د.محمد حبش- الحسبة(1)ويسالونك عن الحسبة…

وكم وددت لو أنهم احتسبوا ثواب الله وأجره في برامج الإغاثة والتنمية والتعليم، فهذه أيضاً محل ثواب واجر، أو أعدٍّوا برامج التأهيل والتنمية والتدريب والحرف الصغيرة فهذه كلها أيضاً يحتسب فيها الأجر العظيم من الله تعالى.
ولكن أليست إقامة الحدود أيضاً واجباً على الأمة؟ أليس إقامة حد واحد في الأرض خيراً من عبادة سبعبن سنة؟ وما معنى الإسلام بدون تطبيق الشريعة؟ هكذا يواجهك الشباب في اندفاعهم للتغيير وهم يرددون ما هتفت به حناجرهم يوم صرخوا في وجه الظالم والظلم، هي لله، هي لله!! لا للثروة ولا للجاه!!….
إنهم خيرة شباب الثورة وهم من قصدهم جودت سعيد بقوله: شبابنا لا ينقصهم الإخلاص لقد احترقوا من الإخلاص!! ، نطحوا الجدار ، ولكن ينقصهم المنهج!!.
وأقول لأبناءنا وشبابنا ما قاله اقبال من قبل:
ليس يخفى على المعلم فكر … ساور النشأ ظاهراً أو خفياً
أنا عندي بكل حالك خبر…….. فبهذا الطريق سرت مليـــاً

