د.محمد حبش-الميثولوجيا .. مركب المعرفة دان براون نموذجاً

يتناوب الأدب والفلسفة التأثير مشتركين أو منفصلين، وتقوم علاقة تخادم حقيقية بين الأدب والفلسفة، فلا معنى للأدب بدون عمق فلسفي، ولن تصل الفلسفة إلى جمهورها إلا على مركب الأدب، والفلسفة بدون أدب تنتهي إلى تحجر عقلي مريع، يتحنط في الأحبار والأوراق، والأدب بدون فلسفة يتحول إلى محض غناء هابط، لا يستعذب إلا مع فساد الأذواق وخمود الأشواق.

وقد يكون أوضح أفق لتخادم الفلسفة والأدب ما تقرؤه في النصوص المقدسة التي دخلت الى الضمير الإنساني، وفي القرآن الكريم مثلاً فإنه على الرغم من غاياته الحقوقية والتشريعية إلا أنه ظل يعالج قضاياه على مركب القصة والرواية، نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين .
والقرآن الكريم طافح بأدب الغموض واللغز كما نشاهده في قصة آدم وإبليس وقصص الجن وقصة ذي القرنين التي كانت تأتي على غير نسق المعقول من الأشياء حتى قيل للأنبياء أنفسهم فيها إنك لن تستطيع معي صبراً، ورغم قفز الروايات فوق منطق الأشياء والعوائد ولكنها استطاعت بالفعل أن تقدم رسالتها للجمهور عبر مقاربات لا تخطئها العين ولا يقلق لها القلب.
لم يكتب الأنبياء فلسفة عميقة معقدة، ولم يستخدموا تلك المصطلحات الصارمة، وإنما بشروا برسالاتهم عبر أساليب القصة والرواية، ويمكن القول بأنهم عزفوا على أوتار صحيحة حشدت من حولهم آمال الناس، وأطربت أرواحهم، ولامست قلوبهم، واليوم في غمرة الألف الجديد، عصر التكنولوجيا والاتصالات والفضاء فإنه وبكل المقاييس لا توجد أدنى مقارنة بين أثر الأنبياء وأثر الفلاسفة، وتطبع كتب الأنبياء من التوراة والانجيل والقرآن ألافاً مضاعفة من أي أدب آخر، ولا تقارن بأي نوع من كتب الفلسفة أو الحكمة، وهذا هو واقع الحال في حاضر البشرية كما هو الحال في ماضيها.
ومن العجز أن نقول إن أدب اللغز أو أدب الغموض كان من طبيعة العصور الوسطى وأن العصر الحديث أزاح الأدب اللغزي أو الميثولوجي أو أنهى تأثيره في الحياة، وفي الواقع فإن أكثر الكتب مبيعاً خلال هذا القرن بدون منازع كانت روايات خيالية لغزية قدمتها الكاتبة البريطانية جي رولينغ عبر شخصية هاري بوتر التي طبعت عشرات الملايين من النسخ في أنحاء العالم، وتحولت إلى أفلام رهيبة، ونقلت كاتبتها إلى نادي الأثرياء لتكون أول قلم في التاريخ يمنح صاحبه مليار دولار.
والأمثلة كثيرة عن تخادم الأدب والفلسفة، وفي الأدب العربي يمكن الإشارة إلى حي بن يقظان لابن طفيل وفاضل بن ناطق لابن النفيس وألف ليلة وليلة وهي روايات حملت مضامين فلسفية عميقة على مركب الأدب، وشاركت بقوة في رسم الثقافة الشعبية قيماً وملامح وأساطير.
وستقتصر دراستي في هذا المقال على ظاهرة دان براون….
دان براون واحد من الذين يتربعون اليوم على عرش الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم، وهو لقب لا تمنحه جامعة أو مؤسسة وإنما يفرضه حضور الكاتب وقدراته وموهبته وإبداعه.
قفز الأمريكي دان براون المولود عام 1964 إلى قمة الشهرة العالمية كاتباً روائياً عند ظهور روايته الشهيرة شيفرة دافنتشي التي حققت بدءا من عام 2003 نسبة مبيعات تجاوزت 70 مليون نسخة، وقد ترجمت إلى 50 لغة عالمية وتحولت إلى فيلم شهير يحشد النخب الثقافية في عواصم العالم على مدرجات السينما لمتابعته وتحليله.
