الدكتور محمد حبش-الصين والعالم الإسلامي تاريخ الجوار والحوار

مقال خاص بالإمارات الثقافية
د.محمد حبش
أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أبو ظبي

1/8/2013

يكثر الجدل اليوم حول الطبيعة المنشودة للعلاقات بين الدول الإسلامية وبين العالم، فبينما تتجه التيارات الواقعية في العالم الإسلامي إلى بناء علاقات ذات احترام متبادل بين الإسلام والعالم تقوم على أساس المصالح المشتركة واحترام عقائد الناس، فإن التيارات المتشددة أعادت الحديث عن شطر العالم إلى فسطاطين متناقضين وأعادت الحديث عن دار إسلام ودار حرب تفصل بينهما حدود دامية رهيبة.
ويقع هذان الاختياران مباشرة في مواجهة اتهامات المستشرقين المستمرة للمسلمين بأنهم نشروا دينهم بالسيف، وأن العنف هو الصورة الواقعية لعلاقات المسلمين بالعالم.
وعادة ما يتم الرد على هذا الادعاء بالإشارة إلى الشعوب الشرقية التي اعتنقت الإسلام في الملايو وهي تعد مئات الملايين، في إشارة إلى قوة الحجة والبرهان في الدعوة الإسلامية.
وبالتأكيد فإن للفتوح الإسلامية مبرراتها وظروفها، وهي محكومة بقوله تعالى لا إكراه في الدين، وبالفعل فإن نحو مليار إنسان في هذا العالم اختاروا الإسلام ديناً دون أن تشهد بلادهم فتحاً عسكرياً، أو حرباً دامية.
وفي غمار جدل كهذا تضيع قراءات أخرى بالغة الأهمية حول طبيعة العلاقات الدولية بين المسلمين وسائر دول العالم، ونادراً ما يطرح السؤال حول طبيعة التعاون الدولي والعلاقات الدبلوماسية المتكافئة بين المسلمين وبين الدول القائمة في العالم، وكيف يكون السلم والعدل أساس العلاقات الدولية.
وربما كان أقرب الأمثلة على هذه الحقيقة هو العلاقات الدلوماسية الناجحة التي أقامها الخلفاء مع ملوك الصين، وهي علاقات لم تحظ بما تستحقه من الدرس والتحقيق.
ومن المؤلم أن يكون إهمال هذا الجانب من المعرفة سببه عدم قيام حروب دامية بين المسلمين والصين، وأرجو أن لا يكون هذا دليلاً على أن المؤرخين يغريهم لون الدم الأحمر أكثر مما يغريهم تدوين العلاقات الإيحابية الخضراء.
هذا المقال يحاول الاقتراب تاريخياً من العلاقات الدبلوماسية بين الإسلام والصين التي ظلت خلال التاريخ علاقات سلمية ودية ولم تطبعها الحروب بطابعها الذي كان يهيمن تاريخياً على علاقات الحضارات المتناوئة.
ومع أن الصين لم تتحول إلى الإسلام كما هو الحال في جيرانها أندنوسيا وماليزيا وبنغلاديش وشمال الهند حيث يعيش نحو خمسمائة مليون مسلم اعتنقوا الإسلام دون حروب ودماء، ولكن الصين قدمت نموذجاً فريداً للعلاقات الحضارية بين الشرق والغرب، والتي تمكنت تماماً من استبعاد النزاع الديني ونجحت في بناء تواصل سياسي متوازن مع الخلافة الإسلامية في العصور الذهبية.

