د.محمد حبش- الاستثمار في اللغة العربية

المحلس الدولي للغة العربية
دبي

الاستثمار في اللغة العربية
استثمارات اللغة العربية والتراث الإسلامي
في النشاطات العلمية في الغرب

أعدت للمؤتمر الدولي الثالث للغة العربية
تحت شعار الاستثمار في اللغة العربية ومستقبلها الوطني والعربي والدولي
7- 10 مايو 2014

ورقة د. محمد حبش
أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة أبو ظبي

بادئ ذي بدء فإنني مضطر للقول إن هذا المقال لا يهدف إلى تقديم دراسة في الجدوى الاقتصادية للاستثمار في اللغة العربية معززاً بجداول البورصة العالمية ومقارنة أسعار العملات، واستخلاص مؤشرات المدخلات والمخرجات المالية في مشاريع استثمار واعد في اللغة العربية.
إن هذا كله من شأن الخبير المالي أو المصرفي وليس أبداً من شأن الخبير العلمي المتخصص في خدمة اللغة العربية، وبحسب هذه الدراسة أن تشير إلى مواضع استثمار جدي في اللغة العربية، وأن تقدم المبررات العلمية والاجتماعية لخوض هذه التجربة، أما المؤشرات المالية ودراسة الجدوى فمكانها في الدراسات المالية ولن تجدها أبداً في هذا اللون من الدراسة.
لقد وجدت هذه المقدمة ضرورية لتحديد هدف الدراسة والوقوف على ما يفيد القارئ والمتابع في حقل الاستثمار الجدي في اللغة العربية.

تعاني اللغة العربية من غربة حقيقة في إطار فكرة ماكرة تقول إن الوصول إلى الحضارة الحديثة يقتضي استعمال لغة القوم ولسانهم والتخلي عن اللغة العربية التي صارت عبئاً من الماضي، لا تصلح لاستقدام لغة العصر ومصطلحاته، وأننا غير قادرين على فهم المعطى الحضاري دون التحدث بلغة القوم.
ويمضي بعض الكاتبين إلى الإمعان في الهزيمة النفسية والمطالبة بالتزام سلوك غربي كامل، لا يقيم شأنا للدين والقيم والتاريخ العربي، وهذه في الواقع صورة هزيمة فكرية وثقافية لا تزال تتردد للأسف منذ أكثر من قرنين، عبر تيار من المثقفين المنبهرين بالحضارة الغربية بعد الانفتاح الذي أفرزته الحملة النابليونية على مصر وبرامج محمد علي الإصلاحية، وهو انحراف لا يلغي أبداً الدور الإيجابي لإصلاحات محمد علي التي ظلت في سياقها الغالب حركة تنويرية نهضوية خدمت مصر والعالم العربي.
وربما كان هؤلاء من قصدهم إقبال في رائعته:
كل من أنكر ذاتيتــــــــه فهو أولى الناس طراً بالفناء
لن يرى في الدهر قوميته كل من قلد عيش الغربـــــاء

ومع أن الحصول على اللغة الاجنبية أمر لا غبار عليه وهو ضروري للنهضة والتقدم، ولكن هل يستلزم هذا الجانب من التحصيل التنكر المباشر لقيم اللغة العربية العربية وتاريخا؟
وهل تعني الحاجة لتعلم اللغة وقيام مدراس ومؤسسات تعليمية للغات الأجنبية فشل الاستثمار في تعليم العربية وبرامج التراث الإسلامي؟
نحاول في هذه الدراسة مقاربة هذه الأسئلة وغيرها بقدر من الموضوعية والشفافية.

الاستثمار في قراءة أخلاقية
ينظر بعضهم إلى كلمة الاستثمار على أنها كلمة بلا قلب، وفي خضم التنافس التجاري فإنه لا مكان للعواطف والعبرة بدراسة الجدوى الاقتصادية ودراسة السوق وواقع الاستثمار وطبيعة الراسمال الجبان والاقدام على المخاطرة، ودراسة العوائد التجارية وفق قراءة منهجية للسوق وتفاعلاته في البورصات العالمية والمحلية.
ولكن الاستثمار في رسالته الاجتماعية لا يجوز أن يتوقف على هذه الجوانب خاصة عندما يكون الاستثمار عبر جهات محترمة لها تاريخ ومصداقية وتبحث عن الاستمرار في أداء رسالتها التربوية والعلمية.
وأخلد أشكال الاستثمار هو ذلك الاستثمار الذي لاحظ فيه أصحابه الجانب الانساني والعلمي والاخلاقي، وتمكن من توفير قدر من العائد المادي ليستمر في العطاء، ولكنه حقق رسالته البعيدة في نهضة المجتمع وإحياء قيمه وتعزيز مكانة الأمة بين الأمم.
وعلى الرغم من أهمية و توفر العائد المالي الذي يؤمن استمرار المشاريع الاستثمارية المنتجة فإن الاستثمار الحقيقي لا يتوقف عند حدود ما يقدمه أمين الصندوق من مبالغ مالية للمستثمر، وما يزداد في حسابه من رصيد، بل إن البداهة تقتضي أن كل إضافة معنوية أو اعتبارية هي جزء من الاستثمار النافع، وهي تحقق العائد المعنوي والإنساني الذي ينعكس في المدى البعيد عائداً مادياً وتجارياً رابحا إلى جانب الأرباح الأخرى في الاستثمار.

