كفاح الانبياء

كفاح الأنبياء

من أجل الحرية والاستقلال

 

 

خطبة الجمعة في يوم عيد الجلاء

جامع الزهراء 18/4/2008

ترتكز فكرة الخطبة على الدور الإنقاذي الذي قام به أصحاب الرسول الأعظم في تحقيق استقلال بلاد الشام، وتعزيز الروابط بين الجانب الديني والجانب الوطني

 

أيها الإخوة والأحبة

مرَّ أمس يوم الجلاء، والاستقلال يعني المجد كله في ضمير من يسكن تراب هذا الوطن، وقد يبدو لأول وهلة غريباً أن تتحدث خطبة الجمعة عن يومٍ وطني، لم يرد ذكره في الكتاب والسنة، لأننا تعودنا أن نفصل بين الوطني والديني، وهذا كله من سراب الأوهام التي فصلت جهادنا وشتت طاقاتنا وصرَّمت وحدتنا.

وإذ أتحدث عن يوم الجلاء، عن يوم الاستقلال، فأنا لست بعيداً عن هدي الأنبياء، وهل كان الأنبياء إلا أبطالاً للحرية والنور والخير، إن يوم الجلاء ليس مقتصراً على الذين يحملون الرقم الوطني وبطاقة الهوية الوطنية، بل هو أيضاً لكل تاريخ هذه الأرض ومن مر بها من صالحين وأنبياء وأولياء وأصفياء، هنا في سوريا لا يمكننا أن نتحدث عن استقلال بلادنا دون أن نتذكر فيها دور الأنبياء، إنها الأرض التي شاء الله عز وجل أن تكون فسطاطاً للناس يوم الملحمة الكبرى، في أرض يُقال لها دمشق في غوطتها هي خير مدائن الله يومئذ، طوبى لمن كان له بها موطئ قدم أو موضع سوط.

وإذ أتحدث عن هذا اليوم فإننا نتذكر عادةً أبطال الاستقلال الذين نقرأ عنهم في الكتب والصحف، نتحدث عن حسن الخراط وعن إبراهيم هنانو وعن صالح العلي وعن سلطان الأطرش وعن حسن مريود وعن محمد الأشمر، ولكن يغيب في غمار ذلك كله الحديث عن أبطال الاستقلال الأوائل الذين رووا بلاد الشام بدمائهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله  عليه وسلم، ويغيب قبل ذلك عن خاطرنا أيضاً تاريخ الأنبياء الذين كانوا أيضاً ملاحم هدىً ونور وعلموا الدنيا نسمة الحرية وكانوا يصلون ما بين الخلق والخالق.

إننا ندرس الأنبياء عادة على أنهم دعاة إلى التوحيد والإيمان، وهذا أساس دعوتهم وغاية رسالتهم ولكن في غمار ذلك يجب أن لا ننسى أيضاً أن الأنبياء هم أيضاً دعاة استقلال وحرية، ودعاة وحدة وجماعة، وأنهم كانوا يقومون برسالتهم على الأرض كما يقوم بها كل قادة الكفاح خلال تاريخ الإنسانية الطويل.

عندما بُعث موسى بن عمران عليه السلام لم تكن رسالته تقتصر على الدعوة إلى التوحيد والإيمان، إن علينا أن نقرأ القرآن الكرم لنفهم تماماً غايات رسالة موسى بن عمران عليه سلام الله، نقرأه رجلاً يرتل للناس التوراة وهذا صحيح، وكان يخلو بربه في جبل الطور يشقّق المحراب من طول سجوده، يختار من قومه سبعين رجلاً لميقات ربه، ولكن علينا أيضاً أن نقرأ في القرآن أن رسالته أيضاً كانت إنجاز الحرية لشعبه }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ { [إبراهيم: 5] وكان موسى يقود رجاله المستضعفين الذين واجهوا بغي فرعون واضطهاده وظلمه، لقد وصف القرآن الكريم المظالم التي كان فرعون يمارسها ضد شعب موسى كل يوم }يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين{

