رياح الموت الطائفي… رؤية غير طائفية

تبدو المسألة الطائفية أكثر الكوارث التي أفرزها بطش النظام وطيش المعارضة في سوريا، ويسود اليوم خطاب إقصائي إلغائي لا مكان فيه لاي لغة تسامح أو تعايش بعد أن دفع الخطاب الطائفي بحملة السلاح إلى الغاية، وألقى بالزيت على النار في المحرقة المشتعلة.
حتى الخطاب الرسمي للمعارضة والنظام أصبح استئصالياً بالمعنى الدقيق للكلمة، وإن كان لا يزال يتجنب التوصيف اللفظي الطائفي، ولكنه حاضر في روح كل تصريح، حيث ينص النظام على القتال حتى مقتل آخر إرهابي، وتصر المعارضة على القتال حتى مقتل آخر شبيح، ويتم يومياً الدعس اللئيم على ضحايا الفريقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الفور ترتسم اللوحة الطائفية البغيضة في الأذهان للإرهابي والشبيح، ويقفز لتأييد النظام فصائل مسلحة وافدة من الخارج كلها دون استئناء من الشيعة، ويصل لتأييد المعارضة فصائل مسلحة مقاتلة من الخارج كلها دون استئناء من السنة، وتعبر عن الكارثة مباشرة بالصوت والصورة عشرات المقاطع المسربة من الفيديو للفريقين المتحاربين، ومن السذاجة أن نصدق أن الرغبة الدموية الهائجة في الاستصال الطائفي هي شأن فريق دون آخر، بل يجب القول إن لدى الجميع رغبات متشابهة في التصفية الطائفية والثأر والانتقام.
اننا مدعوون هنا إلى ملامسة الموضوع بدقة، واقتحام التابو الطائفي للحديث بصراحة وبالأرقام الدقيقة، فاكتشاف الحل جزء من تصوره، ومعرفة الداء قبل معرفة الدواء، ولم يعد من المقنع أن نتصور أن الضمير في ضفة واحدة، وأن الآخرين بلا ضمير، ولا يمكن أن نتصور الآخر على منطق العدو المفطور على العدوان والابتزاز والشر، وهو ما يغلب على الخطابين معاً، ويقدم قراءات هائمة ساخطة لا يمكنها أن تحمل أي مضمون إصلاحي.
ورغم أنني لا أومن بالحرب كلها وأعتقد ان لا شرف لبندقية ولا مجد لحرب، والقتال بكل فنونه لون من الوحشية وشرعة الغاب، فإن ذلك لا يعني أن المتحاربين بلا قضية، أوأنهم لا يملكون أسباباً تقنعهم للدخول في حمأة الموت البغيضة.
في بلاد العراق وسوريا ولبنان يعيش قرابة 60 مليون إنسان، يزيد عدد الشيعة فيهم عن 40% وإذا استثنينا الكرد الذين لهم هم قومي وليس مذهبياً، فالشيعة هنا نحو نصف الناس، هذا إذا لم نتحدث عن الامتداد جنوب العراق صوب الكويت والاحساء والبحرين والامتداد العلوي في تركيا العلمانية بواقع يزيد عن عشرة ملايين تركي، وهذا يعني أن الصراع المذهبي سيكون صراعاً ماحقاً، وأنه لا أمل في انتصار أحد فيه.
ومع أن التركيبة الطائفية في سوريا ليست بهذه الصورة، ويرى البعض أن قياس العراقي على السوري واللبناني غير مستقيم، ولكن الأحداث أثبتت خلاف ذلك، فقد كسر اللبنانيون من حزب الله والمقاتلون من العراق حاجز الحدود واقتحموا سوريا بكتائبهم المقاتلة وأثبتوا أنهم –حين يريدون- أشد من البعثيين رفضاً لسايكس بيكو وما نتج عنها.
ومع أن الخلاف كبير فقهياً وأصولياً بين الشيعة والعلوية، وهناك فتاوى تكفير مشهورة من مراجع الشيعة بحق أتباع محمد بن نصير مؤسس الفرقة العلوية في القرن الثالث الهجري، ولكن كل هذه الفروق تنصهر في ساعات المخاطر المشتركة، ويلتف الناس حول المحارب المنقذ، وخلال أسابيع قليلة من الصراع صار الجميع شيعة، النصيرية والدروز والاسماعيلية، بل حتى ميشال عون والناطقين باسمه تحولوا إلى الحديث عن مزايا الولي الفقيه، وضرورته لحماية الأقليات المنكوبة!!