وتجري أحداث الرواية في متحف اللوفر في فرنسا حين يستدعى على عجل الدكتور روبرت لانغدون أستاذ علم الرموز الدينية في جامعة هارفارد في أعقاب جريمة قتل في متحف اللوفر لأحد القيمين على أسرار المتحف في ظروف غامضة، وحين يدخل لانغدون في التحقيقات بين اللوحات الصامتة في اللوفر تتكشف أمامه شيفرة مذهلة لشبكات سرية طويلة الأمد تحيط نفسها بالقداسة وتتحكم بكثير من الأسرار، وتؤسس للون من الماسونية بطقوسها وأسرارها مغرقة في القدم، سينضوي فيها أبرز المشاهير الذين اعتنى اللوفر بذكراهم وخلدهم في أعمالهم ومنجزاتهم، وأبرزهم هنا هو العالم الفيزيائي الشهير نيوتن والمخترع الإيطالي ليوناردو دافنشني .
واستطاع دان براون أن يرسم ملامح رهيبة من الحفز والإثارة لدى كشف هذه الأسرار وارتباطها بالرموز التاريخية الكبيرة، وعبر حسناء فرنسية تدعى صوفي توفو وهي خبيرة في فك الشيفرات المقدسة، يرسم لك داون براون حواجبها الآسرة وابتسامتها الموناليزية الغامضة وملامحها الطافحة بالأسرار الخبيئة التي تكمل رهبة اكتشاف عالم الأسرار المذهل، تقول لك ما لا تريدك أن تفهمه، وتجبرك أن تقرا في ذؤاباتها المبعثرة ونظراتها المتحولة الى اللامكان بقية الحكاية الطافحة بالأسرار، ويشكل دان براون ببراعة وإثارة ملامح الذهول على شفتي القارئ ويضرب بقوة في خياله الغارب مشهد قيام الحضارات وسقوطها، تاركاً القارئ يصرخ في حيرة وذهول هل ما رآه من عجائب ينتمي إلى عالم الخيال أم عالم الواقع، وبلغة أخرى ينقلك جون براون من عالم الواقع المحبط إلى عالم الجمال المثير، في أيقونة معرفية يمتزج فيها الخيال بالمنتج العلمي والفني الذي قدمته عباقرة عصر التنوير، عبر سلسلة متتابعة من الأسرار والذهول التي تعصف بملامح الحكاية من أول حرف إلى آخره فيها.
وقد أثار الكتاب حفيظة الفاتيكان عندما رسم سيرة المسيح في تلافيف كتابه بروح مختلفة، لا تشبه في شيء ما يقدم في موعظة القداس من مشهد الصلب ودلالاته والخطيئة والفداء التي بنيت على أساسها تفاصيل عقيدة معقدة حكمت أوربا ألف عام ولا تزال تعيش في قداسة المطلق خارج النقاش والبرهان، ولكن دان براون يطل على قرائه بالحكاية من زاوية أخرى، تتحدث عن يسوع الإنسان، زاوية تشبه ما كتبه الشرقاوي في كتابه محمد رسول الحرية، وفيها يبدو يسوع الإله الهارب مع مريم المجدلية في أعنف قصص الغرام الساحرة، تاركاً وراءه الصليب والفداء ترسمه خيالات الكهنة الخشبية على لوح من التراتيل الجافة، ليغدو يسوع في النهاية مع مريم المجدلية حكاية حب حمراء تتعالى على قيود الشريعة الصارمة، ولم تعد مريم المجدلية عنده شاهد الكنيسة على قيامة المسيح من بين الأموات بل بدت هنا شريكه في الحب والسحر، لا تشغلهما صخب المحاكمات اللاهوتية القميئة عن التوق إلى العالم الجميل، وأن يعيش لحظاته بتمرد الإنسان وجنونه وليس بخضوعه وقيوده، وتخط في صفحة الحياة في النهاية روح الإنسان حين يقرر أن يضيف إلى كفاحه مجد الآلهة من أفق أفروديت وفينوس إلى روح المغامرة والتمرد على القانون الكئيب.
حين يشاهدهم يسوع يرسمون صليبه وأشواك العذاب بعد الجلجثة يضحك ساخراً مع حبيبته من كآبة الإنسان حين يفتقر إلى الذكاء والمغامرة ويستأنف حبه وتواثبه، حيث تخط المشاعر الملتهبة سطورها في صفحة السماء الزرقاء بعيداً عن عصا الكهانة والاكليروس حيث لا معنى في عواطف الحب المتدفقة لتراتيل الصلب والفداء والأشواك التي تقتضيها ضرورة الكهنوت.