وفي إرهاص تاريخي قدمه الخليفة العادل عمر بن الخطاب لفقه الاستثمار المستدام، يمكن أن نتابعه خلال هذا الحوار مع ابن هرم بن سنان.
كان هرم بن سنان واحداً من زعماء عبس وذبيان الذين قاموا بمبادرة شهيرة لوقف القتال وحقن الدم، وأنفق مالاً طائلاً في سبيل دفع الديات وجمع القلوب وانهاء الحرب، وقد استدعى موقفه هذا ثناء الحكماء، وكان أشهر ما حظي به من ثناء القصيدة الميمية للشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، التي علقت على جوف الكعبة وفيها طيب ثنائه على هرم بن سنان.
قال عمر بن الخطاب لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني شعر أبيك في الثناء على هرم، فأنشده ، فقال عمر: إنه كان يحسن فيكم القول، قال ابن هرم : وكنا نحسن له الجزاء، فقال عمر: لقد ذهب ما أعظيتموه وبقي ما أعطاكم!!
إنه فقه عميق لأدب الاستثمار الحق، وهو ما قصدته آيات الكتاب العزيز الكثيرة التي دعت للاستثمار بما عند الله من خير، ومثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
أرجو أنني بهذه المقدمة الضرورية لا أصادر على المطلوب، بل إنه الوعي بمقاصد الاستثمار الحق، وإن كان هذا البحث يتجه في النهاية لتقديم أشكال من الاستثمار الواقعي في حقل خدمة اللغة العربية عبر مشاريع في العالم المتحضر.

وينبغي أن نقول إن إحياء اللغة العربية في الغرب ليس تكريسا لثقافة الغربة عن العالم وإن الاستثمار في مشاريع العربية لا يعني بحال من الاحوال الانفصال عن التطور العلمي والمعرفي في العالم، بل إن الجهود التي تستهدف إحياء اللغات التاريخية وتعزيز أصالتها ومشاركتها هي جهود حضارية حقيقية، ويتعين أن تكون في صدر اهتمامات أي مسعى حضاري يهدف إلى استثمار الطاقات الإنسانية جميعا في الشمروع الحضاري.
لقد تمكنت التكنولوجيا من التغلب على كثير من الاوهام القديمة التي كانت تتحدث عن تلوين العالم كله بلغة واحدة، وانقراض اللغات الأخرى، وسقط الوهم الذي افترض أن تكريس الانكليزية لغة للحضارة سيقضي على اللغات الاخرى تلقائيا وأن أي استثمار في إحياء تلك اللغات سيكون عملا خاسرا، وبعد مرور خمسة قرون على انظلاق العصور الحديثة فإن اللغات الحقيقية القابلة للحياة تعزز مواقعها في كل مكان في العالم، وبمساعدة التكنولوجيا الحديثة فإن اللغات التاريخية استعادت اعتبارها في العالم وأكدت حضورها وواقعيتها.
تقوم الامم المتحدة اليوم باصدار كافة القرارات والتعليمات والحوارات الصادرة عنها والجارية فيها بسبع لغات كلها لها الصفة العالمية والرسمية وهي واجبة الاحترام والالتزام لدى كل الدول الأعضاء.
أما الاتحاد الأوروبي فيقوم اليوم بإصدار سائر أوامره باثنتين وعشرين لغة متساوية، ولا يجق إصدار أي بيان أو قرار إلا باللغات جميعا، لقد كان هذا في الماضي لوناً من العبث والتكلفة والهدر، ولكن كل هذه الاعتبارات لم يعد لها وجود اليوم، فقد صار عالم التكنولوجيا قادرا على تبسيط التكلفة إلى أقل الأثمان، وأدرك الأوربيون أن يقاء اتحادهم واستمراره مرهون باحترام ثقافات أعضائه وتاريخهم ولغتهم.
أما الورق والقرطاس قهو أهون ما ينفقونه في سبيل مطلب عظيم كالوحدة والاستمرار، ومع ذلك فإن الشروط البيئية التي التزمها العالم تفرض على أي مؤسسة قبل طباعة أي ورقة أن تطرح سؤال الاختيار على الجمهور وبيان ما إذا كان راغباً بطباعة نسخة ورقية من هذه المذكرة أم لا.
وهكذا فلا يعاني الأوربي أي مشكلة في التواصل مع المشهد الحضاري للاتحاد الأوروبي بعد أن اصبحت حماية الهوية الذاتية أحد أبرز أهداف الوحدة الأوروبية، وصار الاهتمام بتعزيزها ونجاحها على رأس التحولات الحضارية القائمة في هذه المؤسسة العملاقة.

