د.محمد حبش-من موسكو إلى جنيف….

هل يمضي الروسي بالفعل إلى قيادة عملية حوار سياسي في سوريا؟

يبدو أن الأمريكي قد سئم الدور المرجعي في الصراع، واكتفى في غبار المعركة السورية بتحليق طائراته فوق قوات داعش وقدم بذلك معذرة للمجتمع الدولي ولوعوده التي قطعها للسوريين والعراقيين في محنتهم، وبدأ أمام المجتمع الأمريكي يملك سماء الحرب ويحافظ على سمعة أمريكا، ولكنه لن يغامر بأي مقاتل أمريكي، وبذلك فإنه قدم فاتورة محسوبة بدقة أمام دافع الضرائب الأمريكي، وخصومه الجمهوريين الصارخين بسمعة أمريكا ودورها، وطالما أنه يحتكر السماء ويجول فيها فلا بأس أن يذهب الدب الروسي والتنين الصيني إلى تجربة دبلوماسية في حوار طرشان في هذه الحرب المجنونة، في مهمة لا يزيد حجم الأمل فيها عن صفر، يكتفي لهم فيها بالتمنيات الطيبة، في حين يفرك يديه بالشماتة من الإخفاق الحتمي للدبلوماسية الروسية في هذا الجحيم المستعر.
ربما كان أول التحديات التي يواجهها الروس هي جنيف ثلاثة، فهل ينجحون في تشكيل وفد المعارضة المناسب لمواجهة وفد النظام، وتكون لديهم القدرة على الضغط على الطرفين لإنجاز تطور حقيقي نحو السلام في سوريا بعد أن أصبح الطرفان على أطلال وطن، تم تدميره بالكامل، ولم يبق ما ننتظره إلا مزيداً من المدن المدمرة.
الروس ينشطون كل يوم ويقومون بالتواصل مع كل ذي قوة مؤثرة وتولت قناة روسيا اليوم نقل موقف الطريق الثالث ومحاولاته المستمرة لإنهاء الحرب عبر مقابلة تلفزيونية خاصة بثت عدة مرات، وكانت مناسبة لشرح الموقف بالتفصيل أمام الرأي العام والقيادة الروسية.
قلت للروس: المجتمع الدولي يريد السلام، والمحاربون يريدون العدالة، والسلام يكون برمي السلاح ولكن العدالة تتطلب حمل السلاح.
ولكن كيف تستطيع دبلوماسية المفاوضات أن تأتي بالسلام في مواجهة نظام يرفع في شوارعه صور البسطار العسكري ليكون بمثابة (سيريا آيدول) يختصر في بطشه وهمجيته خريطة الخلاص؟
قلت لهم: بصراحة.. ليست لدي أية أوهام، فنحن لا نؤيد الحرب، ولا نبتبنى أي حل عنيف ولا تأثير لنا على أي من الأطراف المنغمسة في الحرب، والمحاربون لا يلتفتون إطلاقاً إلى رؤيتنا وفلسفتنا وأفكارنا وأشعارنا وهم معنيون فقط بالخلاص والثأر من هذا النظام الذي أحال حياتهم إلى جحيم.
لا يوجد أحد قادر أن يقنع المحاربين بالجلوس إلى مائدة المفاوضات، وأعتقد أننا نضع العربة أمام الحصان إذا ا دعوناهم إلى الحوار وهم لم يحققوا شيئاً مما قاموا لأجله.
السوري المحارب ليس محترفاً، ولم يتدرب في قندهار ولا وزيرستان.. السوري المحارب موظف سابق في الدولة أو سواق أو دهان أو طحان وكثير منهم كان عضواً في حزب البعث، شاهد بأم عينيه طائرات نظامه وجيشه الوطني تضرب في المليان وقام بنفسه بإخراج أطفاله وأطفال جيرانه من تحت الأنقاض وسمع بأذنه رئيس هذا النظام يقول إنه سيقوم بمحاربة الإرهاب وحواضنه التي يبلغ تعدادها في سوريا (ملايين) من أبناء سوريا بحسب التصريح المباشر والعلني للرئيس السوري.
