الدكتور محمد حبش-النص صحيح وليس عليه العمل (2)

نستأنف هنا ما نشرناه من قبل في تقرير العلاقة بين الأمة والنص
لقد قدمت في الحقات السابقة عشرات الأدلة حول عشرات النصوص المقدسة في الإسلام من القرآن والسنة التي لا يصح العمل بظاهرها.
إنه ليس ابتداعاً نبتدعه ولا اختراعاً نخترعه، ولكنه في الواقع شرح لحقيقة معروفة يعلمها كل فقيه في الإسلام، وهو أن ظاهر النص قد يكون مراداً وقد لا يكون، وأن الأمة في استحسانها واجتهادها قد تصرف كثيراً من النص عن ظاهره وتختار تأويلاً له يختلف عن ظاهر اللفظ.
واليوم اخترت عشرين نصاً مقدساً في القرآن والسنة لا يصح العمل بما فيها، وعبارة الفقهاء فيها على صيغ واضحة وجريئة، منها قولهم: العمل على خلاف الظاهر، أو النص صحيح وليس عليه العمل، أو هو منسوخ، أو هو مطلق جرى تقييده، أو هو عام جرى تخصيصه، أو أن ظاهره غير مراد، أو العمل على تأويل ظاهره.
وقد تخيرت هذه الأدلة اليوم كلها من فقه داعش، حيث ينادي الخليفة البغدادي قبل أيام بالعمل بظاهر القرآن الكريم والسنة النبوية، ويأمر المسلمين بالهجرة إلى دار الخلافة الداعشية، ويحرم عليهم الإقامة بين ظهراني المشركين، ويقول إنه لا شرك أكبر من ترك الحكم بما أنزل الله.
داعش اليوم تقوم بتطبيق نصوص محددة في القرآن الكريم، وقد اتفق الجمهور على أن العمل بخلافها، ولا يصح العمل بظاهرها.
بالمناسبة فإن داعش أيضاً ليست ظاهرية بالمعنى البيوريتاني، بل إنها تمارس أيضا التأويل وتقرر بدورها أن العمل على خلاف الظاهر في نصوص كثيرة، وتشمل هذه النصوص كل آيات الصفح والغفران والرحمة والحرية الواردة في القرآن الكريم.
ومما تعده داعش منسوخاً قوله تعالى:
• لا إكراه في الدين… نسختها آية السيف
• قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله….. نسختها آية السيف
• فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره….. نسختها آية السيف
• وإنجنحوا للسلم فاحنح لها وتوكل على الله….. نسختها آية السيف
وهناك قريب من سبعين آية في كتاب الله تأمر بالصفح والحوار والموادعة والموادة يعتبرها فقه الخوارج منسوخة لا يصح العمل يها وعلى ذلك مذهب الدواعش.

هناك إذن طائفتان من النصوص: طائفة من النصوص ترى داعش أنه لا يصح العمل بظاهرها وسجب فيها التأويل، وطائفة أخرى يرى جمهور الفقهاء أنه لا يصح العمل بطاهرها ايضا ويجب تأويلها أو القول بنسخها.
وما بين الطائفتين والجدل المستمر يمكننا أن نفهم لماذا يجب تحرير هذه الحقيقة وهي أن القرآن نور يهدي وليس قيداً يأسر… ومثله كذلك السنة النبوية الشريفة الصحيحة.
إن احترام القرآن الكريم والسنة النبوية عظيم عند كل مؤمن، ولكن الفقهاء الكرام سبقوا في تقرير أسباب النزول وأسباب الورود، وما طرأ على التص من ناسخ وقيد وشرط وتحصيص وتأويل، وهو ما يخرج النص عن ظاهره، ولم يجدوا حرجاً أن يصرحوا بوضوح إن هذا النص لا يصلح العمل بظاهره بل يتعين وقف العمل بما فيه.
إن عبارة صالح لكل زمان ومكان هي عبارة خطابية إنشائية لم نسمعها من أهل العلم من الصحابة أو التابعين أو أئمة الفقه المعتبرين، بل كانوا يتحدثون في كل مناسبة عن ظاهره ومؤوله، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده، وتنقيح المناط وتخريج المناط ونحقيق المناط، وذلك كله يختلف اختلافاً جذرياً عن العبارة الخطابية الإنشائية التي نرددها بدون وعي بمآلاتها: صالح لكل زمان ومكان!!!

33- ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
يقول البغدادي ومن زعم أنه يمكنه أن يعيش مع النصارى ويوادهم فقد كذب قول الله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم…. وهذا دليل واضح على تحريم الإقامة بينهم ووجوب الهجرة إلى دار الخلافة.
ولكن جماهير الفقهاء خلال التاريخ الإسلامي لم تمض بهذه الآية على ظاهرها وإنما أخضعتها للتأويل واعتبرت أنها خاصة بمن هو محارب محاد لله ولرسوله، وليس في شان عموم اليهود والنصارى، وقد كان رسول الله يعاملهم ويواسيهم ويحفظ حقهم في المدينة، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير.
وبذلك فإن هذا اليهودي وأمثاله من الذين عاشوا في كنف الدولة المسلمة لا يتناولهم عموم الآية، فقد رضوا عن الدولة الإسلامية وأقرت سلوكهم وواقعهم وتركت معابدهم وصلبانهم وكنائيهم وكنسهم.
ومن أوضح الأدلة على ذلك بقاء الكنائس والكنس والبيع في بلاد المسلمين هذه القرون المتطاولة قبل ان تقوم داعش وبوكو حرام بتدمير ما وصلت يدها إليه.

34- قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
هذه الآية واضحة ويفهم منها وجوب مقاتلة النصارى حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون، وبالفعل فقد أخذ بهذا الرأي فقهاء كثير في الماضي/ ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
ولكن تطور الحياة وقيام الدولة الحديثة دقع المسلمين لترك العمل بهذا النص، والتحول إلى مقصده وغاياته، واتفقوا على عدم قتال من لم يبدأنا بقتال، واعتبروا النص في سورة التوية عاماً والنص في سورة البقرة خاصاً: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ويجب حمل العام على الخاص، كما توقفوا عن أخذ الجزية من النصارى منذ مئات السنين، والنصارى في الشام لا يدفعون الجزية منذ أيام صلاح الدين الأيوبي قبل تسع مائة عام.
والأمة بمجموعها اليوم وعبر فقهاءها وعلمائها في 54 دولة إسلامية لم تقبل ظاهر النص هذا، واعتبرت أنه نص مجكوم بطروف خاصة كانت في دولة الرسول الكريم، وأنه لا يتعين اليوم أخذ الجزية من النصارى، بعد أن قامت دولة المواطنة ، وتم إنجاز عقد اجتماعي جديد بين الناس بوصفهم شركاء في عقد المواطنة ولا يبغي أحد على أحد.

35 – فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم
إن الفهم الظاهري للآية يقتضي أن نقوم بقتل المشركين حيث وجدوا، وأن نستمر في قتالهم إلى أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ومن المؤكد أن هذا يعني استمرار الحرب إلى آخر الدهر.
وقد تعامل جمهور الفقهاء مع هذه الحقيقة بمقاصد النص وليس بدلالته الحرفية، ويمثل هذا النص لحظة التنزيل حاجة ضرورية للأمة لردع أعدائها، ولكنه لا يصلح أبداً أن يطبق في كل زمان ومكان.

36 فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها
إن الفهم الظاهري لهذه الآية يقتضي أن تكون طبيعة لقاء المسلمين بالآخرين هي الحرب والقتال، وبالفعل هكذا فهم الظاهرية والخوارج، بل إن عدداً من الفقهاء المعاصرين ذهب إلى هذا وقالوا وقالوا الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو الحرب، ويجب القتال حتى يدخل الناس في الإسلام.
ولكن جمهور الفقهاء تعاملوا مع هذه الآية بمقاصدها، ورفضوا الدلالة الظاهرة، واعتبروها نصاً خاصاً بحال الحرب التي تفرض على الأمة، ويقوم أعداءها بفرض التقال عليها

37 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
38 – يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين
ظاهر هذه الآية وجوب مقاتلة جيراننا من غير المسلمين، وقد جرى ذلك بالفعل عدة قرون من تاريخ الإسلام حيث كان العالم قائماً على شرعية المتغلب، وتحت هذا دونت سائر أعمال الفتوح في التاريخ الاسلامي، ولكن ذلك تغير في الظروف الدولية الجديدة، وقد بدأ الخلفاء منذ العصر العباسي بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع غير المسلمين من الكفار وفق شروط قائمة على تبادل المنافع والمصالح.
واليوم فهناك إجماع في البلدان الإسلامية ال57 على بناء علاقات حسن جوار مع الأمم الأخرى مهما كانت دياناتها ومذاهبها، وأن هذا النص جاء مطلقاً، ولكن طرأ عليه القيد من خلال دخول الأمة الإسلامية في عقود ومصالح ومنافع دبلوماسية محددة ولم يعد لتنفيذ ظاهره وجه على الإطلاق، بل وجب تنفيذ ما أبرمه المسلمون من عقود مع الأمم الأخرى تنفيذا لظاهر قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.

39- بقوله صلى الله عليه وسلم: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال لا تراءى ناراهما رواه أبو داود والترمذي والطبراني والنسائي
يختار الظاهرية القول بتحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، وتحريم تحصيل الجنسية الأجنبية، وهذا بالفعل هو ظاهر الآية والحديث وفق دلالات اللغة العرببة.
ولكن جمهور الفقهاء لا يأخذون بهذا، ولا زال المسلمون منذ فجر الإسلام يقيمون بين ظهراني المشركين من إقامتهم بالحبشة سبع سنين بعد هجرة النبي إلى المدينة، وصولاً إلى زماننا الذين يقيم فيه 350 مليون مسلم في بلاد غير إسلامية، وفيهم فقهاء وعلماء وباحثون إسلاميون وجامعات إسلامية وكليات شرعية…. فهل كل هؤلاء واقع بالإثم بسبب وجود نص؟ ومن الجنون مطالبة هؤلاء بالرحيل من البلاد التي يعيشون فيها والانتقال إلى العالم الإسلامي المأزوم.