ويعود التواصل بين الحضارتين الصينية والعربية إلى عهد بعيد، ويجب الخروج من الفكرة المسبقة التي تتحدث عن الصين كعالم مغلق بثقافته وديانته ولغته، بل إن قراءة دقيقة لتاريخ العلاقات العربية الصينية يجعلك تدرك أن رغبة التواصل والتكامل هي واقع قديم في العلاقات العربية الصينية، بل إن الصين أطلقت طريق الحرير تاريخياً منذ ما قبل الميلاد حيث كان الحرير الصيني يذهب في قوافل مهيبة وكبيرة فيعبر آسيا الوسطى وصولاً إلى آسيا الصغرى وعبر الدردنيل يعبر إلى أوروبا فيصل إلى روما عاصمة الامبراطورية الرومانية، حيث كانت نساء البلاط تنتظر الحرير الصيني وتدفع فيه أثمان الذهب وتحوطه بالأسرار الغامضة.
وبالطبع فقد تطور الأداء التجاري عبر طريق الحرير ولم يعد يقتصر على حاجات البلاط الملكي الروماني، وانتشرت تجارة الحرير في العالم كله، كما أن قوافل طريق الحرير تحولت إلى مهرجانات ثقافية وتجارية وعلمية تمتد على طول الحواضر التي يعبرها هذا الطريق في إيلاف رحلتيه: الشتاء عبر إيران وتركستان والصيف عبر روسيا وكازاخستان.
وفي إطار العلاقات الدولية منذ فجر الإسلام فقد تم خلال الثلاثمائة سنة الأولى تسجيل ثلاث مواجهات بين الخلافة الإسلامية وبين ملوك الصين، وذلك قبل أن يبدأ زعماء تركستان الشرقية (سينكيانغ الحالية) بالتحول إلى الإسلام عام 964 ميلادية.
سجل أول اتصال رسمي بين الصين والبلاد العربية أرسل الخليفة عثمان بن عفان مبعوثين إلى الصين لمقابلة إمبراطور أسرة تانغ، الإمبراطور قاو تسونغ في تشانغآن (شيآن حاليا) في أغسطس عام 651 ميلادية، فكان ذلك بداية الحوار الحضاري بين الأمتين الصينية والعربية، هذه المقابلة سُجلت رسميا في المجلد الرابع من كتاب أسرة تانغ القديم.
وكان اسم بلاد العرب في الكتب الصينية لعهد سلالة هان (206 قبل الميلاد- سنة 220م) تياو شي (Tiao zi) وصار داشي (Ta zi) في عهد سلالة تانغ (618-907م). وهذا أول تسجيل صيني رسمي للاتصالات الصينية العربية الإسلامية على مستوى السفراء
وقد أشار المقدسي في البدء والتاريخ إلى أن عثمان بن عفان أرسل عبد الله بن عامر ومجاشع بن مسعود في طلب يزدجرد ملك فارس المهزوم فتعقباه في اصطخر ثم في كرمان ومرو الشاهجان وسجستان ويبدو أنهما توغلا في الأراضي الأفغانية، وذكر ابن المقفع أنهما حملا إلى صاحب الصين الهدايا النفيسة وذكر فيها من أواني الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة ولا شك أن ذلك يعكس حال الود الذي كانت عليه العلاقة بين ملك الصين والفاتحين الذين كانوا في الغالب في صراع مع أعدائه وأغلب الظن أن هذا هو ما أشارت إليه المراجع الصينية في كتاب أسرة تانغ القديم.
ومن المعروف أن فيروز بن يزدجرد ملك فارس لجأ إلى ملك الصين يستنصره لإرسال جيش لقتال العرب، ولكن ملك الصين اختار موقفاً واقعياً حين اعتذر إليه لبعد بلاده عن فارس وأنه بدلاً من ذلك سيرسل رسلاً إلى الخليفة عثمان ليقف على حقيقة الأمر ويوفر لأهل فارس عودة كريمة لديارهم، فيما يعتبر واحدة من الوساطات الدولية المبكرة.
وقد انتبه عثمان بن عفان لأهمية هذا المبعوث الصيني فأرسل في إثره وفداً خاصاً إلى ملك الصين يشرح له أهداف الرسالة وطبيعتها، وقد أحسن الملك الصيني وفادة الرسل العرب، كما أن الرسل العرب أحسنوا الوفادة على ملك الصين، وتم تبادل الهدايا بين الحاكمين دون أن تروى في هذا السبيل أخبار الدعوة إلى الإسلام.
