د.محمد حبش-ساعات فاصلة… على حافة الحرب.. في سوريا

كان من الممكن أن نبقى مع هذا النظام، فقد استطاع أن يحافظ على الاستقرار أحد عشر عاماً في منطقة ملتهبة بالخوف والدم، فمنذ أحداث أيلول 2001 اشتعلت الحروب في المنطقة، واستطاع السوريون أن يتجبنوا نار هذه الحروب، ومرد ذلك بشكل رئيسي للقيادات الاجتماعية والدينية في سوريا التي نجحت في بناء ثقافة الاعتدال، وكان للنظام دور في ذلك حيث اكتفى بالبعبعة والصخب ولم يصدر أوامر عسكرية للتحرك في اي اتجاه…..
عشر سنوات وأكثر من حكم الاسد الابن كانت كافية ليقول الناس إنه ليس مسؤولاً عن جرائم أبيه، وإنه صفحة جديدة من الحياة المستقرة والهادئة للسوريين.
لم يكن هناك ديمقراطية ولا ما يحزنون، ولكن كان هناك عيش واستقرار وأمن، وكان المزاج الشعبي القبول بالراهن السياسي، على أساس ملكية دستورية غير معلنة، ولو سألت أي سوري خلالئذ لقال لك: الحكم لبيت الأسد، والناس عايشة.
نحن الآن نشبه الملايين من السوريين الذين يعيشون في الخليج في ظل أنظمة ملكية، لا ديمقراطية فيها، ولكن لا أعتقد أن أحداً من السوريين ولا الخليجيين يفكر بتغيير المشهد طالما أنه يعيش بكرامة واستقرار، وهكذا كانت صورة الحال في سوريا.
ربما كان هذا الموقف أنانياً لجهة أنه يتجاهل عناء المئات من السجناء السياسيين الذين عارضوا النظام بجرأة فزجهم في السجون وكذلك عشرات الآلاف من الأكراد الذين كانوا قد حرموا من الجنسية السورية طيلة أربعين عاماً، ولكنه على كل حال كان قناعة كثير من السوريين، وكان الناس عموماً يتقبلون فكرة انتقاص المزايا في سبيل المواجهة.
شخصياً كنت أمارس المعارضة السياسية ولكن في إطار النظام، لم أكن معجباً بأداء الحكومات المتعاقبة وكنت على يقين أن الحكومات لا تستطيع تغيير الواقع طالما ليس هناك إذن سياسي من الرئيس، ولكنني أعترف أنني لم اتوقع ولم أتخيل هذا الحجم من الوحشية والإجرام لدى أركان هذا النظام، وكنت اعتقد أنه لو انتفض الشعب فإن النظام سيقوم بمعالجة الأمر بأسلوب براغماتي ولن يتحمل الرئيس أن يبقى في السلطة إذا نزفت الدماء، وكنت أظنه سيختار الرحيل الكريم معززاً مكرماً، وسيبقى في موقع قيادي اجتماعي وسرعان ما يعود للحكم على مراكب الديمقراطية!!! هكذا كانت أحلامي وتصوراتي التي لم يحالفها التوفيق في شيء!!!!
كانت آخر فرص النجاة لسوريا هي مؤتمر الحوار الوطني في تموز 2011، ركزت في كلمتي على مطلب الشارع بأن سبب الثورة الحقيقي هو الظلم والاعتقالات والدور الأمني المتغول في البلد، وأن علينا أن نضع حداُ لهذا التغول.
إن أصدقاءنا في المعارضة لم يحضروا معنا وقد كنا نتمنى منهم الحضور، ولكن يجب احترام موقفهم لانه يستند إلى أساس أخلاقي متين… فالنظام لم يتوقف عن استخدام السلاح الثقيل ولا حتى ليوم واحد بغية إنجاح هذا الحوار، لقد أصر على الحل الأمني، واستمر إطلاق الرصاص في حمص وبانياس ودرعا خلال جلسات المؤتمر الأمر الذي تم تفسيره تلقائيأً بأن النظام غير جاد بحل شيء من الكارثة.
على حد قول فرويد نحن نسعى لتجنب الألم أكثر من سعينا لان نجد السعادة!..
