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه، فلما انصرف رسول الله r من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال النبي r: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبى، يقتل بعدي»، فقال قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال: أنت وأصحابك، فكان كذلك.


كتابه r إلى الحارث بن أبي شمر الغساني عرب الشام

كتب إليه النبي r:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك».

واختار لحمل هذا الكتاب شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة، ولما أبلغه الكتاب قال: من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه، ولم يسلم.

هذه بعض الكتب التي وصلتنا من مكاتبات رسول الله r للملوك، وكما ترى فإنها وَصَلَتْ إلى أعظم الملوك يومئذ، وكم كُنّا نتمنى لو نقل لنا التاريخ بدقةٍ أكبر كل الكلمات التي قالها أولئك الدّعاة، الذين خرجوا في الآفاق يبلغون رسالات النبي r.

وكان من أثر هذه المكاتبات أن دَخَل ملوك الحبشة وعمان واليمن والبحرين في الإسلام، ولا شك أنّ ذلك كانَ من أعظم الفتوح في الإسلام.

وحقّق الإسلام في شهور قليلة بعد الحديبية، ما لم يتحقق له طيلة فترة الرسالة، وما ذلك إلاّ لأنّ الإسلام دعوةُ فكر وقلبٍ، تحتاج إلى ظروف الأمن والسلام، ليحمل دعاتُها نور هديها بالحجة الواضحة والبلاغ المبين، وهذا معنى قول الله عقب الحديبية: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}.

قال الزهري: (وما فتح في الإسلام قبل الحديبية فتحٌ أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت ا لهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، لم يكلّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئاً إلاّ دخل فيه، ولقد دَخَل في ذيْنِكِ السنين بعد الحديبية مثل ما كانَ في الإسلامَ قبل ذلك وأكثر!!..


عُمْرَة القضاء ذو القعدة سنة سبع للهجرة

وفي آخر هذه السنة مضى  النبيّ r في ألفٍ وخمسمائة من أصحابه، لأداء العمرة بحسب ما تنص عليه شروط عقد الحديبية: أن يعودوا في العام القابل فيقيموا ثلاثة أيام، واحتاط النبيّ r من غدر قريش، فجلب معه السّلاح وتركه قريباً من مكّة، وخلّف عنده مائتي رجلٍ لحراسته.

وصل رسول الله r مكة في اليوم السّابع من ذي القعدة، ليس معه إلاّ سلاح المسافر، السيوف في أغمادها. دخلوها مهللين مكبرين.

ودخل رسول الله r مكة من الثنية التي تطلعه على الحجون ـ وقد صف المشركون ينظرون إليه ـ فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمحجنة، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله r يرتجز متوشحاً بالسيف:

خلوا بنـي الكفار عن سبيله            خـلــو فكل الخير في رسوله

قــد أنـزل الرحمن في تنزيله          في صحف تتلى على رسوله

يا رب إن مــؤمــن بـقـيـله            إني رأيـت الـحـق في قبـوله

بـأن خـيـر القـتـل في سبيله           اليــوم نـضربكم على تنزيله

ضرباً يزيل الـهام عن نصيله         ويذهل الـخليـل عـن خليله

وفي حديث أنس فقال عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله r، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبيّ r: «خل عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل».

كان رسول الله r قد أعدّ لهذه الأيام الثلاثة برنامجاً متكاملاً، يعرض فيه الإسلام نظاماً وحيوية وقوة وانسجاماً.

وكان زعماء قريش ورؤوس الكفر فيها، قد توقعوا ذلك، فأمروا الناس أن يخرجوا من مكة طيلة هذه الأيام الثلاثة، حتى لا تقع أبصارهم على صورةٍ حيّة ناطقة لدين الحق فيميلوا إليه.

غير أنّ عامّة أهل مكة لم يخرجوا ولم يستجيبوا، وشاهدت أعينهم لأوّل مرةٍ صورةً حيّة ناطقةً عن الإسلام الحق في المسجد الحرام والبيت الحرام.

وبالفعل فقد بدأ رسول الله r ينفّذ ما رسمه وخططه، فكانَ للطواف والسّعي وأصوات التكبير والتهليل المنسجمة الصادقة، أعظم الأثر في نفوس عامّة قريش. وكان المشركون من قريش قد أشاعوا في الناس أن المسلمين أصيبوا بحمَّى يثرب، وقد صفّوا له عند دار النّدوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخَلَ رسول الله r المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوةً، ثم استلم الرّكن، وخرج يهرول وأصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الرّكن اليماني، مشى حتى استَلم الرّكن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطوافٍ ومشى سائرها.

وكانَ لصوت بلال في الأذان سحر سرى في نفوس القرشيين، ورأى المستضعفون منهم كيف صعد ذلك العبد المعذّب في الهجير إلى ظهر الكعبة ليقول: ألله أكبر.. ألله أكبر.

وخلال هذه الأيام الثلاثة التقى رسول الله r سرّاً وجهراً بعددٍ من سادة قريش، وكتب إلى آخرين يدعوهم إلى الإسلام، ويرفع من قلوبهم الشحناء.

وخلال هذه الأيام الثلاثة أيضاً، اختار رسول الله r ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وكانت من شريفات قريش، وكلّف عمّه العباس أن يخطبَها له، وتمت الخطوبة في هذه الأيام الثلاثة، وتقرّر أن يكون الزّواج في اليوم الرابع. وهكذا فقد أراهم النبيّ r خلال هذه الأيام من قوته ما أرهم من حبّه، وأراهم من عظمة الإسلام وعزَّة أهله ما أراهم من بساطته وفطريته ورحمانيته.

وفي اليوم الثالث انتقى رؤوس الكفر أشدهم غلظةً وفظاظةً، (حُويطب بن عبد العُزَّى) ليقوم بإخراج النبيّ r من مكة.

فخرج حويطب في جماعة من المشركين إلى r ثم قال:

يا محمد قد انقضى أجلك فاخرج عنّا!.

فقال النبيّ: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعت لكم طعاماً فحضرتموه.

فقال حويطب غاضباً: يا محمّد لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنّا!.

فهمّ أصحابُ النبيّ r أن يطردوا حويطب، وصرخ فيه سعد بن عبادة: كذبت، والله لا يبرح منها إلاَّ طائعاً راضياً. ليست بأرضك ولا بأرض أبيك، غير أن النبي r نهاهم عن ذلك وقال برقة وحنان: يا سعد.. لا تؤذوا قوماً زاورنا في رحالنا!.

ومع ذلك كلّه فقد خرج رسول الله r من مكة كما يريدون، لكنّه أقام بـ(سَرِف)، وهو موضع جميل يبعد عن مكة نحواً من ستة أميال وهناك أقام حفلة الزفاف ودعا إليها أهل مكة، وجَعَل الناس في مكة يتسربون إلى حفلة (سرف) بالرّغم من حنق سادتهم وغضبهم.

وفي (سَرِف) بسطت الموائد لوليمة هائلة كانت مليئة بالبهجة والسرور، ولم يبقَ واحد ممن حضر الوليمة من أهل مكة ـ وما أكثرهم ـ إلا وقد ارتفعت من قلبه البغضاء والشحناء التي اجتهدت قريش في زرعها فيهم طيلة عشرين عاماً من العداء المجنون.

وفي عمرة القضاء جاء تصديق قول الله عز وجل:

{لَقَد صدق الله رسولَهُ الرؤيا بالحقِّ لتدخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إن شاء اللهُ آمنينَ مُحلِّقينَ رؤوسَكُم ومقصِّرينَ لا تخافونَ فعلِمَ ما لَمْ تَعلَموا فجعلَ من دونِ ذلكَ فتحاً قريباً هُوَ الذي أرسلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودينِ الحقِّ ليُظهِرَهُ على الدينِ كُلِّهِ وكَفى باللهِ شَهيداً مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ والَّذينَ آمنوا معهُ أشدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينَهُم تَراهُم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغونَ فضلاً منَ اللهِ ورِضواناً سِيماهُم في وُجوهِهِمِ من أثرِ السّجودِ ذلِكَ مَثَلُهُم في التّوراةِ ومَثَلُهُم في الإنجيلِ كَزرعٍ أَخرجَ شَطئَهُ فآزره فاستغلظَ فاستوى على سُوِقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ مِنهُم مَغفِرَةً وأجراً عظِيماً}[الفتح:29-29].

وخرج رسول الله r من عمرة القضاء، وقد أدّى ما جاء من أجله في غاية النجاح، وقذف الرّعب والحب معاً في نفوس قريش، وهيأهم بذلك للدّخول في الإسلام فيما بعد.

وأفهمهم أنّهم بدخولهم في الإسلام سيكونون أكثر عزّاً، وأجمع كلمةً، وأكثر تعظيماً للبيت الحرام والشّهر الحرام.

وهكذا.. فقد كانت عمرة القضاء معرضاً إسلامياً ناجحاً في قلب عاصمة المشركين، جاءت ثمراته بعد حين.


أهم أحداث السنة الثامنة للهجرة (20 بعد البعثة)

1ـ إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة.

2ـ القبائل المهتدية بسرايا الدعاة ترسل وفودها إلى المدينة.

3ـ تمرد الحارث الغساني وقتله لرسول النبي r.

4ـ غزوة مؤتة أول لقاء بين المسلمين وبين الروم.

5ـ وفاة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة يوم مؤتة.

6ـ نقض بني بكر حلفاء قريش لصلح الحديبية واشتراك قريش معهم في محاربة خزاعة (حلفاء النبي r).

7ـ الفتح الأعظم (فتح مكة)

8ـ إسلام أبي سفيان.

9ـ إسلام معظم زعماء قريش.

10ـ الخروج لملاقاة هوازن وغطفان في غزوة حنين.

11ـ حصار الطائف إلى دخول الشهر الحرام.

12ـ توزيع غنائم حنين ثم رد السبايا إلى أهاليهن.

13ـ عمرة الجعرانة.

14ـ تعيين عتاب بن أسيد والياً على مكة وإعلانها مدينة إسلامية.

15ـ عودة النبيّr إلى المدينة.

 

بعد مكاتبة الملوك ودخول بعضهم في الإسلام، وبعد عمرة القضاء، وما تركته من أثر طيّب في نفوس القرشيين، وما دخلهم من حب وإكبار للنبي r وأصحابه، أدرك السادة في مكّة أنّه لم يعد بالإمكان جرّ الناس إلى حرب جديدة مع النبيّ r، وبدأ عقلاء مكة تدريجياً يتحولون إلى الإسلام.


إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة

كانت قريش تعدّ خالد بن الوليد ليتبوأ مكانة أبيه (الوليد بن المغيرة) شريف قريش وسيدها، وهو الذي قال فيه المشركون ما حكاه الله عنهم:

{وقالُوا لولا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مِنَ القريتين عَظِيمٍ}[الزخرف:31]

فالقريتان: مكة والطائف، وعظيم مكة: الوليد بن المغيرة، وعظيم الطائف: عروة بن مسعود الثقفي. والحق أنّ خالداً كان يملك من صفات الزعامة والسيادة ما كان لأبيه، وقد كان قائد الخيل في حروب قريش، وكانت خيله هي التي التفت خلف المسلمين يوم أحد، وغيّرت نتيجة المعركة. وقد عَرَفَ رسول الله r منزلة خالد، فجَعَلَ يدعوه إلى الإسلام ويرغبه به. وكانَ الوليد بن الوليد أخو خالد قد أسلم وهاجر إلى المدينة، وصحب النبيّ r، فأمر النبي r أن يكتب لخالد بن الوليد فكتب إليه:

(بسم ا لله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإني لم أر أعجبَ من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك… عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحدٌ؟! وقد سألنا رسول الله عنك فقال: أين خالد؟! فقلت: يأتي الله به فقال: ما مثله يجهل الإسلام، ولو كانَ يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين لكانَ خيراً له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك من مواطن صالحة).