وقد توالت البعثات بين الخلافة وملوك الصين، حتى بلغت 28 بعثة متتالية خلال الخلافة الراشدة، ولا شك أن تكرر البعثات واستمرارها دليل نجاحها ونيجة طبيعية للأثر الإيجابي الذي حققته في التواصل الاجتماعي والتجاري.
وعلى الرغم من البعد الشاسع بين العاصمتين: المدينة المنورة وآشيان الصينية فإن علاقات الاحترام والود استمرت بعد عثمان بن عفان ثلاثاً وستين عاماً تالية، وقامت الصين بدور إيجابي في منع حرب فارسية عربية جديدة، عبر رعايتهم لفيروز بن كسرى يزدجرد وحاشيته، وبالتالي استمر طريق الحرير في تعزيز التبادل التجاري والثقافي بين العرب والصين.
ومن المناسب أن نذكرهنا أن الصين عاشت تاريخها موحدة قوية، تحت حكم سلالة الهان التاريخية الذي امتد أكثر من أربعة قرون، ولكن عهد الازدهار هذا انهار بسقوط سلالة الهان التاريخية، وشهدت الصين بعد ذلك أربعة قرون من الشتات (220-618) سميت العصور المظلمة، وقد انقسمت فيها الصين إلى الممالك الثلاث ( الشو والوو والواي) وفقدت وحدتها الوطنية، وقامت علاقات عدائية مريرة بين الملوك المتخاصمين على التراب الصيني، واحتل المغول جزءاً كبيراً من أراضي الصين.
وشهدت الصين دور الازدهار الحضاري الثاني (618 م – 906 م) تحت حكم سلالة تونغ الذي امتد نحو 300 عام، وتزامن ذلك مع بزوغ فجر الإسلام، وقد توسع نفوذها وحققت وحدتها وهيبة ملوكها ولا سيما الإمبراطور “لي شي مين” المشهور بلقب الإمبراطور “تاي تسونغ”، وخلال هذه الفترة فقد كانت الصين تمتد غرباً إلى أراضي تركستان الشرقية وهو ما يعرف اليوم سينكيانغ كما كانت تمتد على جزء كبير من أراضي افغانستان وقيرغيزيا وطاجكستان وأوزبكستان التاريخية، وتمتد في تأثيرها بشكل كبير في المدن التاريخية كترمذ وبخارى وبلخ وخوارزم والصغد وهراة وسمرقند وغيرها.

وفي عام 94 هجرية 714 ميلادية اشتهرت غزوات قتيبة بن مسلم الباهلي في سمرقند وبخارى، وفي الواقع فإن قتيبة وصل إلى كاشغر داخل الصين الحالية اليوم، ولكنه لم يقاتل أهلها، واكتفى بمراسلة ملك الصين عبر وفد يرأسه هبيرة بن المشمرج، ولا يظهر في المصادر العربية من هو ملك الصين المقصود أهو الامبراطور Xuan Zong زان زونغ الذي كان بالفعل حاكما للصين آنذاك من أسرة تانغ أم كان حاكما محلياً في تركستان الشرقية، ولكن المصادر الصينية تؤكد أنه الامبراطور نفسه.
وفي القصة أن ملك الصين لما علم بوصول قتيبة إلى كاشغر من أرض الصين أرسل إلى قتيبة أن يوفد إليه من يثق به من أصحابه للتفاوض، وبالفعل فقد اختار قتيبة هبيرة بن المشمرج، ورتب معه خطة دقيقة لشرح طبيعة الإسلام وأهداف الوجود الإسلامي في كاشغر، ومع أن المفاوضات كانت في جو ملبد ومتوتر حيث يوجد جيش إسلامي على تراب الصين، وقد أقسم قتيبة أن يطأ تراب العاصمة الصينية وأن يختم رقاب ملوكها، ولكن روح التفاوض غلبت روح الحرب، وفي خبر اللقاء أن هبيرة وأصحابه التقوا الملك الصيني ثلاثة أيام فلبسوا في اليوم الأول لباس الدعة والأنس والراحة، وهو ما أسموه لباسهم لأهلهم وبيوتهم، وفي الثاني لبسوا لباساً رسمياً أنيقاً قالوا إنه لباسهم لملوكهن، وفي اليوم الثالث لبسوا لباس الحرب وأدواته.
