د.محمد حبش-نحو ميثاق عالمي للأخلاق

اختتمت في فيينا أمس الخميس قمة مجلس التواصل الدولي (انتراكشن) التي عقدت بمشاركة ستة وعشرين رئيس دولة سابق منهم المستشار الالماني هلموت شميدث والرئيس الفرنسي ديستان ورئيس الوزراء الياباني فاكودا، وذلك بهدف إطلاق ميثاق عالمي للأخلاق السياسية، وهي فكرة تبدو منطقية تماما من شخصيات عرفت في العالم بنجاحاتها السياسية الكبيرة وقد أصبحت الآن خارج السلطة وأصبح لديها الهامش والقدرة على التحرك في فضاء الحكمة والفلسفة وبالتالي إضافة رصيد أخلاقي للإنسانية.
كنت سعيداً أن الاختيار وقع علي لأقدم الخبرة الإسلامية في هذا الجانب كما دعي المطران أيفون وهو سفير البطركية في موسكو لتقديم الخبرة المسيحية كما دعي آخرون لتقديم الخبرة اليهودية والبوذية والهندوكية والشنتو والكونفوشية.
كان حضور المستشار الألماني هلموت شميث على كرسي متحرك ملهماً للجميع فقد بلغ الرجل خمسة وتسعين عاما، ومع ذلك حضر سائر جلسات اللقاء وتحدث بحماسة وعمق، إلى جانب زميله الفرنسي جيسكار ديستان، واستطاعت ملامح الرجلين المتهدلة أن تعيد للأذهان صورة أوروبا الخارجة للتو من حرب عالمية طاحنة، تركت ستين مليون قتيل ومعاق، وكان طرفاها فرنسا وألمانيا، ومع ذلك استطاع الرجلان في ظلال الحرب الباردة الكئيبة ورغم الأطلال المدمرة والمقابر الرهيبة في بلادهما أن يفكرا بمنطق حضاري وأن يخرجا ببلديهما من الحرب والثأر والغضب إلى الوحدة الأوربية الخضراء، وأن يأتيا بالازدهار والاستقرار للقارة العجوز.
حين كلفت بإعداد الميثاق تصرفت مباشرة بطريقة سيغمونية وجرى القلم بالآمال الساكنة في اللاشعور عبر ساعات من التداعي الحر، وكتبت في الميثاق كل ما تتمناه الشعوب المستضعفة من العالم القوي، والبلدان المتحضرة، وتحدثت عن رياح الإنسانية القادمة من فيينا وعن موقف أخلاقي يواجه به الحكماء هذا العالم الذي لا يزال غارقاً في جنونه، من أجل مستقبل مختلف لأبنائنا وللأجيال الآتية.
لم تكن مأساة سوريا غائبة، كانت ملهمة في الحوارات، ولعل استحضار ظلالها هو ما دفعهم لتكليفي بهذا الواجب، لقد تحدثت عن العيش المشترك والنموذج السوري الذي كنا نقدمه نموذجاً للعالم، وفق تاريخ طويل من الحضارة والعيش المشترك والتراث الغني حتى صارت سوريا حجاً ضروريا لكل مثقف حتى قال رينان لكل إنسان متحضر وطنان: وطنه وسوريا!!! وقد دخل هذا الوطن الحضاري القرن الجديد بأكثر الآمال ربيعاً ولكنه اليوم يسجل الأرقام القياسية في الخراب والموت، والمقابر والمجازر، وريح الكراهية والبغضاء، ويفرض أمام حكماء العالم وقفة للتاريخ والإنسان توقف الكارثة الإنسانية وتمنح أولادنا والأجيال الآتية روحاً جديدة من الحب والأخلاق.
مسودة الميثاق العالمي للأخلاق كانت من وجهة نظري صورة لآمال المستضعفين من المستكبرين، وقراءة من منصة الأخلاق لعالم يعاني أزمة في الأخلاق، ومع أن كثيراً من مواده لم تر النور، واصطدمت بحسابات السياسة التي لا تزال تسكن خيال الكبار، الذين لا زالوا يعيشون رعاب الحرب العالمية والحرب الباردة، ولا يريدون للعالم أن ينتكس إلى تلك الأيام السود.
ثلاثة مواد لم يستطع أحد من الزعماء الستة والعشرين المشاركين أن يوقع عليها على الرغم من ثنائهم عليها في كواليس المؤتمر، وهي كالتالي:
• حق الإنسان في التمرد على الحرب الظالمة ومسؤولية المجتمع الدولي في حماية المنشقين عن حروب السياسة التي لا يؤمنون بها.
• الفيتو نظام غير ديمقراطي وغير أخلاقي ومناقض لميثاق الأمم المتحدة، وعلى العالم أن يبحث عن بدائل ديمقراطية أكثر عدالة.
• أسلحة الدمار الشامل بكافة أنواعها عمل غير أخلاقي، ويتعين على المجتمع الدولي أن يدمرها ويعلن محاربة إنتاجها وتسويقها وتوزيعها.