مثل هذا المحارب لن يخرج من خندقه إلا إلى مدفنه، ولن يختار الذهاب إلى المفاوضات إلا وهو مزنر بالحزام الناسف، أقرباؤه في الخيام وإخوته في السجون وأحبابه في المقابر، وكل يوم يستلم هوية واحد منهم فيما يقول له العساكر سامحونا بالجثة لأن الشباب دفنوها من شهرين.!!
ولكن المحاربين ليسوا عادة رجال دولة، ولا يدركون عادة طريق الحلول، ومعظمهم يعرف ذلك جيداً، يقاتل وينتظر قرار الكبار من زعماء ورجال دين وسياسة، وإن كانوا لا ينتمون إلى أحد منهم.
قناعتي أن من أكبر أخطاء الائتلاف أنه قدم نفسه قائدا للمقاتلين، وقام بإحضارنماذج منهم إلى مجلس القيادة في الائتلاف وطالب العالم بأن يقوم الائتلاف نفسه بتوزيع السلاح على المقاتلين فهذه هي الطريقة الوحيدة لشراء ولاءاتهم، وبالفعل فقد تحول الائتلاف إلى وكيل تسليح وهو من وجهة نظري ما أفقده دوره الرئيسي كضمير للشعب الثائر ومدافع عن القضية السورية في العالم.
حتى ولو كنت تؤيد السلاح فليس هذا هو الأسلوب المناسب، وكان علينا قراءة الثورات المسلحة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة من الثورة السورية ضد الفرنسيين إلى الجزائر إلى فيتنام إلى البوسنة والهرسك… لقد كان الثوار يضربون في خنادقهم وكان السياسيون يقومون بإخلاص بالجهد الدبلوماسي وشرح معاناة الشعب الثائر للعالم.
كانوا يقولون إنهم لا يملكون قرار الثوار الذين يدافعون عن أنفسهم ضد الظلم ولكن نستطيع التأثير عليهم إذا توفرت حلول سياسية مقنعة تنهي شرادهم وعذابهم ومعاناتهم.
وفي تجربة المعارضة السورية فإني أعتقد أنه كان مشهداً مؤلماً أن يذهب أحمد الجربا الى الخنادق التي يقاتل فيها المحاربون في كسب ليطلق بنفسه بعض الطلقات ويفر من البوابة نفسها التي دخل منها بعد عشرة دقائق.
لم تفنع هذه الصورة الكاريكاتورية أحداً من المحاربين، فقد كان معلوماً لكل أحد أن قيادة الائتلاف تقيم في فنادق استامبول وأن حضورهم إلى جبهة القتال في سوريا لمجرد التقاط الصور وإقتاع المجتمع الدولي بأنهم يقودون المعارك، وهذا السلوك كرس وصف الائتلاف المقيم في استانبول بالانتهازية والتجارة بدماء السوريين، وفي المقابل جاء بنتائج جد صادمة للمعارضين في الداخل والخارج من الذين لا يؤمنون بعسكرة الثورة، ولم يعد يمكنهم على الإطلاق أن يعملوا في فلك الائتلاف المحارب.
كان على الائتلاف أن يحافظ على مكانه كممثل للشعب السوري وأن يوسع دائرة المنتسبين إليه من كافة طيوف المعارضة وأن يترك السلاح كله، فليس شرفاً لسوري في هذا الزمن العصيب أن يقول إنه يقود الخنادق والبنادق في هذه الأيام الرديئة ولا أعتقد أن أحداً سيفخر بما صنعه السلاح في هذه البلد وإن كنت لا أجهل أن البطش الذي مارسه هذا النظام يفقد أهل العقول عقولهم ويدفعهم إلى طاحونة الموت.