وكانت قناعتي أن كل المطالب مؤجلة حتى وقف تغول النظام وعنفه وفساده، كما قال تولستوي: إن الحرب التي تشنها الدولة تفسد الناس في عام واحد أكثر مما تفسدهم ملايين جرائم النهب والقتل التي يرتكبها الأفراد في عشرات السنين.
فقد اقتصرت مطالبتي على أن يتم وقف العلمليات الحربية ومنع الجيش من الانخراط في المعارك في المدن، والإفراج عن جميع المعتقلين من سجناء الرأي ومن بعدهم سجناء الأزمة…. وكان السبيل إلى تحقيق ذلك هو تأسيس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان، وهذا المجلس من مهمته أن يذهب إلى كل مكان يهان فيه السوريون، وكان إصراري على أن تكون للمجلس سلطة رقابية وتفتيشية حقيقية على الجيش والأمن والمخابرات، وأن يتولى رئاسته شخصية بارزة من المعارضة وخاصة من أولئك الذين ذاقوا مهانات المخابرات في فروع الأمن وسجون النظام.
كما طالبت بصراحة بإلغاء المادة الثامنة التي يحتكر فيها البعث السلطة، وإلغاء المادة 84 التي تحصر ترشيح رئيس الجمهورية بحزب البعث، وطالبت بالتحول إلى نظام ديمقراطي تعددي، وطالبت كذلك بإلغاء القانون 49 الذي يقضي بإعدام الإخوان المسلمين وهو قانون همجي ليس له نظير في العالم، حيث يحكم بالموت على من ينتسب لحزب سياسي، وهي مطالبة كررتها عشرات المرات في مجلس الشعب ووسائل الإعلام المحلية والدولية.
كنت سعيداً بما قلته في المؤتمر وقد نقلته كل وسائل الإعلام وهو موجود على اليوتيوب بكثرة، ولكنه كان صادماً تماماً لفريق السلطة الذي رأى في ذلك تجاوزاً لكل الخطوط الحمر، ولكن كثيراً منهم ظلوا يتحفظون ويفترضون وجود ضوء أخضر من الرئيس لرفع سقف الحوار!!.
تطورت الأمور بشكل إيجابي وتولى السيد السفير الياس نجمة صياغة البيان الختامي وبعد جدل صاعق تم بالفعل إقرار هذه المطالب كلها في توصيات المؤتمر.
كان الأمل حقيقياً في تجاوز الأزمة، ومع أنني لا أعلم الغيب ولكن الطريقة الوحيدة للتنبؤ بالمستقبل هو أن يكون لديك القدرة على صنعه، وهكذا كان وأعلن الرئيس بشار أنه مستعد لتحويل هذه التوصيات إلى مراسيم!!! وأعلن فاروق الشرع مراراً قال لي السيد الرئيس أعطوني توصياتكم وأنا أحولها إلى مراسيم.
لم تكن سوريا تحتاج أكثر من هذا لتتجاوز الأزمة، وبالفعل فقد تم إقرار ذلك كله، وأنجزت لجنة الصياغة المطلوب، ووضعت الأوراق على الطاولة…
قرأ فاروق الشرع التوصيات وشعر بأنها أكبر من تفويضه، وأن عليه ألا يتعجل، واستأذن لمدة ربع ساعة، دخل خلالها ومعه مسودة التوصيات إلى غرفة خاصة وأجرى اتصاله بالأسد..
لم أتوقع أن يخرح الرجل ومعه موافقة الأسد لأن المطالب كانت عالية جداً، وقد اعترض عليها بشراسة أعضاء بارزون في حزب البعث، ومنهم عمران الزعبي وعمار ساعاتي وشعبان عزوز… بالمناسبة تم تعيين الأول وزيراً للإعلام والثاني والثالث عضوين جديدن في القيادة القطرية !!
بصراحة كانت أكثر أربع وعشرين ساعة طافحة بالأمل في حياة هذه الثورة فقد أعلن الأسد أنه سيحول توصياتنا إلى مراسيم وكنت على يقين أن حصول ذلك يعني انتهاء الأزمة.

لم تمض إلا ساعات قليلة حتى كان محمد حمشو في بيتي بعين الخضراء وهو صديق قديم ولكنه كان خصمي في الانتخابات الأخيرة، وما قصرنا بحق بعض في المعركة الانتخابية، وقال لي بالحرف الرئيس غضبان منك، وقالوا له أنك تجاوزت كل الخطوط الحمر!!
