د.محمد حبش-القتل باسم الرب إغتيال الشيخ رياض الخرقي

وفي المرة الخامسة تقدم الانتحاري خطوتين، وأصاب منه مقتلاً، واشتدت جراحه ولحق بربه شهيداً سعيداً…
الشيخ أبو ثابت رياض الخرقي، انه الرجل الذي يدعونا كل لحظة أن نراجع زاوية الاخلاص في قلوبنا، وأن نراجع ضمائرنا في كل سعي نندفع إليه.
إنها ليست كلمة عزاء ولكنها دعوة للقراءة في حاضر الثورة السورية وعناءاتها وعذاباتها ….
رحل الشيخ رياض الخرقي وهو عنوان لظاهرة هامة من العاملين في حقل الشريعة الاسلامية، وهو ابن المدارس التقلييدية، وأشد الناس إخلاصاً لمشروعه المحافظ السلفي في نصوصه والصوفي الشامي في روحانيته وأخلاقياته.
لم أكن على وفاق فكري مع الشيخ رياض، ومعع ذلك كانت بيننا مودة واحترام، لقد كان لدينا مشروعان مختلفان اختلافا كبيراً، كان يعمل في حقل التعليم الشرعي، وكان يحمل برنامجاً شديد المحافظة فيما يتصل بتمكين المرأة السورية، وكان لا يثق أبدأ ببرامج المحتمع الدولي التي تقوم بها الأمم المتحدة في حقل تمكين المرأة وحقوق الأطفال ورعاية الأسرة، وكان ينطلق دوما من نقطة مفارقتها للدين، ولكنه على ذلك كان من أشد الناس وعياً بمداخل هذا النشاط ومخارجه، وكان يعسر عليه ان يجامل أو يصانع، مع أنه كان يمارس أعلى درج الأدب والاحترام في وئامه وخصامه.
التحق الشيخ رياض الخرقي بالثورة، ولم يكن خياره يحتمل المحاملة أو المصانعة، وسجل عنوانه في الثورة خنادقها وليس فنادقها، وإغاثاتها وليس مؤتمراتها، وعذاباتها وليس بياناتها، ومصاعبها وليس مناصبها، واستمر مقامه بالغوطة، وحمل لواء القضاء الشرعي والتعليم الديني، وكانت آخر دورة قام بها في مساجد الغوطة دورة تحفيط رياض الصالحين قبل أسابيع من رحيله.
كان مطلوباً لكل فروع النظام، كإرهابي وإخواني وسلفي وعرعوري وزهراني ووهابي ومندس، وكانت تليق به كل الاتهامات الجاهزة التي تفرزها فروع المخابرات ضد الأحرار، وحين اختار اللحاق بالمرابطين في الغوطة فإنه اختار دون شك عنوانه الدائم إلى اليوم الذي يرحل فيه الطواغيت ويكتب الله السلام لأهل الشام.
ومع كل هذه الأوسمة التي نالها في فروع الأمن ولكن قدره المرير كان على أيدي المتشددين من ثوار الشريعة، الذين لم يروا في موقفه ما يكفي لاعتباره بمعاييرهم مجاهداً وثائراً.
لا أفهم كيف يعتبر مسلم مجاهد أن الشيخ رياض الخرقي أبا ثابت كان مرتداً، وأن عقديته لم تكن على النسق الذي يعصم دمه، فالرجل ممسك بخيار السلف، يعض عليه بالنواجذ، ولا يحمل تأويلاً خاصاً في أي آية أو حديث أو نص فقهي، ولا أعرف في الشام أليوم أكثر منه استدلالاً بكلام السلف على كل فعل يقوم به، ولو كانت هناك جائزة سورية تعطى لأكثر سوري ملتزم بنهج السلف لاخترت رياض الخرقي دون تردد، فالرجل لديه دليله من الكتاب والسنة وكلام الأئمة على كلامه ولباسه وطعامه وشرابه وعبوسه وابتسامه وغفوته ومنامه ويقظته وقيامه ….
ولم يختر أن يقع في دماء أحد ولا أعراض أحد، وكان في فقه المقاومة يصر على استخدام مبدأ رد الصائل وبالنسبة له كان رد الصائل إذناً محدوداً للافراد برد بغي الباغي بما ينكأ عدوانه، وليس من شأن رد الصائل أن يبرر لجيوش وحروب، وهذا التأويل يعكس فقه الرجل وبصيرته بالمقاصد الشرعية لدى الفقهاء.
لقد اختار أن يقدم نفسه فقهاً متحركا يثبت الناس في الفتنة ويدرء ما استطاع من دمائهم، ويحجز بين خلافاتهم، ولا أشك أنه سيكون لو قدر له أول من يحاور خصماءه، وسيقول لهم ما قال الفقهاء: إخواننا بغوا علينا، وسيقول لهم تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ولو قدر له أن يكون في جيش الفتح فسيكون أكثر من يدعو إلى منطق اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ولا أشك ابداً أنه كان يكاد يتميز من الحزن من عجزه عن فتح الحوار مع داعش صاحبة دعوى الخلافة لأن لديه كثيراً مما يمكنه أن يحاورهم به، وأن يقيم عليهم الحجة والبرهان ليدخلوا في خيار الجماعة ويكفوا عن دماء الناس، ويكفوا عن احتكار الإسلام، وفرض الشريعة بالمغالبة، وقتل الممتنعين، وكلها قواصم مهلكة كان يملك في مواجهتها العواصم المنجية، ولكنه لم يجد أبداً في مسامعهم من ينصت لخطاب الحوار والبرهان.