والرسالة هنا واضحة تماماً وهي أن العلاقات المطلوبة يمكن أن تكون من الود بحيث تكون تحالفاً وثقة ومودة، ويمكن أن تكون رسمية بحيث تكون مصالح ومنافع متبادلة، كما يمكن أن تكون حرباً وقتالاً، وهذا الخيار المثلث ينبغي أن يكون واضحاً، ولكن روح التفاهم والتفاوض الإيجابي هي التي تغلبت في النهاية، وقدم ملك الصين حلاً دبلوماسياً ذكياً اشتمل على بر القسم الذي أقسمه قتيبة وكان قد أقسم أن يطأ تراب الصين ويختم رقاب ملةكها، فأرسل له بعض تراب الصين ليطأه ، وبعض أبناء الملوك ليختمهم، وبشكل تلقائي تحول معنى الختم هنا من الإذلال والمهانة إلى التواصل والتعارف والثقة وبدأ مشوار من العلاقات الإيجابية بين المسلمين في تركستان وبين ملوك الصين.
أما المرة الوحيدة التي وقع فيها قتال بين العرب والصين فقد كانت عام 751 ميلادية، أي في السنة الثانية من حكم العباسيين، وقد جاء في كتاب أسرة تانغ الجديد (Xin Tang Shu) الجزء الخامس سيرة الإمبراطور شوان زونغ (Xuan Zong 712 – 756 م على العرش) ما مفاده أنه في يوليو سنة 751 ميلادية اقتتل جيش القائد الصيني قاو شيان تشي (Gao Xian Zhi) وجيش العرب في تالاس، وهزم جيش القائد قاو، وجاء في كتاب أسرة تانغ الجديد الجزء 135 سيرة القائد قاو شيان تشي ما مفاده أن القائد قاو شيان تشي ضرب فتنة إحدى إمارات إقليم طشقند، وأسر أميره وقتله، فالتجأ ابنه الهارب إلى قائد الجيش العربي وزعماء الإمارات الأخرى، وتقاتل الجيشان الصيني والعربي في إقليم تالاس، وهزم الجيش الصيني بسبب خيانة القبائل الموالية، وأخذ الأمير الابن ثأر أبيه، وعاد على العرش، وكان عدد كبير من جنود الصين أسروا في المعركة، وتتضارب الأخبار في إحصائه قيل: إنه بلغ عشرين ألفا، والقول الآخر هو خمسون ألفا، وذكر ابن الأثير هو مائة ألف، و تعد معركة تالاس التصادم العسكري الوحيد في العلاقات الصينية العربية عبر التاريخ .
وفي المصادر العربية وردت الإشارة إلى هذه المعركة باسم معركة طلخ، وفيها أن صاحب الصين أنجد ملوك الصغد (وهي اليوم في أرض طاجكستان) بجيش عظيم فيه مائة ألف مقاتل، فتصدى له زياد بن صالح وخالد بن ابراهيم وكلاهما من رجال أبي مسلم الخولاني، عند وادي الشاش بين مرو وسمرقند، وتتفق المصادر العربية والصينية أن المعركة انجلت عن نصر حاسم للمسلمين وقد تم فيها أسر عشرين ألف جندي صيني، وذكر ابن الأثير أن الأسرى كانوا مائة ألف.
