د. محمد حبش-تدور أو لا تدور؟… الفقهاء الفضائيون

لم أكن أتوقع أن أكتب عن كروية الارض في القرن الحادي والعشرين، وحتى تلك الفتاوى المنسوبة لابن باز والتي ينكر فيها كروية الأرض ويحرم القول بوصول الإنسان إلى القمر، فقد كنت أظن أنها أصبحت خبراً في الماضي وأن إثارتها من جديد ما هو إلا تحامل على رجل ولد في القرن التاسع عشر في صحراء نجد، ولم يشاهد هذا العالم وانحبس في محفوظاته العتيقة، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لغير فتواه كلها ودخل في اليقين العالمي.
ولكن الفتوى الأخيرة التي قدمها المفتي العام للسعودية قبل شهور على التلفزيون السعودي أجبرتني أن أكتب في دلالات هذا الموقف المحير، وقد تبعتها فتوى الشيخ بندر الخيبري التي تلقاها الإعلام العالمي التي يرد فيها على العقلاني المسعري، ويتهمه (بالعقل) ويرى أنه سبب ضلاله!! ويؤكد من جديد فتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة أن الأرض ثابتة لا تدور وأنها مسطة وليست كروية، وقد طارت هذه الفتوى في الفضاء وتم نشرها خلال أسبوع واحد بأكثر من ستين لغة في العالم، وحققت مشاهدات هائلة، وهي تصرح أنها فتوى رسمية لهيئة العلماء بالسعودية أهم بلاد المسلمين، وأنها ليست أبداً زلة لسان، بل هي نتيجة قاطعة لقراءة النص كما قرأه السلف الصالح وفهموه.
لن أكتب هنا انفعالياً وغرائزياً، ولن أعقد أي مقارنة بين الفتوى السعودية وفتاوى العصور الوسطى التي كانت توصل مخالفيها إلى المقصلة والمحرقة، فالأمر هنا لا يتعدى رؤية فقهية ليس لها أي سلطان على الناس، فالسلطة السياسية في العالم الإسلامي كله فصلت بشكل تام بين الدين والتشريع، والمؤسسة الفقهية لم تعد تحكم حقيقة أي بلد إسلامي بشكل دستوري إلا إيران التي ينص دستورها على دور مرجعي حاكم لفقهاء الشريعة فوق مجلس الشورى، ويعتبر ملزماً في التشريع والتنفيذ.
وهكذا فلا ينبغي تهويل الأمر ولو أنه مر على شاشة تلفزيونية دون تعقيب لكان من لغو الكلام إثارته من جديد، ولكن الأمر تطور على مركب الإسلاموفوبيا، وقد أثارته ستون قناة عالمية مختلفة، وبدا كما لو أنه موقف النص الإسلامي في وصف القبة الفلكية، ووصف ما يدور فيها من كواكب ونجوم، وخاصة أن صاحبها قد أيدها بالمعقول والمنقول وجزم أنها الموقف الرسمي لهيئة كبار العلماء في السعودية.
ورغم اختلافي بالمطلق مع هذا اللون من التفكير ولكنني أعتقد أن المفتي السعودي والشيخ الخيبري ومن والاهم منسجمون تماماً مع ما تعلموه وعلموه، وهم لا يفعلون أكثر من تكرار ما قاله المفسرون والشراح لمدة أكثر من ألف عام، وهم ليسوا إلا جزءاً من برنامج عبادة النص وتقديمه على العقل والمنطق وروح الشريعة ومقاصدها.
منذ نجح الفلكيون الأوربيون في تقديم البراهين القاطعة على كروية الأرض وانطلقت مئات شركات الطيران تجول العالم وفق قوانين كروية الأرض ودورانها فإن وعاظنا بدؤوا كالعادة يقولون إن هذه الحقيقة مغلومة لدينا منذ أربعة عشر قرناً، وقد أخبرنا بها القرآن بالأدلة القاطعة، وأن ذلك إعجاز علمي دامغ للقرآن الكريم، وراح الفضائيون المسلمون (المقصود هنا شيوخ القنوات الفصائية وليس علماء الفلك) ويتم الاستدلال عادة بنصوص قرانية كريمة قد تحمل هذا المعنى وتشير إلى كروية الأرض مثل قوله تعالى: “والأرض بعد ذلك دحاها”، ويتولى شيوخ الأعجاز القرآني تأويل هذه النصوص فالدحية إذن هي بيضة النعام، وقال ابن الرومي في وصف خباز يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر…. وكذلك قوله تعالى: “يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل”، ولكننا في الواقع نكذب على أنفسنا حين نغيب عن عمد كيف فهم الناس منذ عصر الرسالة إلى زماننا هذا هذه النصوص، ففي سياق الآية الأولى (دحاها) يجزم ابن كثير والطبري والقرطبي والثعالبي والسيوطي بأن المراد أنه بسطها ويسر للناس المسير عليها، وأن الآية لا تخرج عن سياق ما تدل عليه آية نوح: “والله جعل لكم الأرض بساطاً”… أي مبسوطة كما هو تفسير الكافة.
بل إن المفسرين يسوقون أدلة كثيرة على رد مقولة كروية الأرض، التي كانت تنسب إلى بعض فلاسفة اليونان، وفي مقابل هذه الآيات يورد المفسرون عشرات الآيات الأخرى الصريحة في أن الأرض مسطحة: وإلى الأرض كيف سطحت، والله جعل لكم الأرض بساطاً.
