كفاح منبر

كـفــاح مـنـبــر

 

الشيخ   عبد الرؤوف أبو طوق

 

 

 

دراسة خاصة أعدت بمناسبة الحفل الخاص الذي أقيم لتأبين

فضيلة العلامة الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق

 

 

 

دمـشـق ـ جـامــع الأكــرم

24/ذو الـقـعدة/ 1418هـ

الـمـوافـق 23/3/1998م

  جـــمـــع وإعـــــداد

د. مـحـمـد الـحـبـش

 

 

 

 

{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمـل صالحاً وقال إنني من المسلمين}

 

قال رسول الله r :

«اتبعوا العلماء فإنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة»

 

 

 

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء

 

 

 

الكـلـمــات

 

وحدة العمل الإسلامي : بقلم سماحة الشيخ أحمد كفتارو

 

الإنـســان الكــامـــل : كلمة مختارة من تراث الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق

 

الـمـربي الداعية الشيخ

عبد الرؤوف أبو طوق :

 

إعداد الأستاذ عبد الرحمن عرار

 

العــــالـم الـداعـيـــة : إعداد الشيخ منذر أحمد الدقر

 

هــــذا خـــالـــي

فليرني امرؤ خاله :

 

إعداد الأستاذ محي الدين مستو

 

كفاح منبر : إعداد د. محمد الحبش

 

 

الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق

في سطور

 

ـ ولد عام 1330هـ ـ 1912م في مدينة دمشق لأبوين كريمين من أسرة أبو طوق الرفاعي الحسني التي تعود أصولها إلى الإمام السيد أحمد الرفاعي الحسني مؤسس الطريقة الرفاعية .

ـ درَسَ في حـلقـات الشـيـخ بـدر الـديـن الحسـني وتلـمـيـذه الشـيـخ علـي الدقــر .

ـ درَّسَ سنين عدة في مدارس الجمعية الغراء، وتخرج على يديه عدد من الأجيال .

ـ قام بالخطابة في جامع الصحابة ثم باب المصلى ثم جامع تنكز ثم جامع الثريا إلى عام 1966 ثم عاد إلى الخطابة منتصف الثمانينات في مساجد علي بن أبي طالب والأكرم بدمشق .

ـ انتخب عضواً في البرلمان السوري نائباً عن الغوطتين منذ عام 1954م وكذلك عضواً في مجلس الأمة أيام الوحدة بين سوريا ومصر .

ـ عرف بمحبته للجميع وخدمته للناس، وإيثاره لضيفه، وتعاونه مع سائر العاملين في حقل الدعوة الإسلامية .

ـ ألقى مئات الخطب والمحاضرات على المنابر وفي البرلمان وفي إذاعة دمشق وإذاعة المملكة العربية السعودية والأردن .

ـ ودعته دمشق بجنازة مهيبة شارك فيها الألوف من أبناء دمشق والمحافظات السورية يوم 16/شوال/1418هـ الموافق 13/2/1998م، وشهد جنازته وتعزيته سائر علماء الشام، وعدد من السفراء العرب ورجال الدولة ووجهاء الشام، ودفن في مقبرة بوابة الله بالميدان .

 


وحدة العمل الإسلامي

 

كلمة سماحة الشيخ أحمد كفتارو
المفتي العام للجمهورية العربية السورية
ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد إمام النبيين وسيد العلماء والدعاة والمرشدين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.. وبعد:

يقول رسول الله r : «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»

عرفت فضيلة أخي الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق منذ أكثر من خمسين عاماً، كان خطيباً صادقاً، إلى جانب شيخه وأستاذه الشيخ علي الدقر، مؤسس النهضة العلمية في بلاد الشام، ثم عرفته خطيباً صادق اللهجة في المجلس النيابي ندخره لقضايانا الإسلامية، ناطقاً بكلمة الحق.

ومع ما كان فيه الشيخ عبد الرؤوف من مزايا ومواهب طيبة، فإن الأمر الذي تميز به ووفق إليه إنما هو فهمه الصحيح لواجب المحبة والتعاون والتكامل بين سائر العاملين في حقل الدعوة الإسلامية تحقيقاً لقوله r : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

إن توحيد الكلمة خاصَّة بين الدعاة واجب إسلامي لا يجوز أن يغيب عن بال أحدٍ منا اليوم، فأعداء الإسلام على الرغم مـمـا بينهم من فوارق في العقائد والأعراق والأوطان يجتمعون على المصالح المشتركة، ويحققون أشكالاً من الوحدة تعود عليهم بالمنافع، فلماذا لا يكون المسلمون على مستوى رسالتهم في تحقيق الوحدة، وإلى متى سنظل تعصف بنا رياح المذهبية والتفرق، ومتى سنتبع هدي النبي r الذي جاء إلى العرب وهم أشتات متفرقون فجمعهم على كلمة سواء، وألف بين قلوبهم، ومتى سيتعلم المسلمون مؤدى قوله سبحانه: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} فلا يبقى فينا صوفي ولا سلفي ولا سني ولا شيعي ونعود إلى التسمية التي سمانا بها الله عز وجل: {هو سماكم المسلمين من قبل}.

فإذا كان هذا هو واجب المسلم مع سائر المسلمين في الأرض فكيف ينبغي أن يكون حال الداعية مع الداعية، في المذهب الواحد، والأمة الواحدة والبلد الواحد ؟.

وهذا المعنى الذي أتحدث عنه هو ما كنت أجده في أخلاق الشيخ عبد الرؤوف الذي صحبته سنين طويلة فلم أسمع منه ذكر أحد من أهل العلم بسوء، بل كان دائماً يحمل البشائر، ويحفظ المليح ويترك القبيح .

وهكذا فإنه على الرغم من جهره الدائم بكلمة الحق، وموقعه على المنابر، وخوضه الانتخابات النيابية، لم يسجل له أي موقف خصومة مع أحد من العاملين في الدعوة الإسلامية، فقد كان له صنف واحد من الأعداء هم أعداء الدين، ومع ذلك فلم يكن ينظر إليهم نظر القاضي إلى المجرم بل كان ينظر إليهم نظرة الطبيب إلى المريض، يلتمس لهم العافية، ويدعو الله لهم بالهداية بظهر الغيب .

لقد ودعناه بالأمس رجلاً كبيراً ندخره للملمات، ونرجوه لجمع القلوب، وتوحيد الجهود، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر .

لقد غاب صوت إسلامي نادر، كان أخاً للجميع، يعتزون به على اختلاف مشاربهم، وفيه كانت تتمثل كلمة سلفنا الصالح: ألسنة الخلق أقلام الحق .

ومنذ عودته إلى البلاد مطلع السبعينات وجدت فيه أخاً مخلصاً، صادقاً محباً، عاشقاً لرسول الله r، وفي اللقاءات الهامة التي كانت تجري في مجمع أبي النور الإسلامي كنا نزين المجالس بحضوره، وكان يجود في كل لقاء بما يفتح الله عليه من الحكمة، من نفحات النبي الكريم r .

وفي سنواته الأخيرة وجد لدي أنسه وسلوته ووجدت لديه أنسي وسلوتي، وكنا نلتقي مراراً في الشهر الواحد، فنتبادل الحديث في هموم الدعوة، وآمال الدعاة:

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يُسليك أو يتوجع

مضى رحمه الله كما أحب، فعاش شبابه مجاهداً مكافحاً، وعاش رجولته عزيزاً مطاعاً، وعاش هرمه سعيداً قرير عين، يسكن في قلوب الناس، ويرجونه لحوائجهم، وأتم الله نعمته عليه بأبناء بررة صالحين أكملوا سعادته، ثم مات كما يحب ويشتهي في يوم جمعة، وفي المسجد، خلال الصلاة، وإلى جوار الصالحين.

أسأل الله أن يخلف منه الأمة خيراً، وأن تدوم رسالته في جمع كلمة العلماء والدعاة، وأن يبارك في أولاده البررة المهندس محمد نذير والمهندس محمد والمهندس أحمد وصهره الشيخ بسام الزين، وسائر ذرية الشيخ عبد الرؤوف .

والله سبحانه المأمول أن ينزل الشيخ في دار كرامته، إلى جوار رسول الله r مع إخوانه من العلماء الذين سبقونا إلى رحمة الله، والحمد لله رب العالمين .

 

الإنسان الكامل

خصائص النظرة الإسلامية إلى الإنسان

 

مقالة كتبها المفكر والداعية الإسلامي
الشيخ عبد الرؤف أبو طوق
نائب دمشق وعضو مجلس الأمة

 

قال الله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}. وقال: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}.

وقال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

إذا أطلقنا الكمال على الإنسان فإنما نعني الكمال النسبي في هذا الإنسان: والمرتبة التي إذا وضعته فيها يمكن أن يصل إليها. أما الكمال المطلق لا يكون إلا لله وحده الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .

ونواحي الحياة الإنسانية كثيرة مترامية الجوانب تجتمع وتفترق وتتآلف وتتنافر .

والإنسان الذي يتطلع إلى مرتبة الكمال ليس عليه إلا أن يتصل بها وبأسبابها ويقارب بين أسباب الحياة ويستخلص لنفسه أسماها غرضاً وأوضحها مقصداً .

وإذا كان فريق من الناس يرى الكمال في عظمة المنصب، أو وفرة المال أو علو الجاه أو رفعة النسب فإنما هو إنسان مخدوع مغرور ينظر إلى الحياة من ناحيتها البراقة الخلابة الفاتنة ومظهرها البهرج الزائف الذي إن بقي حيناً فهو إلى زوال وإن دام قليلاً فهو إلى انتقال، وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام .

وها نحن سنأخذ بأطراف الحديث عن الكمال الإنساني من ناحيته الثابتة المستقرة ووسائله السامية المستبينة ليستبين للقارئ الكريم عظمة الكمال فيمن اتصف به وعظمة النفس الكريمة المتكلمة المتجملة وحينئذ عليك أن توازن بين تلك العظمة الخالدة في الكمال الإنساني وبين العظمة الزائفة الممقوتة المرتكزة على الجاه والمال .

ليس من شك في أن الجلال النفسي والكمال الحقيقي هو ما انبعث عن ذات الإنسان في حدود الذات نفسها .

أما ما يحكيه مظهر الإنسان من ثوب مهندم أو جمال بالغ أو لسان منطلق خلاب إذا رافق صاحبه نفس وضيعة وأخلاق مشينة فقد انقلب هذا المظهر فظهر قبح فاضح ونقص انساني واضح ينحدر به صاحبه في منحدر سحيق وقد يصل به إلى مرتبة الحيوان الأعجم كما قال تعالى في حق هؤلاء: {لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل}

وإلى ذلك يشير القائل:

لا يغرنك ثياب نقيت فهي بالماء والصابون نظيفة
تشبه البيضة لما فسدت قشرها أبيض والباطن جيفة

ويقول آخر:

جمال الوجه مع قبح النفوس كقنديل على قبر المجوس

وقد قال الرسول الكريم r : «يقال للرجل ما أظرفه، وما أجمله، وما أحسن هندامه، وليس في قلبه ذرة من إيمان» ولذلك حذر الرسول فقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

أما جمال النفس الفاضلة وأما صوت الضمير وأما وفرة الخلق الكامل فتلك هي الحقائق الكاشفة للكمال الإنساني والمترجمة عن جلال الجمال الحقيقي .

أفرأيتم أيها السادة إلى غنى سريّ تضافرت له أسباب المتعة في الحياة من وفرة المال وسطوة الجاه وكثرة الأتباع والأعوان إذا اتجه مع ما أعطيه إلى سبيل ملتوية لا يبالي في نقيصة تؤخذ عليه أو فاحشة تزري به أو ضلال ينغمس في حمأته إلا ويصبح على عجل لوكة الألسن ومضغة الأفواه وموضع الازدراء والاحتقار فهل يزيده هذا المال إلا شراً وهل يعود عليه هذا الجاه البغيض إلا خسراً.

وقد ورد في الحديث القدسي: إن من عبادي مَن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله. ويقول الرسول الكريم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» ويقول: «نعمت الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر».

وقد قارن الله بين غني شاكر وغني مبذر فقال: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى}

هذا أبو لهب القرشي الهاشمي عم الرسول الكريم يندد به القرآن ويتوعده الرحمن فيقول: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب}

والله تعالى يحذر نبيه من أحد المشركين ويبين عاقبة أمره: {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم}

كم من إنسان قوي في بنيته فتى في سنه معتز بتلك القوة مزهو بتلك الفتوة يقف في عتو وصلف مغامراً في التلف لا في الشرف وفي العتو لا في الحنو فينال الناس من قوته الظلم والاعتساف ويصبح نصيبه من حياته الإنسانية التردي والاسفاف وعاقبته في ذلك كله خزي وهون وحماقة وجنون.

قال تعالى: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}

كم من إنسان رفيع النسب شريف الحسب يعتد بآبائه ويفاخر ويتعاظم بأقربائه وإذا ما رجعت إلى ما يبدو للناس من نفسه الشريرة وأخلاقه المنحطة لرأيت نفساً عريقة في الإثم عميقة في الضلال فلا كرم الأصل ولا شرف الأرومة والنسب عدل إليه لمحة من نور الإنسانية الكاملة أو قبساً من كمال الإنسانية الفاضلة ولكن تقطعت به الأسباب وتفصمت منه عرى الأوصال ولن يغني المجد الغابر عن الشرف المفقود فليس الحسب والنسب ولسيت القوة والسطوة وليس المال والجال ليس كل أولئك بمغنٍ شيئاً إذا افتقر المرء إلى الكمال النفسي يجلوها زينة للحياة وجمالاً للحق وجلالاً للخلود .

لم يبق إذن لكمال الإنسانية إلا الأخلاق الفاضلة إذ هي المحور الذي يدور عليه الكمال وهي الدعامة الراسخة التي يرتكز عليها كل سؤدد وفخار فالإنسان الكامل هو صاحب الخلق الكامل كلما سما به خلقه درج في مدارج الفضل وحلق في سماء العلاء وتربع على عرش الكمال .

ومن هنا ندرك المغزى من قول الله تعالى لرسوله الكريم: {وإنك لعلى خلق عظيم} وقول الرسول نفسه: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وقد قال الرسول لأصحابه ومتبعيه: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون».

الإنسان الكامل هو ذو العاطفة الكريمة والشعور النبيل والإيمان الراسخ إن زاده الله بسطة في المال عرف ما لله عليه من فضل وشكر له ما أسداه إليه من بر وبذل مما أعطاه الله من فضله ما يواسي البؤساء والمعوزين ويخفف آلام بأسهم وعوزهم فأغاث الملهوف وأعان المكروب فيجمع إلى محبة الله له ألسنة الشكر والثناء من الناس عليه وهو بعد الظفر برضاء الله والفوز بمحبة الناس والثناء عليه لن تنقضي الصدقة من ماله كما جاء مصداق ذلك قول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون}

وقول الرسول الكريم: ما نقصت صدقة من مال، بل الوعد الصادق من الله باخلاف ما ينفقه إذ يقول: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. وقد قال الرسول الكريم: «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وملكان يناديان اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً»

قال بعض الشعراء الناصحين:

إذا ملكت كفي منالاً ولم أنل فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي
على الله اخلاف الذي قد بذلته فلا متلفي بذلي ولا مسعدي بخلي
أروني بخيلاً طال عمراً ببخله وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل

فالإنسان الكامل هو الذي بلغ مرتبة اليقين بربه الواثق بوعده الخائف من وعيده الذي لا يرى أحداً في الوجود إلا الله فإن أصابه خير قنع به ورضي عنه وإن انتابته الشدائد صمد صمود الأبطال الصابرين وخرج من هذا الامتحان بثبات وحزم ويقين عكس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وأن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .

إن هذه المحن التي تتوالى على هذه الأمة من أعدائها المستعمرين لا بد وأن تزول والفرج الذي نترقبه لا شك قريب وحينئذ نخرج من عسرنا إلى يسر الله في ظفر الفائزين ونصرة الواثقين ونجاح الممتحنين حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين .

الإنسان الكامل هو الذي يعلم أن هذه الحياة الدنيا إن هي إلا مزرعة للإنسان يغرس فيها أصول الخير ليجني ثمار غرسه جنة عرضها السموات والأرض فيها النعيم المقيم والظل الظليل والأكل الدائم والملك الكريم. قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}

قال الرسول الكريم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»

فما قيمة الدنيا إن طال أمدها وورف ظلها وقرت متعتها فإلى نهاية موشكة وأجل محتوم

يا خاطب الدنيا الدنية إنها شرك الردى وقرارة الأكدار
دار إذا ما أضحكت من يومها أبكت غداً تباً لها من دار

ورد في بعض الأخبار: أنه لما بلغ مزدك أفضل ما سمت إليه نفسه نبذها وأعرض عنها وقال: (هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وغناء لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وغنى لولا أنه منى، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلاء لولا أنه بلاء، وحسن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق لم يعد).

وما أجمل قول الرسول الكريم: «ما لي وللدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»

فالحياة عند الإنسان الكامل والرجل العاقل هي فرصة لانتهاز العمل الصالح الذي يهذب النفس ويجازي عليه الله:

إن لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطناً
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

الانسان الكامل هو الذي يتقي الله في سره وعلنه وفي سروره وحزنه وفي شدته ورخائه والإنسان الكامل في جملة القول هو الصادق في معاملته، الأمين في مخازنته، الكريم الخلق في معاشرته، إن عاهد وفى، وإن تاجر أوفى، وإن ولي عدل، وإن سئل بذل، شعاره الفضل، وزينته النبل، يسمو به على الأقران، ويعلو به إلى مرتبة أهل اليقين والإحسان، يحب الخير للخير، ويكره الشر للشر، ذلك هو الجلال في النفس، وهو العظمة في الخلق، وهو الكحل في الحياة، والعزة الأبدية بعد الممات .

 

المربي الداعية

الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق

 

بقلم الأستاذ عبد الرحمن عرار

 

تعريف وتقديم:

الحمد لله الخالق المنعم، والصلاة والسلام على الهادي الأمين سيدنا رسول الله وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد :

فقد درجت على أرض هذه الدنيا وأنا أعرف سيدي الشيخ عبد الرؤوف أباً ومؤدباً وداعياً وناصحاً ومشجعاً، فهو أستاذي وزوج أختي الحبيب وعمري سنتان، زوجه إياها والدي بأمر من شيخه سيدنا الشيخ علي الدقر [1294ـ1362هـ/1877ـ1943م] وكان للدعاة العظام أمثال الشيخ علي الدقر نظر ثاقب وأمل نافذ وعقل وكياسة . فلم يخب الأمل بل تحقق، فأصبح الشيخ عبد الرؤوف صهر العائلة جميعها والحبيب لها، يرمقونه بنظرات الحب والود والألفة والتقدير الكبير. وفي اجتماعات العائلة كان لهذا الصهر الغالي مكان الصدارة الأولى فهو عضو العائلة الأول. ينتفعون وينهلون من علمه وأدبه الجم وفكره وتواضعه ومحبته العامة.

طلبه العلم ونجابته:

تلقى العلم الشرعي في مدينة الكسوة بجامعها الكبير على يد الشيخ المربي الشيخ محمد الغنيمي الميداني […ـ1347هـ/…ـ1928م] حيث كان يقطن مع والده الشيخ محمد في الكسوة ووالدته الصالحة من أهالي الكسوة. والكسوة في كثير من الأقوال هي جلق وفيها آثار ومعالم حضارات سابقة. أما دار آبائه وأجداده الأصلية فهي قبالة جامع سيدي صهيب الرومي (جامع الصحابة) في حي الميدان وقيده المدني في هذه المنطقة. أما أصل عائلته فهو مدينة حماة ومن سلالة سيدنا الشيخ أحمد الرفاعي. وآل أبي طوق من السادة الرفاعية ولهم كرامات من جملتها دعوة الأفاعي لتغادر مساكنها وتحضر بين يدي الداعي لها وجمعها ودفع أذاها عن الناس. وقد مارس بعض أفراد العائلة في جامع السلطان نور الدين الشهيد بسوق الخياطين هذه المهمة الشاقة .

وقد دفع طموح الشيخ وحبه للعلم لطلب العلم في حلقات الشيخ علي الدقر، وتكشفت نفسية الشيخ وانطباعاته الشخصية وحرصه الدؤوب على تلقي مختلف العلوم والأدب، واحتل المكانة الخاصة بين إخوانه من طلاب المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني [1267ـ1354هـ/185ـ1935م] والداعية الشيخ علي الدقر، وأصبح محبوباً لديهم، ودخل في قلوب أقرانه وزملائه. واستمر في سمو وارتفاع وعلو منزلة ومكانة حتى صار الخطيب المسفع الذي يوكل إليه أمر الكلام في كل مناسبة واجتماع. وأضحى له المستمعون المعجبين بأسلوبه وتأثيره بفضل ما وهبه الله وأعطاه من لهجة خاصة وبلاغة وحكمة وحسن استشهاد بأيات كتاب الله وسنة جده المصطفى r وسير الصحابة والعلماء والصالحين، وطوال تبوئه مراكز الخطابة لم يسمع من أي مؤمن نقد لإطالة أو قول. مع أنه وغالباً ما يعتذر عن إطالة الخطبة والتي لم يشعر بها سامعوه .

وهو يبدو في مطلع خطبته أنه ينهج ويتكلم في موضوع واحد لكنه وبعد أن يدخل في خضم الكلام ينتقل من نصيحة وإرشاد إلى مثله. وهو الحريص على إبلاغ شريعة الله والدعوة إليه بكل وسيلة وطريقة ممكنة .

مكانته وشهرته:

عرفت الشيخ رحمات الله الكريم عليه في حركة وحيوية دائبة لا يعرف السأم أو الكلل، يقوم بنشر العلم، وحل المعضلات بروحه الطيبة الراضية، لا يداهن ولا يجاري ولا يساوم، يدافع عن الحق بجرأة وصلابة وقوة وإيمان، يستعين الله في أموره جميعها، وخلال وقت قصير وبكل يسر وسهولة وبتوفيق الله تعالى يوفر للمتخاصمين الحلول المقنعة التي تقع فوراً في قلوب المحتكمين إليه ينفذونها بقبول حسن دون تردد أو اعتراض. لم يطلب وظيفة ولا منصباً بل كان يزهد بها حين يرشحه الرسميون وأهل العلم لشغل أي مركز أو وظيفة. ولقد عرض عليه منصب الوزارة أكثر من مرة فأبى لعلمه بأنه يستطيع إسداء الخدمات للآخرين وهو عضو في المجلس النيابي. وعندما تتوافر لديه القناعات الكافية لإشغال أي عمل يعلن موافقته غير هياب ولا وجل. وإذا طلب منه بذل الوساطة والمسعى لأي عمل ورأى تعدد المتقدمين لإشغال هذه الوظيفة أحجم عن المداخلة واعتذر خشية من أن يصبح ناصراً ومتحيزاً لشخص يكون المتقدم لإشغال المركز صاحب حاجة أكثر.

عمل خطيباً وإماماً في جامع سيدي صهيب، وفي جامع باب المصلى الكبير، وفي جامع الثريا، وفي جامع تنكز عقب تجديده، وفي جامع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجامع الأكرم (العجة) في حي المزة عقب بنائهما الحديث. وإذا تهيأ وجوده في أي مدينة أو صقع أو قرية حتى مدينة القاهرة وفي أزهرها الشريف، فلا بد أنه هو الخطيب، بعض هذه الجوامع لم تكن لتمتلئ بالمصلين يوم الجمعة قبل قيامه بالخطابة فيها، وامتلأت الجوامع التي تولى الخطابة فيها بجماهير المصلين المحبين .

واختير أميناً للسر برابطة العلماء التي اشترك في تأسيسها، كما انتخب رئيساً لجمعية أرباب الشعائر الدينية، وكان خطيب الجمعية الغراء البارع .

تواضعه وتسامحه:

للشيخ تغمده الله برحمته أثرة ومكانة خاصة بين مختلف رجال العلم والمشارب العلمية فهو الأخ المحب للجميع، لا ينتقص قدر وقيمة كل عالم وطالب علم، أحبه طلاب العلم الذين يفدون إلى إخوانه من السادة العلماء حباً جماً محبتهم لشيوخهم يبذل لهم الرعاية والاهتمام والأنس والمساعدة والمؤازرة بكل مسلك وسبيل. ولا يبخل ولا يمنع أحداً منهم، وهذه المعاملة الطيبة يلقاها أحباب الشيخ أيضاً من التجار والمثقفين وأبناء الشعب كما يلقاها منه أهله وخاصته .

ولا يستغرب سماع الأطفال الصغار ينادونه بتعبير (أبي.. أبي) وكما يناديه أولاده لأنه يداعبهم ويعاملهم معاملة أولاده نفسها. ويبذل لهم العطاء والسخاء والمحبة والكرم والأنس. ولا غرابة فهو ابن رسول الإنسانية الملاذ الأعظم سيدنا محمد r. يطبق سننه ونهجه وشريعته الغراء. ولقد رافقته طويلاً وهو نائب في المجلس النيابي السوري ومجلس الأمة وأصغيت إليه وهو يتحدث مع كبار السياسيين على مختلف ميولهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، يقدرونه ويصغون إلى آرائه وأفكاره السديدة وتصرفاته الحكيمة، لا يهزأ ولا يستصغر، ويحترم الآخرين، يتعشق الحوار البناء والنقد المثمر الواعي، لا يمتهن ولا يسيء ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة مما جعل الجميع يضعونه في مصاف الناصحين المخلصين. يقبلون كل ما يصدره لإيمانهم بصدقه وطهارته، فهو الناصح الأمين الذي يبلغ شريعة ربه كما أمره. والمهم عنده أن يجذب مستمعيه إليه ويحقق كسباً وتأييداً لدين خالقه ومولاه، وما من جلسة من جلسات المجلس النيابي إلا ومداخلات الشيخ وكلماته واقتراحاته إلا وله فيها الباع الكبير حتى أطلق عليه: صوت الإسلام الداوي وخادم الأمة الأمين .

اخلاصه في خدمة مواطنيه:

هاهم ناخبوه ومحبوه يفدون إلى داره زرافات ووحداناً عند كل واحد منهم مطلب ورجاء يأمل تحقيقه بمساعدته ومؤازرته. فهذا فقير عاطل عن العمل يحضر إليه حاملاً بعض الحليب أو الهدايا، قد يكون مصدر الهدية والحليب من داره أو من أهله، لكن الشيخ يعتذر عن القبول، ولا يسمح بدخولها إلى بيته ما لم يكلف أحد الحضور الموجودين في داره بوزنها وتقدير قيمتها وتقدر القيمة لصاحب الهدية أو الحليب، معرفاً هذا الزائر القادم بالحكم الشرعي. ويرجوه قبول هذا التصرف ليتمكن من إسداء الخدمة وليلهم الله مصرف القلوب المسؤول عن إجابة رغبته الاستجابة وتحقيق الأمل، وهذا من أولى واجباته باعتباره ممثل الأمة والشعب في المجلس النيابي. وخلال فترات وجوده في المجالس النيابية المتعاقبة كانت سيارته الخاصة التي اشتراها تقسيطاً ترى وهي تجوب الشوارع ملأى بأصحاب الحاجات ينقلهم من جهة حكومية إلى أخرى ومن مكان إلى مكان، وغالباً ما تلبي رغبته وتقضى حوائج الناس لأن اندفاعه في الخدمة كان عالياً، وتستمر الحال في خطته ونيته الخالصة لوجه الله تعالى، لا ينتظر الجزاء والمكاسب المادية والدنيوية، إنما يأمل في حسن الصحبة وتفريج الكروب، وهذا هو هدفه الأسمى والغاية المثلى له .

صبره وزهده وتقشفه وتعففه:

سكن الشيخ تغمده الله بوابل رحمته في دار بالأجرة قبالة دار والد زوجته في حي الميدان، مؤلفة من غرفتين فقط أرضية تعلوها الأخرى العلوية، وقد حضن في الغرفة الأرضية طالبي علم لم يتيسر لهما المكان الأمين لمتابعة دراستهما عند أهلهما وأصبحا فيما بعد وزيرين مرموقين، وكان أباً لهما. وعندما رزق الشيخ أولاده صارت زوجه وشريكة حياته تلح عليه لامتلاك دار تسع العائلة. فانتقل إلى دار قديمة البناء في ضاحية المزة تملك بعضها بالأقساط وبعضها بقي بالأجرة وقد نصحه أحد محبيه بضرورة العودة إلى حيه وأهله في حي الميدان واقتناء سطح سيكون قابلاً للبناء بعد وقت قصير في بستان الثريا، وقد قام هذا المحب بإشادة الدار وكسوتها واستيفاء الكلفة منه شيئاً فشيئاً. ولإعجاب الشيخ بهواء حي المزة المعروف بطلاقته وصفائه استبدل داره بدار أخرى بالقيمة نفسها تقريباً وقطن في المزة. وانتقل إلى رحمة الله تعالى وهو يقيم بها. وكانت مفروشات وأثاث داره بسيطة جداً. وتعرض الشيخ لمحنة مادية قاسية حرم الشيخ فيها من أي راتب أو معاش تقاعدي، وأزرت حالته تماماً ولم يعد بمقدوره تأمين قوت عائلته اليومي ولا اقتناء الملابس اللازمة، فعرض عليه محبوه وأهله ومعارفه وأقاربه وبعض الرسميين استعدادهم للوقوف إلى جانبه وتقديم المعونة والمساعدة له، فأبى وكرر مواقف الإباء والشمم والكبرياء التي يتحلى بها المؤمن مذكراً الجميع بأن الرزاق له هو الله وحده، وبعد صبر استغرق الوقت الطويل فرج الله تعالى وفك أزمته وعوض له الخير، وأحسن له تربية أولاده وأجزل العطاء لهم، ولقد شوهدت في داره بعض قطع البسط الصوفية المهترئة، وعلى جسده الثياب القديمة النظيفة .