لم أكن قادراً على فهم الدوافع التي قعدت بهؤلاء الزعماء عن اقتحام حاجز الخوف وبق بحصة الحقيقة، ولكن صمتهم الرهيب يأخذك مباشرة إلى مشاهد الموت والبؤس التي فرضتها الحروب اللئيمة التي لا تفتؤ تكرر أغنية الشيطان على لسان كل مستبد: الحديد لا يفله إلا الحديد، والقتل لا يردعه إلا القتل!
حدثتهم عن الغفران وعن إغاثة الملهوف، ونقلت لهم من الكتاب المقدس: ادفع بالتي هي أحسن السيئة، وكذب من قال إن الشر بالشر يطفأ، فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟؟
لقد بدت كلمتي غارقة في سراب السريالية ولم تحصد كلمتي أي لايكات من الوجوه المخضرمة في مسرح السياسة الدولية، وقال بعضهم لبعض مسكين هذا الرجل… أمانيه طيبة.. ولكن من يظن أن السياسة الدولية تحكمها الأخلاق!!
إنني سعيد أن أضع بين يدي القراء الكرام ميثاق الأخلاق العالمي من أربعة فصول: في الدين والأسرة والسياسة والجريمة، في ثلاثة وثلاثين مادة، للحوار والأمل، ومن يدري فقد يأتي جيل أكثر إيماناً بالإنسان، ويسهم في عودة الربيع إلى هذا العالم المعذب.
في القيم الدينية:
1. الخلق كلهم عائلة واحدة، وهم عيال الله، متساوون في الحقوق والواجبات، ولا فضل لشعب على شعب ولا لقومية على قومية ولا لإنسان على إنسان إلا بالعمل الصالح.
2. القيم الأخلاقية العليا التي بشر بها الأنبياء والمصلحون والحكماء يمكن جمعها في عشر مقاصد: الطهارة والعفاف والسلام والرحمة والخير والبر والفضيلة والعدالة والحرية والمساواة، وعلى التشريعات المحلية أن تلتزم في قوانينها الوفاق مع هذه القيم العليا.
3. لا يجوز احتكار الخلاص أو احتكار الله أو احتكار السماء أو احتكار الفردوس أو احتكار الحقيقة.
4. روح العدالة تقتضي إثابة المحسن وعقاب المسيء، بغض النظر عن لونه وعرقه وقوميته أو اعتقاده الديني.
5. الأديان رسالة واحدة والأنبياء إخوة والكتب السماوية محل احترام، ويسعى الجميع إلى التعارف والتعاون، وفق مبدأ أمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم ودين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان.
6. احترام المقدسات الدينية مسؤولية اجتماعية وأخلاقية، ويجب أن يحظر كل سلوك يرمي إلى ازدراء الأديان واحتقارها.
7. الدين والحكمة رسالة متكاملة، والمشترك الأخلاقي كثير بين الأديان السماوية وبين رسالات الحكمة والأديان التي لا تنتسب إلى السماء.
في الأسرة:
8. الأسرة قيمة إنسانية نبيلة، يجب حمايتها، وتوفير السبل لبناء أسر ناجحة ويجب أن تقوم القوانين بتشجيع الزواج وتيسير سبل العيش الكريم للراغبين في بناء الأسرة.
9. لا يجوز إكراه النساء ولا الشباب على الزواج، ولا تبنى مؤسسة الأسرة إلا بصيغة رضائية.
10. النسل من حقوق الإنسان، ومنع الناس من الإنجاب عدوان على حريتهم، وتدخل الدولة لتنظيمه لا يجوز أن يسلب إرادة الأفراد في الحصول على نسل كريم.
11. الإنجاب يرتب مسؤولية على الوالدين، ويعتبر التخلي عن المولود عملاً غير أخلاقي، ومن حق الدولة فرض العقوبات الرادعة لهذا السلوك.
12. لا يجوز بحال من الأحوال بيع الأطفال والنساء، ويعتبر التواطؤ في ذلك عملاً عدوانياً إجرامياً يحاسب عليه القانون المحلي والدولي سواء ارتكبه الأفراد أو الحكومات.
13. البر بالوالدين مظهر للأخلاق النبيلة، وهي مسؤولية الأبناء على سبيل الوجوب المباشر،ومسؤولية الأمة بمجموعها إذا غاب الأبناء أو قصروا في واجبهم.
14. احترام الكبار واجب أخلاقي، وتلتزم التشريعات بتأمين حياة كريمة للمسنين تحقق حاجاتهم وتحقظ كراماتهم.
15. الإنجاب خارج إطار الأسرة عمل غير أخلاقي، يحرم المواليد من حقوق فطرية أساسية، ومن حق الإنسان أن يولد بين أبوين.