هنا كانت رسالة موسى لا تقف عند حدود نصب المحراب وبناء المنبر، لا تقف عند حدود ترتيل النصوص، وإنما كانت رسالته أن يوحد شعبه وأن ينطلق في ثورته وأن يجأر في وجه فرعون: إنما ربكم الله، إنما إلهكم الله الذي خلقكم، إنه لا إله إلا الله، كان عليه أن يجأر في وجه الفرعون } وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ { [الشعراء:22] كانت رسالته أن يُخرج المستضعفين من المظالم وأن يقيم لهم دولةً وكياناً وأمة وهو ما أنجزه بكفاءة واقتدار بعد تاريخ طويل من الكفاح، كان فيه مظاهرات ومواجهات وسجون، وبرمجة وتخطيط وإعداد، وصبر وكفاح، وتسلل وخروج حتى تم له إنقاذ قومه من ربقة الاستعباد والقهر } وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ { [الأعراف: 137]

إن هذه النصوص التي تشبه بلاغات الثورات المنتصرة، تشبه إعلانات الثورات الظافرة، في يوم انتصارها هي نصوص القرآن، نرتلها في المحراب وعلينا أن نكتشف من خلالها وفي غمارها كفاح الأنبياء في سبيل تحرير شعوبهم، في سبيل بناء الأرض، في سبيل إنجاز العدالة } وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ # وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ { [القصص: 5-6] هل أبالغ في شيءٍ إذا قلنا أن موسى كان بطل استقلال، كان بطل حرية، أليس هؤلاء الأنبياء هم من جاؤوا ليكسروا الأوهام والأصنام ويخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، إنها رسالة تحرر، رسالة ثورة، رسالة أخرجت البشر من العبودية إلى الحرية هي رسالة جلاء واستقلال.

عيسى ابن مريم روح الله الطاهرة هل كان أيضاً محض رجل محراب وتراتيل؟ إننا للأسف لا نعرف في حياته إلا طرفاً من هذا المعنى، ونقدمه للناس كما لو كان درويشاً من دراويش الصوفية الذين يدورون في حلقات القوم ومجالسهم، لقد كان حقاً يعلم الناس في عبادته وصلاته، ولكنه أيضاً كان يحمل مشروع إنقاذ، وقد عمل بجدٍ ونشاط وتضحية لإنقاذ شعبه ونشر الوعي والتنوير في خراف بني إسرائيل الضالة، ومع أنه رحل من الدنيا في الثالثة والثلاثين ولكن ملامح الثورة كانت في وجوده وهو يرى العناء الذي يكابده قومه من المستعمر الرومي، وذات يومٍ دخل عليهم وهو المعروف بالرحمة والإحسان دخل عليهم غاضباً إلى الهيكل، دخل على اليهود وقلب عليهم الموائد وقال لهم: الويل لكم أيها الكهنة والكتبة والفريسيون يا أولاد الأفاعي ثم نظر إليهم وهم يتاجرون بالدين ويستعبدون الناس ويبتزونهم فكانت رسالته في تحرير شعبه تماماً كرسالته في الهداية إلى الله، كانت رسالته في الحرية كرسالته في الدعوة إلى الله.

نظر في وجوه أولئك الأشرار الذين كانوا يستضعفون قومه ويبتزون عقولهم وأموالهم وقال لهم: الويل لكم يا أولاد الأفاعي!! من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي!! فاصنعوا ثماراً تليق بالتوبة! ولا تفتكروا أن تقولوا إن لنا إبراهيم أبا فإن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم!! ثم نظر إليهم وهو الرجل المعروف ببسمته الوادعة وعينه الدافئة وقلبه الحنون، وقال لهم: أيها الأشرار يا أولاد الأفاعي، الآن وضعت الفأس على أصل الشجرة فكل شجرةٍ لا تثمر جيداً تُقطع وتُلقى في النار، ثم نظر إليهم بعينٍ حاميةٍ وقال: ما جئت لألقي سلاماً جئت لألقي سيفاً، أراد أن يقول إنني تماماً كما أنا رسول المحبة فأنا أيضاً رسول الحرية لشعبي، رسول الكرامة لشعبي، رسول الاستقلال.