جوده وسخاؤه:

عاش فضيلة الشيخ عيشة الزاهدين في هذه الحياة الفانية الزائلة، وما كان راتبه ـ شأن غيره من العلماء العالمين ـ يفي بشيء من الحاجات الضرورية، يستدين دائماً من البقال والسمان واللحام والخباز ليسدد جزءاً من الدين عند نهاية الشهر، وكان له زملاء وإخوة في الله يحلون ضيوفاً عليه ويبقون أحياناً أكثر من أسبوع، وكانت الضيافة تقدم إليهم وتمول ديناً. وقد أجره عالم وزميل له في مضايا داره المعدة للمصطافين بصورة دائمة، وعندما يلتقي الشيخ في صلوات الجماعة بجامع مضايا الكبير أو بشوارع البلدة بمعارفه من العلماء وطلاب العلم ولو كانوا كثراً يشدد ويصر عليهم بلزوم تناول الطعام عنده، وتقوم زوجه البارة به بتحضير وتهيئة الطعام على جناح السرعة ليسعد زوجها الشيخ ويأنس بلقاء ومشاهدة ضيوفه الأعزاء. بالإضافة إلى دعوة من يلتقيه من هؤلاء في دمشق للإقامة في داره واستعمال الموجودات إذا كانت عائلته تقضي بعض الوقت في دمشق. وما أكثر المنح والعطايا التي قدمها الشيخ لطلاب العلم الفقراء المفضلين عنده على نفسه وعائلته وأطفاله، مع أن الديون كانت تثقل كاهله. رحم الله الشيخ حياً وبعد وفاته ويوم يبعث حياً .

معاملته لزوجه وعفته:

لا يستطيع المرء وصف ما كان عليه الشيخ من رعاية ووفاء وإخلاص وود لزوجه وحرصه على أن تكون إلى جانبه دائماً في حله وسفره، ولقد صدق حدس سيدنا الشيخ علي الدقر رضوان الله تعالى عليه في شخصية الشيخ، وحتى لكأن الشيخ يفضل والد زوجته الأثير في قلبه لما شمله به من عطف وبر وحنان عن والده، بدلالة ما كان يظهره الشيخ من تخصيص والد زوجته بالثناء العاطر والشكر والدعاء له، وما يقدمه من رعاية ووفاء خاصين لجميع أهل زوجته. ولقد عرضت عليه العائلات الدمشقية الكريمة أو الغنية بناتهم عليه بقصد التزوج فما كان من الشيخ إلا الإعراض والرفض وما كان للشيخ أن يستبدل أو يضيف زوجة أخرى على زوجته الوفية المخلصة المحببة إلى نفسه وروحه. وما كان ليجد الأفضل والبديل الأحسن، ذلك أنه العالم الزاهد الراضي بقسم الله وعطائه وتخيره له، وليست له الأطماع الكبيرة في الترف والدنيا الزائلة .

عبادته وحجه ومحبته لرسول الله r :

ـ للشيخ رحمه الله قراءة مجودة محببة وله خطب جمعة ودروس صباحية في الإذاعة يخاطب فيها المهج والأرواح والنفوس المؤمنة يحثها على التمسك بحبل الله المتين والبعد عن الشهوات ومفارقة طرق الزلل والهوى والضلال. له لهجة وطريقة خاصة وجميلة، لا يفتر عن مسك سبحته وإعمال شفته لم تفارقه سبحته وهو خطيب وإمام كما لم تفارقه وهو عضو في المجلس النيابي لدورات متعددة، ولا يبارح ذكر الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم .

ـ حج زهاء خمس وخمسين حجة إضافة للعمرات الكثيرة يعقد العزيمة في غالب مواسم الحج بوقت متأخر وقبل مغادرة آخر طائرة، وفي خلال ساعات قليلة ينهي معاملاته ويلحق بركب الله مع ضيوفه، ليعود بعد الحج دون إشعار أحد وإعلامه ترافقه زوجه في معظمها ـ لا يثقل على الآخرين بأمر استقباله وإقامة معالم الزينة له، وكانت الفرحة بعودته تفوق أضعاف الفرحة فيما لو استقبل استقبالاً حافلاً، ولقد رأيته يتخلى عن طعام الصباح والظهر في إحدى مقرات الضيافة بالمدينة المنورة ليجلس على سدة أهل الصفة في المسجد النبوي الشريف من قبل الفجر إلى ما بعد العصر وقد أتم قراءة /17/جزءاً من القرآن العظيم تلاوة تدبر وتمعن وتفكير، كما أنه رأس بعثة الحج السورية عن طريق البر عام 1953 ليتقدم باقتراحات بناءة وفاعلة في مجال خدمة الحجيج السوري البري مستقبلاً بعد أخذ رأي أهل المشورة والخبرة وبالبناء على مشاهداته الحسية الواقعية.

ـ وصل إلى دمشق طبيب سوداني ومعه قائمة بأسماء أشخاص كلفه شيخه الصوفي الذي لم يسبق له زيارة سورية مطلقاً ومحل إقامته غربي العاصمة (الخرطوم) مئات الكيلومترات، كلفه بزيارتهم أحياءً وأمواتاً، وهذا الطبيب لم ينم الليل منذ أكثر من أربعين عاماً يصرف ليله في العبادة والتهجد وذكر الله، أطلعني على القائمة لأدله على من أعرفه، وجدت فيها اسم سيدي الشيخ وقلت له هذا (قريبـي والمربي لي) قال: قال لي شيخي هذا وصل إلى مرتبة عالية بفضل صيغة خاصة به للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. صدفة اتصل بي هاتفياً الشيخ عليه رحمة الله بادرته بالسؤال: صحيح أن لك يا سيدي صيغة خاصة للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم. جاءني (فلان) أحد أصحاب المصانع النسيجية في حلب، وقال لي: أرسلني إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلمني صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة بك، فأعلمته بها، وكان سيدي الشيخ علي الدقر قد أرشدني وعلمني صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم) فرأيت زيادة توقيره واحترامه فأضفت لفظتي (سيدنا والحبيب) فصارت الصيغة: (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب وعلى آله وصحبه وسلم) فكأنها صارت صيغة جديدة، وعندما جاءني المبعوث الحلبي تمسكت بها أكثر.

اعتداله في المأكل والملبس:

لم يكن الشيخ من المولعين بالطعام وإنما يأكل بالاعتدال نوعاً وكماً، يحب أن يطعم الآخرين وخاصة أهله وأولاده وطلاب العلم الشرعي الذي يعتبرهم من عائلته الخاصة أيضاً، المهم عنده أن يتحرى الطيب الحلال من الرزق، واتكاله واعتماده على الله الرزاق وحده، أما البشر فهم عباد الله يسخرهم لخدمة أحبابه .

مشايخه وتلاميذه:

كما سبق وأسلفت إن مشايخ الشيخ هم المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والمربي الكبير الشيخ علي الدقر ولقد حضر الدروس عند طبقة كبيرة من علماء دمشق في زمن شيخيه، وأما تلاميذه فهم كثر في حلقات شيخه ومعهد العلوم الشرعية، ومدارس ثانوية أخرى، وأحباب زملائه من السادة العلماء.

أصدقاء الشيخ ومحبوه قبل وفاته:

في كل ما مضى لم أر ضرورة لذكر أسماء السادة العلماء تصريحاً كيلا يشعر أحد المطلعين أنني زكيت عالماً وتخليت قصداً عن عالم آخر وغبنته حقه، وأستطيع القول إن السادة العلماء الأقربون له والمتفقدون لأحواله خاصة في مرضه هم سماحة المفتي العام الشيخ أحمد كفتارو، والداعية الشيخ أبو النور خورشيد، والدكتور الشيخ محمد الحبش، والشيخ محمد عربي القباني، والشيخ محمد سعيد كوكة، والشيخ بسام الزين، والشيخ أحمد الحمصي .

أما محبوه ومعارفه منهم فهم: فضيلة الشيخ عبد الغني الدقر، فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي، فضيلة الشيخ أحمد صفر غبجوقة، فضيلة الشيخ محمود غراب، الشيخ منذر الدقر، الشيخ محمد الزعبي، الأستاذ فاروق الطباع، فضيلة الشيخ خالد الجباوي، فضيلة الشيخ صادق حبنكة الميداني، الشيخ محمد كريم راجح، الشيخ سارية الرفاعي، الشيخ أسامة الرفاعي، الشيخ محمد زهير نوفلية، السيد الدكتور محمد محمد الخطيب، الدكتور الشيخ عبد الفتاح البزم، الدكتور الشيخ حسام الدين فرفور، الشيخ يوسف عرار، الدكتور الشيخ بشير الباني، فضيلة الشيخ عبد الرحمن المجذوب.

إضافة للعدد الكبير من العلماء وطلاب العلم الذي يضيق المجال هنا عن تعدادهم وذكرهم وأحباب أقرانه السادة العلماء وإخوانه الذين سبقوه إلى رحمات الله وجناته .

 

خـتـــام:

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، اللهم بجاه حبيبك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك، اجعل الشيخ وحرمه شفعاء لنا يوم القيامة وهي من شفاعة الحبيب الأعظم الشفيع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ الشيخ من الشيخ بدر الدين المحدث الأكبر العهد على أن يأخذ بيديه إلى جنات عدن شفيعاً. اللهم اجعلنا جميعاً في مستقر رحمتك… آمين.

عبد الرحمن عرار

 

العالم الداعية

الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق

 

بقلم الشيخ منذر أحمد الدقر

 

يوم السبت لأربعة عشر يوماً أفلت من شهر شباط الماضي، شيعنا أستاذنا الداعية الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق إلى مثواه الأخير، وخرجت دمشق بشيبها وشبابها، تحمل نعش الفقيد، حيث فيه جسدٌ طالما أرهقته السنون وأضعفته الحوادث والأيام .

لقد كان من فضل الله على الشيخ أبي طوق رحمه الله أنَّ مرضاً ما لم يقعده عن السعي إلى بيوت الله عز وجل، وإلى حيث يريد مما يجد فيه استمرار جهاده، ومواصلة سعيه.. ولكنَّ هذا الجسد الضعيف كان يحمل نفساً كبيرة شامخة، وفي طياته خلق ونبل وصفاء، وعزيمة وهمة وقضاء، ما كان يحس معها إلا أنّه في مرحلة الشباب، وفي أوج النشاط والعطاء..

لقد فقدنا بوفاة استاذنا أبي طوق، رجلاً تجمعت في شخصه كثير من المزايا التي تزيدنا حباً له وتجعلنا أكثر حزناً على فراقه..

لقد كان صوت الشيخ أبي طوق، من أول ما طرق سمعي من الأصوات، وكانت صورته الجميلة من أوائل ما ارتسم في مخيلتي ـ وأنا لا أزال طفلاً أحبو ـ من المشاهد المؤثرة والشخصيات المحببة..

عرفته يوم أن كان يسعى إلى بيت شيخه ـ الذي أقعده المرض في فراشه ـ مع طائفة من أقرانه من أهل العلم ورجال الدعوة وأولي الفضل، الذين رباهم الشيخ على عينه، واصطنعهم بنور الله وهدي نبيه المصطفى ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ ليكونوا أمل الأمة وعُدة المستقبل، فيجلسون إلى شيخهم يستمعون إلى نصحه وإرشاده، ويُفيض عليهم من علمه، ويبذل لهم من روحه، بصوته المرهف وحسه الرقيق، ما تنشرح به صدورهم ويزكون به نفوسهم، فيخرجون من مجلسه وقد امتلأت قلوبهم ثقة بوعد الله ونصره، وأن هذا الدين لن يبيد وأنَّ عليهم أن يتابعوا الطريق في الدعوة إلى الله عز وجل ونشر العلم، ونصح الأمة، حتى يأتيهم اليقين، لا يغيّرون ولا يبدلون، ولا تثنيهم زخارف الحياة ومباهجها عن هدفهم ومقصدهم..

وكانوا كلما جلسوا إلى شيخهم يحدثهم ويذكرهم يشعرون أنَّهم في روضة من رياض الجنة، وأنَّ الملائكة تحفّهم، ويحسون بسعادة تقصر دونها سعادة الملوك، وتغمر قلوبهم لذةٌ لا يدركها أهل الدنيا وأرباب الدُثور..

ثم لم ألبث حتى رأيتني على مقاعد الدرس، تلميذاً من تلامذة الشيخ أبو طوق، وطالباً من طلابه، ينقل إلينا علم النبوة، وهدي الرسالة، ومعارف الصديقين، بصوت مؤثر وقلب مخلص وروح عالية، يتخولنا بالموعظة أحياناً، وينشط عقولنا بدعابة مرحة أحياناً أخرى، مخافة السآمة علينا… لا يضن علينا بعلم، ولا يتملل من سؤال، ولا يبخل بجواب، ولا يضيق ذرعاً بجدال، مادام في ذلك نفعاً لطالب العلم أو شحذاً لهمته أو تقويماً لِعوجه..

ثم تنقلنا الذاكرة عن حياة أستاذنا الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق إلى حيث كنت أصحبهم بمعية والدي رحمه الله، في رحلاتهم وأسفارهم في ربوع الغوطة، وريف دمشق، وفي المحافظات، وفي البقاع وفي حوران، ننتقل بالسيارة من قرية إلى قرية، ومن مسجد إلى مسجد، نلتقي بالناس وفيهم أئمتهم من طلبة الغراء، فيذكِّرونهم ويرشدونهم، ويقف الشيخ عبد الرؤوف على المنبر ليقول كلمة الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، يحذر وينذر، وينصح ويرشد، فتمتلئ القلوب خشية من الله، ويزداد الذين آمنوا إيماناً..

ولن أنسى ما حييت تلك الرحلة المباركة، التي أكرمني الله فيها بصحبة هذا النفر الكريم من أئمة أهل العلم وكنا جميعاً بمعية الوالد رحمه الله في أمر يهم العلم والدين ومعاهد الغراء([1])، خرجنا من دمشق وانتهينا ببيروت ثم عدنا إلى دمشق، وقد زرنا خلال هذه الرحلة حلب، ودير الزور، واللاذقية وبقية المحافظات، وكنا في كل مدينة من هذه المدن نلتقي فيها بالعلماء والمفتين وأعزة أهلها، نتحدث معهم ونتذاكر، فإذا حضرت الصلاة قمنا جميعاً إلى الصلاة، وإذا كان الجمع حافلاً، قام الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، يخطب ببلاغته المعهودة، ويعلن في الناس ما قدمنا لأجله، بفصاحة وقوة بيان، وصوت جَهْوَري مؤثر، يحمرُ وجهُه، ويشتد غضبه، حتى لكأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم..

لقد مضى على هذه الرحلة قرابة خمسين عاماً، ولكن ذكرياتها لا تزال ماثلة في ذهني، لأنها أكسبتني خبرة وعلماً بأحوال الناس وطبائع البشر، وكانت بما تضمنته من ألوان التصرف وفنون العمل أعظم مدرسة لي، اقتبست منها ومن أمثالها كثيراً من ضروب المعرفة وعلم السلوك، وأصول الدعوة، وأدب الاجتماع.. ما كانت حياة هؤلاء جداً صرفاً ولا هزلاً صرفاً بل كان هدفهم طاعة الله عز وجل، ومقصدهم الأسمى إرضاؤه سبحانه، سواء في العبادة والعلم والعمل.

وكانوا يروحون قلوبهم أحياناً بالنكتة الطريفة والدعابة المهذبة، لا يتقعرون بالقول ولا يتكلفون في علم، ولا يراؤون في عمل، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وتقرؤ في بسماتهم علامات الرضا والأمن، ما كانوا يغشون ولا يكذبون، حياتهم حياة، وموتهم شرف وعز وكرامة..

كان الشيخ أبو طوق رحمه الله يؤمن بوحدة الأمة ويدعو لها ويكره الفرقة والخصام، ويؤثر الألفة والموادة ويُبغض العصبية وضيق الرأي، وكان يحب شيخه حباً لا يعدله حب أحد من أهل عصره، وما كان يمنعه ذلك من أن يتصل بغيره من العلماء، وأن يلتقي بكل الفئات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية..