16. الأطفال في كل مكان في العالم يولدون على الفطرة والبراءة بغض النظر عن اعتقادات والديهم، ويلتزم المجتمع الدولي بمراقبة احتياجاتهم ونموهم، وفي حين فشلت الحكومات الوطنية في رعاية الأطفال فإن المجتمع الدولي مخول بالتدخل الإنساني لحماية الأطفال ورعايتهم.
في السياسة:
17. الناس شركاء فيما تجود به الأرض من خيرات، وتتولى القوانين توفير القسمة العادلة لهذه الثروات والخيرات بما يتناسب مع جهد الناس وعملهم.
18. السيادة الوطنية حق محفوظ، ولكن انتهاك حقوق الإنسان يفرض على الأسرة الدولية في إطار الأمم المتحدة التدخل الإنساني لمساعدة المنكوبين والمستضعفين.
19. الأمم المتحدة هي التعبير السياسي عن الأسرة الدولية، ويقتضي الواجب الأخلاقي دعمها وتمكينها من أداء مهامها الإنسانية والأخلاقية والسياسية.
20. الفيتو صورة مناقضة للديمقراطية وأهداف الأمم المتحدة، وعلى الأسرة الدولية التعاون للتخلص من هذا النظام الاستثنائي للوصول إلى بديل أكثر عدالة وديمقراطية.
21. التكافل بين الأمم في الكوارث حق مشروع، وهو يتجاوز الخلافات السياسية، ويعتبر منصوصاً عليه حكماً في حق من يوقع على هذا الإعلان من حكومات ومنظمات دولية.
22. التمرد على الحرب الظالمة حق مشروع من حقوق الإنسان ينبغي أن تكفله القوانين وتحميه الحكومات، ولا يجوز زج الأفراد والعسكريين في حروب لا يؤمنون بها، وعلى القوانين أن توفر آلية واضحة ومراقبة دولياً لتأمين قناعة الأفراد الصريحة بالحرب التي يساقون إليها.
23. إن الالتزام بالأخلاق ليس فضلا يمارسه الحاكم على شعبه بل هو التزام ومسؤولية، وعلى الحكام أن يطبقوا أدق المعايير الأخلاقية في سياسة شعوبهم.
24. الكذب حرام، وقيام الحكومات بإخفاء الحقائق على الشعب أو اعتماد ذرائع غير حقيقية لأفعال يمارسونها هو عمل غير مبرر وغير مشروع.
25. لا يجوز أن يعاقب إنسان بإساءة غيره تحت أي ذرائع أو مبررات، ويعتبر قيام الحكومات الوطنية أو الخارجية باجتياح القرى والمدن التي تحتوي خارجين على القانون عملاً لا أخلاقياً، لا يجوز تبريره.
26. الإعلانات الانتخابية يجب أن تقوم على الصدق والحقيقة، ويجب أن تتولى القوانين محاسبة من يتقدم ببلاغات كاذبة لمخادعة الناس واستجلاب أصواتهم.

في الجريمة
27. أسلحة الدمار الشامل حرام، وهي كل سلاح لا يميز في هدفه بين المحارب والبريء، ولا يجوز إنتاجها ولا الاتجار بها ولا الترويج لها، ويتعين على المجتمع الدولي وضع الخطط المستمرة ومراقبتها لتخليص البشرية من هذه الآفات.
28. الألغام الأرضية الموجهة ضد الأفراد حرام بالمطلق، ولا يجوز تبريرها بأي من ذرائع الأمن أو السيادة.
29. المخدرات بكل أشكالها جناية على الحياة الإنسانية وعلى المجتمع أن يتضافر لمنع إنتاجها وتسويقها وتعاطيها، إلا في إطار الاستخدام الطبي وشروطه.
30. الإدمان على الكحول والتدخين آفات بشرية يجب التخلص منها، وتطالب الدول بتنظيم برامج حيوية للتخلص من هذه الآفات وبناء مجتمعات مستقبلية خالية من الإدمان.
31. قتل الروح الإنسانية حرام بكل وجه من الوجوه، ولا يحل تبريره بحال، وعلى الإنسانية أن تتحول من العقاب الانتقامي إلى العقاب الإصلاحي.
32. التعذيب الجسدي حرام بالمطلق، مهما كانت صفة الجرائم المنسوبة.
33. الاتجار بالبشر بكل أشكاله حرام، والعبودية حرام ولا يحق لأحد أن يستعبد أحداً.

لقد مرت مواد عدة من هذا الميثاق في بيان الرؤساء المخضرمين، وغابت مواد أخرى كانت أكثر إلحاحاً وضرورة، مع إشارة خجولة بوجوب الاستمرار في إعداد ميثاق عالمي للأخلاق، وعزائي هو أن مواثيق العالم ومعاهداته، تفتقر إلى الإرادة الطيبة، والإرادة الطيبة لا تحتاج إلى مواثيق للأخلاق، والمواثيق بدون إرادة طيبة محض حبر على ورق.

اضف رد