وما زال خالدٌ في صراع بين هوى نفسه وفطرة قلبه، حتى كان يوم عمرة القضاء، ووقع في قلبه حسن ما رأى من صلاة المسلمين، وطوافهم، وكتب إليهِ النبيّ r خفية: «يا خالد… أسلمْ أعطِكَ أعنّة الخيل».

أما عمرو بن العاص فلم يكن يقلّ عن خالد شأناً ودهاءً، وكان أبوه العاص بن وائل من دهاة قريش وسادتها، وقد هيأ وَلدَهُ عمراً لتسلم الزعامة في قريش، وكان عمرو من أفصح النّاس منطقاً وأحسنهم وجهاً، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلاً عاثراً أو عيياً يقول: أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد، وقد أقام عمرو بدهائه وشخصيته الفذة صداقات حميمة مع عددٍ من الملوك، أشهرهم النّجاشي ملك الحبشة.

وبذلك ترى أن خالداً وعمراً كانت تتنازعهما قوتان، قوة الزّعامة التي كانت تمد لهما أسبابها، وقوة الإيمان الذي بدأ يشرق في النفس.

فما هي إلا أن انصرف النبيّ r من عمرة القضاء، حتى خرج خالد في إثره يتطلب سبيل الحق، ولقي في الطريق عثمان بن طلحة يبتغي الإسلام والهجرة، وهو ابن طلحة بن أبي طلحة سادن الكعبة وكان قد قتل يوم أحد، فكانت السدانة لولده عثمان فسار الرّجلان يقصدان المدينة المنورة، ولقيا في الطريق عمرو بن العاص، وكانَ قد وقع في قلبه ما وقع في قلب خالد، فسار الثلاثة حتى أتوا رسول الله r، فلمّا رآهم سُرَّ بهم وقال لأصحابه: رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها (خير أبنائها)، وتقدّم خالدٌ فقال: إنّي أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله، فقال له النبيّ r: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلاّ  إلى خير»، فقال خالد: يا رسول الله ادع الله أن يغفر لي تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك، فقال له: «الإسلام يجبُّ ما كان قبله» ثم تقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فبايعاه على الإسلام.


سرايا الدعاة

سرية كعب بن عمير

أرسل النبيّ r مطلع السنة الثامنة للهجرة كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر داعياً إلى بني قضاعة من أرض الشام، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، وكان ردُّهم أبشع ردّ، ثم إنهم عمدوا إلى رسل النبيّ r يقتلونهم، فدافع الأصحاب عن أنفسهم حتى اشتدّ عليهم ضرب المشركين، وقضوا شهداءَ أبراراً وهم يبلغون رسالة الله.


سرية أبي عبيدة بن الجراح

في رجب من السنة الثامنة للهجرة أرسل r أبا عبيدة بن الجرّاح في ثلاثمائة رجلٍ فيهم عمرو بن الخطاب، بغرض نشر الدّعوة بين القبائل السّاحليّة.

وهكذا فقد انتشر المئات من أصحاب رسول الله r في مختلف أنحاء الجزيرة العربيّة ينشرون الدعوة، ويعلمون الناس أمر دينهم، وكان الكثير من الدّعاة ينزل عند القوم ويقيم فيهم، ويموت عندهم، وهو يبلغهم رسالة الله. وقد آتت تلك البعوث أكلها، وبدأت الوفود تقدم على النبيّ r مبايعةً على الإسلام.

وقد جعلنا الحديث عن الوفود في السنة التاسعة، لأنها سميّت: (عام الوفود)، وإنْ كانَ الكثير من الوفود قد حضر قبل ذلك.


غزوة مؤتة (جمادى الأولى) السنة الثامنة للهجرة

تسمّى معركة مؤتة: (غزوة مؤتة) مع أنّ النبيّ r لم يشهدها، وهي السريّة الوحيدة التي سمّيت (غزوة) من سرايا النبيّ r، وذلك للظروف التي أحاطت بها، ولضخامة جيش الرّوم فيها، وسبب هذه الغزوة أن النبيّ r كان قد أرسل الحارث بن عمير إلى ملك بصرى، يدعوه إلى الإسلام، وقبل أن يصل، عاجَلَهُ أحد زعماء الرّوم في الشّام وهو شرحبيل بن عمرو الغساني وقتله، مخالفاً كافة الأعراف والعادات التي تمنع قَتْلَ الرسل والسفراء والتعرض لهم، فكانت هذه الحادثة تحدياً للمسلمين، وصارت بمثابة إعلان الحرب عليهم، فلم يكن أمام النبيّ r بدٌّ من إرسال جيشٍ لقتال الرّوم، فأرسل في جمادى الأولى من هذه السنة جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم: أمير القوم زيدُ بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم.

ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، ودعوا أمراء رسول الله r، وسلموا عليهم، وحينئذ بكى أحد أمراء الجيش، عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله r يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً} فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:

لكـنـنـي أسـأل الرحمن مغفرة         وضربة ذات فرع تقذف الزبدا

أو طعنـة بيـدي حـران مـجهزة                بـحـربـة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي                أرشده الله من غاز، وقد رشدا

ثم خرج القوم، وخرج رسول الله r مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف وودعهم.

وانطلق الجيش من المدينة قاصداً بلاد الشّام مزوّداً بوصايا رسول الله r، مشيّعاً بدعوات المسلمين، وعلم الروم بخروج جيش المسلمين، فجيشوا جيشاً كبيراً: مائة ألف من الروم، ومائة ألف من نصارى العرب. وتردد المسلمون في دخول هذه المعركة غير المتكافئة مطلقاً 3/200 ؟!!..

إلاّ أنّ عبد الله بن رواحة قام فقال: يا قوم إن التي تكرهونها لهي الشهادة التي خرجتم تطلبونها، والله ما كنّا نقاتل الناس بكثرة عددٍ ولا بكثرة سلاح وبكثرة خيول، ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به، انطلقوا فوالله لقد رأيتُنا يومَ بدرٍ ما معنا إلاّ فرسان، ويوم أحد ما معنا إلاّ فرس واحد، انطلقوا فإنّما هي إحدى الحسنيين، إمّا ظهورٌ عليهم فذلك ما وعدنا الله ورسوله، وإمّا الشهادة. فنلحق بإخواننا نرافقهم في الجنان.

وألهبت هذه الكلمات جيش المسلمين، فمَضَوْا إلى لقاء العدو لا يبالون بشيءٍ، والتقى الجيشان في قرية مؤتة، وقاتل زيدٌ براية رسول الله r حتى قتل، فأخذ الراية جعفر بنُ أبي طالب فقاتل بها حتى قطعت يمينه، فأخذ اللّواء بيساره فقطعت يساره فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وقد أصيب بتسعين طعنة،.

فأخذ الراية عبد الله بن رواحة وقاتل بها أشدّ القتال، حتى نسي نفسه وصار يرتجز:

يا نفسُ إلاّ تقتـلي تموتي               هذا حياض الموت قد صليتِ

وما تـمنيتِ فقد أعطيتِ               إن تفعلي فـعـلـهمــا هُدْيِتِ

فجاءه ابن عمّ له بقطعةٍ من اللحمِ، وقال له: شدّ بهـذا صلبكَ فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذها، وأكل منها لقمةً ثم سمع صوتاً من جانب الميدان، فرمى الطعام وقال لنفسه: وأنتِ في الدّنيا!!، وقام فقاتل حتّى قتل.

وهكذا فقد قضى الشهداء الثلاثة في ساعاتٍ قليلةٍ نحبهم، وسقطت الرّاية.

واجتمع ناس من أصحاب النبيّ r حول الرّاية، فدفعوها إلى خالد بن الوليد، فكانت معه إلى آخر النهار.

خالد ينجو بجيش مؤتة

وجمع خالد بن الوليد إخوانه في اللّيل، ورأى أن الحكمة تقتضي أن يضع حداً للمعركة، فالحماس وحده لا ينفع شيئاً في هذه المعركة غير المتكافئة.

وقد ظهرت عبقرية خالد العسكريّة في هذه الغزوة حين أمن انسحابَ الجيش ببراعة، من غير أن يسيء إلى سمعته، وبأقل الخسائر الممكنة. فجعل الميمنة محل القلب، والقلب محل الميسرة، والميسرة محل الميمنة، وأَمَرَ رجالاً أن يثيروا الغبار بخيولهم كل ساعة.

فلما أصبح الرُّوم، رأوا اختلاف الوجوه والرايات ثم رأوا نقع الغبار يثور كل ساعة، وقع في نفوسهم أن مَدَدَ القوم متصل، وأنّ النّجدات تردهم كل ساعة ففتر حماسهم، ووقع الخوف في نفوسهم، فناوشهم خالد حتى ألجأ بعضهم إلى الفرار ثم رجع بجيشه إلى الصحراء، فظنَّ الروم أنه يستدرجهم إليها فلم يتبعوه.

وبذلك ضَمِنَ خالد سلامة الجيش الصغير، وعاد به إلى المدينة، بعد ان ترك الجيش الروميّ الجرّار في حيرةٍ خائبة: لا يدرون أهم في نصر أم هزيمة؟!…

ولا يفهمون، هل انتهت المعركة أم هم في مناورةٍ غير مفهومة؟..

ولما رجع خالد بجيش مؤتة، صار الأطفال والنساء في المدينة يقولون: أنتم الفرّارون.

فنهاهم رسول الله r وقال: بل أنتم الكرّارون إنْ شاء الله. وسمّى النبيّ r خالدً ذلك اليوم: سيف الله المسلول.

واستشهد يومئذ من المسلمن اثنا عشر رجلاً منهم القادة الثلاثة، أما الروم فلم يعرف عدد قتلاهم، وإن كان سياق المعركة يدل على أنهم كانوا أكثر من قتلى المسلمين.


سرية ذات السلاسل (السنة الثامنة للهجرة)

ما كان رسول الله r ليترك يوم مؤتة لشماتة خصوم الإسلام، وتجرؤ الأعراب والرّوم على المدينة، فأرسل سرية أخرى بقيادة عمرو بن العاص، وأردفها بسريّة أبي عبيدة بن الجرّاح فقامت بمطاردة الأعراب الذين اشتركوا مع الرّوم يوم مؤتة، وسميت هذه الغزوة: ذات السلاسل. ولم يحصل في تلك الوقائع قتال يذكر، غير أنها قطعت شماتة الأعراب يوم مؤتة.

وعقد رسول الله r لعمرو بن العاص لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرساً، وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيرا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله r يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء، وبعث له سراة المهاجرين والأنصار ـ فيهم أبو بكر وعمر ـ وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قدمت عليَّ مدداً، وأنا الأمير، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.

وسار حتى وطئ بلاد قضاعة، فجال فيها حتى أتى أقصى بلادهم، ولقي في آخر ذلك جمعاً، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا.

وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله r، فأخبره بقفولهم وسلامتهم، وما كان في غزاتهم.

وذات السلاسل (بضم السين الأولى وفتحها: لغتان) بقعة وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام. وذكر ابن إسحاق أن المسلمين نزلوا على ماء بأرض جذام يقال له السلسل، فسميت ذات السلاسل.

وهكذا فإنه باستثناء سريتي مؤتة وذات السلاسل، فإن الفترة التي أعقبت صلح الحديبيّة وفتح خيبر كانت فترة سلام وأمن، وقد قام دعاة الإسلام فيها بدورهم الكبير في هداية النّاس وتعليمهم وإرشادهم.