ويجب القول بأن الوجود العربي في القارة العجوز وفي الأمريكيتين لا يزال يتزايد كل يوم، وعلينا الانتباه إلى الحاجة الملحة لهذا اللون من الاستثمار لرعاية أبنائنا واخوتنا هناك.
وسنرصد من خلال هذه الورقة بعض جوانب الاستثمار الواقعي والجدي عبر اللغة العربية في الحالات التالية:
• الاستثمار في بناء المدارس العربية والإسلامية
• الاستثمارفي الاعلام العربي
• الاستثمار في رعاية الاستشراق

الاستثمار في المدراس العربية والاسلامية
يعتبر الاستثمار في التعليم من افضل أنواع الاستثمار، ولكن قيام المدارس العربية والاسلامية في حالات مختلفة من التنافس الحاد مع المدارس المتطورة ذات القدرات التكنولوجية الكبيرة والتي تعتمد مناهج غربية يجعل دور المدرسة العربية في التنافس مليئاً بالتحديات والمخاطر، ويفرض عليها تطوير قدراتها بشكل متزايد للمواجهة في حمى هذا التنافس الجدي.
إن ميل العائلات العربية لتدريس أبنائها في المدارس الأحنبية لا يلغي أبدا دور المدارس العربية، فالقدوم مستمر من البلاد العربية لأرض أوروبا وفي هذه الحالات جميعا فهناك حاجة مؤكدة للمدرسة العربية لتحقيق التأقلم على أقل تقدير بين المدارس العربية والاجنبية، وهذا الدور سيستمر في المدى المنظور وبشكل خاص بعد موجات الهجرة الكبيرة التي شهدتها المنطقة العربية إلى أوربا في السنوات الأخيرة.
ولكن المدارس العربية مطالبة بتحقيق مرونة خاصة في التعامل مع احتياجات المجتمع المسلم في المغترب، فإلى جانب المنهج الدراسي الذي تضعه المدرسة لتعليم الطلبة، فإن رسالة المدرسة العربية في المغترب لا ينبغي أن تنتهي عند هذا الحد، والمطلوب أنشطة حقيقية تخدم المجتمع من خلال المدرسة وكلها قابلة للاستثمار وتحقيق العائد المادي المطلوب، ومن هذه الأنشطة الممكنة:
برامج نهاية الأسبوع: ( الويك إند) وهنا لا ينبغي ان تقتصر هذه الأنشطة على الطلبة بل يجب أن تتناول أيضا الأسر العربية والمسيلمة المقيمة في الغرب ويجب أن تستهدفهم بتنتظيم محاضرات ولقاءات وبرامج، ومسرحيات وحفلات فنية عبر استقدام فرق موهوبة من البلاد العريبة والترويج لها في المغترب، ومع أن هذا النشاط الفني من شأنه أن يقام في المسارح والاوبريت فإن المدرسة يمكن أن تقدم جانبا خاصا من هذه البرامج على هامش النشاط التعليمي وأن تعزز روابط الأسرة العربية من خلال بناء التواصل بين البلاد والفريق التعليمي وأولياء االأمور والطلبة.
الدور الاجتماعي: إن المدرسة العريبة في المغترب لا ينبغي أن تقتصر على رسالة التعليم، وإن كان التعليم هو محور هذه العلاقة، ولكن النشاط التعليمي وتنظيم المحاضرات واللقاءات المختلفة بالشخصيات الاعتبارية القادمة من ارض الوطن كذلك يعتبر من رسالة المدرسة، ويعتبر جانباً حيوياً في دورها في حماية اللغة العربية والوفاء لدورها التاريخي والاجتماعي.
وهكذا فإن المدرسة العربية في المغترب هي مشروع ناد عربي، وأعتقد أن من الضروري تماما أن تلخظ هذه التفاصيل في عقد التأسيس، وأن تكون جزءا من المشروع التعليمي، وكم من هذه المدارس العربية قد قامت بدور النادي العربي لسنوات طويلة، قبل أن ينطلق هذا النادي في إطار جديد وبوسائل أكثر اختصاصية وتنوعا.