ولقد كان رحمه الله عالماً عاملاً، غيوراً شجاعاً مخلصاً صادقاً، متواضعاً لا يستكبر، عزيزاً لا يذل مربياً فاضلاً يألف ويؤلف، يحب طلابه ويدفعهم إلى العمل والإقدام، حسن السمت دائم الرضا، يسعى في حوائج الناس ومصالح المسلمين، لا يداهن ولا يصانع، دائم البشر باسم الثغر، لا يغضب إلا في طاعة الله عز وجل.

لقد ذكر أحد العلماء الذين تكلموا يوم تشييع الجنازة أن الشيخ علي الدقر رحمه الله كان له لسانان هما الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق والشيخ أحمد الصابوني، وكان له قلبان الشيخ أحمد الدقر والشيخ عبد الحميد الطباع، وكان له فكران الشيخ عبد الغني الدقر والشيخ حسن حبنكة الميداني، وأنا أحب أن أضيف إلى ما ذكر: لقد كان للشيخ علي رحمه الله كرامات كثيرة من أظهرها: الشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ عبد الرحمن الزعبي.. اللهم ارحمهم في الصديقين، وأعلي درجاتهم مع المقربين واجعلهم في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم» وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين..

دمشق في 3/3/1998

منذر أحمد الدقر

 


« هذا خالي! فليرني امرؤٌ خالَه »([2])

 

بقلم الأستاذ محي الدين مستو

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الصبور الشكور، حمدَ الصابرين الشاكرين؛ الذين رغَّبهم ربُّهم بثلاث بشاراتٍ تجعلُهم من المرحومين المهديين، فقال سبحانه: {وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}[النحل:155-157]. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ممن اتبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .

وبعد:

فقد بلغني خبر وفاة خالي العالم الداعية عبد الرؤوف محمد أبو طوق وأنا في القاهرة يوم الأحد 14/2/1998م، وعلمتُ من ولدي أديب أنه توفي يوم الجمعة 12/2/1998م، وأثناء صلاة الجمعة، وفي مسجد الشيخ رسلان، فتركتُ سمّاعة الهاتف في غير مكانها، ووجدتني أُردِّدُ ساهماً: إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، هنيئاً لك أيها الخال الحبيب، هنيئاً لك أيها الداعية الكبير، هنيئاً لك أيها العالم الفارس وأنت تترجلُ وتُسلمُ الروح وفي بيت من بيوت الله، وأن يسكن صوتُك المدويّ بالحق في جنبات مدينة دمشق، أن يسكت هنا في رحاب المسجد وسط تكبير المصلِّين وذكر الذاكرين، فاللهم اجعلْ روحكَ الطاهرة في أعلى عِلِّيين مع الشهداء والصالحين، والعلماء العاملين، وحسن أولئك رفيقاً.

وعندما اتصل بي الأخ الوفي الشيخ الدكتور محمد الحبش بعد عودتي إلى دمشق الحبيبة، وطلب مني أن أكتب بعض ما أعرفه عن الفقيد العزيز، وجدتها فرصة طيبة أن أُعوِّض ما فاتني من حضور الجنازة المشهودة والمهيبة، وأن أشهدَ للرجل الكبير، عميد أسرتنا وفخرها بما فيه من الألمعية والفضل.

1ـ طالبُ العلم:

سمعتُ هذه الكلمة منذ طفولتي من والدي ووالدتي مراتٍ ومراتٍ، كلما تحدَّثا عن خالي وقد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، وأذنَ له جدي الشيخ محمد أبو طوق أن يلتحق بركب الشيخ علي الدقر، لطلب العلم الشرعي، وكان هذا الوصف (طالب العلم) جديداً على مسامعي، ويصدُر عنهما نورانياً له عَبَق زكيٌّ وظلال وارفة، ومع تقدُّم سني أصبحتُ أدرك ما تحمله الكلمة من أنوار العلم وهي تبدد ظلام الجهل المطبق والأميّة المتفشية في جسم الأمة وكيان المجتمع، وبخاصة في دمشق وريفها.. وأضحى للكلمة وقع السحر في الأسرة الكبيرة المتشابكة بقراباتٍ من النسب والمصاهرة مع الشيخ الشاب (عبد الرؤوف) وقد أصبح طالب علم حقاً، بعد أن عمَّمه الشيخ علي الدقر بيده، وبحضور والده، وبدأ بعدها ـ وهو الحسيب النسيب ـ يرقى مراقي النجاح والتميز، ويُوصله الطلبُ للعلم إلى سدَّة المشيخة والعالِمِيَّة عن جدارة وصدارة، وليصبحَ الخطيب المصقع، والنائب المرموق، والسياسي المؤثر، يدخلُ المجلس النيابيّ من الجولة الأولى، وفي أكثر من دورة.

وفي البدايات المتقدمة من طلب الشيخ عبد الرؤوف ـ يرحمه الله ـ للعلم، كان والدي يحدِّثني عن زياراته له في مبنى (العدَّاس) وهو بناء مخصص لمبيت طلاب الجمعية الغراء، ويقع في القنوات، ويضم موضأ ومصلَّى، وغرفاً كثيرة في الدور الأرضي والعلوي، وكانت لخالي غرفة مستقلة تتألف من طبقتين، أصبحت فيما بعد للشيخ عبد الحميد حجازي يرحمه الله تعالى، وقد دخلتُها مراراً، ثم توثقت معرفتي بهذا المبنى بعد التحاقي بمعهد العلوم الشرعية، أتردد إليه لأزور فيه أساتذتنا الأفاضل، وأتذكر الآن تماماً غرفة شيخنا وأستاذنا الفاضل نايف العباس يرحمه الله.

وتقع في الدور العلوي، وكان لهذا الدور سلَّم خشبي يفضي للغرف المتوزعة بانتظام عن يمين الصاعد ويساره، وقد هُدم هذا المبنى ودخلت أرضه في التنظيم المستحدث خلف القصر العدلي، مما جعله أثراً بعد عين.

والمهم أني كنتُ أسمع من والدي وأتثبت منه أكثر من مرة، وهو يحكي لي استيقاظ الشيخ عبد الرؤوف قبل الفجر بساعة، فيتوضأ ويصلي ركعتي سنة الوضوء، وركعتي قيام الليل، ثم يدور على الغرف يطرق أبوابها بلطف، وينادي ساكنيها بأسمائهم، ثم يعود على جميع الغرف في الدورين الأرضي والعلوي ثلاث مرات، ليتأكد من استيقاظ الجميع، وكان يتودَّدُ لمن يلتقي به في ساحة المبنى، ويودعهم بارتياح ورضا، وهم يخرجون من المبنى متطهرين متعممين، يتأبطون بأيمانهم كتبهم ودفاترهم، قاصدين لصلاة الفجر، ومن ثَمَّ الاستماع لدرس الشيخ العلامة (علي الدقر)، والالتحاق بعده بالمعهد حيث حلقات العلم وبرنامج الدروس التي تستمر حتى صلاة الظهر، وكان الشيخ عبد الرؤوف آخر من يخرج من مبنى العداس وأول من يعود إليه.

وكنت كلما سمعتُ هذا الوصف الحيّ لمرحلة مهمة من مراحل طلب الشيخ للعلم، كنت أخمِّن أنه مكلَّف بوظيفة مُوجّه ليلي، وأجد في هذه المثابرة والمتابعة تقىً وصلاحاً، أثمرت في حياة الشيخ توفيقاً مباركاً، ومنحته مع الأيام وجاهة وسؤدداً، وسيجده عند الله تعالى في آخرته فوزاً وفلاحاً، بحول وعدل منه سبحانه وتعالى، وهو المتكفل بألا يُضيع أجر من أحسن واتقى .

2ـ الطاعة للشيخ المربي:

اكتشف الشيخ العلاّمة علي الدقر يرحمه الله في طالب العلم الشيخ (عبد الرؤوف) النباهة والذكاء والتقدم العلمي، فقرَّبه إليه، وشجَّعه على التفوق. ووجد الطالب في شيخه العالم الربّاني، والأب الروحي الرحيم العطوف، فأطاعه في الله، وصدر عن إرشاده وتوجيهه في جميع شؤون حياته، وقد حكى لي بالمدينة المنورة أنه استأذن الشيخ علي الدقر في قراءة كتاب على الشيخ المحدِّث علاّمة الشام بدر الدين الحسني يرحمه الله، فأذن له مبتسماً، وحمّله سلامه للشيخ الجليل، وعندما ذهب إلى الشيخ بدر الدين قال له: يابا ! مرحباً بكَ، ويُسعدنا حضورك، ولكن بعد استئذان شيخك ! فأبلَغه موافقة شيخه وترحيبه، فسُرَّ سروراً ظاهراً، وأقبلَ على قراءة الكتاب مع الشيخ (عبد الرؤوف) بنشاط وإفادة واهتمام .

ولما رأى الشيخ علي الدقر ـ يرحمه الله ـ تلميذه النجيب ـ الشيخ عبد الرؤوف ـ يتقدم في سن الشباب، والنضج العلمي، والتميز في الخطابة والوعظ، ويخطو نحو الكهولة بخطا حثيثة وملفتة، ناداه وأسرَّ إليه قائلاً: يا شيخ عبد الرؤوف: عروسُك عندي.. فامتلأت جوانبُ نفسه زهوَّاً وسعادة، وعندما حدَّث بالأمر بعض أقرانه، غبطه الجميع، وظنوا أن الشيخ سيزوجه ابنته.. وقالوا له: هنيئاً لك حظوتك الجديدة عند شيخنا، وزيادة القرب والرضا منه. وبعد مدَّة ناداه الشيخ وقال له: عروسُك يا شيخ عبد الرؤوف التي وعدتُكَ بها هي كريمةُ السيد شفيق عرار، فأرسلْ والدتَك لتطلبها لكَ، وعلى بركة الله. فقال: سمعاً وطاعة، وكان أبو موفق عرار تاجر حبوب مشهور بالميدان، وعضواً فاعلاً بالجمعية الغراء، فهو أمين الصندوق فيها، لما عُرِفَ عنه من الأمانة والصلاح ـ يرحمه الله ـ

3ـ خطيب الجمعية الغراء:

ظهرت نباهة الشيخ (عبد الرؤوف) في الخطابة في حياة الشيخ (علي الدقر) فشجَّعه، ووجَّهه إلى تنمية هذا الجانب العلميّ، والتركيز عليه، وحيازة مقوماته ومتطلباته. وبعد وفاة الشيخ عليّ أصبح الشيخ (عبد الرؤوف) والشيخ أحمد الصابوني، في تصدُّر الخطابة باسم الجمعية كفرسي رهان، وكان الشيخ الصابوني يرحمه الله أكبر سناً، وعاجلته المنية، فتسنَّم الشيخ عبد الرؤوف سُدَّة الخطابة متفرِّداً وبلا منازع، وقد ساعده على التحليق والسبق في هذا المضمار:

آ ـ صوت جهوري مـحـبَّب إلى الأسماع ومؤثر في النفوس .

ب ـ جرأة في الحق، وصدع بإنكار كل باطل، لا يرهب في الله لومة لائم .

جـ ـ بديهة حاضرة، واستهلال موفق، واستفادة من المناسبات، وإكثارٌ ظاهرٌ من الأدلة والشواهد .

د ـ الاختيار الموفق للموضوع الملائم، والثقافة الأدبية، والذاكرة الحافظة، واللسان الطلق، من غير تردد أو تلعثم .

وقبل هذا كل تقوى وإخلاص، جعلت خطبه ومواعظه صادقة ومؤثرة، تخرج من القلب إلى القلوب، وأضحى استهلاله للخطبة، واختياراته من الأدعية مدرسة تحتذى من الخطباء والوعاظ في ديار الشام. وقدّمه علماءُ دمشق عن محبَّة وإكبار ليعتلي أعواد المنابر في المناسبات الدينية، والمهرجانات العلمية، وكانت خطبة الجمعة كثيراً ما تنقلها الإذاعة السورية حيَّة من مسجده.

ومما لا ريب فيه أن اعتلاءه لصهوات المنابر داعياً إلى الله، والالتزام بشريعته، صادعاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أكسبه شهرةً وانتشاراً في جميع المحافظات السورية، وأتاح له أن يدخل معترك السياسة بخطاً ثابتة وواثقة .

صوتُ الإسلام الداوي وخادم الأمة الأمين:

كانت الجمعية الغراء على علاقة حميمة بالكتلة الوطنية، وبخاصة بالرئيس شكري القوتلي يرحمه الله، وكان منهج الشيخ علي الدقر ـ رحمه الله ـ الاقتصار في الجمعية على النهضة العلمية، وتخريج الخطباء والأئمة، وزرعهم في مساجد القرى والمدن، ليفقهوا الناس بأحكام دينهم، وليسهموا في بناء مجد الأمة المسلمة، وإعادة صياغة المسلم القوي، وهو المواطن الصالح، الذي به تبنى الأوطان وتتقدم وتُصان. وكان يكتفي بمساندة الرجال الوطنيين الشرفاء من رجالات السياسة، ويمنع طلابه الأدنين، والذين أصبحوا أساتذة لغيرهم من الطلاب الجدد، أن يهتموا بالسياسة، وقد غضب من أحدهم لأنه رآه يقرأ صحيفة من الصحف اليومية التي تصدر في دمشق.

وقد سمعتُ أحدَ أساتذتنا يتجرأ بعد وفاة الشيخ علي الدقر، وينقد هذا المنهج، ويرى أن يُشاركَ طالب العلم الشرعي بالعلوم الكونية، ويدخل عالم السياسة والوظائف، وبقي في أساتذتنا الكرام من يؤيد الرأي الأول، أما نحنُ فكنا شباباً في عاطفتنا وهمتنا وحماسنا، ننتصرُ للمنهج الثاني ويجاهر بتأييده والمطالبة بتطبيقه.

وجاء ترشيخ الشيخ (عبد الرؤوف) للنيابة عن غوطة دمشق، ليكسرَ الطوق عملياً عن العزلة السياسية، وليزيل هذا الحاجز المعنوي الذي يحجبُ العالـمَ المعمَّم من دخول معترك السياسة.

وكنت طالباً في الإعدادي عندما أسهمتُ مع أولاد خالي أبي أكرم (رسلان أبو طوق) يرحمه الله، بالدعاية الانتخابية، وتوزيع الصور، ورافقت الإعداد لذلك، فسمعتُ خالي الشيخ يُصرُّ على كتابة عبارة (صوت الإسلام الداوي وخادم الأمة الأمين) تحت الصورة، ولم يكترث بما سيصدر من غمز الأعداء الألدَّاء، أو لمز الأصدقاء المنافقين والمهزومين، واثقاً بنفسه مخلصاً لشعاره ومنهجه .

وصادف أن كان المصور اسمه (منصور) وتقع دكانه في مقابل مئذنة جامع تنكز، من الناحية الشمالية من المسجد، على الجهة اليمنى من الدخلة المفضية إلى ساحة المرجة. وقد مهرَ الصورة باسمه (منصور)، وأحبّ خالي أن يقوي عزيمتنا ويشدَّ من أزرنا، وألا نتأثر ببعض الشعارات التي بدأت تظهر في بعض قرى الغوطة؛ مثل (دعوا الغوطة لأهلها) (الغوطة للغوطيين) فقال لنا ممازحاً: انظروا إلى المكتوب على الصورة (منصور) وثقوا تماماً أني ناجح ومنصور، بتأييد من الله تعالى وتوفيقه.