ولا تعرف مواجهة حربية بين العرب والصين إلا في يوم طلخ ومع أن النتائج كانت كارثة على الجيش الصيني، ولكن النهاية لم تكن بهذا اللون من الكارثية، حيث تمت معاملة الأسرى معاملة حسنة، وقام أبو مسلم بتأسيس معمل للورق في سمرقند وتمكن من توفير فرص عمل لألوف الأسرى الذين اعتقلوا بعد معركة تالاس، وسرعان ما تطورت هذه الصناعة ووانتشرت في العالم الإسلامي، وتجول الأسرى إلى جسر ثقافي ومعرفي بين العرب والصين.
ومن عجائب هذه الحرب أنها لم تترك رواسب عداء بين الجانبين، فبعد خمس سنوات من نهايتها (756م)، كما اتفقت المصادر الصينية والإسلامية فى الإشارة إلى السفارة التى أرسلها أبوجعفر المنصور حين لبى طلب حكومة أسرة تانغ الإمبراطورية الصينية وأرسل جيشا لمساعدتها في إخماد الانقلاب العسكري الذي قاده آن لو شان وشي سي مينغ، فكان ذلك إسهاما حاسما لإعادة الصداقة بين الدولتين. لكل هذا كانت المواجهة العسكرية الوحيدة بين الصين وبلاد العرب في التاريخ حديثا طيبا في تاريخ العلاقات الدولية تناقلته الأجيال.
وخلال ثلاثمائة عام من الحكم الإسلامي في آسيا الوسطى على تخوم الصين فقد ظلت الصين الغربية (تركستان الشرقية) تحت حكم الخانات المحليين، الذين كانوا يحكمون هذه البلاد بعقائدهم وشرائعهم الأولى ونشأت بينهم وبين المسلمين في آسيا الوسطى الذين كانوا تحت حكم الدولة السامانية أيام العباسيين علاقات ودية وحسن جوار ومحبة للإسلام توجت في النهاية بقرار تاريخي اتخذه الخاقان ستوق باغرا خان الذي اختار الدخول في الإسلام عن محبة ورضا، تجاوباً مع التحول الشعبي للإسلام آنذاك، وتم إعلان التركستان الشرقية بلداً إسلامياً عام 964 ميلادية، وتم التواصل بين هذه البلاد وبين بلاد العرب عبر قوافل الحج والتجارة، على طريق الحرير.
وخلال القرون التالية فقد تعرض القرخانيون لحروب محتلفة ولكنها لم تكن لأسباب دينية، وواجهوا كما واجه شعب الصين كله غزوات المغول المدمرة ولكن ذلك كله لم يكن ليسيء للعلاقات الودية بين العرب والصين أو بين الإسلام والحضارة الصينية ويمكن القول إن كل ما واجهه الشعب التركستاني خلال التاريخ كان لوناً من المواجهة المشتركة الذي فرضتها الحروب الخارجية على شعوب الصين.
وهكذا فإن العلاقات السياسية بين العرب والصين اتصفت بالودية خلال التاريخ، ولم يظهر فيها على الإطلاق النزاع الديني بين العقيدة الإسلامية والعقائد الصينية، التي ظلت خارج إطار العلاقات السياسية والتجارية بين الصين والعالم الإسلامي.
وباستثناء يوم طلخ فإنه لا توجد حرب عربية صينية، وظل العامل الحاسم خلال التاريخ هو العلاقات الدبلوماسية عبر الاتصال الرسمي، والعلاقات التجارية عبر طريق الحرير التاريخي.
