د.محمد حبش-شريط الرجم… يرجمون المرأة أم يرجمون الإسلام؟؟؟؟

ولو أن الصهيونية العالمية دفعت الملايين لهوليوود لتنتج فيلماً لتشويه الأسلام فلن تنتج أسوأ من هذا……
والمقصود هنا بالطبع الممارسات المنسوبة إلى داعش وبشكل خاص شريط الفيديو الذي يقوم فيه أشخاص مجهولون برمي امرأة بالحجارة حتى الموت بمشاركة والدها في ريف حماه، واعتبار ذلك حداً من حدود الله الذي يجب تنفيذه على الناس.
ومع أن الرجم اليومي لم يتوقف في سوريا منذ أربع سنوات عبر براميل النظام وقذائف سكود وكذلك الهاون الذي يتساقط على المدن السورية المنكوبة من كل وجه وأخيراً قصف التحالف الدولي الذي يحشد جنوده في البر والبحر فهم يوزعون وهم يصرحون بأن الحرب مستمرة لثلاثين سنة أخرى، ولكن شريط الفتاة المرجومة أوقف عداد الموتى وحشد الجميع على مائدة التعليق السياسي والاجتماعي والسيسولوجي والديني في هذا المشهد الرهيب.
ولست أجهل حساسية هذا الموضوع ودقته وحوامله المختلفة، ولكنني أعتقد أن العجز في مواجهة هذا اللون من تشويه الإسلام يعتبر أمراً غير مقبول ويتناقض مع مسؤولية اللسان والقلم.
ويستفزني دفاع أصدقاء لي عن الرجم على منطق أن شروط الرجم غير مكتملة، وأن إقامة هذا الحد عمل عظيم ولكن بعد قيام الدولة الإسلامية، وستطهر هناك حكمة الحد ورحمته وواقعيته، وكأن الدولة الإسلامية المأمولة سترجم الرجال والنساء بأحجار من الشيكولاته!!!
فإلى أي حد تعتبر هذه الممارسات منتمية إلى الإسلام؟ وإلى أي حد يعتبر حد الرجم حداً إسلامياً؟
من المتفق عليه أن القرآن الكريم لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى هذا الحد العجيب، بل إن كلمة الرجم في القرآن الكريم وردت دوماً في سياق الإخراج من الأرض وليس في سياق الضرب بالحجارة، قال آزر لابنه ابراهيم: لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً، وقال قوم نوح: لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
ومن المتفق عليه أن الرجم شريعة يهودية وردت في سفر التثنية بالنص اللاهوتي الآتي: سفر التثنية 22-23 : إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فاخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا؛ الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة؛ والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك.
ولكن هذا النص المنسوب للنبي موسى لم يكن محل ترحيب من قبل السيد المسيح الذي قال للقوم الذين هموا برجم زانية: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر!!
ولا شك أن موقف السيد المسيح يعتبر بشكل ما نسخاً للنص التوراتي وفق قاعدة: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها .
وفي القرآن الكريم وردت الإشارة بوضوح إلى تحريم الفحشاء بكل أشكالها وورد النص على عقوبة الزناة تحديداً بالجلد دون أي تمييز بين العازب والمحصن، واعتبر ذلك موقفاً نهائياً من الشريعة الإسلامية في تلك المرحلة لحد الرجم المزعوم.
ولا يمكنني أن أتجاوز هذه النقطة دون التذكير بموقفي الذي دونته في دراستي المطولة عن الحدود في الشريعة، وفيها أتبنى القول بأن الحدود أدوات لتحقيق العدالة وهي قابلة للتغيير في كل زمان ومكان، وليس هناك قدسية للسوط ولا للسيف وأن المقدس هو الإنسان، وعلى الأمة أن تشرع ببرلماناتها ومجالس شوراها ما يردع الجناة عن الجرائم الخمسة المنصوص عليها في القرآن: القتل والسرقة والزنا والقذف والحرابة، وكذلك ما يستجد من الجرائم في الأيام مما لم يذكر في القرآن ولا في السنة مثل تزوير العملات والمخدرات والتهرب الضريبي وألف باب من الجرائم الحديثة التي قد تكون أخطر وأشد من الجرائم المنصوص عليها في القرآن الكريم.
وبالعودة إلى حد الرجم فإن كثيراً من الناس يتساءلون أن هذا الحد وإن لم يكن مذكوراً في القرآن الكريم ولكنه وارد في السنة، والسنة تشريع كما هو حال القرآن الكريم، ويجب اتباع القرآن والسنة جميعاً.
ولكن هذا اللون من السنة هنا معارض بالمطلق لنص قرآني محكم، ثم هو خوض في دماء الناس وافتئات على حقوقهم، ومن غير المعقول أن يكون جرم كهذا مسكوتاً عنه في القرآن وأن تنفرد السنة بتبيانه؟
وحين بادرنا إلى إنكار هذه الظاهرة الوحشية من قتل الإنسان لمجرد أنه مارس معصية لله تلقانا من أصدقائنا من يذكرنا بحديث المرأة الغامدية وماعز الأسلمي وقد رجمهما النبي الكريم في المدينة كما تشير عدة روايات بهذا الشأن.
