د. محمد حبش-مقالات في الثورة…الداخل والخارج في جدل المعارض السوري

كشفت الثورة السورية عن أزمة حقيقية في العقل السوري في تبادل الريب، وفرض أحكام بوهيمية مسبقة على الأشياء بعيداً عن التفكير الموضوعي.

كيف يتبادل معارضو الداخل والخارج الحديث عن أدوارهم ومواقعهم؟
الداخل يحمل فكرة سوداء مقيتة لكل معارض في الخارج، فلو كان صادقاً لمارس المعارضة من الداخل، ولا بأس أن يذوق السجون والنكال فثمن الحرية غال ونفيس، ولا بد لمن يعشق الحرية أن يدفع ثمنها، والمعارض الذي يعيش خارج البلاد متهم موزور، خاصة إذا فرضت عليه الاقدار أن يعيش في السعودية او قطر أو مصر أو تركيا او الاردن، والقائمة الى ازدياد كل يوم، وهذه كلها بلاد المصايب في نظر النظام الذي ما انفك يتهم كل خارج عن إرادته بأنه باع ضميره وتحول إلى مارق مغرور او سلفي مأجور.
وفي هذا السياق فلا يتردد معارضو الداخل في معظمهم في تخوين المجلس الوطني واتهامه وكذلك الاخوان المسلمون والهيئة العامة للثورة وسائر التنظيمات السياسية العاملة في الخارج.
ولقد اكتشفت خلال اقامتي في الخارح في العام الاخير أن الأمر نفسه هو رهاب الخارج المعارض أيضاً، فالمعارضون في الخارح لا يرون في المعارضة الداخلية بكل أطيافها إلا معارضة من صنع النظام ، وأنها جزء من مشروعه الديكوري للزعم بأن في سوريا من سيمارس الديمقراطية تحت سمع النظام وبصره.
يتحدث معارض الداخل عن أخيه المناضل في الخارج بالريب، وينسى أن هذا المعارض الخارجي ما هو إلا فار بروحه ونفسه من بطش النظام وكان بالامكان أن يكون حبيس زنزاناته الكئيبة، وهنا يقبع الآن مئات المعارضين الشرفاء الذين لم يتمكنوا من الخروج من البلد ووجدوا أنفسهم في أقفاص النظام وزنازينه، ولم يعد لديهم ما يقولونه لا في داخل ولا في خارج.
إن الخروج من البلد لأسباب سياسية هو قهر فظيع لا يدركه إلا من عرفه وذاقه، فكل ما قمت ببنائه في البلد تتركه الآن تحت رحمة النظام ولا تدري كيف سيذهب به النظام أو كيف ستتمكن من استرداده أو كيف يمكنك أن تحلم بما تبقى منه، وهو في قبضة النظام يقلبه متى شاء وكيف يشاء.
في تجربة قريبة لصديق لي من كبار رجال الأعمال السوريين في الخليج كان قد جاء الى الشام باستثمارات كبيرة بدعوة مباشرة من الرئيس نفسه لتطوير البلد وبتسهيلات كبيرة تغري كل مستثمر، واشترى أربعمائة عقار في سوريا وبنى جامعة خاصة، ووضع خططاً لعدة مشاريع كبرى في ريف دمشق، وحين اتخذ موقفاً معارضاً للنظام أبلغه آصف شوكت هاتفياً قبل رحيله بأسابيع: يجب أن تنسى أن لك أي شيء في سوريا؟؟
أن لا يكون لك شيء في الشام وأنت قد حملت حصاد عمرك الى الشام لتسهم في بنائها وتنميتها وأنت ابن البلد وقلبك على البلد وتعمل للبلد ولكن لمجرد أن موقفك السياسي لا يعحب النظام فأنت تقامر بحياتك وأموالك إذا لم نقل وأسرتك وأبنائك.
وحين تخرج من البلد فأنت أمام تحديات وعقبات كبيرة ومؤلمة، والبلاد العربية ليست حضناً دافئاً للسوريين، ولا تمنحك الاقامة على سواد عينيك، ولا بد أن يكون لديك عقد عمل أو عقار كبير أو شركة خاصة حتى تتمكن من البقاء في البلد الضيف، وعليك أن توفر سكن أسرتك وتعليم أبنائك وهي نفقات لا يطيقها أبداً السوري الذي كان يعيش في بلده حياة الكفاف في أي وظيفة كانت بما فيها وظيفة الوزير أو السفير.