وفي المنجز الحضاري فإن الصين كانت أسبق الأمم إلى اكتشاف الورق حيث ينسب هذا الكشف العظيم للعالم الصيني الشهير لاو تسي، حيث قدم اختراعه هذا للامبراطور الصيني ليو تساو عام 105 ميلادية، ولكن هذا الكشف الكبير ظل حبيس أسوار الصين يحتاج إلى تطوير وخبرات، وهذا الأمر تحقق تماماً عام 751 عندما تمكن العباسيون من أسر نحو عشرين الف جندي صيني بعد معركة طلخ، وقد أحسن العباسيون معاملة هؤلاء الأسرى وتم نقلهم إلى سمرقند في محاولة مباشرة للاستفادة من خبراتهم في صناعة الورق، وبالفعل فقد نجحت سمرقند في تطوير صناعة الورق باستعمال الكتان الذي كانت تشتهر به، وتم نقل الخبرات إلى العاصمة العباسية حيث أمر وزير هارون الرشيد الفضل بن يحيى البرمكي ببناء أكبر صنع للورق في العالم آنذاك، وبدأت بغداد بإنتاح الورق بعد تطويره الأمر الذي كان له أكبر الأثر على النهضة العلمية والمعرفية التي صاحبت الحضارة الإسلامية في بغداد.
وهكذا فقد حل الورق محل البردى التي كانت أداة الكتابة، وأطلق العرب على الورق اسم الكاغد وازدهرت أسواق الوراقين الذين امتهنوا نسخ المعارف على الورق واكتمل عصر التدوين الإسلامي في القرن الرابع يعد أن توفرت الأداة المناسبة لتدوين المعارف والعلوم، ولا تزال المخطوطات العربية تملأ رفوف مكتبات العالم بعد أن دوَّنها الوراقون على أتم طريق من الإتقان باستعمال الورق الصيني المطور.
وأمر الفضل أخاه جعفر البرمكي بإحلال ورق الكاغد محل القراطيس البردية في الدواوين. وقد أدخل المسلمون تحسينات على الكاغد الصيني بتنقيته من الشوائب التي كان يضعها فيه الصينيون من ورق التوت والغاب الهندي، وانتشر الكاغد بهذه الطريقة الجديدة ببلاد ما وراء النهر ثم انتقل إلى العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا والأندلس، وعم المشارق والمغارب، ومع ذلك احتفظت سمرقند بمكانتها الأولى في إنتاجه، وظل الكاغد مرتبطاً بمدينة سمرقند بمثل ما كان البردي مرتبطا بمصر.
كما أن صناعة الورق لم تتوقف عند حدود العالم الإسلامي بل انطلقت مع ترجمة المعارف العربية إلى أوربا وسرعان ما انتشرت معامل الورق في البلاد الأوربية، وكان هذا التطور سبباً مباشراً لاختراع الطابعة الميكانيكية على يد جوهان جوتنبرغ 1468 مع التذكير بأن الصين سبقت إلى اختراع الطباعة بالألواح المنقوشة على الخشب، وذلك قبل اختراع الطباعة الأوربية بنحو سبعة قرون.
وقد تم التواصل تاريخياً بين الحضارتين عبر طريق الحرير أو الأصح طرق الحرير التي كانت ترتكز أساساً على تجارة الحرير ولكنها أضافت قيماً ثقافية وتجارية واجتماعية كثيرة، وتعددت طرق الحرير في البر بين العبور شمال قزوين عبر روسيا وجنوب قزوين حيث الحواضر الإسلامية بدءاً من الأناضول وحلب والموصل وبغداد وتبريز وقزوين وكاشان وأصفهان وشيراز والري ونيسابور وصولاً إلى آسيا الوسطى في طشقند وبخارى وسمرقند وفرغانة إلى كاشغر وبلاساغون، وكذلك ازدهر طريق الحرير البحري الذي كان ينطلق عبر بحر العرب والبحر الأحمر ثم يحط في مصر ليستأنف إلى أوروبا عبر الاسكندرية، فقد وصلت الرحلات البحرية المتبادلة منذ عهد بعيد بين الصين وبلاد العرب، وبهذا المعنى فقد تم التفاعل مع جنوب الصين حيث كانت السفن القادمة من مصر واليمن وعمان وأمارات الخليج العربي تحط في مدن الصين وتعود بفرائد التحف وتتبادل كذلك البضائع العربية.