وكنت أتلهَّفُ بعد انتهاء الجلسات النيابية الصاخبة، بسبب تشريع بعض القوانين أو تعديلها، لأسمع مداخلاته الفاعلة والمؤثرة، وكان حضوره متميزاً، وشخصه محترماً، وقد ساعدَه حضورُ بديهته، وأجوبته المفحمة، على احترام خصومه وحبهم له، مع اختلافهم معه في العقيدة والمسلك.

وفي سنواته الثلاثة الأخيرة، كان يقول لي بصوت متقطع: ماذا تنتظر ممن بلغ الثمانين، وينشد:

إنَّ الثمانينَ وبلّغتها قد أحوجتْ سمعي إلى ترجمان

فأعفُّ طرفي عن النظر إلى جسمه المتعب، ووجهه المتغضن المستنير، وأطرافه المتهدلة، وعينيه الدامعتين، وأعودُ بذاكرتي إلى غرفة الضيوف، في بيته الكائن بحي الثريات في الميدان، وهي تغضُّ بالمراجعين من أهل المدينة والغوطتين، ممن لهم حاجات ومشاكل في الدوائر والوزارات. وكان يدخل بقامته المديدة، وهمته العالية، وعيناه الزرقاوان الصافيتان كصفحة السماء، تشعان ببريق أخَّاذ، وتبعثان في وجوه ضيوفه الأمل والنشاط.

ويجلس إلى جوار الهاتف الأسود ذي القرص المعدني، ويسأل كل واحد عن حاجته، ويُجري الاتصالات اللازمة، ولا أبالغ إن قلت: إن آلاف الأرقام وأسماء الأشخاص المسؤولين في دوائر الدولة كانت محفوظة وحاضرة في ذاكرته، فلا يستخدم دليل الهاتف إلا لماماً.. وبعد كل اتصال مثمر كان يخرج أحد الحاضرين منطلقاً لمتابعة حل مشكلته.. وبعد ساعة أو ساعتين يبقى في الغرفة بعض الأشخاص، مشاكلهم عويصة، تحتاج من الشيخ إلى مواجهة ومشافهة، فينزلون معه، بعد رسم خطة الذهاب وجدوى المقابلات، وكان في أول الأمر يستخدم وسائل النقل العام، ثم اشترى سيارة، وقادها بنفسه، وكان يُرْكِبُ معه بعضَ هؤلاء المراجعين، وينتقل بهم من دائرة إلى دائرة، حتى ينتهي من تلبية طلباتهم جميعاً، وكثيراً ما سافر إلى المحافظات والمناطق البعيدة استجابة لسؤال وحاجة الناس، وتحقيقاً للمصالح العامة.

وكثيراً ما شهدته يعود بعد انتهاء الدوام ومعه بعضُ المراجعين، ويطلبُ إحضار الطعام لهم ليأكلوا معه، وكان البعض من هؤلاء تتكرر عودتُه مع الشيخ، ويحفظُ أهل البيت اسمه، ويميزون من وراء الأبواب صوته.. فيتضايقون من سماجته وجرأته.. ولكن صحبته للشيخ ومرافقته له كانت تزيده إصراراً واستمراراً على الحضور .

وكان خالي مهيباً في بيته، صارماً في طلبتاته، لا وقت عنده للمناقشة في الأمور الزهيدة والتافهة، بالمقارنة مع مسؤولياته الكبيرة ومهامه الجسيمة، ومع ذلك كله فلم يُهمل رعاية أهله، ولم يتخلَّ عن تربيته  الحازمة والصارمة لأولاده .

الزهد والورع:

لقد ملأ طلب العلم حياة شيخنا الجليل الفقيد (عبد الرؤوف أبو طوق) نصف عمره المبارك، وأخذت الدعوة إلى الله والعمل السياسي نصفه الآخر، وما سمعته يوماً متحدثاً بلغة الأموال والتجارات، بل كان يُردد على مسامع زواره ومحبيه إن أنعم الله عليه بمرتب جديد، قول الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}[الطلاق:3]. وكان إذا انتقل إلى بيتٍ أو مسكن جديد، وذهبنا لنباركَ له، صلَّى بنا وقرأ: {قل اللهم مالك الملك تُؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}[آل عمران:26]. وقرأها في صلاة الجمعة عند افتتاح جامع تنكز، وعند افتتاح جامع حي الثريا.

وقد بقي المال طيلة حياته في يده لا في قلبه، مبدؤه القناعة والعفة عما في أيدي الناس، وعدم الاندفاع في جمع المال أو ما يتفاخر به الناس من حطام الدنيا على حساب دينهم وصحتهم وقراباتهم.. معاذ الله، فهو الداعية القدوة في هذا الجانب، الذي تكثر فيه المطاعن وتلوكه الألسنة من حياة الدعاة.

وكانت حجَّاته وزياراته للمدينة المنورة أثناء عملي في مدارسها الثانوية من عام 1977 إلى عام 1991؛ فرصة مباركة لي، تعرفتُ فيها على دقائق من حياته لم أكن أعرفها من قبل، ورأيت وسمعت هناكَ صوراً مشوَّهة ومحزنة من مسلك بعض أدعياء العلم، ممن هم متعطلون عن العمل للدعوة أو الكسب الحلال، يمدُّون أيديهم إلى التجار الكبار بمبالغ باهظة، مقابل منحهم الدعوات والتبريكات ! فقلت له سائلاً، مع شيء من الدعابة هل مدَّ الشيخ عبد الرؤوف يده يوماً لأحد، أو قبل أعطيات أحد ؟ وكنت أعرفُ الجواب، ولكنني أحببت أن أسمع ذلك منه. فقال: على العكس تماماً، فقد كان كثير من أصحاب الأعمال والتجارات ينتفعون مني في بعض صفقاتهم، ولم يعوزني الله لأحد من خلقه، حتى أولادي الذين فتح الله عليهم خيراً وافراً، ما احتجتُ يوماً أن أمدَّ لهم يدي بالأخذ أو مجرد الطلب، بل لم تعرف يداي إلا الدفع والعطاء للجميع .

وأراد الله تعالى أن أشهد واقعة رأتها عيناي وسمعتها أذناي، وكان ذلك أثناء إحدى الإجازات الصيفية، التي كنت أنزلُ فيها بسيارتي إلى دمشق، وكنت أزوره في بيته العامر بالمزة (فيلات شرقية) فطلب مني أن نذهبَ إلى الزبداني للسلام على رجل من أهل العلم، وعرفت بعد الدخول إلى قصره الفخم أنه ثريٌّ كبير من دولة عربية خليجية، وأصرَّ الرجل بعد ترحيب كثير بخالي، أن نتناول الغداء عنده مع عدد من الضيوف الكبار، والمنشدين المشهورين، ولم يجد خالي ـ رحمه الله ـ في ممانعة، فقبلنا وكانت جلسة لا تُنسى مما اشتملت عليه من المدارسة العلمية، والطعام اللذيذ، والصفاء الروحي، إذ خُـتمت بأناشيد عذبة ورقيقة، تدغدغ النفوس، وتوقظ القلوب إلى حب الله تعالى وحب رسوله r .

وعند وداع الرجل المهيب لنا عند مدخل القصر، رأيت خالي يُخرج من جيبه مغلفاً مغلقاً، ويضعه في يده، وسمعته يقول: جزاك الله خيراً عما أرسلت إليَّ، فأنا مكفيٌّ والحمد لله، ولست بحاجة إلى مال أو مساعدة، والأفضل أن توجه بهذا المال إلى من يستحقه غيري، وترك المغلَّف في يد الرجل، ثم رجعنا عائدين إلى دمشق.

كما أعلم ما يعرفه الكثير من أصدقائه ومحبيه، أن وظائف الأوقاف التي حُجبت عنه في فترة ماضية، قد طلبَ منه أكثر من وزير، أن يتقدَّم بطلب لإعادتها مع رواتب سنوات عديدة، فأبىن وأعلنَ أن الله كفاه من خيره العميم .

وخــتــامـــاً:

فهذا غيضٌ من فيض مما أعرفه عن خالي العزيز، وهو ما يسمح به المقام، ويفسح المجال للمحبين غيري، أن يُمتِّعونا بالحديث عن حياة الشيخ المليئة بجلائل الأعمال.

وأسأل الله تعالى أن يجعل من أولاده البررة وبناته الصالحات، خير خلف لخير سلف، وأن يتعاونوا على الخير، وأن يستعلوا عن المنافع الدنيوية الفانية، كما أسأله سبحانه أن يجعل قبر خالي وأستاذي روضة من رياض الجنة، اللهم سامحه واسمح عنه، وأكرمْ منزلتَه، واجعله من أحبابك وأوليائك، فقد عرفناه محباً لله ورسوله، وأنت يا الله أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. والحمد لله رب العالمين

محي الدين ديب مستو

 

كـــفـــاح مـنـبــــر

الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق الرفاعي الحسني

«الطوق الذي ضم عمائم العلماء»

 

بقلم: د. محمد الحبش

 

في عام 1912م فتح الطفل عينيه في دار دمشقية عريقة، قرب جامع الصحابة بحي الميدان المجاهد من أسرة عريقة يعود نسبها إلى الإمام السيد أحمد الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعية، وكانت الأسرة قد سكنت حماه عدة قرون ثم وفدت منها إلى دمشق، فأنزلها أهل الشام منزلها من التكريم والإجلال كما يليق بأهل بيت رسول الله r، وكان أبوه محمد أبو طوق الرفاعي يرعى تلك الزاوية الرفاعية التي كان يغشاها الذاكرون، فيتفيئون في ظلالها مجالس الأنس والحب، حيث يفارقون مشاغل الحياة لينقطعوا إلى مناجاة الله سبحانه ذكراً وحباً وشوقاً، فلم تكن بهارج الدنيا تساوي في كفهم حبة خردل، وحين كانت تتجلى لهم مشارق الأنوار كانوا يرون نعيم الدارين بين جنبات تلك الدار:

إن لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي سكنا
جعلوها لُجَّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سكنا

وكانوا في أنسهم بالله يستوحشون مما سواه، ويفد عليهم رجال الدنيا إذا وفدوا غرباء كأن ليس لهم إلى هذا النعيم سبيل، وهناك كانت تذرف مدامع الأشواق، وتحن الأرواح إلى نعيمها العلوي، في مشهد يومي متكرر يذكرك بصفة الصفوة من السلف الصالح:

نسيم الوصل هب على الندامى فأسكرهم وما شربوا مداما
ومالت منهم الأعناق ميلاً لأن قلوبهم ملئت غراما
فما مقصودهم جنات عدن ولا الحور الحسان ولا الخياما
سوى نظر الجليل وذا مناهم وهذا مقصد القوم الكراما

في هذا الجو الروحي الطافح بالنفحات ولد الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، وكان يتردد طفلاً إلى تلك الزاوية الرفاعية حيث يتناقل الناس أخبار عمه الكبير الشيخ محمد هاشم أبو طوق المتوفى عام 1382هـ مع رجال الدولة العثمانية من قبل، يوم كانوا يترددون على زاويته، فيعجبون لتلك النفحات الصافية المتدفقة، ويرفعونها في تقاريرهم إلى بلادهم، حتى أن السلطان العثماني وجه له دعوة خاصة إلى الآستانة للتعرف عليه، وبحضرة بهرام آغا قام الشيخ أبو طوق بعرض عدد من الكرامات بحضرة السلطان، وهي العجائب التي كان السادة الصوفية يقومون بها كلما طلب منهم مُنْكِرٌ دليلاً على عظمة الله وقدرته، وأصبح الشيخ أبو طوق حديث الناس في المجالس لدى الباب العالي وهذا كله وفّر له مكانة وشهرة في سائر الأوساط.

ولكن هل تكفي هذه الوسائل من الكرامات لحمل الناس على الإصلاح المطلوب، والنهوض بحال الأمة، وهل سيمضي القدر في إفساح المجال لهذا الفتى ليكون جزءاً من زاوية أبيه وجده وتنتهي عندئذ آماله ومقاصده، لقد كان الفتى مع سروره بنفحات زاوية آل أبو طوق يبحث لنفسه عن مكان آخر، يؤدي فيه دوراً في خدمة أمته وطاعة ربه.

وكانت الشام حينئذ قد اجتمعت على رجل واحد، وهي فترة نادرة في تاريخ دمشق حيث تبوأ المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني موقع الإرشاد والتعليم والفتيا، وتصدر للعلم في المسجد الأموي، وهناك التاريخ والمجد وكان بذلك يحقق تواصل التاريخ من خلال سواري مسجد بني أمية التي ظلت منطلقاً لحلق العلم واللغة والأدب، وكانت العمائم في الشام تعرف منزلة المسجد الأموي لذلك فقد كان أمراً طبيعياً أن يكون العلم والفتيا في المسجد الأموي وهكذا فقد كان الشيخ البدر يؤدي هذه الرسالة على أتم وجه .

وجد الفتى عبد الرؤوف أبو طوق طريقه إلى المسجد الأموي، ووجد في حلقة الشيخ بدر بغيته التي يتمنى ويرجو، ولم تمض أيام قلائل حتى التحق الشيخ عبد الرؤوف بأكبر حلقات الشيخ بدر الدين، وهي حلقة الشيخ علي الدقر، فقد كان الشيخ بدر الدين قد قر عيناً بالشيخ علي الدقر، ودفع طلبة العلم عنده أن يقرؤوا على الشيخ علي، وهكذا فقد سعد الفتى بهاتين المدرستين مدرسة الشيخ بدر الدين في التوجيه والحديث، ومدرسة الشيخ علي الدقر في العلوم الشرعية .

ومع أن الفتى عبد الرؤوف كان طالباً في مدرسة غير أنه لم ينقطع عن مجالس شيخه، فأخذ العلوم الشرعية على الشيخ علي الدقر، وكان يدهشه ما يجده من وفاء الشيخ علي لشيخه الشيخ بدر الدين الحسني، فقد كان الشيخ علي مدرسة في الوفاء، وعلى رغم ما تحقق لعلمه ودعوته من نجاح ظاهر، فقد كان لا يدع مجلساً يجلسه من دون أن يشير إلى فضل الشيخ بدر الدين عليه في سائر الوجوه، وكان كثير من الناس يعجبون لما يجدونه من التزام الشيخ علي بشيخه على الرغم مما بلغه من آفاق كبيرة، ونجاحات مختلفة في سائر الميادين التي طرقها في حياته الدعوية، وكانت هذه الصورة من الوفاء تطبع ظلالها في شخصية الفتى عبد الرؤوف، ولا شك أنها أثرت في قلبه أبلغ تأثير، فعاش يرتفع بذلك الخُلُق (خلق الوفاء) للشيخ علي الدقر وذريته وأبنائه بعد وفاته، وهكذا دام على وفائه إلى آخر أيامه فلا يذكر الشيخ علي الدقر إلا فاضت منه عبراته، على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على وفاته .

وهكذا فقد أمضى الفتى أغلى أيام شبابه في طلب العلم الشرعي والمعارف العامة يتفيأ ظلال دوحتين مباركتين: الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ علي الدقر .