ووَضع الندى في موضع السيف بالعلا      مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

 

إن قراءتنا لتاريخ الأنبياء يغيب عنها عادة هذا الجانب الإنساني من الكفاح، بل إننا في كثير من الأحيان نتهم من يظهر الكفاح البشري للأنبياء بأنه ماض نحو علمنة الإسلام، ونزع رسالة الغيب ونور الوحي عن منهج الأنبياء، والحق أن تحقيق التكامل بين خطاب الإيمان وخطاب الثورة، وبين بناء الدنيا وبناء الآخرة هو أفضل طريق لفهم رسالة الأنبياء ونشر نورهم.

لقد أظهر القرآن الكريم هذه الحقيقة بأوضح عبارة حين قال: } لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ { [الحديد: 25] هذه الآية فيها تاريخ النبوات ومقاصد النبوات، نقرأها في صريح القرآن تحت عناوين كبيرة: العدل والقسط والقيام بين الناس بالميزان، وهل أهداف الثورة والحرية والاستقلال إلا هذا؟

ها نحن نستعرض الكفاح الوطني في تاريخ الأنبياء، وهو أمر ينطبق على كفاح كل نبي، ويمكن التماسه من القرآن الكريم جلياً واضحاً في نضال داود وسليمان وهارون ودانيال وطالوت، وهو ما جعل اليهود يطلقون عليهم اسم الملوك، ولا يدركون حقيقة التكامل بين بناء الدنيا والدين وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، وباختصار فإن بناء الحرية والاستقلال والكرامة يمكن متابعته بدقة من خلال النضال المتواصل للأنبياء موسى وهارون وخليفة موسى يوشع بن نون إلى أن انتصرت الثورة على يد داود وازدهرت الدولة على يد سليمان الذي كان يطلب الملوك فتأتيه في ساعة من ليل أو نهار لا تؤخرها عن عروشها إلا مسافة الطريق، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، وحين تم له نصر الله قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

أيها الإخوة والأحبة:

إذا عدنا إلى وطننا الغالي سوريا وإلى أرضنا في بلاد الشام، وهو الاسم التاريخي لهذا الوطن الذي يمتد من جبال طوروس إلى عريش مصر، وتدخل فيه سوريا والأردن ولبنان وفلسطين وجزء من سيناء، هذه الأرض المباركة التي سماها الناس بلاد الشام، إننا نتحدث عن أبطال استقلالها اليوم ولكن علينا أن نقرأ من السطر الأول تاريخ الاستقلال العظيم في بلاد الشام، وأيا كانت قراءتك لسيرة النبي الأ‘ظم فيجب أن لا نتردد في القول إن رسول الله r هو أول بطل استقلال للشام!!

لقد أنجز رسالته في الجزيرة ووحّد وطنه وأخرج الغاصب المعتدي منه، ولكن الوطن الوحيد الذي ظل في خاطره على فراش موته يوصي به هو بلاد الشام، لا نعرف أن رسول الله خرج بجيشٍ من الحجاز إلا صوب الشام، لم يرسل جيشاً إلى العراق، ولم يخرج بجيشه إلى اليمن، ولم يذهب إلى مصر، وإنما سار صوب الشام، لقد كان يحبكم يا أهل الشام، كان يدرك العناء الذي كابده أهل الشام، لقد قامت الشام ببناء أول حضاراتٍ بتاريخ الإنسان من رأس شمرا إلى الكلدانيين إلى الآشوريين إلى الحضارات المتعاقبة التي قامت هنا،و لكن فيما بعد تسلطت عليها أطماع الغرباء، وبدأ الغزو اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم كان الغزو الفارسي الساساني ثم كان الغزو الروماني، ثم كان الغزو الرومي البيزنطي، فهذه أربع مراحل من الاستعمار ظلت فوق بلاد الشام تكتم أنفاسها ولا تسمح للسوري أن ينهض.