لقد رفع صوته ببيان أن القضاء في ظروف الثورة قضاء ضرورة وانه يجب أن يتجنب الدماء، ويجب أن يفضي إلى الحوار مع الناس ومشاركتهم الوطن، وهي أفكار يعتبرها الدواعش ديمقراطية وهرطقة وكفراً، وكانت تعزز الحكم الصادر بحقه في محاكمهم يوما بعد يوم، أنه رجل فتنة يفتي لفئة ممتنعة ذات شوكة، وأن تمام الجهاد أن يقتلوه حيث ثقفوه، وأن لا تأخذهم به رأفة في دين الله، وأن لا تعصمه شهادة أن لا إله إلا الله لأنهم يقتلونه بحق الإسلام وحسابه على الله.
لا يبدو ان كثيراً من القراء سيدركون مرامي هذه المصطلحات الفقهية التي تأخذك كل كلمة منها إلى مباحث الفروق والموافقات والترجيح والتعارض والآحاد والمثاني والأشباه والنظائر، وهي بحوث لا قدرة لأحد على متابعتها في هذا الزمن الرديء، ولكنها تطرح سؤالاً كبيراً، إذا كان لدى التشدد الإسلامي ما يكفي من التبرير لتقديم انتحاري يفجر نفسه لقتل إبي ثابت رياض الخرقي وهو من هو في التزامه واعتصامه، فماذا لو تمكن هؤلاء من عنق محمد حبش وأمثاله من دعاة الاسلام الديمقراطي؟؟ وكم انتحارياً سيكون لديهم لإقامة حد الله على هكذا هرطقة وضلال؟؟ وماذا يعد هؤلاء لدعاة التجديد الإسلامي الذين يدعون إلى دين بين الأديان وليس إلى دين فوق الأديان ونبي بين الأنبياء وليس نبيا فوق الأنبياء وأمة بين الأمم وليس امة فوق الأمم؟
إنها حكاية واحدة تلك التي نقرؤها في الصراع بين التسامح والتعصب، بين التنوير والجمود، إنها التبريرات الشريرة التي دفعت رجلاً متعبداً مثل عبد الرحمن بن ملجم أن يتقدم من الناس يوم العيد بخنجر من سم يطعن به الإمام علي بن أبي طالب في المحراب، بدعوى أنه مرتد، وعلامة ردته وكفره أنه يحكم الرجال في كتاب الله، وأنه يحكم العقل في النص، وهي شمائل يستحق بها الإمام علي شرف الخلافة، ولكن الغلو في الدين دفع الخارجي الثائر أن يتقدم إليه بالقتل عند تكبيرة الإحرام، ثم يخر ساجداً لله ويده مخضبة بدم صهر رسول الله، يدعو ربه أن تقبل منه قربان العيد، ولم يفر ولم يستسلم، وقدم عنقه للموت كطواعية، وعلى وجهه بسمة الإعجاب بما فعل، يتشوف إلى رغائب الحور العين، ولم يكن بغيه هذا أعجب من بغي زملائه الذين أقاموا له مجالس الثناء والرثاء والفخر، حتى قال فيه زميله عمران بن حطان شاعر الخوارج:
يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً
إني لأذكره يوماً فأحسبه ………. أوفى البرية عند الله ميزاناً !!
لم يكن هؤلاء الأشرار القاتلون عملاء للموساد أو للسي آي ايه ولا شبيحة في نظام الممانعة، لقد كانوا ببساطة غلاة في الدين، مسكونين بوهم الجنة ومتعة الحور العين، يحكمهم قدر غير قليل من مجد الدفاع عن الخلافة وقتال من يقف في طريقها من المرتدين.
إنها قصة واحدة تلك التي تراق فيه الدماء باسم الرب، ولا يشفع للشهداء التزامهم واعتصامهم بكلام رب العالمين.
الإسلام عند هؤلاء بيعة تتم في غفلة من الحياة، تواجه عالماً يعيش جاهلية القرن العشرين، تستوي فيه دماء الكفار بدماء المسلمين، وقتال المسلمين أولى فهم من قامت عليهم الحجة وهم من يشملهم وصف الطائفة الممتنعة من البيعة، وخاصة إذا كانت ذات شوكة، وهي تهمة تكفي لهدر دمائهم وتقديم قوافل الانتخاريين يجدون ريح الجنة صوب معاطس المرتدين ولو كانوا أهل صوم وصلاة وجهاد.
إنها من وجهة نظري ثقافة الريب التي تدخل في جانب كبير من ثقافتنا التي ترسم صورة الإسلام مجداً من الغيب له إنسانه وقرآنه وعنوانه وزمانه ومكانه وبرنامجه المفارق للناس والمتناقض مع الحضارة، ولا تزال البشر تتآمر عليه بما ينازعهم من أهوائهم، ولا تزال الأمم تمكر به بما يضرب من مصالحها، فيكيدون له كيداً، ويمكرون به مكراً، وهي ثقافة مسمومة حاقدة تدفع الناس إلى الشك بالناس والكفر بالناس ولعن الناس وصولاً إلى هدر دم الناس.
ومع أن قوافل الشهداء تترى في سوريا المنكوبة ومع أن أبا ثابت ليس أول المقصودين بالعمليات الانتحارية المجنونة، ولكنه علامة فارقة وصورة كاشفة لتيارات الخوارج الجدد الذي يصنفون المجتمعات جميعاً في إحدى الشوكتين: البيعة أو القبور…..
إنه يوم له ما بعده، وأقول للشهيد وأهل الشهيد:
رحم الله ابا ثابت…وهذه هي الدنيا، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره…..
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيب

اضف رد