قلت له: أعلم بالطبع أنني تجاوزت كل خطوط الحزب والأمن والمخابرات، ولكن يجب القول كما قال ديزموند توتو أنك إذا كنت محايدا في حالات الظلم فقد اخترت أن تكون بجانب الظالم!! ونحن هنا من أجل أن نتخلص من هذ التغول الأمني وكنت على يقين أنهم سيغضبون ولم أكن أنتظر ثناءهم، ولكنني كنت أتصور أن الرئيس سيفرح بذلك لأنه يحتاج إلى موقفنا الجريء ليواجه به الأمن والجيش ويقول لهم يجب ان نحترم الشارع ونستجيب له.
كانت المفاجأة أن الرجل لا يفكر أبداً بهذه الطريقة، وبعد اتصالات متعددة مع الرئيس، قال لي الناس فهمتك غلط وعليك أن تصحح!! وبالطبع تولى السيد محمد حمشو ترجمة ذلك عبر قناة الدنيا التي كانت قد استنفرت بالكامل بكل كوادرها للقاء صارم لرد هذا الطير الآبق عن سربه، وقد تولت الحوار المذيعة هناء الصالح.
تلقت هناء توجيهاً صارماً بأن لا تستقبل اي اتصال، فقد كان هناك انقسام عنيف في الشارع، فهناك من وقف مع مطالب المؤتمر وأيدها، وهناك من رفضها بالمطلق وتم تصنيفنا خونة وانتهازيين، وكان من الممكن أن تكون الاتصالات نارية ومحرجة، وكلمني السيد العميد حسام سكر مدير مكتب الرئيس وقال لي بالحرف الواحد الرئيس يتابعك في كل كلمة، وهو ينتظرك بعد ساعة في مكتبه..
وعلى الرغم من الجو المتوتر فقد قدمت الحلقة وأنا في غاية التفاؤل وقناعتي أن الحل قادم، وأن المعتقلين سيجدون رياح الحرية خلال الساعات القادمة، وأن المجرمين الذين عذبوا الأطفال في درعا سيحاكمون، وأن أوامر صارمة قد أعطيت للجيش لسحب الدبابات من المدن كما قال لي فاروق الشرع، وأن سوريا ذاهبة الى مجلس أعلى لحقوق الإنسان، وتعديل الدستور وكنت سعيداً أن يتم هذا الاصلاح كله على يد بشار الأسد فهذه أفضل طريقة لتجنب لخراب والفوضى في سوريا.
قلت يومها في سكاي نيوز الأمريكية: يجب أن تتم هذه الاصلاحات مع الرئيس بشار، في هذه اللحظة ليس من مصلحة سوريا أن يرحل، قلت لهم : لو أن بشار ركب الطائرة الآن ورحل هو وأسرته وأخوه ماهر وكل الأسرة واختار بلداً آخر فهل نكون قد خدمنا سوريا أم أدخلناها في نفق مظلم؟؟؟ هكذا كانت قناعتي… ومن يدري الغيب… كنت أظنه سينجز الإصلاح، ولم أكن أتصور أن يفشل في تحقيق آمال الناس بهذه الطريقة، وأنني سأقف على المنابر ذاتها لأقول له….. ارحل… وارحم نفسك وارحمنا…………….
خلال شهر تموز 2011 تحدثت في أكثر من مائة منبر ووسيلة إعلامية وأنا أبشر الناس بتوصيات المؤتمر العظيمة، وبالوعود التي أطلقها الأسد والتي ستنهي كل الصراع في سوريا.
تراجعت تلك الآمال تدريجياً بعد أن نامت التوصيات في أدراج الاسد ولم يتحول أي منها إلى مرسوم كما وعد، وبعد أن رفعت إليه توصيات فلاسفة الاستبداد والقهر الذين حذروه من التورط في تلبية مطالب الشعب التي لا تنتهي، وأن عليه أن يستمر في اللعبة ذاتها التي مارسها أبوه والحكم بالحديد والنار.