ومن جانب آخر فإنه لا أمل أيضاً في أي فرز على أساس مذهبي، لأن الانتشار السني والشيعي عارم في كل المدن السورية والعراقية واللبنانية، والتداخل كبير ومن المستحيل تأمين أي فصل على أساس طائفي، وأي تقسيم على اساس الفرز بالاغلبيات سينتج دولا متعادية متحاربة، وأقليات مسحوقة محتقرة، وفي الحالين فالكارثة متحققة، ولا خيار للناس إلا العيش المشترك.
النظام يزول ولكن الطائفة باقية، والمستبد يرحل ولكن المذهب مستمر ولا يستطيع أحد إلغاءه، وعلينا استئناف العيش معا كما كنا خلال التاريخ كله.
إن المشهد الطائفي في سوريا ليس شأناً خارجياً في الجوهر، ولكنه بسبب لغة الإقصاء والرفض صار اليوم محكوماً بإملاءات الخارج، وإن الصورة الحقيقة للصراع أن هناك طائفتين حقيقيتين مفروزتين ومتعادلتين في العدد والنفوذ، تدعم الأولى إيران بمخزونها النووي ووزنها الاستراتيجي وتدعم الثانية دول الخليج بقدراتها المالية والسياسية، والحلفان لا يملكان التراجع، ويعتبران المعركة في سوريا والعراق مسألة وجود، ولا بد من حسمها بما يضمن المصالح الاستراتيجية لكل منهما، ويدفع ثمن ذلك كله الشعب المنكوب الذي يعيش في أتون الحرب وقدرها دون أن يكون له في ذلك اي اختيار.
إن موقف المعارضة المتسرع من مهاجمة إيران، امتثالا لرغبة بعض العواصم الداعمة للثورة واعتبارها عدوا للشعب السوري كان خطأ استراتيجيا دفع ثمنه السوريون، وقد أسهم مباشرة في الفرز الطائفي المقيت، ودفع الايرانيين الى التورط مباشرة في الصراع السوري، بقوات محترفة من لبنان والعراق وايران، وهو تطور دام وخطير في المسالة السورية الرهيبة.
قناعتي أنه حتى لو كان الشاه نفسه حاكما لايران ولو ان الخميني نفسه لم ينجح في ثورته، ولو كانت ايران تعيش العصر الامبراطوري نفسه بنكهته العلمانية فمن العسير ان تبقى متفرجة على الشأن السوري، ومن الوارد تماما ان تتدخل لحماية مصالحها واتباع مذهبها، ومبررات التدخل ستبقى متوفرة تحت عناوين إنسانية أخرى لا تختلف عن مبررات التدخل الخليجي والتركي التي تنطلق من حماية الناس من الإبادة، وإغاثة الملهوف، وبقدر ما تمتلك المعارضة صوراً لعذابات وحصارات لا تنتهي في المعضمية وبرزة وداريا ومخيم اليرموك فإن النظام يمتلك صوراً أخرى كثيرة في نبل والزهراء والحولة وتل كلخ والقصير وريف سلمى وعدرا العمالية وصدد ومعلولا وغيرها والقائمة تطول.
هل سيدرك السوريون أن التنوع المذهبي والديني الذي طبع حياتهم هو قدرهم الذي لا مفر منه، وأن إلغاء الطائفة مذهبياً أو إيمانياً هو مشروع استئصال، وأن أي مراهنة على طائفة فوق الطوائف، ومذهب فوق المذاهب هو انتحار للمجتمع بأسره، وأن المطلوب هو مذهب بين المذاهب، وحزب بين الأحزاب، وطائفة بين الطوائف.
حين قال هتلر ألمانيا فوق الجميع أحرق العالم ودمر ألمانيا.. وحين قال الألمان ألمانيا مثل الجميع حققوا أنجح وحدة سياسية في العالم، وحملوا الرفاه والازدهار لكل الألمان.

اضف رد