كان المستعمر الرومي لا يرى في سوريا إلا مزرعة لأطماعه وترفه وبغيه، كان المستعمر في بيزنطة يرسل جباته ليجلدوا ظهور العباد ويضربوا أبشارهم ويأخذوا أموالهم، ولم يكن للشام من ثروتها نصيب، كان رسول الله يدرك ذلك كله، وكان يدرك أن عليه أن يحرر بلاد الشام من المستعمر الرومي، حتى يحكم العرب أرضهم، لم يغب عن باله تجربة الوحدة والتحرر في سورية، وحق أبناء الشام الشريف في قيام حريتهم ودولتهم واستقلالهم.

قبل مبعثه r بمائتي عام قام السوري الجبار أذينة بمحاولة للاستقلال والثورة والتحرر في قلب الصحراء، وهناك بنى مدينةً معجزة تثبت أن السوري قادر أن ينهض، ثم جاءت زوجته زنوبيا وهي عربية صريحة، واسمها زينب بنت سليم بن عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة ابن السميدع بن يزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وهي عربية آرامية سورية، قامت زنوبيا بتوسيع مملكة تدمر وأعادت اعتبارها على كل أرض الشام، وحررت مدن الشام الكبرى حمص ودمشق وأنطاكية من يد الروم، وأعلنت حق أهل الشام في السيادة على أرضهم وحكم بلادهم، ولكن ماذا كانت النتيجة؟

الاستبداد رفض إرادة الاستقلال بحزم، ووصل أورليانوس نفسه إمبراطور الروم من روما على رأس جيشٍ عرمرم، ولم يتوقف عن مغامرته الآثمة حتى بلغ تدمر وحاصرها وأخذ زنوبيا أسيرة إلى روما، تريد أوروبا أن تقول: ممنوع على السوري أن ينهض، ممنوع لسوريا أن ترى الحرية، كان هذا هو خطاب المستعمر بوجهه المربع ساسانياً ويونانياً ورمانياً ورومياً، وفي هذا السياق كانت جيوش أوربا تغزو بلادنا وتحول دون أي إرادة في التحرير والاستقلال.

في تاريخ سوريا محاولات كثيرة لأبناء سورية في الاستقلال والحرية ولكنها دوماً كانت تصطدم بإرادة المستعمر وهيهات للمستبد أن يمن بالحرية على الناس

وللحرية الحمراء باب    بكل يد مضرجة يدق

ولكن رسول الله r قال شيئاً آخر من أجل عيون الشام قال: ((الشام فسطاط المسلمين )) ونظر بعينه صوب الشام وقال: (( اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا )) وأرسل أول كتيبة تحرير إلى أرض الشام لتذهب عن الروم وساوس الشيطان، وليقرع أورليانوس بخالد بن الوليد وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، كانت أول كتيبة لتحرير الشام كتيبة أرسلها المصطفى r يرأسها زيد بن حارثة فإن مات فجعفر بن أبي طالب فإن مات فعبد الله بن رواحة، هذا الفريق الأول من قادة الاستقلال ينبغي أن لا يغيب عن أي خطبة استقلالٍ تلقى في مدارس سوريا، وصل الركب إلى مؤتة في الأردن، وأرسل الرومان إلى مواجهة هذه الكتيبة التي كانت أشبه بكتائب الدعوة تتألف من ألفي رجل، أرسل الرومان لمواجهة هذه الكتيبة الصغيرة جيشاً فيه 150 ألف مقاتل!! ممنوع تحرير سوريا!! ممنوع استقلال سوريا، وصمد الرجال وقضى الزعماء الثلاثة شهيداً تلو الآخر ولا تزال مراقدهم اليوم في الأردن جنوب حوران في مؤتة، لا تزال مراقدهم حاضرة شاهدة، إنهم أول أبطال استقلال في تاريخ سوريا، ومع أن الجيش تمكن من الانسحاب بعد ذلك بحكمة خالد، ونجا من هذا الجيش العرمرم، وحين تلقاهم الناس ساخطين من عودتهم دون تحرير سوريا وقالوا لهم أنتم الفرارون!! دافع عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدراً جهادهم وتضحيتهم وقال: أنتم الكرارون أنتم فئة الله ورسوله

