الدكتور محمد حبش-إرهاب الدولة

يرجع ابتكار هذا المصطلح للرئيس السوري السابق حافظ الأسد، أو على الأقل يعتبر أشهر من روج لهذا المصطلح السياسي، وارتبط المصطلح بموقفه في استضافة حركات الثورة الفلسطينية، كالجهاد وحماس وحزب الله ولا شك أن هذا الموقف كان يحظى بتأييد شعبي في الداخل كما كان يثير أشد الغضب الأمريكي، وكان الأسد يتبنى الدفاع عن خياره هذا في كل مناسبة، ويمنحه حق التحدث باسم المقاومة المسلحة، والتلويح بقدرتها على فعل العجائب في مقاومة الظلم، ولكنه في اللحظة المناسبة كان بارعاً في نقل الصراع المسلح إلى أراضي الغير على الرغم من الدور المحوري الذي كان يمارسه في إدارة هذه الحروب.
وكان للأسد توجهات مماثلة منها مطالبته المستمرة بعقد مؤتمر دولي لتعريف مصطلح الإرهاب، والتمييز بين الإرهاب المبني على أسس أيديولوجية وتكفيرية، وبين المقاومة المشروعة التي تمارسها الشعوب ومنها المقاومة المسلحة ضد الظلم والبطش الذي تمارسه دول تملك دساتير واعترافات دولية وجيوشاً نظامية، وبالطبع فقد كان يقصد هنا إسرائيل وبطشها بالشعب الفلسطيني.
وتؤكد هذه الأدبيات أن قيام جيش نظامي باعتقال الناس بغير حق أو ترحيلهم إلى خيام اللجوء أو تهجيرهم من قراهم ومدنهم بدعوى وجود إرهابيين ومسلحين يعتبر عملا إجرامياً، وهو إرهاب الدولة الذي لا يختلف في الواقع والمآل والبشاعة عن سائر سلوكيات الإرهاب المرفوض عالمياً، ويمنح الحق للشعوب بأن تسلح نفسها وتقاوم هذا المحتل.
كما تؤكد هذه الأدبيات أن استعمال العنف ضد المدنيين بدعوى مقاومة الإرهاب لا يغير من شكل الجريمة وبشاعتها، حتى ولو كان من يرتكب هذه الفظائع جيشا نظامياً يحظى بتأييد مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وفي سياق رفض الارهاب الإسرائيلي فإن موقف نظام الأسد المعلن كان أن ما قام به الشعب الفلسطيني ضد الإسرائيليين سواء في الداخل أو في الخارج، وضرب مصالحهم ومصالح داعميهم الأمريكيين هو أمر مشروع لرد الظلم الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد القلسطينيين!
وبندقية المقاومة هنا هي أشرف أنواع السلاح، ولو كانت بأيدي ميليشيات غير منظمة، ولو انطلقت صوب تجمعات مدنية للعدو، ولو سقط فيها ضحايا أبرياء فإن الجيش الرسمي الاسرائيلي هو من يتحمل مسؤولية ذلك لأنه هو من ارتكب المظالم ضد الناس.
وأما الفدائيون الذين يقدمون حياتهم لتفجير حاجز عسكري إسرائيلي أو أي إدارة صهيونية فهم استشهاديون أبطال لسبب بسيط وهو أنهم يقاومون شراسة الجيش الرسمي الذي يطلق النار على المتظاهرين ويقتل الرافضين لسياساته وخططه، ولم يكن الإعلام الرسمي ليأذن أبداً باستخدام كلمة انتحاري لمن يقاوم الاحتلال وكانت الأعراس الجهادية تقام في كل مراكز البعث في المدن السوري لتحية الاستشهاديين الذي قاموا بتنفيذ هذه البطولة مستهدفين مصالح الإسرائيلي والأمريكي في أي مكان في العالم، وقد أطلق النظام السوري أسماء الأبطال الاستشهاديين على مدارس وساحات وشوارع، تضامناً مع الجهاد المبارك ضد إرهاب الدولة الإسرائيلي الذي يمارس إطلاق الرصاص المطاطي على المتظاهرين، وقد بلغ تقديس العمل الاستشهادي مستوى بليغاً، حتى إن نائب وزير الخارجية السوري آنذاك وليد المعلم في تعليقه على مقتل الحريري لم يجرؤ على ذكر كلمة انتحاري، ووجد نفسه يقول في الإعلام إن اغتيال الحريري تم بعملية (استشهادية)!!
الأدبيات التي كتبت في تحليل سياسة الأسد الأول ومواقفه المعلنة ضد ظلم جيش الاحتلال تشكل من وجهة نظري قاعدة كافية معززة بكل الأدلة المطلوبة لتبرير كل ما قام به أبناء الشعب السوري في مواجهة إرهاب نظامهم الفاشي الذي سبق كل أنظمة العالم بكل أشكالها الفاشية والكليبتوقراطية والأوليغارشية في البطش بشعبه وممارسة أبشع أنواع القتل والتهجير والتشريد.