ولكن بقيت عيون المؤمنين معلّقة بمكة، وهي بحسب صلح الحديبية، ستبقى تحت حكم قريش عشر سنين، وَلَيْسَ للمؤمنين أن يدخلوها إلا بإذن قريش وإشراف رقبائها. وصارت قلوب المؤمنين تسأل الله مكة… فماذا كانَ خلف ستار الغيب..؟…


نَقْضُ صُلْحِ الـحُدَيْبِيَة

كانت خزاعة قد دخلت في حلف النبيّ r بعد الحديبية، كما دَخَلَ بنو بكرٍ في حلف قريش، وكان بين الحيين ثأر جاهلي قديم.

وفي شعبان من السّنة الثامنة للهجرة ثار بنو بكر على خزاعة، يصيبون منهم ثأرهم، ولجأت خزاعة إلى الحرم تستجير به، فلم تهدأ ثائرة بني بكرٍ وجعلت قريش تظاهرهم وتؤيدهم حتى أصابوا من خزاعة مقتلةً.

وسارعت خزاعة إلى المدينة المنورة تناشد النبيّ r حلفها المتين، وقال رسولهم: عمرو بن سالم:

يا رب إنّي ناشــدٌ  مـحـمـدا           حِلْفَ أبينا وأبيــه الأتلـــــــدا

قد كنتم ولداً وكـنــا  والــدا            ثمة أسلمنا ولم نـنــزع يـــــدا

فانصر، هداك الله، نصراً أيدا         وادع عباد الله يأتوا مـــــددا

فيهم رسول الله، قد تـجردوا          أبيض مثل البدر، يسمو صعدا

إن سيم خسفاً وجهه تـربــدا           في فيلــق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشاً أخلفوك الـمـوعــدا          ونقـضـوا ميثـاقـك الـمـؤكدا

وجعـلوا لي فـي كـداء رصدا          وزعموا أن لست أدعو أحـدا

وهـم أذل، وأقـــل عـــــددا            هـم بيـتـونا بالـوتـير هـجــدا

وقتـلـونـا ركـعــاً وســجـــدا

فلم يزد النبيّ r أن قال: «نصرت».


وفادة أبي سفيان إلى المدينة

أدركت قريش سوءَ صنيعها بنقضها لصلح الحديبية، وعلمت أن النبيّ r وعد خزاعة بالنصرة، وانخلعت لذلك قلوب المشركين، وسرعان ما جاء أبو سفيان إلى المدينة. وكان النبيّ r قد قال: كأنّي بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ في العقد ويزيد في المدة.

وكلَّم أبو سفيان النبيّ r في أمر الصلح، فلم يردَّ عليه بشيءٍ ثم غدا إلى أبي بكر وعمر وعلي فلم يشفعوا له بشيء.

ودخل على ابنته رملة زوجة النبيّ r، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة، ثم تزوّجها النبيّ r على ما بيَّنا، فطوت عنه الفراش، فعجب أبو سفيان وقال: يا بنيّة (ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني، فقالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت رجلٌ مشرك، فخرج من عندها خائباً منكسراً لم يظفر بشيء.

ثم ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله r، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله r؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسن غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائباً، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله r على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة، فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله r.

وحينئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك. ولكنك سيد بني كنانة، فقم فآجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق.

ولما قدم على قومه، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فوالله ما رد علي شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أدنى العدو، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم، قد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئاً أم لا؟ قالوا: وبِمَ أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

وهكذا فقد ارتدَّ أبو سفيان عائداً إلى مكة من غير أن يفهم شيئاً، فلا هو ظفر بعفو النبيّ r فيطمئن؟. ولا هو فهم نيته فيستعد!.

وباتت قريش لياليها شرّ ليال، لا تدري ما الله صانع بها؟!


فتح مكة (رمضان السنة الثامنة للهجرة)

الاستعداد لفتح مكّة

كان نقض قريش لصلح الحديبية في شعبان هو الباعث الأول لفتح مكة، وقد اتخذ النبيّ r قراره بفتح مكة، ولكنه لم يحدّث رسول الله r أحداً من أصحابه بعزمه، غير أنَّه أمرهم أن يتجهزوا، حتى اجتمع معه نحو عشرة آلاف رجل ودخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها فقال: أَيْ بنيّة، أأمركم رسول الله r أن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهّز، قال: فأين تريْنَهُ يريد؟. قالت: لا والله ما أدري. ثم سار رسول الله r بمن معه من الناس نحو الشّام، حتى تحدث الناس أنّه يريد الرّوم، وانصرفت عيون قريش في المدينة تطمئن أهل مكة أنّ النبي r ماضٍ إلى الشّام يؤدبُ الرّوم بعد وقعة مؤتة.

وعادت قريش إلى غفوتها ورقادها بعد أن طمأنها المنافقون، ولم يعد يقلقها إلاّ كلمة النبيّ r لرسول خزاعة عمرو بن سالم: «نصرت»!.

جيش الفتح يتحرك صوب مكة

ولـمّا جاوز رسول الله r حرتي المدينة، أخبر أصحابه بعزمه السَّيرَ إلى مكة، وضربَ حول الجيش طَوْقاً من أصحابه، فلا يدخل فيه أحدٌ ولا يخرج منه أحد، ثم تحوّل الجيش على طريق ساحل البحر الأحمر إلى مكة.

وحينما علم الأصحاب أنهم ماضون إلى فتح مكة هللوا وكبروا، غير أن رجلاً من المسلمين غلبه حظه من الدنيا وخشي على عياله في مكة فأراد أن يصنع شيئاً لقريش ليذكروه له، وذلك الصحابي هو حاطب بن أبي بلتعة، فقد كتب كتاباً إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله r إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله r الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والمقداد، وقال لها انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش، فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان. فاستنزلاها، وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي: أحلف بالله، ما كذب رسول الله r ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما فأتيا به رسول الله r، فإذا فيه: (من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش) يخبرهم بمسير رسول الله r، فدعا رسول الله r حاطباً، فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ملصقاً في قريش، لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله r: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

وهكذا أخذ الله العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيؤهم للزحف والقتال.

وكان خروج رسول الله r من المدينة يوم العاشر من رمضان، وكانَ سيره عشرة أيام، وفيها هاجر العباس بن عبد المطلب بأهله مسلماً، ويرى بعض أهل السّيرة أنّ هجرته كانت أسبق من ذلك.

وقد استبقى النبيّ r العباس معه، وأرسل أهله إلى المدينة.


إسلام أبي سفيان بن الحارث

وفي الطريق إلى فتح مكّة جاء أبو سفيان بن الحارث ابن عمّ النبيّ r، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة يريدان الإسلام، وكان أبو سفيان هذا، قد أفرط في حرب النبيّ r وهجائه رغم ما بينهما من رحم، ورغم طول ما صحبه قبل البعثة، وعرف خلقه وأمانته، وكان شِعْرُهُ شديداً على الإسلام، وكان كلامه يقع في عقول النّاس، لما يعرفون من قرابته ورحمه مع النبيّ r .

فلما استأذنت لهما أم سلمة على النبي r قالت: يا رسول الله ابن عمّك وصهرُك فقال: لا حاجة لي بهما، أمّا ابن عمّي فهتك عرضي، وأمّا ابن عمّتي وصِهري فهو الذي قال بمكة ما قال…

ولكن توبة الرجلين كانت صادقة، وقال أبو سفيان بن الحارث والله ليأذنن لي أو لآخذنّ بيد ولدي هذا، ثم لنضربنّ في الأرض حتى نموت جوعاً وعطشاً.

وقال له عليُّ بن أبي طالب يا أبا سفيان: إنَّ النبيّ r لا يحب أن يكونَ أحدٌ أحسنَ منه جواباً، فأته من قِبَلِ وجهه، فَقُلْ كما قال إخوة يوسف:

((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)).

وأخذ الجيش العظيم طريقه بصمت حتى بَلَغ (مرّ الظهران) على مشارف مكّة، ولما صارت مكة في قبضةِ الجيش الظافر، أمر رسول الله سائر الناس أن يوقدوا النّار، فأوقدت عشرة آلاف نارٍ في ليلةٍ واحدة، وبدا الجيشُ كما لو كانَ مائةَ جيشٍ.


إسلامُ أبي سفيان بن حرب

فلمّا رأى العبّاس ذلك قال: واصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله r مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنّه لهلاكٌ قريش إلى آخر الدّهر.

قال العبّاس: فجلست على بغلة رسول الله r البيضاء، فخَرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعليّ أجدُ بعض الحطابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة، يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله r، ليخرجوا إليه فيستأمنوا قبل أن يدخلها عليهم عنوةً. قال: فوالله إنّي لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبُدَيل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيتُ كاللّيلة نيراناً قط ولا عسكراً. ويقول بُدَيل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب ويقول أبو سفيان: خزاعة أذلّ وأقل من ان تكون هذه نيرانها وعسكرها!.

قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلْتُ: نعم. قال: مالك فداك أبي وأمّي؟ قُلْتُ: وَيْحَكَ يا أبا سفيان! هذا رسول الله r في النّاس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قُلْتُ: والله لَئِنْ ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتيَ بك رسول الله r، فاستأمنه لك.

فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به كلّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله r وأنا عليها قالوا: عمُّ رسول الله r على بغلته.

حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلَمّا رأى أبا سفيان على عجز الدّابة قال: أبو سفيان عدوّ الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقدٍ ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله r، وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرّجل البطيء. فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله r، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقدٍ ولا عهد، فدعني لأضرب عنقه.

قُلْتُ: يا رسول الله، إنّي قد أجرته! ثم جلست إلى رسول الله r فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل! فلما أكثر عمر في شأنه قُلْتُ: مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنّك قد عرفت أنّه من رجال بني عبد مناف.

فقال: مهلاً يا عبّاس، فلإسلامك يوم أسلمت كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله r: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به.

قال العباد: فذهبت به إلى رحللي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله r، فلما رآه رسول الله r قال: وَيْحَك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله؟.. قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظنَنْتُ أن لو كانَ مع الله إله غيره، لقد أغنى عني شيئاً بعد! قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً فقال عمر مغضباً: لو قطعنا رأسك لزال الشكّ كلّه!!…

فقال له العباس: ويحك! أسلم وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، قَبْلَ أن تضرب عنقك.

قال: فشهد شهادة الحق فأسلم.

مَن دَخَلَ دار أبي سفيان فهو أمن:

قال العباس: قُلْتُ يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجلٌ يحب هذا الفخر فاجعل له شيئاً، قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومَنْ دَخَل المسجد فهو آمن».

وصار أبو سفيان سيد قريش المطاع يتقلّب في كفّ النبيّ r حائراً قلقاً، لا يجد من البأس ما يدفع به جيش النبيّ r عن مكة، ولا يجد من الإيمان ما يغلبُ به شهوته، ويدخل فيما دخل فيه الناس.

وصار رسول الله r يتألفه بالمودة والعطاء، ويخلع قلبه بما يريه من بأس جيش المسلمين.

فلما ذَهَبَ لينصرفَ قال رسول الله r: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمرّ جنود الله فيراها.

قال العباس: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله r أن أحبسه، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرّت قبيلة قال: يا عباس، من هذه، فأقول سُلَيْم فيقول: ما لي ولسُلَيْم. ثم تمرّ القبيلة فيقول: يا عبّاس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة. حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مرَّ به رسول الله r في كتيبته (الخضراء) فيها المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلاّ الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عبّاس، مَنْ هؤلاء؟ قُلْتُ هذا رسول الله r في المهاجرين والأنصار.

قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً!! قلت: يا أبا سفيان إنها النبوّة!. قال: فنعم إذن. قلتُ: النّجاء إلى قومك. فخرج أبو سفيان مذعوراً حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن!.

فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا هذا الحميت الدَّسِم الأحمس قُبِّح من طليعة قوم!…

قال: ويلكم، لا تغرنَّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به، فَمَن دَخَل دار أبي سفيان فهو آمن.

قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومَنْ أَغلَق عليه بابَهُ فهو آمن، ومَنْ دَخَل المسجد فهو آمن! فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.


جيش الفتح يدخل مكة

وأسقط في يد قريش، بعد أنْ رأت زعيمها الأكبر ينهار حائراً كاسفاً، فما وجد الناس ما يقولون، حتى كان جيش الفتح يدخل مكّة من شعبها الأربع.

1ـ فرقة الزّبير بن العوّام من جهة المشرق.

2ـ فرقة أبي عبيدة من جهة الشمال.

3ـ وفرقة سعد بن  عبادة من جهة الغرب.

4ـ وفرقة خالد بن الوليد من جنوب مكة.

وكان أمره لسائر الصحابة أن لايريقوا شيئاً من الدماء.

ودخل رسول الله r مكّة والناس من حوله، خاشعاً لربّه يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه (لحيته) ليكاد يمسّ ظهر راحلته.

ومضى كذلك حتى دخل البيت مهللاً ملبّياً وهو يقرأ سورة الفتح:

{إنَّا فتحنا لكَ فتحاً مُبيناً * لِيَغْفرَ لكَ اللهُ ما تقدَّم مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نعمتَهُ عليكَ ويهديكَ صِراطاً مُستقيماً}[سورة الفتح].

وبَلَغ الكعبة، فاستلم الحجر وطاف بالبيت، وكان حول الكعبة ثلاثمائةٍ وستون صنماً، فَجَعَلَ يطعنها بعودٍ كان في ديه فتتهالك وهو يقول: الله أكبر.. جاء الحق وزهق الباطل.. إنَّ الباطل كان زهوقاً!..

وكانَ يوماً عجباً.. ورأت الدهماء من أهل مكّة أن تلك الآلـهة التي كانت ترجوها وتخشاها، خرّت بطعنة عودٍ، ورأت أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.. وأنهم يَهْلكون ولا يُهْلِكون.


تطهير الحرم من الأصنام

ثم دعا النبيّ r عثمان بن طلحة الحجبي، وكان صاحب مفتاح الكعبة، فجاءه بالمفتاح، فدخلها r آمناً مطمئناً راضياً، وكانت قريش قد جعلت آلهتها (هبل) في جوف الكعبة. فكسره رسول الله r وأخرجه من الكعبة، وكانَ فيها تصاوير إبراهيم يستقسم بالأزلام، فطمسها رسول الله r بيده الشّريفة، ثم صلّى بين الساريتين في جوف الكعبة والناس من حول البيت، يرقبون بعيونهم وقلوبهم تلك اللّحظات الحاسمة في تاريخ العرب.

وأمر النبيّ r بلالاً فصعد الكعبة، ورفع صوته بالأذان، حتى اجتمع الناس، مؤمنهم وكافرهم حول البيت، وخرج النبيّ r وقال:

«لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزابَ وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده جاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً» ثم التفت إلى رؤوس قريش، ولم تكن بأيديهم تلك السيوف التي طعنوا بها أصحابه! ولم يكن على أكتافهم حديدٌ يدرؤون به سيف العدل. وقاموا بين يديه صاغرين، وقد انفرط عقدهم، وتفرّق جمعهم، وتقطعت بهم الأسباب.

فقام فيهم موقف العزيز من الذّليل وقال: «ما تظنّون أنّي فاعلٌ بكم؟».

قالوا: خيراً.. أخ كريم وابن أخٍ كريم

ومرّت لحظاتٌ قاسية… تحسّس فيها المجرمون أعناقهم، وهم يذكرون سنّي  الظلم والعنت التي صرفوها في حرب الإسلام، والظالم يخشى سطوة الحق، وصَولَة العدل…

وأشرق وجه النبيّ r وقال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء».

وراحت الكائنات جميعاً جذلانة فرحة، تتحدث بيوم المنّ الأعظم، يوم المرحمة.


سدانة البيت

وجاء العبّاس إلى النبيّ r، وسأله أن يعطيه مفتاح البيت ليجتمع له شرف الرفادة والسدانة، فدفعه إليه r، فجاء عثمان بن طلحة إلى النبي r يسأله المفتاح، وقد وجد في نفسه موجدة بالغة، فما هي إلا لحظات حتى نزل الوحي بقول الله عزّ وجلّ:

{إنَّ اللهَ يَأمركُمْ أن تُؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكَمتُم بين الناسِ أن تحكموا بالعدلِ إنَّ اللهَ نِعِمَّا يعِظُكُم بهِ إنَّ اللهَ كانَ سَميعاً بَصيراً}[النساء:58].

فدعا النبيّ r عثمان بن أبي طلحة فدفع إليه المفتاح، ثم قال: «خذوها يا بني شيبة لا يأخذها منكم إلا ظالم».

ولا يزال مفتاح الكعبة إلى اليوم في ولد عثمان من بني شيبة.

ومكثَ r أيّاماً يبايع الرّجال والنساء في مكة، ودَخَلَ الناسُ في دين الله أفواجاً، وقبل رسول الله r من رؤوس مكة دخولهم في الإسلام، وهو أعلم بدخائل نفوسهم التي كانت لم تزل في شكٍّ مريب..


بلال يؤذن على الكعبة يوم فتح مكة

وحانت الصلاة، فأمر رسول الله r بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته، فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي r فقال لهم: قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.

صلاة فـتح مكة

ودخل رسول الله r يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغستل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى وإنما هذه صلاة الفتح، وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله r: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي r، فقال لها ذلك.

إهدار دماء أكابر المجرمين بعد فتح مكة

وأهدر رسول الله r يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وعكرمة ابن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل، كانتا تغنيان بهجو النبي r، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وهي التي وجد معها كتاب حاطب.

فأما ابن أبي سرح، فجاء به عثمان إلى النبي r، وشفع فيه فحقن دمه، وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه، رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة.

وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي r فتبعته، فرجع معها وأسلم، وحسن إسلامه.

وأما ابن خطل فكان متعلقاً بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي r وأخبره فقال: اقتله. فقتله.

وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين.

وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله r بمكة، فقتله علي.

وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله r حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هبار يوم فتح مكة، ثم أسلم وحسن إسلامه.

وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى، فأسلمت، كما استؤمن لسارة وأسلمت.

قال ابن حجر: وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي، فقتله علي، وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير، وقصته مشهورة وقد جاء بعد ذلك، وقد أسلم، وأرنب مولاة ابن خطل أيضاً قتلت، وأم سعد، قتلت فيما ذكر ابن إسحاق، فكملت العدة ثمانية رجال وست نسوة، ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد القينتان، اختلف في اسمهما، أو باعتبار الكنية واللقب.

تخوف الأنصار من بقاء رسول الله r في مكة

ولما تم فتح مكة على الرسول r ـ وهي بلده ووطنه ومولده ـ قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله r إذا فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها ـ وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه ـ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله r: «معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم».

وروي أن النبي r لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفاً من رسول الله r أن يعرفها، لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله r: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً. فقال رسول الله r: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله r وعرفها، فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك.

فقال: ولا يزنين. فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً، فأنتم وهم أعلم ـ وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر ـ فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله r.

فقال: ولا يأتين ببهتان. فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.

ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.

إقامته r بمكة بعد الفتح، وعمله فيها:

وأقام رسول الله r بمكة تسعة عشر يوماً، يجدد معالم الإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم، وبث سرايا للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره.

سرية خالد لهدم العزى بعد فتح مكة

ولما اطمأن رسول الله r بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى، لخمس ليال بقين من شهر رمضان (سنة 8هـ) ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها، ولما رجع سأله رسول الله r: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه إمرأة عريانة سوداء ناشزة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله r فأخبره، فقال: نعم تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً.

سرية عمرو بن العاص لهدم سواع بعد فتح مكة

ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط، وعلى ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله r أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لـمَ؟ قال: تمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

سرية سعيد بن زيد الأشهلي لهدم مناة بعد فتح مكة

وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً إلى مناة، وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادتها: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن، مناة دونك بعض عصاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزائنه شيئاً.

سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بعد فتح مكة

ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله r في شعبان من نفس السنة (8هـ) إلى بني جذيمة، داعياً إلى الإسلام، لا مقاتلاً. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: (صبأنا صبأنا) فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيراً، فأمر يوماً أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي r، فذكروا له، فرفع r يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ـ مرتين ـ.

وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله r علياً فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ r فقال: مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان أحُدٌ ذهباً، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته.


غزوة هوازن (حنين) شوال سنة ثمانية للهجرة

مضى شهر رمضان وفيه كانت الضربة القاصمة للوثنية العربية، وتلقى النبي r أنباء سراياه التي عادت من كسر الأصنام غانمة ظافرة.

وكان لمكة جارتها التاريخية الطائف التي تقاسمها الشرف والقوة منذ الجاهلية، وفيها هوازن وثقيف من أمنع قبائل العرب وأقواها.

وكان سقوط قريش فرصة لهم ليسودوا بذلك العرب، فبدؤوا يجمعون جموعاً عظيمة للإغارة على البلد الحرام، وإخراج المسلمين منها قبل أن يحل بهم ما حل بقريش.

وعلى الفور أمر النبي r المسلمين أن ينفروا نفرة رجل واحد إلى هوازن، فوافاهم عند وادي حنين وقد جمعوا نحواً من ثلاثين ألف مقاتل من ثقيف وجشم ونضر وقيس بن عيلان، ورئيسهم مالك بن عوف، وفيهم دريد بن الصمة من عباقرة الحرب العرب.

وكان النبي r قد أخذ من صفوان بن أمية سلاحاً كثيراً ـ عارية مؤداة ـ وهو يومئذٍ رجل مشرك، كما أخذ من رؤوس قريش مالاً وخيلاً يستعين به على قتال القوم. وتقدم المسلمون وهم اثنا عشر ألف مقاتل إلى وادي حنين، وقبل أن يتمكنوا في الوادي يتوزعوا فيه، انقضّت عليهم كتائب المقاتلين من هوازن جماعات جماعات، وكانت مباغتة عنيفة ولى على أثرها المسلمون الأدبار لا يلوي أحد على أحد. وجعل رسول الله r ينادي: أنا الرسول لا كذب أنا ابن عبد المطلب، والناس يفرون من كل جانب، ولم يثبت معه r إلا نفر لا يتجاوزون المائتين، وقال بعضهم: لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً.

وفي ساعة العسرة العصيبة ظهر النفاق على أشده، وراح أولئك الرؤوس المكّيون الذين خرجوا مع النبي ولما يتمكن الإيمان في قلوبهم، راحوا يبشرون بأفول دولة الإسلام، وظهر منهم الحقد والشماتة، وقال أبو سفيان: والله لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! وقال آخر: بطل السحر اليوم!..

ولم تضعف عزيمة النبي r بل دعا عمه العباس، وكان جهوري الصوت، فجعل ينادي المهاجرين والأنصار: يا أصحاب بدر، يا أصحاب الشجرة، حتى التفَّ الناس حول النبي r.

وأمسك النبي r بحفنة من تراب فذرها في المشركين وهو يقول: شاهت الوجوه، فما بقيت عين إلا دخلتها التراب، وانكشف المشركون وتبعهم الأصحاب، وركبوا بهم السيف حتى دفعوهم إلى أسفل الوادي، ففر قوم إلى أوطاس وقوم إلى حصن الطائف فتحصنوا فيه تاركين نساءهم وأموالهم وذراريهم غنائم في يد المسلمين.

ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي r إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فتناوش الفريقان القتال قليلاً، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري.

وطاردت طائفة  أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع.

وأما معظم فلول المشركين الذين لجأوا إلى الطائف؛ فتوجه إليهم رسول الله r بنفسه بعد أن جمع الغنائم.

وكانت غنائم حنين عظيمة كبيرة فيها سبي ومال، وكان سبب ذلك انهم أخرجوا أموالهم ونساءهم معهم حتى لا يجبنوا عن القتال.

وقد اختار النبيُّ r أن يترك الغنائم بلا قسمة رجاء أن يسلِمَ أصحابُها، أو يساومهم بها على عقد حسن جوار. وبقيت الغنائم مجموعة في الجعرانة إلى حين فرغ النبي من غزوة الطائف، وقد كلف النبي r مسعود بن عمروا الغفاري بحراسة الغنائم.


غزوة الطائف ـ شوال سنة ثمانية للهجرة

توجه النبي r إلى تلك الألوف المؤلفة من هوازن التي لجأت إلى حصون الطائف، فما كان النبي r ليتركهم فيها يهددون الحرم الآمن وجماعة المسلمين من غير أن يضع حداً لعدوانهم وبأسهم.

وخرج النبي r إلى الطائف بمن معه من الناس، وكانت مدينة محصنة ذات أسوار عالية وأبواب متينة، فحاصرها النبي r شهراً كاملاً، وطال الحصار، واتخذ رسول الله r المنجنيق والدبابات لهدم الحصون، ولكنها كانت أمنع من ذلك، وجعل الصحابة يقطعون أعناب مزارع الطائف، فأرسل أهل الطائف إلى النبي r يتوسلون إليه أن يتركها فنهى المسلمين عن قطعها، ثم أعلن النبي r أنه سيعتق كل عبد يأتيه من الطائف، فتسلل إليه عدد منهم، فعلم النبي r منهم أن أهل الحصن قد جهزوا أنفسهم لحصار سنة، وأنهم عازمون على البقاء حتى نفاد الزاد، ثم يقاتلون بعده حتى لا يبقى رجل منهم، فرأى النبي r أن الحصار لا يجدي وأن العدو قد انكسرت شوكته وأُمِنَ مكره وشره، ورأى أن الأشهر الحرم قد أهلت فرحل بأصحابه قافلاً، إلى مكّة.

وفي الطريق قال له أصحابه: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فلم يجبهم رسول الله r وإنما نظر إلى حصون ثقيف التي أغلقت منافذ الاستجابة للحق، وعزمت على الكيد له ثم نظر إلى السماء وقال: «اللهمَّ اهد ثقيفاً وأت بهم»… وهذا ما حصل بعد حين.


توزيع غنائم حنين

غادر رسول الله r الطائف قافلاً إلى الجعرانة حيث ترك الغنائم الوافرة نحو شهر كامل.. رجاء أن يسلم أصحابها فتعود لهم.

ولم يسبق للمسلمين أن نالوا في غزوة ما نالوه في حنين من الغنائم، فقد خرج المشركون بكل ما لديهم من المال والنساء والأولاد فكانوا غنيمة للمسلمين.

وأحصيت غنائم حنين فكانت أربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وستة آلاف من النساء والبنين، وبدأ النبي r بتوزيع المال.

النبيّ r يعطي المؤلفة قلوبهم

ولجأ النبي r إلى استخدام سلاح المال لقتل العداوة في قلوب نفر من أشراف قريش وسادات العرب، ومن ثم تأليف قلوبهم إلى الإسلام، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله r ـ وهو الذي قال ما قال عند ظهور هزيمة المسلمين في أول حنين ـ فقال له: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالاً، فتبسم عليه السلام، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله، فقال r: يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان: ولابني يزيد، فقال r: زنوا ليزيد أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان: ولابني معاوية يا رسول الله، فقال r: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان: إنك كريم، فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحاربَ كنت، ثم سالمتك فنعم المسالَم أنت، جزاك الله خيراً.

وأعطى رسول الله r ـ صفوان بن أمية مائة من الإبل، ثم مائة ثانية، ثم ثالثة، ثم رآه ينظر إلى شعب مملوء نعماً وشاءً، فقال له: أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟ قال: نعم، قال r: هو لك بما فيه، فما كان من صفوان إلا أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، والأقرع بن حابس مثلها، وأعطى أناساً آخرين يتألف بها قلوبهم، وكانت تلك حكمة عظيمة من النبي r، فما تزال مصالح أقوام أقوى من عقائدهم، وقطع بذلك دسائس ومؤامرات كثيرة كان يمكن أن يكيدوها للإسلام وأهله، ولما دخل نور الإيمان إلى قلوبهم صاروا كالسابقين الأولين في بذلهم وجهدهم وجهادهم، وأخرج الله من أصلابهم وذراريهم قادة لجيوش الفتح الإسلامي، وأعلاماً نشروا رسالة الحق والخير في ربوع الأرض.

الأعراب يتنازعون على الغنائم

ثم أحصى النبي r ما بقي من الغنائم ووزعه على المجاهدين، فاجتمع عليه الأعراب وهم يلحون عليه ويقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا فما زالوا به حتى ألجؤوه إلى شجرة، فعلق بها رداؤه فقال لهم: ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله لو كان لي عدد شجر تُهامة نَعَمٌ لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بَخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً.. ثم أخذ وبرة من بعير وقال: والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.

ووثب أعرابي إلى رسول الله r فجذبه جذبة شديدة من برده الخشن أثرت في عنق رسول الله r وقال له: مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فضحك رسول الله r مع ألمه وأمر له بعطاء.

وبلغه قول بعض الأعراب: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فغضب وقال: ومن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر!…

الأنصار ينكرون إعطاء المؤلفة قلوبهم

والحق أنه لم تكن فتنة غنائم حنين بأقل من فتنة الهزيمة في أولها، حتى أن الأنصار أنفسهم قد خفيت عليهم حكمة توزيع الغنائم على المؤلفة قلوبهم، وخصوصاً من قريش وحرمانهم منها، فقال بعضهم: إن هذا لهو العجب، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! وكثر الحديث في ذلك بين الأنصار، فجاء سعد بن عبادة إلى النبي r وقال: يا رسول الله: أعلمت ما قالت الأنصار؟، فقال: وما قالوا؟، قال: يا رسول الله إنهم يقولون: إنك أعطيت قومك وعشيرتك، وهم حديثوا عهدٍ بالإسلام وتركت الأنصار!!.. فقال: فما تقول أنت يا سعد، قال: يا رسول الله، والله ما أقول إلاّ كما قال قومي، فقال النبيّ r: فادعهم لي يا سعد، فدعاهم سعد، فلمّا اجتمعوا عند النبيّ r قال لهم: «يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجَدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتِكُمْ ضُلاّلاً فهداكم الله بي وعالةً فأغناكم الله بي، وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم، قالوا: بلى، واللهُ ورسولُهُ أمَنُّ وأفضل، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ فقال: أَمَا والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم وصُدِّقتم: أَتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أَوَجَدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدّنيا تألفت بها قلوب قوم ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهبَ النَّاس بالشّاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار، اللهمَّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.»

فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً..


وفد هوازن بعد غزوة الطائف

وبعد أَنْ أنهى النبي r قسمة الغنائم، جاءه وفدٌ من هوازن يستعطفون في ردّ أموالهم وأهليهم، فخيّرهم بين المال والأهل فاختاروا الأهل، فنزل لهم النبيّ r عمّا كان له ولبني عبد المطلب، وخطب الناس فقال لهم، أمّا بعد فإنّ إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ عليهم سبيهم، فمن أحبَّ أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، فردَّ الناس عليهم سباياهم، وحَبَسَ النبيّ r أهل زعيمهم مالك بن عوف وقال لهم: أخبروه أنه إن أتى مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل، فأخبر مالك بذلك، فأعظم في نفسه هذا الكرم، وتسلل من قومه خفيةً إلى رسول الله r، فأعلنَ إسلامه وحسن إسلامه، وأمّره النبي r على مَنْ أسلَم مِنْ قومه.


العودة إلى المدينة بعد فتح مكة

وبعد أن فرغ رسول الله r من أمر الغنائم، خرج من الجعرانة معتمراً حتى دخل البيت والأصحاب معه.

وكانت عمرته r في آخر ذي القعدة. وخشيت الأنصار أن يبقى رسول الله r في مكة ويتركهم ومدينتهم، فقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله r إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟! فقال لهم النبي r: «معاذ الله… المحيا محياكم، والممات مماتكم يا معشر الأنصار».

ثم استخلف رسول الله r على مكة عتاب بن أسيد وهو شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، وفي هذا حكمة كبيرة، فعتاب شاب لم يشترك من قبل في معركة، وليس لأحد من قريش عنده دم ولا مال، وقريش وإن أسلمت إلا أن حمية الجاهلية لم تتلاشَ من قلوبها بعد، فلا يصلح لها إلا مثل عتَّاب.

وجعل له النبي r أجراً: درهم في كل يوم، فقال عتاب للناس: أجاع الله كبد من جاع على درهم، لقد رزقني رسول الله درهماً كل يوم فليست بي حاجة لأحد.

وكذلك فإن رسول الله r خلف أيضاً معاذ بن جبل في مكة، يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.

وهكذا طوى النبي r العام الثامن قرير العين هني البال بعد أن فتح الله عليه بلده، وآمنه من عدوه، وعاد إلى المدينة ليستأنف الدعوة من جديد.

وفي هذه السنة حج بالناس عتاب بن أسيد، ولم يشهد النبي r الحج، ولا أرسل أميراً من قبله على الناس، وأديت مناسك التوحيد في الحج لأول مرة رغم وجود أفراد من المشركين من قبائل العرب.


أهم حوادث السنة التاسعة للهجرة (21 بعد البعثة)

1ـ إرسال السرايا لهدم الأصنام في جزيرة العرب.

2ـ دخول قبائل العرب الكبرى في الإسلام.

3ـ إستقبال وفود كافة القبائل العربية تقريباً، وتعيين الولاة والأمراء على أقاليم الجزيرة العربية.

4ـ وفاة النجاشي.

5ـ إسلام ثقيف آخر المدن الكبرى في جزيرة العرب.

6ـ خروج النبي لملاقاة جيش الروم في تبوك.

7ـ عقد الأحلاف مع عرب الروم والفرس وضمان الحدود الشمالية للدولة الإسلامية.

8ـ نزول سورة التوبة.

9ـ إنحسار النفاق وموت رأس المنافقين عبد الله بن أبي.

10ـ حج أبي بكر.

دخول السنة التاسعة

دخلت السنة التاسعة وقد فرغ النبي r من خصوم الإسلام في جزيرة العرب، وصارت أعظم قوتين في جزيرة العرب ـ مكة والطائف ـ مدينتين إسلاميتين.

ولـما تم للنبي r ذلك، أدى عمرة الجعرانة شكراً لله وانصرف إلى المدينة فوصلها مطلع ذي الحجة.

وأقام رسول الله r طيلة السنة التاسعة في المدينة المنورة، يستقبل الوفود التي قدمت تعلن دخولها في الإسلام، لم يخرج منها إلا خمسين يوماً في غزوة تبوك.

ومع أن الوفود بدأت في السنة السابعة عقب صلح الحديبية إلا أنها بلغت أوجها في السنة التاسعة، حتى سمي هذا العام (عام الوفود) لكثرة ما جاء النبي r من الوفود.