ولكن غضب الفاتيكان من الرواية وتصريحه المستمر بمخالفتها لرسالة الكتاب المقدس قدم خدمة مجانية لدان براون فقد ازدادت شهرة الكتاب ازدياداً عظيماً وأصبحت روايته أحد كتب التجديف التي يطاردها الكهنة وحظي براون بتعاطف الفولتيريين في فرنسا واللوثريين في ألمانيا والطاغوريين في الهند والإقباليين في باكستان ورومي في العرب والفرس، وعلى سبيل التأكيد على ذلك اندفع دان براون بحماس إلى روايته التالية التي كانت أدق تصويبا بعنوان ملائكة وشياطين وفيها يعيد دان براون بطله الأول روبرت لانغدون بطل شيفرة دافنشني نفسه لينقب هذه المرة في الهيكل الكاثوليكي نفسه في حاضرة الفاتيكان عن أسرار جديدة ونتائج مذهلة للماسون الخفي المتحكم في كواليس الفاتيكان، ويسطر ببراعة مخيفة مشهد مقتل الكرادلة الأربعة المرشحين لمنصب الحبر الأعظم، وحين يشرح بريشته الصاخبة مشهد التآمر الإكليروسي على المناصب العليا ويفاجئك دان براون بأن أشد مظاهر التآمر يكمن دوما في الحلقة الأخيرة التي كانت تصور نفسها أكثر المحطات نزاهة وإخلاصاً، ولكنها تظهر فجأة وقد تصدرت في مشهد سريالي مشهد المؤامرة من شعبها الأربع، وتجبر القارئ على فتح فمه وجحوظ عينيه وهو يتابع صدمة الدخول إلى كهف التآمر الرئيسي الذي لم يكن في النهاية الا الكهف نفسه الموصوف بالقداسة والنبالة والظهر ومكافحة المؤامرات، في مشهد يذكرك بإلقاء القبض بالصوت والصورة على أبرز عباقرة الدولة الأمريكيين في مكافحة المخدرات وهو يقوم مباشرة باستلام المبالغ المالية المذهلة من تجار المخدرات لتأمين ترويجها في أمريكا.
ويقف بك براون مباشرة أمام أدق فصول الصراع بين العلم والدين، وفي شرحه لهذا الصراع لا يقف بك على منصة منتصر، بل يرسم مشهد العلم والدين منهكين تماما من الصراع المرير فيما يمنح وسام النصر في هذه الملحمة اللعينة لمنصة الغموض والأسرار والشيفرات المذهلة.
وفي كتبه التالية الجحيم والرمز المفقود والحصن الرقمي وحقيقة الخديعة يبدو دان براون مزهواً بانتصار رهانه على كل الرهانات، حيث تنكفئ براهين العقل وموسيقا الدين إلى زوايا غير مثيرة في المشهد الكوني، فيما يقوم عالم الأسرار والشيفرات الملعونة والأتلانتس المخزون بالأسرار على كرسي الرواية يتحكم بكل تفاصيل المشهد، ومع أنه لا يذكر شيئاً من الأرقام ولكنه يدفعك لمقارنة سوق الكتاب اللاهوتي مع سوق رواياته الأسطورية التي يقدمها، وحجم المبيعات والحضور في السوق العالمي وانتصار الخيال الحر على الخيال اللاهوتي، ومع أنه يمارس موقف الإشادة المباشرة بالعقل والنقل جميعاً، ولكنه لا يمنح أياً منهما مشهد الصدارة في منصة الحقيقة الكونية، بل يقوم بحماس وزهو برسم الحقيقة الكاملة عبر طوفان متدفق من الأسرار الخبيئة التي لا يملك مفتاحها إلا دان براون.