قلت للروس: الطريق الثالث لا يحظى بشعبية بين المحاربين ولكنه يحظى بشعبية كبيرة بين الناس التي ملت من الحرب، وكفرت بها، وحين يتمكن المجمتع الدولي من تحقيق إنجاز ما للسلام، فإن قدرتنا على التأثير على المحاربين ستكون مختلفة تماماً، وهناك نسنطيع افناع الناس بالاستجابة لسعي المجتمع الدولي وضماناته الحقيقية.
ليذهب إلى التفاوض رجال السلام والدبلوماسية، وليبق المتحاربون في الخنادق، كما ذهبت الكتلة الوطنية إلى فرنسا، لم تزعم الكتلة الوطنية أنها تقود الثورة أبداً، ولكنها حين جاءت من فرنسا بصك الاستقلال وضمانات دولية تمكنت فوراً من إقناع المحاربين بالسلام، وخلال أسابيع كان المحاربون يشاركون بالدبكة وينضمون في اجواء احتفالية للجيش الوطني.
المطلوب اليوم أن يلتقي في جنيف الجديدة رجال يثق بهم السوريون يعملون من أجل مستقبل سوريا، وحين يحصلون على وثائق من ورق تدعمها الشرعية الدولية بأن سوريا ذاهبة إلى عقد جديد يرحل فيه النظام الأمني المتغول المتوحش ويحل مكانه نظام يؤمن بالإنسان وحقوق الإنسان، في عملية تحول يشارك فيها الجميع بضمانات دولية وأممية واضحة، وقرار دولي من مجلس الأمن، فإن قدرة هؤلاء المفاوضين على التأثير على المحاربين ستكون مختلفة بكل تأكيد.

لا أستطيع أن أقنع محارباً واحداً بإلقاء السلاح ولكنني حين أقدم له برنامجاً لسوريا الجديدة تحميه الأمم المتحدة ويقره مجلس الأمن، وفيه قرار دولي وقبعات زرق وضمانات حقيقية بعودة النازحين والافراج عن المعتقلين ومحاسبة المجرمين، أو على الأقل نزعهم من مواقعهم وتكليف الشرفاء من أبناء البلد بمهام الأمن والجيش، تحت إشراف دولي، وحين يقتنع المحاربون أن مصيرهم لن يكون في الباصات الخضر إلى أماكن محاصرة من جديد، وإنما سيكون إلى مكان مناسب في الجيش الوطني، لمواجهة خطر الإرهاب العالمي الذي يهدد بلادهم، وأن النازحين يعودون إلى بيوتهم أو ما تبقى من أطلالها في إطار برامج بناء حقيقية تدعمها الأسرة الدولية، وأن زوار الليل من المخابرات والأمن لن يستطيعوا أن يطرقوا أبوابهم في سواد الليل من جديد، وأن المعتقلين سينالون شرف الحرية وستضمن الدولة حاجاتهم الإنسانية حتى يلتحقوا بعمل شريف، فإن المشهد يمكن أن يتغير من جديد.
دعونا نحاول، قلت لهم، وهاتوا لنا منجزاً حقيقياً في طريق التحول نحو العدالة المنشودة يحميه المجتمع الدولي وعند ذلك سيقوم كبارنا وحكماؤنا بشرح الجديد للمحاربين وأنا أضمن انخراط ثمانين بالمائة من المحاربين في العملية السياسية، ومواجهة الإرهاب.
أنا أشجع طريقة البيبي ستيب (الخطوات الصغيرة) الإنجاز الحقيقي على الأرض الذي يمكنه أن يقنع الطرفين أن الحرب لن تأتي إلا بالكارثة التي نشاهدها وأن السلام هو القدر المكتوب على السوريين كما هو قدر سائر الأمم في مشوارالخلاص من القهر والعذاب.
هل تستطيع روسيا ومعها القبعات الزرق أن تفعل شيئاً مختلفاً في مكان ما في سوريا؟؟ أعتقد أن كل سوري يأمل ذلك… والأيام حبلى… ومن يدري؟؟؟

اضف رد