وبعد نحو ثلاثة أشهر شكل الأسد لجنة لصياغة دستور جديد ولم يخطر على بالي أبداً أن الدستور الجديد سيكون مصمماً على مقاسه، فقد ظلت فترات الرئاسة سبع سنوات، كما نصت مواده على أن الدستور يجب ما قبله ومعنى ذلك ان الأسد سيستأنف دورتين جديدتين من عام 2014 إلى عام 2028 وعند ذلك سيكون حافظ بشار الأسد قد بلغ 26 عاماً ومن الممكن بتعديل دستوري بسيط أن نطمئن على مستقبل سوريا!!!……

كانت الأسئلة تنهال علي من كل صوب، وكانت أجوبتي تبدو يوماً بعد يوم أكثر برودة وتعاسة، وأدركت أنني تورطت في نشر الأمل، ولكن هل لدينا شيء نصنعه إلا الأمل، وهذ ما فعلناه، في حين أن الجيش والمخابرات استأنفوا مشروعهم الدموي، عبر مكتب الأمن القومي الذي كان يقوده رجل بلا قلب ولا مشاعر، وهو هشام اختيار، وقد أعلن مباشرة لأهل درعا ومن قبل ذك لأهل عامودا في القامشلي أننا مستعدون لتكرار مجازر حماه!! وبالطريقة ذاتها .. لحماية هذا الوطن الغالي!!
هكذا فقد تبخرت الآمال التي عقدناها على المؤتمر التشاوري، فلا السجناء وجدوا الحرية ولا المجرمون سيقوا للمحاكم ولا المهجرون عادوا ولا المادة الثامنة تم تغييرها ولا المعارضة ساعدتنا في شيء، وبدا أننا مارسنا دوراً سخيفاً في تجميل نظام قبيح لا يفكر أبداً بتغيير قواعد لعبته الدنيئة القائمة فقط على القمع بالبسطار، وبدلاً من العمل بتوصيات الخلاص فقد قام النظام بتعزيز ثقافة الخضوع للبسطار العسكري، وفي صورة مؤلمة لم يعد النظام يتحدث عن عقل الجندي ولا مهارته ولا ثقافته الحربية، واقتصر التركيز على البسطار العسكري ووضعت له المجسمات في المدن واحتفل المحافظون بتكريم البسطار العسكري، ورسمت عشرات اللوحات القميئة للبسطار العسكري وتم تلوينه من أسفل بلون السماء الزرقاء… ومشى العشرات من النسوة خصوصاً في ساحات عامة وعلى رؤوسهن بسطار الجيش، ووضعت فيه زهور تعيسة!! واعتبر ذلك شهامة وطنية، تغنى بها التلفزيون السوري، ووخصصت برامج تلفزيونية بحالها للحديث عن البسطار العسكري وما أودعت فيه الجماهير من قيم نبيلة وعظيمة!!
بعد أشهر قليلة ونتيجة الإصرار على الحل الأمني، والمظالم الرهيبة التي ذاقها المعتقلون في السجون، ونتيجة لرفض النظام تقديم تنازلات حقيقية للشعب الثائر، أعلن عن تأسيس الجيش السوري الحر، وانتكست بشكل مريع كل آمال السلام والوئام التي لاحت آخر بوارقها في اللقاء التشاوري برئاسة الشرع.
شهادتي للتاريخ أن اليوم الذي قرر الناس فيه اللجوء إلى خيار الثورة المسلحة بكل ما تعنيه هو انسداد آفاق الحوار بعد أن كذب النظام على المتحاورين في صحارى برئاسة الشرع.
ومع انهيار آخر فرصة للحوار برعاية الأسد، ومع اشتداد وحشية الفرقة الرابعة والمؤسسات المخابراتية والعسكرية، أصبح من الوارد أن يتوجه الناس نحو السلاح للدفاع عن أنفسهم بعد أن بدت القوى السياسية عاجزة عن وقف أي تحرك عسكري على الأرض.
كان ذلك في تموز 2011 قال لنا الرئيس يومها أعطوني توصياتكم وأنا أحولها إلى مراسيم، ولو فعل لجنب سوريا كل شيء!!!! ولكنه باعهم الأحلام والأوهام واستمر في إطلاق دباباته في المدن وبالتالي استمر حصاد الموت…
ثلاثة لا تعود إذا مضت: الكلمة إذا نطقت بها والرصاصة إذا أطلقتها والثقة إذا ضاعت…. محض ذكريات…. وأسى….

اضف رد