إنهم أهلنا وأبناؤنا من طلبة المدارس الشرعية الإسلامية الذين حملهم إخلاصهم وحبهم لشريعة الله على التقدم لتطبيق هذه الشريعة، ووجدوا في دربهم أدوات الحسبة من العسس والمراقبة والمتابعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانخرطوا في برامج الحسبة يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله.
ولكن ما هي آداب الحسبة في الإسلام، وكيف نتصور الحسبة لو ان رسول الله بيننا واختار أن ينظم للمجتمع جهاز حسبة ورقابة؟
إن درة عمر كانت تفعل الأعاجيب، وكانت تخفق في سوق المدينة على رؤوس الغشاشين والماكرين والمحتكرين، وتطرد عنهم وساوس الشيطان، ولكنني لا أشك أبداً أن عمر بن الخطاب لو كان بيننا اليوم ويريد ان يدير بلداً كتركيا مثلاً فإنه لن يوزع درته في الآلاف المدن والقرى والأمارات والقائمقاميات .. إنه ببساطة سيحول الدرة إلى جهاز شرطي حديث يعتمد أدق الأجهزة الالكترونية رقابة ودقة ومسؤولية، وسيستعين بالآلاف من أبناء الأمة ليدرسهم اختصاصات علمية متفوقة في مجال الأمن الوطني، مستفيداً من تجارب الأمم من قبل ومن بعد، وسيكون أول من يحقق البصمة الالكترونية وبصمة العين والبوابو الالكترونية، وأول من يضبط السجلات الالكترونية في سيستم مففتوح على آلاف أجهزة الشرط، ولا اعتقد ان عمر بن الخطاب سيرضى أن تكون اليابان أو كندا أو الصين أكثر منه ضبطاً ووعياً في بناء منظومة شرطية متقدمة ومتطورة تحقق العدالة ولا يظلم فيها أحد.
نحن أولى بأحكام ديننا وأعرف بالحلال والحرام فيها، ولكننا أحوج منهم إلى هذه الوسائل التي يستخدمون، وتحقيق العدالة وفق ما يسره الله تعالى من وسائل البصيرة والدقة والضبط الالكتروني الذي صار لغة العصر وسمة الحضارة الحديثة.
حين أسر النبي الكريم مشركي بدر، وهم كفار حاقدون، جاؤوا على خيولهم ثلاثمائة كم ليقتلوا النبي وصحبه في بدر، ومع ذلك فحين وقعوا في أسره وشاور أصحابه واختار الفداء، قال لهم أنتم عالة، فلا ينفك أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق، وكم كان رائعاً عندما رضي أن يكون الفداء تعليم أكفال المسلمين، لقد استفاد خبرتهم التقنية على الرغم من أنهم لا يؤمنون بالله ولا رسوله ويحادون الله ورسوله، ومع ذلك فقد دفع إليهم أطفال المسلمين يعلمونهم القراءة والكتابة التي كانت شرطاً من شروط النهضة.
لقد كان ذلك في الواقع وجهاً من وجوه التكامل الإنساني الحضاري وكان فهماً حضارياً عابراً لحواجز الثقافة والعرق والدين، وكان من جانب آخر يؤسس لعلاقة متميزة بين المسلمين وأعتقد انه أسس لعلاقة عاطفية خاصة بين هؤلاء الأسرى وبين المجتمع الإسلامي برباط الطفولة البريئة التي لا تحمل الا الحب والخير والنوايا الطيبة.
يؤلمني أن أرى الشاب الثائر يتقلد سوطه وعصاه ويخرج في مطاردة الناس وهم قد خرجو للتو من حكم نظام ظالم، كان يتربص بهم في عنابر المخابرات والقطع العسكرية الموتورة، ليلهب ظهورهم بسياط الظلم، في مواجهة نظام لا يعرف الا لغة القمع، ولكنهم يهربون من هذه الرمضاء الرهيبة ليقعوا في النار الجديدة، حيث يعود السوط من جديد إلى أياد أخرى تتربص بالناس وتقول إنها تقيم حدود الله.
الفقهاء متفقون أن الحدود لا يجوز أن تقام إلا في دولة شرعية مستقرة، ولها إمام انعقدت بيعته للكافة، ولا يعرف له مخالف معتبر، وأنهم تفقهوا بقيم الإسلام ومبادئه حتى لم يبق فيهم جاهل بالشريعة، وأن المحتسبين قد تفقهوا بالحكمة والموعظة الحسنة، والحكمة اليوم هي معرفة ما تحقق من ثقافة وخبرة لدى الأمم في المعارف الشرطية التي هي اليوم في كل العالم جامعات ومدارس ومؤسسات، وكمبيوترات وكاميرات وغرف عمليات، وفرق متابعة ملتزمة، وسجلات مؤرشفة بحياد ودقة، يتناصف الناس فيها بالحق والعدل، ولا يبغي أحد على أحد، ولو بغا حبل على جبل لدك الله الباغي منهما.
إن أفق الحسبة الصحيح هو مساعدة الناس على التناصف في حقوقهم وعدم السماح لأحد أن يقوم بغش الناس أو خداعهم أو التغرير بهم، وهو ما يحتاج لإدارة شرطية دقيقة تتابع مصالح الناس وتتدخل حيث ينبغي أن تنصفهم وترد الظلم عنهم.
أما علاقة الإنسان بربه ودينه، فقد جاءت النصوص الصريحة بخلاف ما يتوهمه المحتسبون، وليس في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم انه ضرب يوماً تارك صلاة أو مفطراً في رمضان أو ممتنعاً عن الحج، وهذه هي أركان الإسلام الكبرى، التي هي عماد الدين وجنة المسلمين.
وحدها الزكاة من بين سائر أركان الإسلام طبقها الإسلام رغماً على الناس، وحين أمتنعوا من أدائها حاربهم أبو بكر الصديق، وذلك لأن الزكاة ليست حقاً خالصاً من حقوق الله، بل هي حق الناس، حق الفقراء والمساكين، وخقوق الناس مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة، والله غفور رحيم.
والآن دعونا نقترب أكثر من هدي القرآن الكريم في رسالة المحتسب، والآيات كثيرة ومترافدة وكلها تحمل الحقيقة إياها أن خقوق الله لا تجبى من الناس بجلد الظهور ولا ضرب الوجوه، وأن رسول الله نفسه لم يكن يملك ان يكره الناس على طاعة ربهم ولم يكن له عليهم سلطان إلا الكملة والنصيحة:
لقد كان يدعوهم إلى الله، ببسمة ظاهرة وقلب أبيض وروح طاهرة ثم يتلو كلام الله تعالى الواضح الصريح:
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا
فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ
وبعد فهل نريد ان نكون أكثر من رسول الله في حرصه على هدى الناس وإيمانهم؟ لقد حدد له القرآن الكريم رسالته بدقة بقول الله تعالى في سورة الاحزاب:
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا.
فهذه باختصار هي رسالة الرسول، وهي بشارة ودعوة وحكمة، وليس فيها قمع ولا قهر ولا إرغام، ودع أذاهم وتوكل على الله.
إنني آمل أن تقع هذه الآيات الكريمة في قلوبهم وعقولهم وأن يبحثوا عن خدمة حقيقية يخدمون بها دينهم ورسالتهم دون قمع ولا ظلم، فآفاق العمل الإغاثي والتعليمي والطبي كبيرة وكثيرة، وتقول هل من مزيد.

للحديث متابعة………………………….

اضف رد