40 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله…
ووفق ظاهر هذا النص فإنه يجب قتال الناس حتى يدخلوا في الإسلام، وهذا هو ما عبر عنه البغدادي في خطابه بقوله: إن الله بعث محمداً بالسيف وليس بالحوار ولا بالسلم، فمن أسلم فقد عصم دمه، وإلا فالسيف هو الحكم بيننا وبينه.
ولكن جمهور الفقهاء عبر التاريخ، لا يقولون بهذا ويعتبرون هذا الحديث مخصوصاً بمن قاتلنا وحاربنا من الأعداء، وليس في كل مشرك.
وكلمة (الناس) عموم أريد به الخصوص كما في سورة آل عمران: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فالناس في صدر الآية هو شخص واحد اسمه بشر بن سفيان الكعبي، وكلمة (الناس) الثانية عام أريد به الخصوص وهو أبو سفيان بن حرب ومن معه من كفار قريش، وفي آية واحدة دلت اللفظة على معنيين مختلفين ، لا يتصلان بالعموم الذي ورد في الآية.
والناس هنا في الحديث هم المحاربون المقاتلون الذين اختاروا مقاتلة المسلمين.

41 يقول الله تعالى: ومن لم يحكم بنما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
42 ويقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون
43 ويقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون
ولا شك أن هذه النصوص الثلاثة هي مدخل الظاهرية لتكفير العالم الإسلامي كله بوصفه لا يحكم بما أنزل الله، والحقيقة أن المسلمين اليوم لا يحكمون بالقطع والجلد والرجم وهو مما أنزله الله في كتابه، ولا شك أن جمهور الأمة لم يقبلوا أبداً إعمال ظاهر هذه الآية واختاروا تأويلها، وقبلوا إسلام الشعوب الإسلامية المتفرقة في العالم ولو لم تكن برلماناتها تحكم بظاهر القرآن الكريم، وقد صرحت معظم هذه الدساتير بأن الشعب هو مصدر السلطات، وأن الفقه الإسلامي مصدر من مصادرالتشريع.
ومع ذلك فإن الفقهاء في العالم الإسلامي يعدون بالألوف في الأزهر وكليات الشريعة في العالم الإسلامي، وكلهم يرفضون عن قوس واحدة إعمال ظاهر هذه الآية والحكم بكفر القوانين التي تتبع عقوبات جنائية مختلفة عما في القرآن الكريم.
ولا شك أن استعراض الأدلة وتفاصيلها ليس من شأن هذه المقالات الشعبية العامة، وأنما هو من شأن أهل الاختصاص، ولكن من المؤكد أن ما نقدمه هنا هو رأي جمهور كبير من الفقهاء وليس راي فرد منهم أو عدة أفراد.
وبعد…… فهذه الأمثلة المتتابعة التي استقر عليها عمل الفقهاء المسلمين في سائر بلدان العالم الإسلامي، تختار أن يكون النص الدين نورا يهدي وليس قيداً يأسر، إنها تجارب من نور نقرؤها ونرتلها ونعلم أنها كلام الله، ولكننا نتبع هدي الفقهاء الراسخين في العلم الذين رأوا بوضوح أن النص فيها مصروف عن ظاهره، وأن مصالح الأمة أولى بالاعتبار من ظاهر النص.
لن تغير هذه الحقائق شيئاً في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وسيبقى مكان القرآن في الترتيل والتعبد واستحلاص العبر والحكم، والاهتداء بالتجربة مستمراً إلى قيام الساعة، ولكن المطلوب هو الانتقال من العبارة الإنشائية الخطابية إلى عبارات أهل الفقه والعلم والبصيرة: العمل بالتأويل، والحكم بخلاف الظاهر، وطاهر النص غير مراد، والنص صحيح وليس عليه العمل، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وحيث كانت مصلحة الأمة فثم شرع الله، ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً.
إن الأمثلة التي قدمناها لا يمكن لعاقل أن ينازع فيها، وعلينا ان نختار بين عبادة النص والإصرار على التمسك بكل معنى فيه والكفر بالزمان والمكان والظروف والأحوال التي جاء فيها، وبالتالي فإنه يجب عقلاً أن نتقبل دعوات البغدادي إلى إعمال ظاهر اللفظ، واعتبار الأمة الإسلامية متآمرة على الإسلام وملحدة بآيات الله البينات، أو الإقرار بأن النص نور يهدي وليس قيداً يأسر، وأن علينا أن نهتدي بنور القرآن ولكن مصالح الأمة الحقيقية وهي متبدلة متغيرة بين بلد وآخر وعصر وآخر، تبقى في أعلى درج الاهتمام في سلوك المسلم.

اضف رد