د.محمد حبش- الديانة أم الأخلاق

هل نتجه صوب الدولة المدنية حين نقرر إلغاء دروس الدين في المدارس والاستعاضة عنها بمادة الأخلاق؟
الاقتراح تتقدم به بعض المؤسسات الحكومية باستمرار ويهدف إلى إلغاء مادة التربية الدينية بوصفها المسؤولة عن التطرف والإرهاب والتقاطع والتدابر بين المواطنين، وأن إلغاءها سيدخل الناس من الباب الرحب إلى حياة المواطنة والديمقراطية وتجنب كل أشكال العنف.
ولا شك أن الفكرة أصبحت تحظى بقبول أكبر بعد التجارب المريرة التي قدمها تنظيم داعش للأحكام القاسية التي نفذها باسم الله، وأثارت رعب العالم كله، خاصة بعد الأدلة التي قدمها التنظيم على وسائله الإعلامية وهي تتضمن الدليل والبرهان لكل عمل عنيف مارسوه من نصوص أئمة في فقه السلف لهم شهرتهم العريضة وجمهورهم الواسع.
فهل مادة التربية الدينية في مدارسنا بهذا السوء؟ وهل تخرج الطلبة دواعش كما يتصور كثير من الأصدقاء؟
ما أستطيع أن أؤكده للقارئ الكريم وبحكم معرفتي بمادة التربية الدينية أن المنهاج تعرض عبر وزارة التربية لعدة تعديلات وأصبح منطقياً إلى حد بعيد، ويمكن الاعتماد على وعي المعلمين لتقديم مادة مقبولة تعزز قيم الأخلاق في المجتمع وتبني إطاراً معرفياً جيداً في حقائق الدين.
ولا أعتقد ان تنفيذ المقررات الدراسية التقليدية سيقود إلى العنف أو الكراهية، فقد تم اختيار مسائل اتفاقية جيدة تحقق الهدف التربوي وتستبعد مسائل الخلاف والخصام.
بالطبع الأمر لا ينطبق أبداً على كثير من مناهج التعليم الشرعي التي لا زالت تدرس جانباً كبيراً من ثقافة الكراهية والتكفير، وتبرز الجهاد على أنه الغزو والفتوح والسبي والاسترقاق وقتال المشركين حتى يدخلوا في الدين الحق، ولا تقبل الاعتراف بالأديان الأخرى على قدم المساواة، وتكرس مبدا تفاضل الأديان وبنائها على أساس الحق والباطل والتسامي والدون.
وأعتقد انه لا يمكن أن نرى نهاية هذه الحروب المشتعلة في البلاد الاسلامية المنكوبة دون تحقيق إصلاح جذري في هذه البرامج، وإعادة بناء المناهج في المدارس الشرعية على أساس الإصلاحات الأصولية التي قدمها الفقهاء المستنيرون منذ أن أعلن أبو حنيفة الاستحسان منهجاً لترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، وصولاً إلى مدرسة الإصلاح الديني التي انظلقت من الأزهر مطلع القرن الماضي ولا تزال تتفاعل في سوق الفكر الإسلامي.
ولكن وبالعودة إلى التعليم العام فإن ما تم تحقيقه من إصلاح في المنهج لا يزال يصطدم بجملة من التعقيدات ولعل أهمها هو تكريس القطيعة بين المنهاج الاسلامي والمنهاج المسيحي، وإخراج الطلاب النصارى من حصة الدين الاسلامي واخراج الطلاب المسلمين من حصة الدين المسيحي، وهو ما تتبعه كل المدارس السورية، إن تكريس مثل هذا الواقع يدفع بالطفل مباشرة إلى افتراض وجود مؤامرة في الطرف الآخر من القاعة، ومن المؤلم ان نقول: نعم إنها موجودة، ويمارسها بوعي أو بدون وعي عدد كبير من مدرسي مادة التربية الدينية في الجانبين.
وفي نتيجة طبيعية تماماً ووفق قراءة حيادية كاملة، فإن الطلبة المسلمين لن يعرفوا شيئاً عن تاريخ المسيحية أو أعلامها في المنطقة، وبالمقابل فإن الطالب المسيحي سيمضي في التعليم اثني عشر عاما من دون أن يتعرف إلى أي من قيم الإسلام أو سيرة الرسول أو صحابته، وسيعتبر كل فريق القيم الدينية التي حصل عليها مناقضة لتلك التي يتلقاها الآخرون في الحصة المغلقة، مهما كان المشترك بين القيم كبيراً وواقعياً وحقيقياً.