وخلال عشر سنوات لم يكن شيء أولى عنده من لزوم الشيخ بدر الدين في دار الحديث والمسجد الأموي على رغم أن إقامته مع والديه كانت في الكسوة جنوبي دمشق ولكنه كان يتصيد الأوقات تصيداً حتى يتوجه إلى دمشق ويظفر بلقاء شيخه البدر، يكتسب من إيمانه ونجاحه وإخلاصه .

وكان يعلم أن هذا اللون من الرجال عصي على الأيام، وقلما يجود به الدهر، وما أظن أن خلق الشيخ عبد الرؤوف في التسامح والاعتدال والمحبة إلا نتيجة تلك المجالس المشرقة التي كان يشهدها مع شيخه البدر.

وحين بلغ الفتى عبد الرؤوف الثامنة عشرة كان الشيخ البدر قد نيف على الثمانين، وأدرك الفتى أن قطار العمر لا ينتظر، وهكذا حزم أموره ومضى يصحب الشيخ في سائر أحواله وأسفاره، ومن مجالسه وأسفاره التي كان يجود بها الدهر بين أيام المرض ومشاغل الأمة كان الفتى عبد الرؤوف يرسم ملامح شخصيته كما تخيرها من شيخه البدر، وكما اكتملت له على يد الشيخ علي الدقر، ليكون صيغة وفاق تجتمع عليها سائر العمائم، ويحتاج إليها الناس جميعاً .

وهكذا فإنه حين ودع شيخه البدر صباح يوم الجمعة 27/ربيع الأول/1354هـ الموافق 1935م في الجامع الأموي كان يبصر جيداً في ذلك النعش الذي يصطرع الناس على ملامسته إلى أي يمكن أن يكون صاحب الرسالة المخلص مكيناً في نفوس الناس ، حاضراً في آمانيهم وآمالهم .

وشهد مع الشيخ علي الدقر أيام نشاطه في تأسيس الجمعية الغراء يوم كان يطوف قرى حوران ويتخير من أبنائها طلبة للعلم الشرعي يؤويهم إلى دارته في الشام فيرعاهم ويحنو عليهم ويبرهم ويصلهم ويعلمهم حتى يملأوا المنابر بالعلم والمحاريب بالإيمان .

وكان الشيخ عبد الرؤوف فتى في السادسة عشرة من عمره يوم صعد المنبر وحدثني عن ذلك أنه كان في بلدة حران العواميد بصحبة الشيخ بدر الدين وحين أذن لصلاة الجمعة نظر الشيخ بدر الدين إلى عبد الرؤوف، وأومأ إليه بأن يرقى المنبر، وعلى عجل خطى الفتى كما أمره الشيخ، وصعد المنبر على ارتباك، ولم يكن أهل البلدة الذين سمعوا تلك الخطبة يعلمون أنهم يشهدون بداية ألمع خطيب ديني في دمشق لأكثر من ثلث قرن، وأن آمالهم وأمانيهم وطموحاتهم التي يبعثها فيهم هذا الفتى، سوف يتولى بنفسه طرحها أمام مجالس الأمة بعد حين .

وقد كان رحمه الله كلما ذكر لي ذلك اليوم الذي رقى فيه المنبر تغرغر عيناه بالدمع ويقول: لا زلت أذكر الشيخ بدر الدين في جامع حران العواميد عند الشيخ عبد السلام الخطيب وهو ينظر إلي مبتسماً وأنا أرقى المنبر لأول مرة، وأشعر بإمداده الروحي والقلبي إلى هذه الساعة .

ومع أنه كان دائم الصحبة للشيخ علي الدقر حضراً وسفراً، غير أنه التزم منبر مسجد الصحابة بالميدان منذ أيامه الأولى في طلب العلم الشرعي الشريف، وهناك بدأ الناس يتجمعون حوله، ويتحدثون عن موهبة قادمة، ينتظر منها الخير والعطاء الكثير.

والتحق الفتى بعد تخرجه بالجمعية الغراء معلماً للعلوم الشرعية، وأدى واجب الوفاء مع مقاعد الدرس التي درس عليها، وأصبح عن يمين الشيخ علي يميناً يطمئن إليها، وعهد إليه الشيخ علي بمهمام كثيرة في التوجيه والتربية، وكان نجمه يعلو في مسجده حتى جاء أهل باب المصلى إلى الشيخ بدر الدين يسألونه أن يرسل إليهم خطيب الميدان الشاب عبد الرؤوف أبو طوق، وبالفعل فقد تحول إلى مسجد باب المصلى عام 1369هـ ـ1950م أكبر مساجد الميدان حينذاك، ومن هناك تسامعت به أحياء دمشق، وكان شيبها وشبابها يمشون إلى باب المصلى صبيحة الجمعة، حيث كانوا يعلقون هناك الآمال الكبار .

وكان الفتى يرعى علمه وعمله، فيدرس في حلقة الشيخ علي، ويدرس في الجمعية الغراء، ومدارس دمشق، مدركاً أن العلم يزكو بالتعلم، وأنه لا بركة في لسان فصيح لا ينطق بعلم صحيح .

 

في مجلس الأمة :

كانت آمال الإصلاح التي يرقبها الرجل تتزاحم في خاطره، فالبلاد خرجت لتوها من ظلمات الحكم الفرنسي، وهي تتطلع إلى غد مشرق، وكانت التيارات التي تنتشر في بلاد الشام تتوزع ولاءً بين الشرق والغرب، وكانت الديمقراطية هي الحد الذي تراضى عليه سائر رجال السياسة في البلاد .

وكانت منابر دمشق الشام قد ألفت صوت الشيخ عبد الرؤوف ناصحاً ومعلماً وداعية معطاءً، وكان الشيخ لا يجد الوقت الكافي لتلبية سائر الدعوات التي توجه إليه من دمشق وحماة ودرعا وأريافها، مع أنه كان يرى في ذلك واجباً لا يجوز التخلف عنه ما أمكن، على أنه كان يجد أُنْسَه وسُلْوَتـَه في مجالس العلم وحلق الذكر، واجتماع الناس عليه .

ولكن المرحلة التي تمر بها البلاد كانت دقيقة وصعبة، فالبلاد خرجت لتوها من الحكم الفرنسي، وكانت قد عانت قبله قروناً من المظالم التركية المتعاقبة، وقبل ذلك كان حكم المماليك ووهن الخلافة قد باعد الشقة بين الناس وبين تاريخهم، فيما كانت أوربا تبدو وكأنها تحقق النصر تلو النصر، وتزداد تفوقاً في المعارف والتقنية الحديثة والديمقراطية، حتى شاع في بلاد الشام اتجاه قانط من قيام الإصلاح على أساس العودة إلى الإسلام، ونشطت في تلك الفترة التيارات الماركسية والإلحادية، وهكذا فإن الساحة السياسية كانت بحاجة إلى الصوت الإسلامي، وأدرك العقلاء أن من الخطأ الاتكال على الضمير الديني وحده لدى العامة من دون مواكبة فاعلة في مراكز القرار الفاعل في البلاد .

ومن هنا انطلق الشيخ إلى ترشيح نفسه للمجلس النيابي حينئذ، وكان بهذا يلبي رغبة إخوانه من العلماء، ومطلب الجمهور من أبناء البلاد المؤمنين، االذين أصبحوا يخشون من تحييد الإسلام من الحياة العامة، واستيراد حلول وافدة غريبة عن شريعة الله .

وفي عام 1954 دخل الشيخ المجلس النيابي لأول مرة، وسط تنافس شديد من القوى الوطنية المختلفة، حيث كان الوطنيون واليساريون والعلمانيون يتسابقون لتوجيه البلاد نحو رؤاهم في البناء الجديد .

ومن الأيام الأولى لدخوله المجلس النيابي عَرَفهُ الناس صوتاً صادقاً، ينطق بآمال الناس في إحياء دور الشريعة في الحياة، والكفاح ضد التيارات التي كانت تطالب بعزل الشريعة .

وكان له دور بارز في معركة الدستور حيث أعلن بوضوح أنه لا بديل عن الإسلام لهذه الأمة العربية، إذ وجدت فيه مجدهاً وتاريخها وحضارتها .

وكان الشيخ عبد الرؤوف يدخل المجلس النيابي بعمامته مشيراً إلى دور الإسلام في الحياة ورسالته في إعادة بنائها على أساس من الفضيلة والأخلاق الرشيدة، وكان يلتقي جمهوره يوم الجمعة، حيث اختير خطيباً لجامع تنكز مركز الجمعية الغراء، وكانت أحاديثه وخطبه في البرلمان وفي المساجد وفي أفراح الناس ومواسمهم المختلفة تصل ما بين الجمعة والجمعة بعطاء لا يكاد ينقطع .

ولكن نشاطه الأبرز في البرلمان كان في مقارعة الشيوعيين، فقد كان سريع الانتباه لما تتقدم به الكتلة الشيوعية في البرلمان، وقبل أن يصبح الاقتراح على طاولة البحث اعتاد الناس أن يسمعوا صوت الشيخ عبد الرؤوف وهو يفند تلك الأوهام ويظهر تناقضها مع تاريخ هذه الأمة وحاضرها ومستقبلها، ويفصل القول بما آتاه الله من حجة وبيان حتى ينتصر لدينه ويفيء المرتاب إلى رشده، ويزداد الذين آمنوا إيماناً .

وعلى رغم موقفه الموصوف بالتشدد في رفض الطروح ا لماركسية والعلمانية فإنه لم يكن ينطلق من اعتبارات شخصية، ولم يكن في قلبه محل لأدران سود، فقد كانت تربيته الصوفية تعلمه أن الخلق كلهم عيال الله، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وأنه لا وجود لبشر من شر مطلق، وكان خصومه يعرفون منه ذلك ويرون فيه خصماً وليس عدواً، وهذه حقيقة يعرفها من صحب الشيخ في سائر شؤونه، وذات يوم قال له خالد بكداش أمين الحزب الشيوعي السوري: يا أستاذ أبو طوق، كم نراك تكافحنا وتهاجمنا ومع ذلك نبقى نحبك .

وهكذا فلم يكن الشيخ أبو طوق عضواً هامشياً في مجلس الشعب بل كان عنصراً فاعلاً معطاء، وقد حدثني الدكتور مروان شيخو أنه يعود دائماً إلى سجلات مجلس الشعب ليطالع تلك الكلمات القوية التي كان الشيخ عبد الرؤوف يلقيها في مجلس الشعب ويعجب لذلك الأثر القوي الذي كان لتلك الكلمات في السياسة العامة للبلاد .

 

في الوحدة بين سوريا ومصر :

الوحدة العربية أمل يسعى إليه كل الشرفاء في هذه المنطقة، ومع أن الفهم الإسلامي يتجاوز إطار الوحدة القومية إلى آفاق الإخاء العالمي، تحت راية التوحيد، ولكن هذا السعي لا يكتمل انطلاقه إلا حين يتأسس على جذور اللقاء الوطني، فتكون بذلك الوحدة القومية خطوة أولى ضرورية من أجل بناء الوحدة الإسلامية .

وهذا الفهم المتكامل بين العروبة والإسلام كان غائباً عن سلوك كثير من الإسلاميين حتى توهموا التناقض فيه مع أن كلا السبيلين يؤدي إلى الغاية ذاتها .

وقد كتب للشيخ عبد الرؤوف دور مباشر في قيام أول وحدة حقيقية بين قطرين عربيين إسلاميين في العصر الحديث، فقد نادى بالوحدة العربية مراراً من خلال منبر الجمعة ومنبر البرلمان، مظهراً دور الإسلام الجلي في قيام أول وحدة عربية في التاريخ، يوم جمع قبائل عبس وذبيان وتميم وشيبان والأوس والخزرج وقريش وثقيف على الرغم مما كانت فيه من فرقة وتمزق وضياع فجعل منها أمة عربية واحدة ذات رسالة إسلامية خالدة .

وكم كان المستنيرون من رجال البرلمان يطربون لهذا الشعار الذي أعلنه الشيخ أبو طوق حتى ارتبط به صفة لازمة:

أمة عربية واحدة  ذات رسالة إسلامية خالدة

وهنا أروي للقارئ الكريم خبر مساهمة الشيخ في الوحدة بين مصر وسوريا كما سمعته منه مراراً :

في عام 1957 أيام شكري القوتلي قام وفد برلماني بزيارة لمصر، وكان جمال عبد الناصر حينئذ قد ملأ دنيا العروبة وشغل الناس بخطاباته الملتهبة عن القومية العربية وآمال هذه الأمة في الوحدة والبناء .

ولدى لقاء الوفد البرلماني بالرئيس عبد الناصر تحدث مطولاً عن هذه المعاني ولفت نظره هذا الشيخ المعمم وهو يتكلم بنَفَس وحدوي عروبي، وهو المعنى الذي لم يكن مألوفاً في صيغ الخطاب الإسلامي حينئذ .

وتعرف عبد الناصر إلى الشيخ عبد الرؤوف، وعلم من مستشاريه كثيراً من مواهب الرجل وقدراته، وحين طلب الشيخ مقابلة جمال عبد الناصر حدد له موعد خاص في اليوم التالي للقاء مباشرة .

وكان بعض أهل دمشق قد طلب إلى الشيخ عبد الرؤوف أن يرجو عبد الناصر في إطلاق ستة من السجناء فيهم صهر شكري القوتلي، وكانت الشرطة المصرية قبضت عليهم على خلفية صرافة أموال وكانت ممنوعة في مصر حينئذ، وقد أحجم شكري القوتلي أن يطلب ذلك من عبد الناصر مباشرة بدافع من عدم التدخل بسير القضاء .

قال الشيخ عبد الرؤوف: (حين دخلت إلى مكتب الرئيس عبد الناصر بالمنشية لم يكن ثمة أحد عنده، وتحدثنا مطولاً عن الوحدة العربية وعن علاقة العروبة بالإسلام، وكان عبد الناصر يحسن الكلام ويحسن الإصغاء وهو معنى يفتقده كثير من الزعماء، فيتقطع بسبب ذلك ما بينهم وبين الناس من تواصل .

قال لي عبد الناصر: سمعت يا شيخ عبد الرؤوف أن الإلحاد ينتشر في الشام، والشيوعية تكسب مواقع جديدة.. فهل هذا صحيح ؟!

قلت له: ما بلغك يا سيادة الرئيس أقل من الواقع بكثير والمنطقة كلها في خطر .

في هذه اللحظة دخل سكرتير الرئيس ومعه ورقة صغيرة .. التفت إلي عبد الناصر وقال: يا شيخ عبد الرؤوف.. هناك الأخ المشير عبد الحكيم عامر (نائب الرئيس) وأنا أجد أنه من المفيد أن يدخل ويشارك معنا في الحديث فهل تمانع ؟.. لقد كان ذلك موقفاً في غاية الأدب والحكمة، قلت: بكل سرور يا سيادة الرئيس فنحن نتكلم في مصالح البلاد .

حين دخل المشير عبد الحكيم عامر بدأ جمال عبد الناصر الحديث مباشرة وقال: (يا عبد الحكيم.. الشيخ عبد الرؤوف يذكر أن الشيوعية تكسب مواقع جديدة في الشام، زي ما قلت لك بالأمس)، ثم التفت إلي عبد الناصر وقال: (ونعمل إيه يا شيخ عبد الرؤوف.. دول وراهم دول كبيرة، ولو أخذوا فرصة فممكن أن يعملوا حاجات كثيرة ..).