وكما هو النص فالتاريخ أيضاً كذلك فهنا عشرات العلماء والفيزيائيين في التاريخ الاسلامي الذين تحدثوا عن كروية الأرض وأكثر هذه المواقف إدهاشا هو ما نقله ياقوت الرومي في معجم البلدان عن ابن خرداذبه الذي نص بوضوح على أن الأرض كروية وعبارته في ذلك: إن الأرض مدورة كدوران الكرة، موضوعة كالمحة في جوف البيضة.
ومن الواجب أن نشير هنا إلى ثلاثة من أبرز علماء الإسلام نقل عنهم القول بكروية الأرض وهم الفخر الرازي وابن تيمية وابن القيم، ولكن عبارتهم في الواقع لم تبلغ تصريح ابن خرداذبة الواضح بكروية الأرض.
وإنكار كروية الأرض ليس حكراً على هذا ظاهرية المسلمين، بل إن الظاهرية الإنجيلية أيضاً أفرزت الاعتراضات نفسها، وجمعيات الأرض المسطحة موجودة في أمريكا وأوربا أيضاً، وأشهر منظمة نادت بذلك تلك التي أسستها الليدي اليزابيث بلونت جمعية الأرض المسطحة العالمية بعام 1893 بإنجلترا، وأطلقت صحيفة تدعى بالأرض ليست كروية.
كانت إليزابيث تعتبر أن الإنجيل هو السلطة غير القابلة للمساءلة على الطبيعة وأن الشخص لا يمكن أن يكون مسيحياً ويؤمن بأن الأرض كروية. ومن بين أعضائها المشهورين: إي دبليو بيلنقر من جمعية الثالوث الأنجيلي، وإدوارد هيوتن كبير المشرفين بالعلوم الطبيعية في كلية الثالوث بدبلن وكذلك رئيس الأساقفة، حيث قامت بإعادة تجارب روبوثام مما أدى إلى ظهور بعض التجارب المضادة ولكن قلَّ الاهتمام بها بعد الحرب العالمية الأولى. فساهمت هذه الحركة في إعلاء شأن العديد من الكتب التي تناقش أن الأرض مسطحة وثابتة، من ضمنها كتاب ديفيد والردلو سكوت “تيرا فيرما”.
وهكذا فالظاهرية في فهم النص آفة يتداولونها كما نتداولها، والتشابه كبير في الأسباب والنتائج.
إن السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق هو: إلى أي مدى يجب أن يكون ظاهر النص حاكماً في حياتنا العملية وثقافتنا الكونية، ولماذا يتعين علينا أن نلتمس علم المستقبل في نصوص ما كتبه الغابرون، وإلى متى نقول قف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وقفوا، وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
القرآن الكريم كما وصفه منذ فجر الرسالة علي بن أبي طالب حمال أوجه، فها هو يدل على الأرض المسطحة ويدل على الأرض الكروية، وسيثب هنا طائفتان من المحاورين من أهل التكوير ومن أهل التسطيح وكلاهما يستدل بظاهر نصوصه وبتأول نصوص خصمه، وسيجد كل فريق في تأويله ما يعزز قناعاته ويسفه قناعات خصومه.
إنها المشكلة ذاتها التي نواجهها اليوم مع تيارات التكفير التي تحمل نصوصها الآمرة بالقتل والذبح، وهي معزوة بالنسب والسبب إلى مصادرنا المعتبرة، ونتلقاها نحن بنصوص الرحمة والمحبة والسلام الموجودة أيضاً في القرآن والسنة، ولكن نبقى جميعاً انتقائيين، ولن يحسم هذا الجدل أبداً على يد النصوصيين، ولكنه يحسم بسهولة وبساطة عند الواقعيين الذين ينظرون للقرآن الكريم في سياقه التاريخي، كتاب هداية ونور يتناول في قضاياه حاجات الناس في عصر الخوارق، قبل أن تنتقل البشرية إلى عصر السنن الكونية والاجتماعية.
لا أشك أبداً أن رسول الله لو كان بيننا اليوم وسئل عن كروية الأرض وتسطيحها فلن يقول أبداً كما قال بنو إسرائيل ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها وشكلها وكرويتها وبيضويتها، ولو سألوه عن الكواكب والمجرة والنجوم في الفضاء فلن يقول: ربنا أنزل علينا خريطة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك…
بل سيمضي لتأسيس الوكالة الاسلامية للفضاء وسيعقد أهم الشراكات مع المؤسسات الكبرى السابقة في هذا السبيل، وسيتعاقد مع أكبر خبراء العالم من رواد الفضاء وخبرائه، ليقدم جواباً إسلامياً صحيحاً عما عنه يتساءلون.
ولو سألوه عن دوران الأرض فلن يمضي إلى كتب التفاسير يحاول أن يستنطقها بما يكشف صورة العالم، بل سيقول تماماً ما يقوله العلماء والعقلاء اسألوا العلم، ولا أشك أبداً أنه سينظم في مدينته أوثق العقود التعليمية مع جامعات من نوع هارفارد وأكسفورد وكامبردج، وسيقدم للناس صورة الأرض من الفضاء عبر بث حي مع وكالة ناسا وتاس، وسيجيب عن كروية الأرض عبر فريق من خبراء الوكالة الإسلامية للفضاء المشاركين في محطة مكة مير الفضائية التي تمول من مال الزكاة إسهاما قي البحث العلمي وتنطلق في رحلاتها من أرض مكة والمدينة.

اضف رد