شرف الوثبة أن ترضي العلا    غلب الواثب أم لم يغلب

ثم دعا أصحابه ليخرجوا في جيش كبير، كان هو r على رأس الجيش، وتحرك الجيش وفيه ثلاثون ألفاً بقيادة رسول الله حتى وصل إلى مدينة تبوك على حدود الأردن، ولم يشأ له القدر أن يستأنف إلى الشام، وحين عاد إلى المدينة، جهز الجيش الثالث من أجل تحرير الشام، لقد كان يؤلمه ويبكيه هذا البغي الروماني، كان يسمع ما صنع السوري في تدمر، ما صنع السوري في إيبلا، ما صنع السوري في بصرى، وكان يعلم ما صنعه الرومان بكل طموح سوري من أجل التحرير والاستقلال، أرسل رسول الله جيشاً ثالثاً بقيادة أسامة بن زيد، وجعل عن ميمنته أبا بكر وعن ميسرته عمر لفتح الشام، وهو رجل كان يدفعه حب الشام وحب رسول الله وحب الثأر لأبيه زيد بن حارثة الذي قتله الروم في أول حملة استقلال يوم مؤتة.

مات رسول الله وهو يقول أنفذوا بعث أسامة!! أريد أن أرى الإيمان في سوريا!! أريد أن أرى الشام حرة!! أريد أن أرى سوريا حرة، أريد لسوريا أن يحكمها أبناؤها وأن يرحل المحتل الروماني، مات رسول الله وتحرك جيش أسامة ووصل إلى البلقاء من الأردن وهناك كانت أول منازلة بعد رسول الله بين المسلمين العرب وبين الروم، ولكن ذلك لم يكن إلا محض مقدمات، حين جاء جيش الفتح الإسلامي كان وثيق الاتصال بالشرفاء من العرب المسيحيين الذين عانوا من ظلم الروم وبطش الروم، وبدأت عملية تحرير سوريا واستقلالها وعلينا أن نتذكر الأبطال الكبار الذين تمكنوا هنا من أن يدخلوا المدائن ويخرجوا منها المستعمر الرومي واجتهدوا أن لا تراق الدماء في الناس، كانت أياماً فاصلةً في اليرموك وفي أجنادين مع الرومي المحتل، أما الناس فرحبوا بالإسلام.

إن علينا أن نتذكر أبطال الاستقلال الذين أخرجوا سورية من عناء الظلم الرومي الذي استمر مع أشكال الاستعمار الأربعة، لم يسمح خلالها للسوري أن يرفع رأسه، هنا في دمشق علينا أن نتذكر أبطال الاستقلال الأوائل أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، هؤلاء الرجال هم الذين وثبوا على أسوار دمشق ليخرجوا منها حاكم الروم نسطاس بن نسطورس حين وقف على أعتاب دمشق، قال: وداعاً يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده، لأنه كان يعلم أنها ليست بأرضه ولا بأرض أبيه!!

أبطال الاستقلال الأوائل ينبغي أن يسكنوا ضمائرنا كلما تحدثنا عن يوم الجلاء، وعلى كل سوري أن يكون وفياً بأبطال استقلال سوريا الأوائل الذين نشروا فيها الحرية والإيمان:

علينا أن نتذكر خالد بن الوليد فاتح دمشق وفاتح بعلبك..

وأبا عبيدة بن الجراح قائد جيوش الفتح وفاتح الشام وحمص وحماة….

وأن نتذكر النعمان بن بشير فاتح معرة النعمان….