من يشارك هؤلاء عناءهم ؟ خاصة أن المعارضة التي كشفت عن عين بصيرة ويد قصيرة، ولكنها للاسف كشفت أيضاً عن لسان طويل، يسلق الخارجين من جور النظام وبطشه بألسنة حداد، ويهين كراماتهم ويكوي جلودهم بخطاب التخوين والتفسيق والهزء والسخرية والشتيمة التي توفرت لها اليوم منابر مثالية في الفيسبوك بلا رقيب ولا حسيب ولا شهيد.
ومن يقرأ ما يكتبه هؤلاء على الفيس بوك تحديداً يوم انشقاق مناف طلاس أو نواف الفارس أو رياض حجاب فإنه سيقول على الفور: أحمق من يركب هذا المركب الهائج، ومن يريد حفظ كرامته وتاريخه وسمعة أسرته فالأفضل له البقاء مع هذا النظام لأنه سيكون أرحم من هذا الهيجان التائه الذي تمارسه المعارضة، وعندما يغرق المركب فبإمكانه أن يرتب رحيلاً هادئاً لا تستباح فيه كرامته.
وبالمناسبة فأنا لا أبرئ نفسي وقد عانيت طويلا ًولا أزال من اتهام فلاسفة الثورة وسفسطائييها، ولكن الأمر بالطبع يتناقص مع الأيام.
إن كفاح المعارض الداخلي قاس ومرير، وهو في كل تصريح أو موقف مشروع سجين أو شهيد، والنظام في تعاطيه مع المعارضة المصنعة فضاح ساذج، يذكرك بقصة المخبرين الذين أرسلوا في مهمة استخبارية إلى اسرائيل وتم القبض عليهم في اليوم الأول بسبب أنهم كانوا قد وضعوا على بلور السيارة (الفيميه) صور القائد وأخيه ماهر وعلم البعث، ومع سذاجة الحكاية وأسطوريتها فإنها في الواقع هي صورة الاسلوب الذي يعتمده النظام مع الموالاة والمعارضة على السواء.
حرام أن يقال عن أولئك الذين أنهكتهكم سجون النظام على مدى ثلاثين عاماً داخلين خارجين بأنهم بعض إفرازاته، صحيح من الممكن أنه يستفيد من مواقفهم في المعارضة لبعض الوقت، في ترويج ما يزعمه من مساحة الديمقراطية ولكنه ترويج بايخ سرعان ما يتكشف عندما يفقع ضابط في المخابرات من أحدهم ويزجه في السجن من جديد وفق العقلية الأمنية التي لم تتغير على الإطلاق منذ بداية الأزمة وحتى الآن.
لقد جربت المعارضة في الداخل وفي الخارج ومع أنها في الخارج أكثر كلفة وعناء، ولكن معارضة الداخل أكثر تضحية ومغامرة، وحين كنت أدلي بتصريح ناري ضد أسلوب الجيش الدموي فإنني أتوقع على الفور أرقاماً مرعبة على موبايلي تحمل استدعاء لزيارات غير سعيدة أقل ما فيها أنها يعرف لها أول ولا يعرف لها آخر، وأنت مضطر أن تقدم سلسلة من الوصايا الوداعية لأحبائك قبل الذهاب إلى هذه الضيافة السعيدة، وهي ضيافات تنتهي غالباً بسلسلة من التطمينات والتنازلات تقدمها على حساب سمعتك وكرامتك وماء وجهك لتضمن عودتك إلى أطفالك بأقل قدر من الخسائر.
ومع أنني أعتبر أكثر مواقفي شجاعة وجرأة هي تلك التي قدمتها في الداخل وودت لو قدرت على البقاء في الداخل إذن لكنت أكثر تضحية وإخلاصاً، ولكن معارضة الخارج لا تحفظ أياً من ذلك كله، وتعتبرك موالياً للعظم إلى حين ساعة إعلان انشقاقك وخروجك من سوريا، وأن كل ما قدمته من قبل إنما كان بوحي النظام وإذنه وأمره وضوئه الأخضر، وهو موقف غير عادل ولا موضوعي.
في إطار العمل على توحيد المعارضة ينبغي أن يدرك أي ثائر ظروف أخيه الثائر، وأن يتفهم كفاحه من موقعه، وأنا أعتقد ان إرادة توحيد المعارضة ليست موقفاً لإنتاج قالب محدد للمعارض السوري ينسج على منواله بل هي جهود للتنسيق والتكامل بين كفاح معارضين يعملون من أجل الحرية، من منابر مختلفة وبوسائل مختلفة، وبعقليات وأساليب إدارية مختلفة، ويحملون رؤى إيديولوجية مختلفة.

اضف رد