وهكذا فإن دراسة عميقة لطبيعة العلاقات العربية الصينية لا بد أن تأخذك إلى الإعجاب بفرادة هذا اللون من العلاقات الذي فرض التعامل الإيجابي والاحترام على الرغم من التناقض الحاد بين العقائد الصينية التي تقدم غموضاً وغنوصية في فهم الإله ودوره وبين عقيدة التوحيد المطلق الذي قدمته الحضارة الإسلامية، وخلال هذا التاريخ الطويل تم بهدوء تحول عشرات الملايين من أبناء الصين إلى الإسلام، بدءاً من الخاقان ستوق باغرا حاكم كاشغر الذي اعتنق الإسلام عام 964م .
ومن المدهش أن تركستان الشرقية (سينكيانغ الحالية) ليست هي الموطن الوحيد للمسلمين في الصين، بل إن الوجود الإسلامي في الصين يمتد على طول تلك القارة العجيبة، ومن المؤكد أنه لا يوجد رقم رسمي لعدد المسلمين في الصين، وتتراوح التقديرات بين عشرين مليون وبين 150 مليوناً، حيث لا توجد أرقام رسمية ولا معايير محكمة لإحصاء عدد المسلمين، وقد قدرهم الباجث الصيني لي تشين تشونغ الأستاذ في جامعة اللغات والثقافة في بكين بعشرين مليوناً، وآخر تصريح حكومي رسمي صيني لعدد المسلمين يعود إلى عام 1933 م، حيث ذكر وزير الإعلام الصيني آنذاك أن عدد المسلمين في إقليم التركستان الشرقية 4.360.000 نسمة، وأنهم يشكلون (6 %) من جملة المسلمين في الصين، وعلى هذا الأساس تكون جملة المسلمين في الصين في السنة المذكورة هي 47 مليون نسمة، وهو ما يعادل عشرة بالمائة من السكان آنذاك، ووفق هذا التصريح فإن عدد المسلمين في الصين يزيد اليوم عن مائة مليون مسلم، خاصة إذا تذكرنا أن قوانين تنظيم النسل في الصين منحت المسلمين استثناءات خاصة في عدد المواليد ومن الطبيعي أن تزداد نسبتهم بين السكان.
وينتشر المسلمون بين عشر قوميات رئيسية من قوميات الصين الرسمية البالغة 56 قومية، وهي قومية هوي، وقومية الأوجور، وقومية القازاق، وقومية دونغ شيانغ، وقومية القرغيز، وقومية سالار، وقومية الطاجيك، وقومية الاوزبك، وقومية باوآن، وقومية التتار.
على أنه يجب القول أنه منذ قيام الثورة الشيوعية في الصين واعتماد ماو تسي تونغ سياسة صارمة ضد الأديان، إضافة إلى المظالم العنيفة للحكم المنشوري السابق فإن المسلمين واجهوا ما وجهته كل العقائد الدينية في بلد يتبنى المادية التاريخية، ومن المنطقي أن الملايين لم يعودوا مرتبطين بشكل واضح بدينهم وعقيدتهم.

إن الفكرة التي نود تأكيدها هنا هو أن حوار الحضارات وتكاملها يمكن أن يستمر ويتفاعل بغض النظر عن التناقض في الإيديولوجيا، وهذا النموذج الفريد من العلاقات الودية بين حضارتين كبيرتين هو أكبر دليل على أن صدام الحضارات ليس قدراً لازباً كما زعمه صمويل هنتنغتون، وأن الحضارة الإسلامية ليست بالضرورة فكراً انقلابياً صارماً بل هي منطق اجتماعي قادر على العيش والمشاركة في مختلف الظروف، وأن الخيار الذي أطلقه المتشددون عقب أحداث الحادي عشر من أيلول في شطر العالم إلى فسطاطين متحاربين هو شعار غير واقعي ولا عقلاني ولا إسلامي أيضاً، ولعل العلاقات الصينية العربية خلال التاريخ هي أوضح جواب عن إمكانية العيش المشترك والتعاون الدولي بين الإسلام والحضارات الإنسانية.

اضف رد