في لقائه بالشارقة على هامش معرض الكتاب الأخير مع جمهور كبير متدفق من عشاق الكلمة والفكرة تحدث دان براون مطولاً عن العقل والروح، وتمكن من أسر الجمهور في عالمه الخاص، حيث عاش طفولته كلها في خط التماس بين الروحي والعقلي حيث كان أبوه أستاذ الرياضيات الصارم يرسم الطبيعة بالأرقام ويعبر عن الموسيقا والأحاسيس بالديجتال، فيما كانت أمه الطيبة تقرأ العالم من أفق التراتيل المقدسة في الكنيسة، وكان براون بارعاً في رسم هذا العالم المزدوج في تفاصيل مثيرة، حتى في لون سيارة أمه الحمراء وسيارة أبيه السوداء، مشيراً أن أباه قد اختار عنوان متريك على سيارته في إشارة الى حساب الأشياء بالمتر الصارم، فيما تخيرت والدته كلمة كيري وهي الرب باليونانية، وكان يقول لقد عشت هذا الانقسام الصارح في فهم الحياة، وتمكن من رسم عالم السماء نفسه بريشة أمه وأرقام أبيه، وطبعت هذه الثنائية توجهه من البداية، وتذكر بمرارة جواب كاهن الحي حين ساله ببراءة: هل من سبيل لفك التناقض بين العلم والدين وكان جواب الكاهن أنت فتى جميل فلا تسأل هذا مرة أخرى!!
ولكن دان براون اهتدى أخيراً إلى الشيفرة التي فك بها هذا التناقض، وذلك بإدخال المشروعين إلى عالمه الخاص المليء بالرموز والإلغازات والإيحاءات، وهناك كسر الأيقونات جميعا وأتاح لنفسه رسم أجمل ما في اللوحتين ليصل مع القارئ إلى روائع الدين والحكمة جميعاً.
وفي حواره عن العلم والدين بدا براون كشاعر عابث يقرأ من كتاب ابن رشد فصل المقال في بيان ما بين الشريعة والحكمة من اتصال، وتحدث برهبة عن الكفاح الضروري للانتقال من عالم الشك والارتياب الذي كان يطبع علاقة الدين بالعلم كمنبرين متلاعنين ليس بينهما أدنى وفاق، ورسم بدقة السيناريو البارع للتحولات التي طرأت على الإنسان وكيف بدأ يدرك تلقائياً ان الجدولين يقدمان الحقيقة ويجلبان الري من منبع واحد، وأن الكؤوس ذاتها يتبادلها النوادل في مركز سيرن العلماني الصارم وعلى قداس الفاتيكان، وهي ذاتها التي يشربونها في الصوربون وفي كنيسة القديس بطرس، وأن الصراع نشأ بين الدين والعلم نتاج اختلاف اللغة والتجربة الثقافية بين مختلف الحضارات، وكان بارعاً وصفه لرهبان البوذية بقمصهم البرتقالية ورؤوسهم الحليقة يعودون إلى قاعات الجامعة لتعلم الفيزياء، التي لم تعد أبداً عدواً للإشراقات النيرفانية بل أصبحت مظهر تعبير رقمي للإشراقات التي قدمها من قبل غوتاماما سيدهارتا بوذا .
ومع أنه ليس مطلوباً من الروائي أن يقدم موقفاً فلسفيا مباشراً وخاصة إذا كان من رواة الإلغاز، حيث يكون الجواب عن اللغز باللغز وعن الأسطورة بالأسطورة وعن الموناليزا بالشيفرة، ولكن دان براون أتاح فرصة نادرة لمتابعيه أن يتحدث بلغة واضحة مفهومة، أن رسالته هي الوصول إلى عالم من المساواة والحرية والعدالة، وأن الأديان لا ينبغي أن تكرر أخطاءها في الحروب الصليبية والصراعات بين الجيزوليت والهيجونوت.
يقول براون إن المشترك أكثر مما تعتقد، وإن الغرب المادي يحتاج إلى الشرق الروحاني المجلل بالأسرار، وأننا نعيش عصراً مثيراً من التواصل يسمح لنا بالقول بأن أصل الأديان واحد وأن رسالتها واحدة، ولكنه في الوقت نفسه يعود ليقول لو سألتني عن عدد الأديان في العالم فسأقول لك إن العالم يحتوي على ستة مليارات ديانة!!
إنها إذن في مقاصدها ورسالتها واحدة، ولكنها متنوعة إلى الغاية في استجابتها لحاجات الإنسان وميوله.
وفي حواره في الشارقة خرج براون من عالم اللغز الذي تمتاز به معالجاته إلى قراءة بالغة الوضوح أكد فيها على وجوب مواجهة القطيعة بين الدين والعلم، وأن علينا أن نبني بين الأديان علاقة ديمقراطية واقعية، تعزز الروحانية والإخاء الإنساني، وتؤسس لديكقراطية دينية واقعية: دين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان، ونبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء، وأمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم.

اضف رد