وكانت هذه الوفود ترد إلى المدينة فيضرب لهم رسول الله r منزلاً لرواحلهم قرب مسجده الشريف، فيقيمون فيه أياماً ضيوفاً مكرمين، فيسمعون من النبي r بيانه وموعظته، وينتدب لهم من علماء الصحابة من يجيبهم عما يسألون، ويشرح لهم ما يجهلون، ثم يدعوهم إلى الإسلام في رفق ولين، بعد أن يكونوا قد رأوا بأعينهم حال المؤمنين في توادهم وتراحمهم وعشرتهم وتعاونهم وعبادتهم فتقترب بذلك قلوبهم من الحق.

وكان النبي r يعين للقوم إذا أسلموا أميراً منهم، ويرسل معهم من أصحابه من يعلمهم أمور دينهم، ويقوم بنشر الدعوة فيما يليهم من القرى والقبائل:

{قُلْ هذهِ سَبيلي أَدعُوا إلى اللهِ على بَصيرةٍ أنا ومَنِ اتَّبعني وسُبحانَ اللهِ ومَا أنا من المشركين}[يوسف:109].

وقلّ أن يأتي وفد من قبائل العرب إلى المدينة ثم يرجعوا ولم يعمر الإيمان قلوبهم.

وهكذا.. فقد سارت حركة الدعوة في بلاد العرب تنتشر بالحوار والإقناع، وما انتشر الإسلام في جزيرة العرب إلا عبر مئات من أولئك الدعاة، الذين خرجوا إلى القبائل مهاجرين صادقين، مخلفين وراءهم متاع الدنيا ببهارجها، مؤذنين في صحراء العرب ووهادها بأفول الشرك.. وبزوغ فجر الإسلام.

ولسنا نملك وسيلة كافية نحصي بها الدعاة الذين خرجوا في هذه الرسالة الشريفة، ولا نعرف على وجه الدقة ترتيب تلك الوفود التي قدمت المدينة بتأثير أولئك الدعاة الصادقين، ولكنا نسردهم سرداً كما وردوا في كتب السيرة.

سرايا الدعاة بعد فتح مكة:

فور وصوله r إلى المدينة بعد الفتح بدأ بإرسال سرايا الدعاة من جديد إلى قبائل العرب، يدعوها إلى الإسلام، وينظم لها أمور دينها، ويرد كيد من يدبر للمسلمين ويكيد لهم.

إلى قبيلة صداء:

فأرسل قيس بن سعد في أربعمائة من أصحابه إلى قبيلة صداء في اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، وكانوا قد دخلوا في الإسلام قبل أن يصل وفد رسول الله r، ولما وصل الوفد أقام فيهم يعلمهم مبادئ الإسلام.

إلى بني كعب:

وأرسل بشر بن سفيان إلى بني كعب لأخذ صدقاتهم، فمنعهم بنو تميم من ذلك، فأرسل إليهم رسول الله r عيينة بن حصن في خمسين فارساً، فحاربوهم وأسروا عدداً منهم، فجاء في أثرهم وفد من تميم ونزلوا على رسول الله r، فما زال بهم حتى أسلموا، فرد عليهم أسراهم، وأقاموا في المدينة يتعلمون القرآن ويتفقهون في دين الله قبل عودتهم إلى بلادهم.

إلى طيء

وأرسل علي بن أبي طالب في خمسين فارساً لهدم صنم طيء (الغلس) فهدمه وأحرقه، فحاربته طيء، فتغلب عليهم وأسر عدداً منهم، وكان في الأسرى سفانة ابنة حاتم الطائي (كريم العرب)، فلما قامت بين يدي رسول الله r أكرمها وأحسن إليها ثم أطلقها، فأخبرت بذلك أخاها عدي بن حاتم فسارع إلى رسول الله r، فلما لقيه أكرمه وأحسن وفادته ثم أخذه إلى منزله، فلقيته في الطريق امرأة عجوز، فأخذت تسأل النبي r وهو ينصت لها ولا يأنف منها حتى طال مقامها، قال عدي: فوقع حب النبي r في قلبي وقلت في نفسي: هذا خلق الأنبياء لا خلق الملوك، ولما دخلا البيت تناول r وسادة فقدمها لعدي وجلس هو على الأرض، فزاد حب عدي للنبي r.

ثم جلس رسول الله r يحاوره في النصرانية، وطال مجلسهما، وما زال به حتى هداه الله للإسلام، وعاد عدي إلى قومه داعياً أميناً، وثبت على إيمانه يوم الردة، وحمل زكاة طيء إلى أبي بكر، وشهد المشاهد في العراق، وروى الحديث عن النبي r.


إلى اليمن

وأرسل رسول الله r إلى اليمن رسولين ثم عززهما بثالث:

أرسل أولاً: معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وجعل كل واحدٍ منهما على مخلاف من مخاليف اليمن، وكان اليمن مخلافَين ـ أي قسمين ـ وأمرهما بالحكمة والموعظة الحسنة، وأمرهما فقال: «يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا».

ومضى الداعيان العظيمان، كل منهما في المخلاف الذي حدده رسول الله r، وصارت بيوتهما قبلة لأهل اليمن، يرحلون إليها فيتعلمون أمر دينهم ويسلكون إلى ربهم، وصارت وفود اليمن تقدم إلى المدينة تبايع النبي r وتدخل في الإسلام بدعوة أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، رغم أن أبا موسى كان عمره لا يزيد على 28 سنة.

كما أن معاذاً كان يبلغ من العمر 27 سنة.

وكانت بعض قبائل اليمن قد سبق منها الإيمان والتصديق، ولكن لم يكن اليمن ليصبح إقليماً إسلامياً خالصاً لولا جهاد هذين الشابين الناجحين من دعاة الإسلام ورجاله.


إلى همدان

ثم أرسل رسول الله r إلى همذان ـ خاصة وهي كبرى قبائل اليمن أرسل علي بن أبي طالب في جماعة من الدعاة، فيهم: البراء بن عازب، وكان خالد بن الوليد قد أقام في همذان ستة أشهر من قبل فلم يفلح في دعوتهم للإسلام .

فلما وصل علي بن أبي طالب إلى القوم خرجوا إليه، فصف أصحابه صفاً واحداً ثم تقدم فصلّى بهم ركعتين، وهمذان ينظرون ويعجبون، حتى إذا أخذ الجلال مأخذه من القوم وانشرحت صدروهم لرسل الهداية والخير تقدّم علي بن أبي طالب فأمرهم ونهاهم وبشرهم وأنذرهم، وكان قد أوتي من الفصاحة والبلاغة ما لم يؤته إلا رسول الله r. فلما اطمأنت قلوب القوم قرأ عليهم كتاب رسول الله r يدعوهم فيه إلى الإسلام، فأسلمت همذان جميعاً.

فكتب علي إلى رسول الله r يخبره بإسلام القوم، فلما قرأ رسول الله r الكتاب خرّ ساجداً لله، ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همذان السلام على همذان».

وأقام علي في القوم مدة يعلمهم الإسلام، ويرسل دعاته في أطراف البلاد حتى دخلت همذان وما حولها في الإسلام، وراحت رسلهم إلى النبي r في المدينة تبايعه على الإسلام على ما سنبينه في خبر الوفود ـ إن شاء الله ـ.


المصدقون العمال الذين أرسلهم النبيّ r إلى الأفاق بعد فتح مكة

أما القبائل التي استجابت للإسلام فقد أرسل إليهم النبي r من يعلمهم أمر دينهم ويأخذ صدقاتهم ويرشدهم إلى أحكام الدين، وفيما يلي قائمة بأهم هؤلاء الدعاة الذين عرفوا في كتب السيرة باسم المصدقين، وأغلبهم أرسل في المحرم سنة 9هـ:

1ـ عيينة بن حصين           إلى بني تميم

2ـ يزيد بن الحصين           إلى أسلم وغفار

3ـ عباد بن بشير الأشهلي             إلى سليم ومزينة

4ـ رافع بن مكيث             إلى جهينة

5ـ عمرو بن العاص          إلى بني فزارة

6ـ الضحاك بن سفيان        إلى بني كلاب

7ـ بشير بن سفيان            إلى بني كعب

8ـ ابن اللتبية الأزدي          إلى بني ذبيان

9ـ المهاجر بن أبي أمية               إلى صنعاء (وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها).

10ـ زياد بن لبيـد             إلى حضرموت.

11ـ عدي بن حاتم            إلى طيء وبني أسد.

12ـ مالك بن نويرة           إلى بني حنظلة.

13ـ الزبرقان بن بدر         إلى بني سعد. (إلى قسم منهم)

14ـ قيس بن عاصم           إلى بني سعد. (إلى قسم آخر منهم)

15ـ العلاء بن الحضرمي             إلى البحرين.

16ـ علي بن أبي طالب               إلى نجران (لجمع الصدقة والجزية).

وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم سنة 9هـ؛ بل تأخر بعث عدة منهم إلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها، نعم كانت بداية بعث العمال بهذا الإهتمام البالغ في المحرم سنة 9هـ. وهذا يدل على مدى نجاح الدعوة الإسلامية بعد فتح مكة فقد دخل الناس في دين الله أفواجاً.


وفود العرب بعد فتح مكة

كان الدعاة الذين انتشروا في الآفاق بدءاً من السنة السادسة للهجرة عقب صلح الحديبية قد أدوا رسالتهم على أتم وجه، وبدءاً من السنة السابعة صارت وفود القبائل العربية التي اهتدت بالدعاة تصل إلى المدينة المنورة لتبايع النبي r وتحظى بصحبته ولقياه.

وللحق فإن تاريخ هذه الوفود لم يدون على وجه الدقة، وإنما نلتقطه التقاطاً من كتب السيرة التي أوردته متناثراً بين السينن، ولكنه بمجمله يرسم لنا صورة صادقة عن تأثير أولئك الدعاة في مختلف الأماكن التي نزلوها، وبه تعلم أن السبيل الأول لنشر الإسلام في سائر بقاع الجزيرة العربية إنما كان الحجة والإقناع، وليس القتال والسيف، وإن كان السيف قد جرد في كثير من المواطن، فإنه كان لحماية الدعوة والدعاة، والدفاع المشروع عن النفس، ولم يكن في يوم من الأيام عدواناً بادئاً.


وفد الأزد

كانت منازل الأزد بين عمان وحضرموت إلى جوار جبل يقال له: (كشر)، وكان أول من أسلم منها (صرد بن عبد الله الأزدي) في وفد من أصحابه، قدموا فبايعوا النبي r، فأرسلهم النبي r إلى بلادهم دعاة مصلحين، فساروا فيهم بسيرة النبي r، فآمنت طائفة من قومهم وكفرت طائفة، وما زالوا بهم حتى وقعت بين الحيين وقعة كانت العاقبة فيها للمتقين. وجرت الوقعة في مدينة قريبة من (كشر) اسمها جُرش.

{آلـم * أَحَسِبَ الناسُ أن يُتركُوا أن يقولوا آمنا وهُم لا يُفْتَنونَ * ولقد فَتَنَّا الذينَ من قبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللهُ الذينَ صدقوا ولَيَعلَمَنَّ الكاذِبينَ}.

وبعد الوقعة كسرت شوكة المشركين، وزال خوف الضعفاء من بطشهم وعلوهم، فتحول أكثر الأزد والجرشيين والخثعميين إلى الإسلام، ووفدوا على النبي r فبايعوه، فأحسن ضيافتهم وجائزتهم وقال لهم: في أي بلاد الله جبل (شكر).

قالوا: يا رسول الله في بلادنا جبل يقال له (كشر). قال: إنه ليس بكشر بل هو (شكر)، وسمي الجبل في يومها (جبل الشكر)، وعادت وفود الأزد إلى بلادهم وأميرها (صرد بن عبد الأزدي)، ولا زال (صرد) عاملاً على جرش لـرسول الله r حتى توفي.