أشعر بالمرارة من هذا الواقع الذي يكرس القطيعة، وشخصياً أرفض هذا التمييز وأريد ان يتعرف ابني في المدرسة على تاريخ أخيه المسيحي وأن يطلع على القيم الرائعة في دينه وأن يتلو مختارات من النص الكريم المقدس الذي يؤمن به، ويجب أن يحصل على هذه المعرفة من المنهاج الوطني تحديداً وليس من القنوات التكفيرية التي لا ترى في النصارى واليهود إلا ضالين ومغضوباً عليهم في الدنيا وحطب جهنم في الآخرة!!
وبالتالي فأفترض أن المواطن المسيحي حريص أيضاً أن يتعرف ابنه في المدرسة على القيم العظيمة في الإسلام، وأن يتعرف على نصوص القرآن الكريم وسيرة الرسول الكريم وأصحابه الهداة والتابعين لهم بإحسان.
إن هذا اللون من المعرفة ليس شأناً دينياً مغلقاً، إنه في الواقع جوهر الرسالتين الأعظم التي يدين بهما أهل الشام، وهو ما علمه القرأن الكريم بقوله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو أيضاً ما طرحته الآية الكريمة: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.
وبالقدر إياه من الحرص على تعليم الدين عبر مدرستيه العظيميتين الإسلام والمسيحية فإن المطلوب أيضاً هو الانتباه إلى الشقاق الكبير بين المذاهب الإسلامية وخاصة بين السنة والشيعة، وهو الشقاق الذي تغذيه السياسة اليوم بنار الكراهية، فإن مهمة درس الدين أيضاً أن يتحدث باحترام عن كل إيمان ينتشر في سوريا، وأن يشير إلى رموز الإيمان في كل مذهب بصيغة احترام يقبلها الجميع، ولا شك أن تاريخ الفقه الإسلامي حافل بهؤلاء الرجال الذين نالوا احترام الكافة فأئمة الشيعة وأئمة السنة يقفون على منصة احترام واحدة يعرفها الجميع قبل أن تظهر الأسماء الإشكالية، ومن واجب درس التربية الدينية أن يقدم للطلبة هذه القيم والرموز على أرقى درج من الاحترام يمنع معها تلك التقاليد الفاجرة من تحقير المقدس الديني لدى الآخر دينياً أو مذهبياً، والأمر نفسه في التعرف إلى أئمة الصوفية والسلفية، وجمع ما بين هاتين المدرستين على منصة احترام وتقدير، وأن لا يترك الأمر لمزاج المعلم الذي قد يتصرف في إهانة الاتجاه الآخر وتضليله، بل يتعين رسم صورة جميلة لكل المسلمين عبر رموزهم البضيرة الواعية.
إن استدبار هذه الحقائق وتجاهلها لن يعالج أي مشكلة، بل سيزيدها حرجاً وتعقيداً، إننا فقط نرحل المشاكل ولا نعالجها، ولا شك أن درس التربية الدينية هو المكان الصحيح لبناء ثقافة تسامح قائمة على المعرفة وليس على تجاهل الشقاق.
ربما يكون تدريس العقيدة والعبادة صعباً عبر مدرس واحد، ولكنني من أشد المتحمسين لخوض هذه التجربة، ويتطلب ذلك دورات إعدادية وتأهيلية للمعلمين، وقد يكون من شروط نجاحها أن يتاح للمعلم المسيحي أن يقدم عدة محاضرات في درس الديانة شريكاً لزميله المسلم، والعكس صحيح، وهذا التناوب في تقديم المعرفة والتعاون عليها سيطرد بشكل طبيعي لغة التكفير والتحقير التي نعتمدها في دروس القاعات المفلقة، وسنجبر بدلاً من ذلك على تقديم صيغة احترام وتقدير وإن كانت قائمة على شكل خلاف في الرأي، وخلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
وفي التفاصيل يبقى الدور الأساسي لتعليم العقيدة والعبادة في المسجد والكنيسة فيما يبقى دور المدرسة في تقديم القيم الاتفاقية والتاريخ النبيل لكل من الديانتين وهو في الواقع جوهر الدين كله.

اضف رد