لقد كتبت خلال السنوات العشر قبل الثورة أكثر من مائة مقال عن إرهاب الدولة وكنت أقصد بالطبع الصهاينة بدءاً من شامير ورابين وبيريز وشارون حيث ارتبط كل واحد منهم بسلسلة مجازر ضد الشعب الفلسطيني، من قانا إلى عناقيد الغضب إلى حرب تموز وحرب غزة، ولكن لم يخطر ببالي أبداً أنني سأعود إلى هذه المقالات لأقرأ فيها بالضبط ما أقرؤه في سلوك النظام الحاكم في سوريا، بالطبع هناك تميز فظيع في إرهاب النظام حيث تميز بصواريخ سكود، وقصف العاصمة من جبل قاسيون، والبراميل المتفجرة، وقصف مخيمات النازحين والمشافي الميدانية، والأشرطة المسربة عمداً للتعذيب حتى الموت … وهي إمكانيات لم يستطع الجيش الصهيوني الوصول إليها في سائر حروبه ضد العرب .
في إحصاء ذي دلالة فإن أشهر مجازر الصهاينة خلال سبعين عاماً تم رصدها بالأرقام فكانت دير ياسين 109 شهداء، كفر قاسم 48 شهيداً مجزرة قانا 106 شهيداً حرب تموز 1150 شهيداً، وهي جرائم بشعة ولا يمكن التقليل من فظاعتها ولكنها لا تعادل نصف نهار كيماوي على غوطة دمشق…
حتى مجزرة صبرا وشاتيلا التي قدر عددها الصليب الأحمر ب 328 شهيداً، وفي إحصاءات غير رسمية قدرت بعدة آلاف فإنها حصاد أسبوع واحد من هذا الجنون الدامي الذي يمضي فيه الجيش السوري في مطاردة الإرهاب ولكنه يضرب في كل مكان في شعبه المنكوب.
ما يمارسه النظام السوري اليوم هو بالضبط إرهاب الدولة الذي ظل عقوداً طويلة يقدم تحليلاته وتفسيراته وتبريراته، ولا مزيد على الأدبيات التي كتبها فلاسفة البعث لشرح طبيعة الفعل الذي يقوم به الجيش النظامي في مواجهة خلايا مسلحة، يصفها بالإرهاب.
نستطيع اختصار المشهد كله في المؤتمر الديني الذي دعا إليه النظام بعد أكثر من عام على بدء الثورة، وجمع له نحو ثلاثمائة من رجال الدين من سوريا ولبنان والأردن، وكان مخصصاً للحديث عن جرائم إسرائيل، وبدون أدنى حياء قددمت إحصائيات موثقة تبت أن الجيش الإسرائيلي يمارس إرهاب الدولة وقد قتل خلال عام واحد نحو 37 فلسطينياً!! وتسبب في تشريد ست عائلات من بيوتها بدعوى هدم مبانيهم غير المرخصة!! وكانت جرائم من هذا النوع كافية ليعلن المؤتمرون وجوب المقاومة المسلحة لهذا العدو الغاشم الذي يمارس إرهاب الدولة ضد الشجر والحجر والإنسان.
لست بالطبع معجباً بسلوك الجيش الإسرائيلي، وقد تصرف بالفعل بعقلية إرهاب الدولة ولم يجد من يردعه، ولكن جرائمه مجتمعة لم تعد شيئاَ يذكر أمام ما كابده السوريين من نظامهم الأخرق وسياساته الشرسة، ولا يزال النظام يعرض القنيطرة المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي قبل أربعين عاماً، ولكنه لا يعرض صور أكثر من مائتي قنيطرة دمرها الجيش النظامي في سياق حربه على الإرهاب، ولا يعرض شيئاً عن أكثر من ألفي قرية دمرت حتى الآن بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، بدعوى وجود الإرهاب ومطاردة الإرهابيين.
أرجو أنني لا أقدم مناحة جديدة على المناحات التي يكابدها السوريون هذه الأيام ولكنني أكتب ذلك لأصدقائنا الذين كنا نعمل معهم في سوريا لبناء بلد آمن ومستقر، دعوة للوقوف مع الذات والمصارحة، وفعل ما يمكن لتجنب مزيد من الموت، بعد أن صار واضحاً أن سبيل البطش الثوري بكل أدواته المضمخة بالدم الحرام غير قادر على إسكات الشعوب الثائرة، وأن العنف يولد العنف، والدم يستدعي الدم، وأنه لا شرف لبندقية، وأن كل قتل حرام، ولا توجد حرب شريفة، واستمرار هذا الجنون سيجلب كل مجانين الأرض للقتال في سوريا، وأن أدبيات البعث نفسها هي التي جعلت عشرات الآلاف من كوادر هذا البعث وشبابه يتحولون إلى العمل المسلح دفاعاً عن أهاليهم وقراهم ويلتحقون بالفصائل المسلحة في مواجهة الجيش النظامي، إنها دعوة للضمير أن يستيقظ، ونكفر بعقولنا إذا تصورنا أن الضفة الأخرى بدون ضمير.

اضف رد