وفي الواقع فإن هذه القصة الوحيدة في التراث النبوي حول رجم الزناة محفوفة بإشكالات كثيرة لا تنتهي، وفي القصتين يبدو واضحاً كراهية النبي الكريم لهذا اللون من العقاب، ومحاولاته ثني المعترف عن اعترافه، لعلك قبلت ؟ لعلك لا مست؟ ثم سؤاله لقوم ماعز: هل به جنون؟ وقوله للغامدية اذهبي حتى تضعي ما في بطنك، اذهبي فأرضعيه ختى تفطميه!! في ظروف يؤكد أن هذه الحادثة (لو وقعت) فقد حصلت على وفق ما كان سائداً لدى العرب من سؤال أهل الكتاب في قضايا الدين، وهو أمر كانت اليهود تحتكره على العرب في تلك المرحلة، وأن ذلك كله جرى قبل أن تنزل الآيات في بيان حكم الزنا.
ولكن المؤيدين للرجم لم يتوقفوا عند هذا القدر، وحين رأوا أن لا نص في القرآن الكريم بهذا الشأن عمدوا إلى سرد رواية عجيبة تنقل عن لسان عمر بن الخطاب قوله: أيها الناس … لقد قرأ رسول الله آية الرجم فرجم ورجمنا ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله آية لزدتها، كان فيما أنزل الله على نبيه: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
ومن المؤسف أن هذه الرواية وجدت طريقها إلى النسخ القديمة في البخاري ومسلم وهما كتب محترمة لدى المسلمين ولا شك في جهود التحري والاحتياط التي بذلها الشيخان في تحري الرواية ولكن العصمة لله وجل من لا يخطئ وكلنا بشر.
ولكن النقد الحديثي عادة ينصرف إلى أن الحديث من رواية فلان وفلان وقد وثقه فلان وقال عنه فلان، ولكننا سنختصر هذه الطريق كلها ونقف عند حقيقة لا خلاف فيها وهي أن الرواة بشر يقع عليهم ما يقع على سائر الناس نم الخطأ والنسيان والسهو، ولم يرد أن في إسناد هذه الروايات ملائكة لا يخطؤون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والذين نقلوا هذه الروايات وقعوا في ست مطبات كبيرة لا مفر منها، كلها تسيء إلى الإسلام من حيث يعلمون أو لا يعلمون.
فقد أساؤوا إلى القرآن إذ حكموا بضياع نصوص فيه، وإمعاناً في هذا اللون من الجدل العقيم نقلت رواية الدارقطني المضحكة عن عائشة قالت لقد أنزلت آية الرجم فلقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتغلنا بموته فدخل الداجن فأكلها!!
وقد أساؤوا إلى الرسول إذ نسبوا إليه أنه فرط في حفظ القرآن ولم يحمل الأمة على حفظه وتوثيقه.
وأساؤوا إلى عمر بن الخطاب إذ حكموا بأنه خاف من كلام الناس ولوم اللائم ( لولا أن يقول الناس زاد عمر آية في كتاب الله لزدتها) وهكذا فقد ترك بعض القرآن خارج النص.
والنص بصيغته لا يفهم منه ما يفهمون (رجم المحصن): الشيخ والشيخة!! فقد يكون الشيخ والشيخة غير محصنين، ولا معنى للنص إذن كما فهموه.
ثم متى كان القرآن الكريم ينزل أحكامه على الشيوخ والشيخات؟ فقد يكون المحصن الزاني شاباً أو رجلاً وليس شيخاً، وبذلك لا يطاله الحكم.
ثم إن القرآن الكريم لا يستخدم هذا اللفظ الركيك المولَّد، فالشيخة ليست لفظاً عربياً فصيحاً، وقد قال القرآن الكريم: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً.. فوصف الرجل بأنه شيخ والمرأة بأنها عجوز وهذا هو فصيح كلام العرب.
إنها إشارات واضحة وهي كافية لتقنع المسلم الباحث عن الحق أن القصة برمتها مختلقة ومفتراة، ومسئية للإسلام وقيمه، وقد وهم أصحاب الصحيح بروايتها وهذا لا يقدح في مكانهم ومكانتهم، ولكن الحق أحق أن يتبع.
من المؤلم بعد ذلك أن يقوم المسلم بإلغاء عقله وقلبه والاكتفاء بما رواه الأولون على قاعدة قف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وثقفوا، وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف……
متى يستيقظ العقل المسلم، ويناقش تاريخه الآفل بأدوات حاضره الآمل، ومتى نوقن بقول الله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً؟ ومتى نوقن بالقاعدة الذهبية القرآنية: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون.

اضف رد