وفد بني عبد القيس

كان بنو عبد القيس من (ربيعة) وكان النبي r من (مضر)، ومضر وربيعة أعظم حيين من أحياء العرب، وقد قام التنافس بينهما في الجاهلية، حتى صار الجمع بين الحيين ضرباً من المستحيل.

وكانت منازل بني عبد القيس قريباً من البحرين، وكانت النصرانية قد تسربت من نجران إلى بعض بيوت بني عبد القيس، فأضعفت في نفوسهم العصبية الوثنية التي كانت فاشية في أحياء العرب.

وقد وصل بعض دعاة رسول الله r إلى نوحي منازل بني عبد القيس، فانتظر حكماؤهم دخول الأشهر الحرم، حيث توجه وفد منهم إلى المدينة المنورة وفيهم زعيمهم: الجارود بن بشر المعلى، وكان رجلاً نصرانياً، فأنزلهم النبي r في المسجد، وضرب لهم فيه قبة خاصة، وأحسن ضيافتهم، وخلا بهم مراراً يدعوهم إلى الإسلام حتى شرح الله صدورهم للحق، فآمنوا جميعاً ثم انقلبوا إلى بلادهم ينشرون الإسلام في كل وجه.

{ولَتَجِدَنَّ أقربَهُم مَودَّةً للَّذينَ قالوا إنَّا نصارى ذلِكَ بأنَّ مِنهُم قِسِيسِينَ ورُهباناً وأَنَّهُم لا يستكبِرون}


إسلام دوس:

كانت منازل دوس في اليمن، وهي بطن من بطون الأزد. وكان أول من أسلم من دوس (الطفيل بن عمرو الدوسي)، وكان امرءاً شاعراً حكيماً مطاعاً في قومه، قدم مكة ورسول الله r فيها قبل أن يهاجر، ولما وصل مكة أحاطت به قريش تحذره أمر النبي r، ولم يزالوا به حتى حشا آذانه بالكرسف لئلا يسمع صوت النبي r، غير أنه أعرض عن ذلك ونزع الكرسف من أذنيه وقال: والله إني لرجل لبيب شاعر لا يخفى علي أمر هذا الرجل، فما يمنعني أن أسمع ما يقول؟ فإن كان حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته.

ثم مضى إلى بيت النبي r فخلا به، وجعل يسأله عن الإسلام ورسول الله r يخبره ويدعوه، ويتلو عليه من القرآن الكريم حتى شرح الله صدره للإسلام، فأقام في مكة أياماً يتعلم خلالها أمر دينه، ثم غدا إلى دوس بعد أن استأذن رسول الله r في دعوتهم للإسلام، فأذن له وباركه ودعا له.

وبدأ الطفيل بدعوة عشيرته وخاصته، فدخل أهله في الإسلام، ثم بدأ بدعوة قومه فتأخّروا عنه وامتنعوا منه، وإنما أخرهم عن الإسلام انغماسهم في الزنا والشهوات، فجاء إلى النبي r فأخبره خبرهم، وسأله أن يدعو عليهم، فقال النبي r: «اللهم اهد دوساً، اللهم اهد دوساً» ثم قال للطفيل: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله تعالى وارفق بهم».

ورجع الطفيل إلى دوس بعد أن أقام أياماً عند النبي r، تعلّم من بره وحكمته ودعوته، واستأنف الدعوة في قومه من جديد، يستأني بهم ويترفق، ومازال بهم حتى تحولوا إلى الإسلام راغبين، وكان من أشهر من آمن بدعوة الطفيل: المحدث الكبير أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي.

وعند انصراف النبي r من فتح خيبر وصل المدينة وفد دوس، وأميرهم الطفيل وفيهم أبو هريرة، فخرج بهم النبي r وأكرمهم وقسم لهم من غنائم خيبر، وخلف فيهم من أصحابه من يعلمهم ما نزل من القرآن الكريم.


إسلام طيء

تنتشر قبائل طيء في منطقة الأحساء جنوب بادية الشام، وقد بدأ الإسلام في طيء منذ السنة السابعة، على يد السرايا التي أرسلها النبي r من الدعاة.

وطيء قبيلة كريمة من قبائل العرب، منازلها كثر فها الأجواد وأشهرهم حاتم الطائي الذي صار مضرب المثل في الكرم والجود، غير أنه لم يدرك النبي r.

أما ولده عدي بن حاتم خليفته في الكرم والسؤدد، فإليك خبر تحوله إلى الإسلام كما يرويه بنفسه (من رواية البخاري):

قال عدي بن حاتم: «لما بعث النبي r كرهته كراهية شديدة، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني أشد مما كرهته فقلت: لو أتيته فإن كان كاذباً لم يخف عليّ وإن كان صادقاً اتبعته، فأقبلت فلما قدمت المدينة استشرفني الناس، فقالوا: عدي بن حاتم فقال لي: يا عدي أسلم تسلم، قلت: إن لي ديناً، قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى، قال: ألست تأكل المرباع، قلت: بلى، قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك، ثم قال: أسلم تسلم قد أظن أنه إنما يمنعك غضاضة تراها ممن حولي، وأنك تركت الناس علينا إلباً ـ مجتمعين على الأذى ـ واحداً، قال: هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها وقد علمت مكانها، قال: يوشك أن تخرج الظعينة منها بغير جوار تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز، فقلت: كسرى بن هرمز؟! قال: نعم وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، قال عدي: فرأيت اثنتين الظعينة وكنت في أول خيل أغارت على كنوز كسرى، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة».

وأقام عدي في المدينة زمناً يتعلم من النبي r، ثم انقلب إلى قومه وقد فشا فيهم الإسلام، فأقام فيهم يدعوهم ويعلمهم حتى دخلوا جميعاً في الإسلام.

وفي السنة العاشرة، حضر وفد طيء إلى النبي r ولم يكن فيه عدي بن حاتم، بل كان في زيد الخيل وهو من رؤساء طيء وأجوادها، ولما دخل على النبي r سماه: زيد الخير وقال: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه»

وبعد موت النبي r ارتدت طيء إلاّ عدي بن حاتم الذي نشط في هدايتهم وإصلاحهم، وحمل زكاة قومه إلى أبي بكر، ومازال ينسأني بهم ويترفق حتى ردهم إلى الإيمان.

وإذا لم يكن دخول طيء في الإسلام على يد عدي وحده فقد كانت توبتهم من الردة، وعودتهم إلى الإسلام على يد عدي بن حاتم وحده بلا ريب.


إسلام كندة

كندة من أكبر قبائل العرب، وزعماء كندة من بين سائر العرب كانوا يسمون بالملوك (ملوك كندة)، وكانت منازلهم شرق الطائف، غير انه لم يكن للروم ولا للفرس عليه أي سلطان. وكانت لهم عاصمة مركزية اسمها (الفاو) وهي اليوم قرية صغيرة. وقد وصل دعاة النبي r إلى كندة بعد صلح الحديبية، كما كان لخروج النبي r إلى تبوك في السنة التاسعة، وتحالفه مع القبائل من حول كندة أثر في تحديد موقفهم من النبي r.

وقد حضر وفد كندة إلى النبي r في ثمانين راكباً، رئيسهم الأشعب بن قيس، وهو من أجواد العرب وفرسانهم، وكانت بينه وبين العباس بن عبد المطلب تجارات، فجعل النبي r يذكّره بها ملاطفاً مباسطاً، وأحسن النبي نزلهم وأكرم وفادتهم، وعرف لهم قدرهم، وأقاموا في المدينة أياماً يتعلمون الإسلام.


إسلام بني الحارث بن كعب

كانت بنو الحارث بن كعب بن أمنع قبائل العرب وأقواها، وكانت منازلهم بنجران حصينة قوية، نفرتهم نفرة رجل واحد لا يظلمون ولا يُظلمون.

ولا شك أن قوماً هذه أخلاقهم ومكارمهم أسرع استجابة للحق من غيرهم، فأرسل إليهم النبي r مجموعة من الدعاة بإمرة خالد بن الوليد، فانطلقوا يضربون في كل وجه في نجران، يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وخلال شهور قليلة تحول بنو الحارث بن كعب إلى الإسلام وجاء وفدهم إلى النبي r ورئيساه: قيس بن الحصين ويزيد بن عبد المدان.

وأقام الوفد في المدينة أشهراً يتعلمون الإسلام، حتى اشتد إيمانهم، فانصرفوا وقد أمّر عليهم النبي r قيس بن الحصين، وصارت منازلهم مركزاً لنشر الدعوة في جنوب الحجاز.


إسلام حمير

حمير أعرق الحواضر العربية في الجنوب، وتاريخ حضارتهم طويل وحافل، وقد كان ملوك حمير يسيطرون على أكثر أرض اليمن من سواد بحر العرب، ولم يُسجل وفود دعاة عليهم قبل دخولهم في الإسلام، ويبدوا أن إسلام القوم لم يكن عن معرفة ويقين، بل كان عن اعتبار سياسي، إذ ظهر لهم تحول أكثر العرب إلى الإسلام وانحسار جيوش الروم أما جيش النبي r، فأحبوا أن يدخلوا فيما يضمن لهم مواقعهم ومصالحهم.

فأرسلوا رسولاً إلى النبي r بنبأ دخولهم في الإسلام، ومفارقتهم للشرك، فوصل إلى المدينة عقب عودة النبي r من تبوك.

وقد أدرك النبي r دوافع القوم في تحولهم إلى الإسلام، فأرسل إليهم كوكبة من الدعاة العلماء فيهم: معاذ بن جبل، ومالك بن عبادة، وعقبة بن عمرو، وعبد الله بن زيد، ومالك بن مرارة وهو أمير القوم وغيرهم.

وانطلقت كوكبة الدعاة إلى اليمن تؤدي رسالتها في الدعوة والبلاغ تحت حماية ملوك حمير، الذين أعلنوا إسلامهم: زرعة ذي يزن، الحارث بن عبد كلال، نعيم بن كلال، النعمان ذي رعين.

ولم يمض وقت طويل حتى أرسل النبي r مجموعة أخرى من الدعاة، فيهم عمرو بن حزم، تشد أزر الجماعة الأولى، وتبلغهم ما نزل من أحكام شرعية، وزوده النبي r بكتاب حاف، فيه تفصيل كثير من أحكام الإسلام. ولا شك أن هؤلاء الدعاة السبعة الذين ذكرنا أسماءهم ليسوا وحدهم الذين اهتدت بهم اليمن وحضرموت، بل هناك أسماء أخرى ساهمت في ذلك الإصلاح العظيم نسيها التاريخ.

ولئن أغفلتها كتب المؤرخين فإنها لم تسقط من ديوان رب العالمين.


إسلام بني سعد بن بكر

يعتبر بنو سعد بن بكر بطناً من بطون هوازن، وهم الذين أرضعوا النبي r، وكانت منازلهم بين الحجاز ونجد.

ولما خرجت سرايا الدعوة في الآفاق، نزل منهم طائفة في بني سعد بن بكر فأقاموا فيهم يدعونهم إلى الله، غير أن القوم لم يطمئنوا لحديثهم، فأرسلوا وافدهم إلى النبي r وهو (ضمام بن ثعلبة)، فجاء حتى قدم المدينة فانتهى إلى النبي r، فجعل يستحلفه ويستوثق منه في شأن الرسالة والدعوة، وكان ضمام شديداً في مساءلته فكان مما سأله قال:

أنشدك بالله إلـهك وإلـه أهلك، وإلـه من كان قبلك، وإلـه من هو كائن بعدك. آلله بعثك إلينا رسولاً، قال: اللهُمَّ نعم.