قلت له: سيادة الرئيس أنت تسألني نعمل إيه.!! والقيادة المشتركة موجودة، والمشير عبد الحكيم موجود !!..

سادت لحظة صمت له مغزاه.. والتفت الرئيس إلى عبد الحكيم عامر وتبادلا نظرة طويلة، في ثناياها تفاصيل حوار لايزال يتردد صداه .

بعد ذلك نظر إلي جمال قرير العين، وقال لي: أوصيكم بهذا الرجل الطويل قامة وقدراً الذي لم تر عيني مثله، وكان يريد شكري القوتلي ..

وقفت على الفور.. وقلت يا سيادة الرئيس.. أنت توصيني بالرئيس شكري القوتلي وهناك صهره سجين لديك مع ستة من إخوته وأقاربه ؟…

عـلى الـفـور طـلـب الـرئـيـس إضـبـارة المـوضوع وقال اعتبر أن الأمـر قـد تـم …

عدت إلى الفندق في ذلك اليوم متأخراً، ووجدت رسالة من مكتب الرئيس فيها أن الرئيس أمر بالإفراج عن السجناء الستة وأن علي أن أتوجه من الغد لاصطحابهم من السجن إلى بلادهم .

وحين رجعت إلى دمشق كان معي الموقوفون الستة، لا يكادون يصدقون ما جرى، فالحمد لله الذي أقدرني على فعل الخير .

لم يكن بين لقائنا في المنشية ويوم 22/2/1958 أكثر من شهرين اثنين حين استمع الناس إلى إعلان القيادة المشتركة حول قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وكانت أول وحدة حقيقية وربما آخرها في القرن العشرين .

وفي يوم 5/3/1958 وصل عبد الناصر إلى دمشق ليعزز قيام الوحدة، وحين خرج الناس لاستقباله في مطار المزة، وقفت بين إخواني من العلماء، وحين صافح عبد الناصر السادة العلماء أمسك يدي مطولاً وقال بصوت مسموع: كيف ترى يا شيخ عبد الرؤوف.. هل تمت جلستنا في المنشية؟…)

لقد تحقق حلم عربي إسلامي كبير، بقيام أول وحدة حقيقية بين بلدين عربيين مركزيين، ولا شك أن ظروفاً كثيراً كانت وراء قيام هذه الوحدة، ولكن الله سبحانه ادَّخر للشيخ حصة وافرة من هذه الظروف، ولعلها تكون في ميزان حسناته إن شاء الله .

ولم يشأ الشيخ عبد الرؤوف أن يحدث أحداً بما كان بينه وبين عبد الناصر إلا بعد أن وقعت الكارثة وتم الانفصال، وأصبحت الوحدة ذكرى تستنشد منها الأطلال .

 

بعد الانفصال :

قام الشيخ عبد الرؤوف من مواقعه في الإرشاد الديني والتوجيه على منبر جامع تنكز لسنين طويلة، ثم كان على رأس لجنة كريمة قامت ببناء جامع الثريا بالميدان، ومع قيام المسجد عام 1965 قام الشيخ بالخطابة فيه وقصده الناس صوتاً مدوياً، وكلمة حق لا يخاف في الله لومة لائم .

ومالت الغوطتان إلى جامع الثريا، يستمعون إلى الصوت الذي نطق بهمومهم في المجلس النيابي ومجلس الأمة، وأصبح مسجد بستان الثريا منبر الشيخ الحي إلى أن ألجأته الظروف إلى مغادرة البلاد عام 1966 .

كانت إقامة الشيخ في الأردن والسعودية مناسبة لبناء صلات جيدة مع كثير من الفعاليات الإسلامية والعربية، ومع أنه كان يعيش في عافية وحب وأنس غير أنه كان يتطلع إلى بلده، فقد كان يجد بكل أرضٍ أهلاً وخلاناً، ولكنه كان يجد حنينه لأرضه ووطنه وهو الحنين الذي أشار إليه النبيّ r يوم انصرف عن مكة دامع العينين فقال: «والله إنَّكِ أحبُّ بلاد الله إليَّ ولولا أنّ أهلكِ أخرجوني منك ما خرجت».

ومن أرض غربته كان يتطلع إلى الشام، يشتاق فيها إلى ذكرى الشيخ بدر الدين، وتغلي به أمانيه أن يعود إلى دمشق فيبعث فيها نشاط شيخه الشيخ علي الدقر، لقد علمته الغربة أشياء كثيرة، كانت لروحه صفاء، ولفكره جلاء، وأصبح لديه كبير رجاء أن يقدم الوفاء المطلوب لنهضة الشيخ علي الدقر في الشام، فقد تجاوزت الشام هموماً كثيرة، وثمة أكثر من عمل إسلامي بالشام تعلق عليه الآمال الكبار ويمكنه أن يكون كما يرجو روحاً دفّاقة في كل عمل مخلص، لقد كانت الجمعية الغراء تستأنف نشاطها بدمشق على استحياء بعد أن عرضت لها ظروف مختلفة غيبتها سنين طويلة، كما أن هناك مجمع أبي النور الإسلامي بدمشق، وهو مشروع طموح ينطلق به الشيخ أحمد كفتارو في سفح قاسيون ليكون أكثر مراكز الدعوة الإسلامية والعلم الشرعي حضوراً في الشام، وهناك جهود طيبة يقوم بها الشيخ صالح الفرفور والسيد تاج الدين الحسني للنهوض بالعلم الشرعي في الشام، وهؤلاء جميعاً يحتاجون إلى الشيخ عبد الرؤوف .

وهكذا فقد أصبح الرجل في غربته مرهق الروح، تريده الشام ويريدها، يشتاقها وتشتاقه، وتحول دون ذلك إجراءات إدارية غير مفهومة، وصار كلما رأى ركباً يقصد الشام يقول كما قال الأول:

أيها الراكب الميمم أرضي أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي وساكنيه بأرض وفؤادي وساكنيه بأرضِ

وكانت الأقدار تتخير له زماناً موعوداً، وجاءت الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد، وهو خبير بأقدار الرجال، وخلال شهور ذللت سائر العقبات التي كانت تحول دون عودة الشيخ، وحين وصل إلى مطار دمشق استقبل نسيم الشام بمدامعه الحرى، وعانقه مستقبلوه كما لو كان وشاح مجد، وفي طريقه من المطار إلى داره كانت تطيف بخاطره مواقع العمل التي تنتظره وماذا يمكن أن يقدمه لهذه الأعمال الإسلامية المتنافسة على الخيرات .

ومع أنه قد نشأ في الجمعية الغراء ولكنه تعوَّد أن يكون للجميع أخاً، وهكذا عرفته الشام خلال أيام عطائه المتواصل، ففي كل عشر سنوات كانت تلمع في دمشق حركة دعوة إسلامية وفي كل مرة كنت تجد الشيخ عبد الرؤوف ركناً واضحاً في تلك الحركات، يقوم بالمهمات الصعبة، ويحتسب أجره عند الله .

وحين عاد إلى دمشق لم يطل به الفكر حتى عرف تماماً الدور الذي ينتظره فيها، فمع أن الصحوة الإسلامية كانت تتفتح في الشام، ولكن حال العاملين في الحقل الإسلامي لم يكن على الوجه الذي يتمناه، فقد كانت هناك خلافات في المنهج، وحالات من الريبة وسوء الظن تجعل العاملين في الحقل الإسلامي يتحركون في جزر منعزلة، بعضها مقطوع عن بعض، وكانت حبال الود بينهم قد وهنت، وكان الجميع يتطلعون إلى رجل من أهل العلم، يحترمه الجميع، ويعيد لحمة حبال الود، طوقاً يضم عمائم العلماء، ويعقد سبل توادهم وتعاونهم لينهضوا بالرسالة التي لا يجوز لهم أن يفرطوا بها .

كان الشيخ عبد الرؤوف قد انقطع عن المنابر منذ غادر دمشق 1966م، ولكن الناس لم تكن قد نسيت بعد صوت ذلك الناطق الصادق الذي منحته لقب (صوت الإسلام الداوي وخادم الأمة الأمين) وهكذا فقد دعي من جديد إلى المساجد، فقام بأداء خطب الجمعة على منبر جامع علي بن أبي طالب بالمزة عدة أعوام مطلع الثمانينات .

وحين استكمل رجل الأعمال العربي أكرم العجة بناء مسجده في المزة، أرسل وفداً إلى دار الشيخ يلتمس منه قيامه بخطبة الجمعة فيه، وهكذا فقد قام بهذا الواجب منذ عام 1985 إلى مطلع التسعينات حيث عهد لصهره الشيخ محمد بسام الزين ومن بعده للشيخ علاء الدين الحموي بالخطابة في مسجد الأكرم .

ولكن همه الأكبر في أيامه الأخيرة لم يكن يقتصر على تلك المنابر التي كانت تتنافس عليه، ولكن كان ينظر صوب أفق آخر، فقد كانت أمانيه تختصر في جمع كلمة العمل الإسلامي في مقاصد واحدة، بعد أن شتتها نزاعات ليست في مصلحة أحد .

وكان شغله الشاغل تحقيق التعاون الممكن بين الأوقاف والإفتاء، فليس للأوقاف غنى عن العلماء، ولا للعلماء غنى عن الأوقاف، وكان يجد أن أكبر الأدوار المطلوبة من دمشق الشام بوصفها مركز تراث حضاري ودعوي ورسالي إنما يؤدى على أتم وجه عبر مجمع أبي النور الإسلامي الذي يرعاه سماحة الشيخ أحمد كفتارو، حين يستقبل الوفود الكبرى ويعرض عليهم عظمة الإسلام وروحه ونوره، ويرسل في الآفاق رجال الدعوة، ويمضي بنفسه من أفق إلى أفق، ويسجل النجاح تلو النجاح لحركة الدعوة الإسلامية ونشر العلم الشرعي، وذلك كله في أرض مباركة من سفح قاسيون تظلها نفحات مباركة من جهاد أبيه العلامة الشيخ أمين كفتارو قدس الله سره .

وهكذا وجد الشيخ عبد الرؤوف نفسه منطلقاً بفطرته إلى الإسهام في هذا العمل الكبير، وكان يجد في نشاط الشيخ تواصلاً حقيقياً مع رسالة الشيخ بدر الدين الحسني وخليفته من بعده الشيخ علي الدقر، وتحقيقاً للآمال التي طالما تطلعا إليها في جهادهما الطويل .

وبالفعل فقد عرف له علماء مجمع أبي النور الإسلامي منزلته ومكانته، وأصبح وجوده شرطاً لازماً لكل لقاء كبير، وتجددت بينه وبين الشيخ أحمد كفتارو صلة أخوة بالله تذكرك بإخاء طلحة والزبير، وأبي يوسف والإمام الشافعي، تلك الصلة الطيبة التي بدأت في مضايا خلال محنة الشيخ عبد الرؤوف وتواصلت تنمو وتزداد إلى اللحظة التي أغمض فيها الشيخ عبد الرؤوف عينيه عن الدنيا قرير العين .

ولم يكن على كثرة صلاته وارتباطاته لينسى جانب الصلة والبر بسائر علماء الشام، فكان وفياً بسائر رفاقه من تلامذة الشيخ علي الدقر، يودهم ويبرهم، وخص منهم أصحاب الشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ سعيد البرهاني حيث كان يغشى مجالسهم فيأنس به الكل معلماً حبيباً، وروحاً صافية تعلم الناس أخلاق العلماء .

ومراراً كان يدعونا إلى مجالس خاصة لقراءة العلم، ويعمد أن يجتمع فيها طلبة علم من مشارب مختلفة يريد بذلك أن يجمع القلوب على مقاصد واحدة، وينفض ما قد يكون تراكم على القلوب من ظنون السوء، وأوهام الريبة، فالعلم رحم بين أهله، والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى .

وخلال هذه المجالس قرأنا على يده كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وحفظنا منه كلام أهل العلم في منزلة الإحياء: بع اللحية واشتر الإحيا، وقولهم: ليس من الأحياء من لم يقرأ الإحياء، وقرأنه عليه كذلك تفسير الخازن وطرفاً من تفسير القرطبي .

غير أن أنس قلبه وراحة فؤاده كانت في مجالس الطريقة الشاذلية التي كان يعقدها الشيخ الداعية أحمد عادل خورشيد صباح كل جمعة، فقد كان الشيخ عبد الرؤوف يجتهد أن لا تفوته هذه المجالس، وكان يتتبعها من مسجد لآخر، وكان أبناء الطريقة يفرحون به غاية الفرح، ويبوؤونه منزلته في سواد العيون كما هو لذلك أهل، ولم يكن في قلبه الكبير محل لكبر أو ترفع يحجزه عن مجالس الذكر على رغم تقدمه في السن عن الشيخ أحمد عادل خورشيد صاحب تلك المجالس .

 

بعد الثمانين :

مع بلوغه الخامسة والسبعين من العمر كان الشيخ قد أصبح رمزاً إسلامياً حقيقياً تلتقي عنده أقطاب الدعوة الإسلامية، فيقوم بما يطلب منه دوماً من جمع القلوب وعقد أسباب الألفة والمحبة، ولكن ابن آدم طاقة، ومطامح الكبار كبار .

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

وهكذا بدأ الشيخ يشعر بأن جسده لم يعد قادراً على تحقيق أمانيه، وحببت إليه العزلة، فكان يأوي إلى مضايا وهي قرية جميلة تطل على سهل الزبداني، وفي بيت متواضع فيها كان يؤثر أن يمضي غالب أوقاته في قراءة القرآن الكريم ومناجاة الله عز وجل، يلبي ما استطاع من دعوات الناس التي كانت تتراكم في داره كل يوم، ثم يعود إلى خلوته .

وكان قلبه يطرب لقدوم طلبة العلم، وكنا نجتهد فنجمع أنفسنا في بعض الأيام وننطلق إلى داره في مضايا، ولم يكن شيء في الدنيا أحب إلينا من مجالسه تلك حين يتحفنا بغرائب الأخبار عن الصالحين، وهو ما كان يضن به على غير أهله، فتحلق أرواحنا عالياً في سماء المعرفة والحب والصلة .

وأصابه عارض صحي قبل عام 1990م، وخضع لجراحة دقيقة، وحين خرج من غرفة العمليات في مشفى الشامي سألته: كيف أنت ؟

قال لي: (ربما كان في الأجل فسحة، ولكني مستعد للقاء الله)!..

ولثمانية أعوام كنت إذا سألته عن حاله أو صحته يبادرك بجواب واحد: (أنا مستعد للقاء الله!..) وربما أتبع ذلك بعبارة أخرى يقولها بالعامية: (أيش يريد الله.. نحن حاضرين)، ولا تحتاج كثير نظر لتدرك كيف كانت تنبعث تلك الكلمة الصادقة من أعماق قلبه وروحه .

لقد ركنت إلى نفسي مراراً أتساءل: أيمكنك أن تكون صادقاً مع نفسك مرة واحدة وتقول: (أنا مستعد للقاء الله؟..) يا له من سؤال كبير، وكيف لك أن تجزم بهكذا مطلب وأنت عارف بأن كتاب الآخرة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً .

ربما قال كثير من الناس مثل هذه العبارة، ولكني لا أذكر أن قلبي كان يوجل منها في مقام كما كان يشفق منها حين كنت أسمعها من الشيخ عبد الرؤوف، لقد كانت حبراً واضحاً في صحائف قلب أبيض يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، ولماذا لا يشتاق ربه وقد قطع رجاءه من سواه، واستفرغ من الدنيا حوائجه ومطالبه، وصار كالمغترب العائد وقد حزم حقائبه لسفر مأمول، ثم صار ينتظر النداء ليدخل البوابة التي تسلمه إلى سلَّم الطائرة تحمله إلى حيث ينتظر لقاء الأحبة بعد فراق طويل .

وكنا نجلس طويلاً في باحة داره المتواضعة بمضايا، حيث تبدو لك جبال لبنان في وقار وهيبة، تملأ الوادي جلالاً ورهبة، وحين كانت تغرب الشمس يظللك الليل، وأنت تتناول من كف الشيخ عبد الرؤوف كأس الشاي الأخضر الذي كان يصنعه بنفسه، تدرك أي نعيم سرمدي يعيش فيه أولئك العارفون الخاشعون، بعد أن انقطعت آمالهم من الدنيا واتصلت أمانيهم بنعيم الآخرة، وكان مع سروره بالوصال الذي هو فيه يرجو أن يرتقي إلى مقام أقرب، ليكون شاهداً لنعيم القرب في كل حال:

ليس من لوَّح بالوصل له كالذي سير به حتى وصل
لا ولا الواصل عندي كالذي طرق الباب حناناً ودخل
لا ولا الداخل عندي كالذي سارروه وهو للسر محل
لا ولا من سارروه كالذي صار إياهم فدع عنك العلل
أخذوه منه عنه فانمحى هكذا العاشق للمحبوب ظِل
قدر قد علق القلب به لو تجلى منه للخلق قتل

 

في عامه الأخير :

في عامه الأخير أصبح جسداً أكثر وهناً، وهو بحمد الله في عافية في فكره وروحه، وكان مع لزومه الدار يحب أن يزور ويزار، وشهد عدداً من المناسبات لإخوانه وأحبابه، وكان حين يجد نسائم الصيف يحب مصيف الشام، فيجد لنفسه أنساً في الزبداني ومضايا، حيث كان له إخوان من أهل العلم يمضي معهم أرق ليل وأطيبه، ويحب أن يغشاهم بزيارته، وأن يواصلوه بدعائهم، ولكن جسده لم يعد يقوى على التنقل، فكان أكثر مقامه حينذاك في داره، وكان علماء الشام يترددون عليه بين الحين والآخر، فيهل لهم ويسهل، ويطرب بهم وتقر عينه، ويتحدثون عن قطار العمر، ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر .

وكان سيدنا الشيخ أحمد كفتارو أكثر الناس زيارة له في أيامه الأخيرة، وكان دائم التفقد له والرعاية لأحواله، والذي أعرفه من حبه له ووفائه معه، أنني ما تشرفت بزيارته إلا سألني عن الشيخ عبد الرؤوف، فقد كان يرى فيه البقية الباقية من سلف صالح اللذين لم تكن مآربهم من الدنيا تصرفهم عن خيارهم الرسالي .

وفي يوم 30 رمضان 1418هـ كنت عند سماحة الشيخ، فقال لي: لقد كنت اليوم عند الشيخ عبد الرؤوف، لقد سعدت بزيارته، إنه رجل يعيش في الدنيا وآماله كلها في الآخرة .

وعدت إليه فوراً مع أخي الشيخ علاء الدين الحموي خطيب جامع الأكرم فزرته، وحدثته بما أخبرني به الشيخ أحمد، ففرح بذلك، ثم استوى جالساً وقال لي: يا محمد.. هذا الرجل، هو صاحب الوقت، إني أجد في عطائه آمال الشيخ علي الدقر، إن المجمع الإسلامي الذي أسسه في أبو النور أكبر نصر للإسلام في هذا الزمان، يا ليتني كنت جَزْعاً فيرى الله مني ما يحب، ولكنني الآن على باب لقاء الله، أصبحت أنتظر لقاءه فارغ القلب من الدنيا (أيش ما يريد الله أنا حاضر).

ثم سألني عن جامع الزهراء، وهو مسجدي الذي أخطب فيه، وكنت قد بدأت دعوتي ونشاطي فيه، ولكن لما تزاحمت علي المشاغل والمهام اقتصرت على خطبة الجمعة فيه، فأخبرته بمشاغلي في الأوقاف والإعلام والجامعة والتآليف، فالتفت إلي عاتباً ولم يزد أن قال:

مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه مستعجلاً وإذا وليت عنه تبعك

ولم يكن يجد في طاقة جسده ما يقدر به حضور الجمع والجماعات، فلزم داره، وكان يصلي الظهر صحيح العذر، ومضى له على ذلك عام كامل، لا يشهد الجمعة، وما جعل الله عليكم في الدين من حرج .

وحين وافاه رمضاه 1418هـ، كان يطرب لمشاهد الحرم الشريف في القنوات الفضائية، وتطرب روحه ويخفق فؤاده، ويتهلل لسماع أصوات المآذن، لقد كان كم يغسل روحه استعداداً ليوم موعود، وأظله عيد الفطر ولم تكن له إلا عبارة واحدة (إيش ما يريد الله نحن حاضرين) واشوقاه واشوقاه، غداً ألقى الأحبة .

وحين غمرت الأرض سحائب رمضان وأشرقت بنفحات ليلة القدر وفرحت بعيد الفطر والمغفرة، ألهم الرجل أن رسالته في الأرض اكتملت، وأن بوسعه أن يفد على الله مطمئناً .

ومع انصراف عيد الفطر قال لصاحبه (نصوح حجيج) وهو رجل طيب من أهل المزة، كان يسعى دائماً في حبه وخدمته: يا نصوح أريد أن أصلي الجمعة عند أبو النور .

وكان كمن يختار مواعدة محبوبة، فاختارها له الله عند الشيخ أرسلان الدمشقي المتوفي عام 699هـ الرجل الصالح الذي كان يرابط عند أسوار دمشق، مع طائفة من خيرة الشباب الصوفية لحماية دمشق من غارات الفرنجة التي كانت تهددها في ذلك الحين .

وكان للشيخ أرسلان في دفاعه عن الشام أخبار بطولية وجهادية لا تكاد تصدق، لازال أهل الشام إلى يومنا هذا يقولون في أهازيجهم وعراضاتهم :

شيخ رسلان يا شيخ رسلان

يا حامي البر والشام

وحين طلع فجر الجمعة توضأ واستقبل القبلة وصلى الفجر وقعد ينتظر الجمعة، مشتغلاً بالتسبيح والتهليل، وكأنه استعجل الظهر فأمسك الهاتف واتصل مرة أخرى بسائقه نصوح وقال: عجل يا نصوح لا بد أن نصلي اليوم عند أبي النور .

وحين جاء نصوح وجده وقد تهيأ للصلاة عند باب الدار، ومشى معه إلى السيارة، وجعل يستحثه على السير ليدرك الجمعة من أولها .

وفي مسجد الشيخ أرسلان الدمشقي، جلس بين الناس يتأمل في مقابر رجال الله، الرابضة عند بوابة الشام، في رمز واضح الدلالة لطول رباطها وكفاحها وحراستها لهذه المدينة المجاهدة، أن تمتد لها يد كفر أثيمة، تماماً كما كان إذا رأى عدواً للدين يتحول من رجل وديع إلى قدرٍ ماضٍ يهدم أوهام الكفر بصوته الهادر، وكأنه كان بنظراته تلك يتخير لنفسه مكاناً يناسب جهاده وكفاحه عند بوابة الله جنوب دمشق، ذلك أنه كان في جهاده بالكلمة لنصرة القضايا الإسلامية أشبه الناس بأرسلان الدمشقي حامي بر الشام، فإنه أتى دمشق من بوابة الله، وهو جدير أن يتخذها له مربضاً كما تفعل الأسود حين تختار أجمتها .

إنه لا تدري نفس بأي أرض تموت، ولكن أليس من حكمة الله أن يزف أولياءه إليه كما يشتهون، ولو أن أمرأً تخير لنفسه ميتة يرضاها، لم يكن له خيار أسمى من هذا الخيار .

لقد مكث عاماً لا يشهد الجمعة، فلماذا اختار الجمعة اليوم ؟.. ولماذا اختارها في الشيخ أرسلان عند صديق روحه الشيخ أبو النور خورشيد .

لقد كان موعد لقائه مع الله، وكان اللائق أن يزف من قاعة الشرف المناسبة، وهي بلا ريب بيوت الله في الأرض .

وحين أكمل الخطيب الخطبة، كان الشيخ قد قر عيناً بكل شيء، ووافته الساعة الغراء في اليوم الأغر، الساعة التي لا يدعو فيها عبد إلا استجاب الله دعاءه وبوأه ما يرجوه .

وفي مسجد الشيخ أرسلان في باحة الأبطال عند بوابة دمشق الشرقية وخلال خطبة الجمعة حين هتف مؤذن الشيخ أرسلان للصلاة : الله أكبر، قال الشيخ عبد الرؤوف: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله .. ولحق بالرفيق الأعلى ..

 

جنازة الشيخ :

وعند صلاة العصر من يوم السبت 17/شوال/1418هـ الموافق 14/2/1998م احتشدت جماهير دمشق في مسجد الحسن بالميدان لتودع الشيخ عبد الرؤوف في مشهد مهيب يذكرك بعلماء الإسلام الكبار في سنيِّ المجد .

وحين حملت الجنازة على الأعناق، وضج حي الميدان بالتهليل والتكبير وصار لا يلمس النعش إلا من كان من أولي العزم وآتاه الله بسطة في الجسم، كنت أمشي بين أولاد الشيخ نذير ومحمد وأحمد، وذكرت يومذاك كلمة الإمام أحمد بن حنبل يوم قال لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز !… فإنها تبين لك أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.

وقلت يومها لأبنائه ما قاله الرشيد :

قال الرشيد لابنه يوصيه ها أنا ذا احتضرت
ستمر بعدي أنت من هذا الطريق كما مررت
ابني إن الموت نور في عيون المؤمنين
والنور هذا لا تشاهده عيون الكافرين

ولم أجد حين تكلمت في رثائه أصدق من كلمة حسان بن ثابت في رثاء رسول الله r :

كنت السواد لناظري فعمى علي الناظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر

 

(1)

الشيخ عبد الرؤوف مع بعض إخوانه من العلماء في قاعدة جامع تنكز

من اليمين: الشيخ أحمد الدقر، الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، الشيخ علي الجمّال من علماء الشيعة

 

(2)

الشيخ عبد الرؤوف أبو يصحب وفد القيادات المصرية الذي يزور المسجد الأموي

لقد كان يشارك في سائر نشاطات الوحدة بين سوريا ومصر

 

(3)

الشيخ عبد الرؤوف في إحدى الحملات الانتخابية

كان ناخبوه مزيجاً من الأجيال، فيهم الإرث الماضي والأمل الواعد

 

(4)

الشيخ عبد الرؤوف مع مجموعة من علماء الجمعية الغراء

من اليمين: الشيخ أحمد الدقر، ثم الشيخ عبد الرؤوف، ثم الشيخ درويش مشلح .

ومن الواقفين الشيخ صلاح عقلة، والشيخ عبد الحميد الحجازي .

 

(5)

آخر صورة التقطت للشيخ عبد الرؤوف أبو طوق قبل وفاته بشهرين

 

 (6)

الشيخ عبد الرؤوف في بعض مشاوراته في مجلس الشعب، ويبدو في الصف الخلفي

العلامة الشيخ مصطفى الزرقا .

كان يجتهد دوماً في التنسيق مع نواب العشائر لتقوية المشروع الإسلامي

(7)

الشيخ عبد الرؤوف مع سماحة الشيخ أحمد كفتارو والشيخ عبد الرحمن الخير خلال استقبال الزعيم الإيراني هاشمي رفسنجاني الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لإيران.

 

(8)

ومن تكن برسول الله نصرته              إن تلقه الأُسْد في آجامها تجم

في زيارة له  إلى القاهرة

 

(9)

خلال حفل خاص في الزبداني أقامه السيد عبد الغني الحفار تكريماً للسيد محمد الحبش لمناسبة نيله الدكتوراه في الشريعة

يبدو في الصورة سماحة الشيخ أحمد كفتارو، ثم الشيخ عبد الرؤوف، وكذلك السيد توفيق الغميان

كان الشيخ عبد الرؤوف لا ينقطع عن المشاركة في تشجيع طلبة العلم على الرغم من تقدمه في السن ووهن قوته .

 

(10)

في حفل زفاف الأخ محمد الحبش

في الصف الأول من اليمين: محمد الحبش، سماحة المفتي العام الشيخ أحمد كفتارو، الشيخ عبد الرؤوف، الشيخ أبو النور خورشيد .

في الصف الثاني من اليمين: د. زياد الأيوبي، د. محمود كفتارو، فضل كفتارو

 

(11)

وفد القيادة المشتركة لدى زيارة لهم إلى سوريا خلال أيام الوحدة

الشيخ أمين الحسيني أمين المؤتمر العالمي للقدس، وإلى يمينه الشيخ عبد الرؤوف، ثم الأمير عبد الكريم الخطابي أحد أبرز قادة الثورة المغربية في مراكش .

(12)

في المجلس النيابي السوري، يتحدث مع بعض أعضاء المجلس

بين السيدين إسماعيل قولي وعلي بوظو، ويرى في جانب الصورة الأيمن الدكتور معروف الدواليبي رئيس الوزراء آنذاك

 

(13)

في إحدى حفلات تخريج الدعاة بمجمع أبي النور الإسلامي

مع سماحة الشيخ أحمد كفتارو، ويبدو خلفهما الدكتور محمود كفتارو المدير العام للمجمع الإسلامي.

إن حال الصفاء و الود التي كانت بين العارفين الجليلين نموذج رائع لما ينبغي أن تكون عليه أحوال العلماء .

 

(14)

على باب مجلس الشعب السوري في الخمسينات

الشيخ أبو طوق يمسك مكبر الصوت والشيخ أحمد كفتارو يتحدث

إنه التكامل الرائع بين رجال الدعوة في خدمة الأمة وإيصال صوت الحق

ويبدو في الجلوس الشيخ السيد مكي الكتاني، والشيخ إبراهيم الغلاييني، وفي الواقفين الشيخ محمد رشيد الخطيب، والشيخ رجب ديب

 

 

ترتيب الصور: صورة الغلاف ثم: 3 – 11 – 12 – 8 – 14 – 2- 1 – 7 – 13 – 10 – 9 – 5

 

 

 

الفـهــرس

 

 

الموضوع                                       صفحة

الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق في سطور…………………… 7

وحدة العمل الإسلامي……………………… بقلم سماحة الشيخ أحمد كفتارو  9

الإنسان الكامل      كلمة مختارة من تراث الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق    14

المربي الداعية       بقلم الأستاذ عبد الرحمن عرار………… 24

العالم الداعية       بقلم الشيخ منذر الدقر………………. 40

هذا خالي            بقلم الأستاذ محي الدين مستو …………  46

كفاح منبر            إعداد الدكتور محمد الحبش ………….  62

الفهرس…………………………………………. 104

 

([1]) آمّين محافظات سورية ولبنان .

([2]) رواه الترمذي في المناقب رقم (3985) مناقب سعد بن مالك، وكان سعد بن أبي وقّاص من بني زُهرة، وكانت أم النبي r عن بني زهرة، ولذلك قال النبي r: «هذا خالي».

 

 

تحميل الملف كفاح منبر

اضف رد