وأن نتذكر عياض بن غنم فاتح حلب….

وأن نتذكر عبادة بن الصامت فاتح طرطوس وبانياس واللاذقية…..

وأن نتذكر سليمان بن ربيعة فاتح منبج..

وحذيفة بن اليمان فاتح الفرات..

وعمر بن سعد فاتح رأس العين..

وعثمان بن حنيف فاتح دجلة..

وأبا موسى الأشعري فاتح نصيبين والقامشلي…

وحبيب بن مسلمة فاتح أنطاكية…

وأبو الزهراء القشيري فاتح حوران…

ودحية بن خليفة الكلبي نزيل المزة وجار جامع الزهراء فاتح تدمر…

وشرحبيل بن حسنة فاتح الأردن…

وعلقمة بن حكيم فاتح الرملة…

وعلقمة بن مجزر فاتح القدس على يد أبي عبيدة…

ولا أشك أن كثيراً من أبطال الفتح لم تذكر أسماؤهم في التاريخ بما يليق، ولا شك أن الله وحده هو من ينصف هؤلاء وينزلهم منازلهم في المجد والخير والعطاء، وإذا غفلت عنهم مصارد الأرض فلا ريب أن الله لا يضيع أجر المحسنين.

يستحق هؤلاء الرجال أن تكون لهم النصب وأن يتحدث عنهم الناس بالمجد، كلما تحدثنا عن تاريخ سوريا بعدالة وحِيَدة.

واسمحوا لي من على المنبر أن أروي تصريحاً شجاعاً لبطرك الشام السرياني (عيواظ) عندما تحدث بوضوح قال: إن الإسلام هو الذي حررنا من بطش الروم، كنا نحن مهددين في مسيحيتنا هنا، حين جاء أصحاب محمد وجدنا حريتنا، ووجدنا تحررنا الديني.

إنه معنى يشترك فيه كل منصف في استقلال سوريا، أيها الإخوة إن إيرادي لأسماء هؤلاء الرجال وكفاحهم في صفحات التاريخ لا يعني أنني أتنكر لقادة الجلاء من أبناء وطني، ولا يعني أني لا أعرف ما بذله الرجال الذين قاوموا فرنسا وألهبوا سوريا من العرب إلى جبل حلب بالثورة والفداء، إنني سعيد أن أرى جبل ميسلون الذي يحكي قصة استقلال سوريا ويحتضن الجسد الطاهر ليوسف العظمة أبرز أبطال استقلال سوريا في العصر الحديث، وكذلك قادة المقاومة والثورة سلطان باشا الأطرش وابراهيم هنانو وصالح العلي وحسن الخراط وغيرهم من المجاهدين الأبرار، ولكنني حرصت اليوم أن أرسم اللوحة كاملة، ليدرك كل سوري أن حكاية استقلالنا هنا في سوريا تبدأ على يد بطلٍ عظيم هو محمد صلى الله عليه وسلم.

إننا مدينون بلساننا العربي لرسول الله محمد، وباستقلالنا الوطني لرسول الله محمد، ومدينون بدورنا الحضاري لرسول الله محمد الذي جاء إكمالاً لرسالة الأنبياء من قبله.

أيها الإخوة والأحبة:

إني أرجو أن نكون فيما قدمناه اليوم قد خطونا خطوة أخرى باتجاه التقريب بين ما هو إيماني وبين ما هو وطني في هذا البلد، يجب أن ندرك تماماً أننا بالوطنية والإيمان، نرسم صورة سوريا، وهكذا ينبغي أن تبقى تماماً كما أرادها رسول الله فسطاطاً للناس، يأمن فيه الناس يوم الملحمة الكبرى.

اللهم اجعلنا أوفياء لحبيبنا رسول الله، اللهم اجعلنا أوفياء لرسالته r ومن علينا بالإحسان والإنعام والإكرام وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.

 

 

تحميل الملف كفاح الأنبياء من أجل الاستقلال

اضف رد