ثم سأله عن فرائض الإسلام فريضة فريضة، وتعلم الحلال والحرام وتلاوة القرآن. وأقام ضمام في المدينة المنورة زماناً يستمع فيه إلى النبي r، ويصحب أصحابه حتى استقر في قلبه صدق النبي r، وامتلأ قلبه إيماناً وحناناً، ثم استأذن النبي r في الخروج إلى قومه ودعوتهم، فأذن له النبي r فانطلق إليه، فما تلبث إلا قليلاً حتى شرح الله صدورهم للإسلام، وما أمسى أحد في بني سعد بن بكر إلا دخل في الإسلام.


إسلام تجيب

قدم وفد نجيب من اليمن وعدده ثلاثة عشر رجلاً، ولسنا ندري سبب دخولهم في الإسلام، ولا أسماء الدعاة الذين اهتدوا بهم، وأغلب الظن أنهم اهتدوا بدعوة معاذ بن جبل وأصحابه، وقد حضروا إلى المدينة المنورة فلقوا رسول الله r، وسمعوا من أصحابه وسألوا عن علم كثير من الكتاب والسنن.

ثم تعجلوا فبادروا إلى رحالهم، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله r، وكلامنا إياه وما رد به علينا.

وانقلبوا إلى حيهم دعاة مصلحين، وقد رأت أعينهم مجتمع الهدى الحق، وما زالوا في قومهم بالدعوة والهداية حتى تحولت تجيب كلها إلى الإسلام.

وقدم وفد تجيب على النبي r مرة أخرى في حجة الوداع.


إسلام بــلّـي

كانت منازل بلي في اليمن وكانوا قوماً أهل جود وكرم وضيافة.

وقد قدم وفدهم بدعوة من الصحابي الجليل رويفع بن ثابت البلوي المقيم في المدينة المنورة.

وقد نزل القوم عند رويفع، وكان قد سبق لهم أن سمعوا عن النبي r من خلال دعاته المنتشرين في الآفاق، فلما نزلوا عند رويفع وهو من قومهم، فوعظهم وحذرهم وأنذرهم، ثم قدم بهم على النبي r مسلمين طاهرين وقال: هؤلاء قومي يا رسول الله.

فسرّ بهم النبي r وحدثهم وعلمهم، ثم جعل يزورهم في دار رويفع حيث نزلوا أياماً في ضيافته، وهكذا فقد جعل رويفع داره مقرّاً لنشر الهداية واستقبال ضيوف الإسلام.

وانقلب وفد بلّي بعدئذٍ إلى بلادهم دعاة مصلحين، حتى تحولت بلي كلها إلى الإسلام.


إسلام صداء

كانت منازل صداء باليمن كبيرة واسعة، وكان أول من أسلم منهم زياد بن الحارث الصدائي، وكان رجلاً مطاعاً في قومه، أسلم بعد عمرة القضاء، ثم مضى إلى بلاده فأخبر قومه بخبر الإسلام، وجاء بوفد منهم يعد خمسة عشر رجلاً، فبايعوا النبي r.

واستأذن سعد بن عبادة سيد الخزرج النبي r في استضافة الوفد فأذن له، فأنزلهم عنده، فأكرمهم وأحسن وفادتهم، وكان سعد من أجواد العرب وأشرافهم.

وجعل أصحاب رسول الله r يترددون على دارس، ويتعاونون في إكرام الوفد وتعليمهم أحكام الإسلام، وإقرائهم القرآن، وما زالوا بهم، حتى خرجوا من المدينة دعاة عاملين، تفيض نفوسهم بالإيمان، وراحوا يضربون في أرض صداء يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وبعد نحو عامين من الدعوة المستمرة جاء وفد من صداء يعد مائة رجل، فلقوا النبي r في حجة الوداع، فبايعوه عن سائر (صداء) بيعة الإيمان، وانقلبوا إلى بلادهم بنعمة من الله وفضل، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم.


إسلام غفار وأسلم

كانت مضارب غفار على طريق التجارة إلى الشام، إلى جوار مضارب أسلم، وكان الحيان لهما منعة في الجاهلية، وقد أسلم غفار وأسلم، بدعوة أبي ذر: جندب بن جنادة الغفاري، وكان رجلاً متألهاً في الجاهلية صادق اللهجة سليم الطوية، وجاءه أخوه أنيس وكان قافلاً من مكة فقال له: قد رأيت بها رجلاً يسمى بالصابئ أشبه الناس بك يا أبا ذر.

فمضى أبو ذر حتى وصل مكة، فنزل عند علي بن أبي طالب فأكرمه وأحسن نزله، ثم أتى به النبي r بعد ثلاث، فسمع منه حتى اطمأن قلبه. ثم دفعه النبي r إلى أبي بكر، فما زال به يدعوه إلى الإسلام، ويناجيه هو وعلي حتى شرح الله صدره للإسلام.

وأقام أبو ذر بمكة أياماً، يسمع من النبي r وصاحبيه أبي بكر وعلي حتى أشرقت نفسه ورق قلبه، فاستأذن النبي r في دعوة غفار، فأذن له فمضى إلى قومه يدعوهم إلى الله، فأسلم أخوه ثم أمه ثم عشيرته حتى أسلمت غفار كلها، فوفد يهم مهاجراً إلى رسول الله بعد بدر، فأقام منهم من أقام ورجع منهم من رجع. وقد تأثرت قبيلة أسلم بدعوة أبي ذر أيضاً، فجاء أشرافها يبايعون النبي r، فقال لهم رسول الله r: «غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله».

وبعد… هذه أخبار إسلام ثلاث عشرة قبيلة عربية كبرى تحولت كلها إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، من خلال دعاة رسول الله r الذين بثهم في الآفاق. وقد رأيت من قبل تحول المدن الكبرى الثلاثة: مكة والطائف والمدينة إلى الإسلام.

وهناك قبائل أخرى ذكرت أخبارها كتب السير مثل: غامد وسلامان والنخع وعذرة وبهراء وخولان ومحارب وفزارة، أعرضنا عن ذكرها لأنه لم تتوفر لدينا المعلومات الكافية التي ترسم صورة تحول تلك القبائل إلى الإسلام.

والمؤسف أن أخبار إسلام القبائل لم يدون بشكل دقيق فقد كان الدعاة يخرجون إلى القبائل بدعوتهم إلى الله، فيختلطون بالناس، وقد تطول غيبتهم وقد يدركهم الموت، وربما عدا عليهم أشرار الناس فقتلوهم فيطويهم تاريخ الصحراء الصامت، ويسقطون في سفر التاريخ، وتنساهم الأيام، سيما وإن تربيتهم كانت على أساس الإخلاص لله وحده، والإعراض عن مظاهر الرياء.

ولكن هذه الأسماء العظيمة خالدة ولا شك في سفر الملكوت الأعلى عند من لا يضيع عنده أجر المحسنين.


موت النجاشي

وفي رجب من هذه السنة، مات ملك الحبشة (النجاشي) أصحمة بن أبحر، فحزن عليه النبي r حزناً شديداً، لما بدر منه من صدق وعناية بالصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، ونعاه إلى أصحابه، وخرج بهم إلى المصلى وصلى عليه صلاة الغائب، كما روى محمد بن بشار عن معاذ بن هشام عن أبي قتادة أن النبيّ r قال: «إن أخاً لكم قد مات فصلُّوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم. قال فنزلت {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} فقال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}».

 

غزوة تبوك

لقد دانت عاصمة الجزيرة العربية مكة لرسول الله r، وهاهو الإسلام يعم جزيرة العرب ويبسط نور الله ورحمته عليها، وهذا ما كان يؤرق دولة الروم في الشمال، فقيام دولة العرب الموحدة في جوارهم يعد ضرباً لمصالحهم في جزيرة العرب، وتهديداً لاستبدادهم وظلمهم في بلاد الشام.

وراحت أنباء ظهور الإسلام في كل مكان من جزيرة العرب تطرق مسامع ملوك الروم، وكان قد زاد من رعبهم تلك الرسالة التي وجهها النبي r إلى مكلهم في السنة  السابقة يدعوه فيها إلى الإسلام، فرأوا أنه لا مجال أمامهم إلا أن يقضوا على تلك الرسالة قبل أن تقضي على جبروتهم وملكهم.

وكان يوم مؤتة تجربة قاسية للمسلمين، ولكنه أفهم الروم أن المسلمين ليسوا لقمة سائغة تسخرها رومية في هواها كما هو حال حلفائها من العرب الغساسنة. ورأوا أن ثلاثة آلاف من المسلمين استطاعت أن تقف في وجه مائة ألف منهم يوم مؤتة، ثم بلغ الروم نبأ فتح مكة فأخذوا يجمعون الجيوش، ويعدون العدة لحرب رسول الله r.

تجهيز جيش العسرة

وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان، ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي r آلى من نسائه شهراً في هذه السنة وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته فظنوا أن النبي r طلقهن، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق، يقول عمر بن الخطاب ـ وهو يروي هذه القصة ـ: وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه أنا بالخبر ـ وكانا يسكنان في عوالي المدينة، يتناوبان إلى النبي r ـ ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح، افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله r أزواجه.

وفي لفظ آخر (أنه قال): وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بابي ضرباً شديداً، وقال: أنائم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم. فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله r نساءه.

وهذا يدل على خطورة الموقف. الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان. ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول الله r في كل الميادين، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض، بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق، برغم هذا كله طفق هؤلاء المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم، وما كانوا يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله. ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم أنشأوا وكرة للدس والتآمر، في صورة مسجد، وهو مسجد الضرار، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمن وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وعرضوا على رسول الله r أن يصلي فيه، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين، فلا يفطنوا ما يؤتى به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم، ولا يلتفتوا إلى من يرده ويصدر عنه، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج، ولكن رسول الله r أخّر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز، ففشلوا في مرامهم وفضحهم الله، حتى قام الرسول r بهدم المسجد بعد القفول من الغزو، بدل أن يصلي فيه.

كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون، إذ بلغهم من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشاً عرمرماً قوامه أربعون ألف مقاتل، وأعطى قيادته لعظيم من عظماء الروم، وأنه أجلب معهم قبائل لخم وجزام وغيرهما من متنصرة العرب، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء، وهكذا تمثل أمام المسلمين خطر كبير.

والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد، وكان الناس في عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر، وكانت الثمار قد طابت، فكانوا يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال، من الزمان الذي هم فيه، ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة، والطريقة وعرة صعبة، وقد تأكدت الأخبار بأن الروم بدؤوا بالتحرك نحو المدينة.

وبلغ النبي r أمر الجيش الرومي فأخذ يستعد لهذه الحرب فأرسل إلى القبائل المسلمة المجاورة، يدعوهم فيها إلى الخروج، وأمرهم بالصدقة، وحث الموسرين على تجهيز المعسرين، فتبادر الناس ينفقون أموالهم ويتنافسون في تجهيز الجيش.

تنافس الصحابة في تجهيز جيش تبوك

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله r أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالاً فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله r: «ما أبقيت لأهلك؟» فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا أسبقه إلى شيء بعدها أبداً.

{إن اللهَ اشترى منَ المؤمنينَ أنْفُسَهُم وأَموالَهُم بأنَّ لَهُم الجنَّة}

وتصدَّق عثمان بعشرة آلاف دينار وثلاثمائة بعير بجهازها، حتى قال رسول الله r: «لا يضر عثمان ما فعل بعدها»، وتصدق كذلك عبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن عبيد الله وغيرهم بالمال الكثير، وساهمت النساء بكل ما قدرن عليه من حليهن، حتى أن المرأة كانت تلقي في ثوب مبسوط أمام رسول الله r ما معها من الأساور والخلاخيل والقلائد والأقراط.

ومع هذا لم تكف النفقة لهذا الجيش، فق