الاستثمار في الاعلام العربي:
والإعلام العربي أفق جدي للاستثمار في الغرب، ومن الخطأ القول بأن العرب في الغرب يعتمدون الإعلام الغربي ويفرطون في إعلام أوطانهم، بل إن الحاجة تتجدد كل يوم للمشاركة والاندماج في الخطاب العربي عبر آليات وسائل تتجدد باستمرار.
إن الإعلام العربي في المغترب حقق نجاحات كبيرة خاصة في عصر الطباعة اللامركزية، حيث تطبع الصحيفة العربية في الوقت نفسه في عواصم أوربية وأمريكية مختارة وتتمكن من نقل هموم الأكة إلى الأهل في المغترب بدقة واحتراف.
ويجب مقاومة الفكرة الخاطئة أن الإعلام الجديد ينسخ القديم، وفي الحقيقة فإن أنماط الاعلام الجديد تجاور الماضي ولا تقفز فوقه ولا تلغيه.
إن دخول الكلمة المسموعة إلى ملعب الإعلام عبر محطات الراديو لم يلغ دور الصحيفة بل ظلت الصحيفة والإذاعة متجاورتين، وكذلك حين ظهرت الكلمة المرئية تصور الناس أن التلفاز قادم لإلغاء الراديو، ولكن ذلك لم يحصل، لقد انهارت فقط الصحف الفاشلة والإذاعات الفاشلة، ولكن وسائل الإعلام الناجحة سرعان ما تكيفت مع الجديد من وسائل الإعلام الحديث وقدمت لنفسها قدرات إضافية وكرست ألوانا متعددة من الخبر والتحليل.
ومع دخول الأنترنت ثارت مشاعر جديدة بنهاية عصر الإعلام المرئي وأن النت بقدراته التفاعلية سيؤكد غياب التلفزيون ذي اتجاه التفاعل الواحد، وهي قراءة منطقية رياضياً ولكنها لم تكن كذلك أبداً في الواقع وشهد عصر الانترتنت ازدهارا كبيراً للقنوات الناجحة وبالتالي هبوطا وانحسارا في القنوات الفاشلة.
واليوم دخلت المجتمعات عصر التفاعل الدائري عبر وسائل التواصل الاحتماعي، وهي بالغة التأثير والحسم، ولكن القدرات المذهلة لمواقع التواصل الاحتماعي لم تؤد إلى انهيار وسائل الاعلام الأخرى بل تمكنت من العيش متجاورة معها، وأجبرت تلك الوسائل على إعادة تقويم أدائها وبالتالي سقطت المشاريع الفاشلة وتجذرت المشاريع الناجحة من كل الاعتبارات.
إن النتيجة الحقيقة التي أفرزها صراع وسائل الإعلام المختلفة هي أن الحياة حفظت لنا الجيد وأتلفت الرديء، وبمكن القول اليوم إن وسائل الإعلام الباقية من صحف ومسموع ومرئي هي الوسائل الأكثرجودة ونجاحا وإثارة وقدرة على التكيف مع حركة الحضارة.
وأمام هذه الحقائق فإنه لا تزال الفرص متوفرة بقيام استثمار حقيقي في اللغة العربية في المغترب عبر مؤسسات إعلامية تتولى الحطاب بالعربية والترجمة من العربية وإليها وهذه الآفاق العلمية محل احترام وتقدير لكل العاملين في حقل الوفاء للكلمة والاستنارة بنورها.
إن عدداً من الصحف العربية الناجحة ذات الطابع الدولي والطباعة اللا مركزية في العواصم الكبرى كل ذلك قد حقق نجاحاً واضحاً في الغرب، وأصبحت الصحيفة العربية موجودة في كل مطار ومحطة قطار وتمكنت من احتراق الأكشاك والباعة المتجولين في عواصم كثيرة في العالم المتقدم.
وبوسعي أن أقول إن مزاحمة هذا النجاح من الصحف الدولية الواسعة الانتشارغير مطلوب، ولعله من باب فرض الكفايات التي قام بها بعضهم فسقط عن الكل، وهو يشهد إشباعاً حقيقياً في هذا الجانب وتعتبر مزاحمته في المرحلة الحالية تكلفاً لا مبرر له، ولكن الأفق الذي لا يزال مطلباً ملحاً وحاجة حقيقية هي الصحف المحلية التي يحتاجها أبناؤنا في بلاد الاغتراب لتصدر بلغتهم وتتابع قضاياهم وهمومهم، وهذا اللون من الاعلام نحتاجه في كل مدينة وإقليم وربما بلدة يعيش فيها العرب ويحتاجون إلى من يجدد فيهم إرادة التواصل والارتباط بالأرض واللغة الأم، والبلاد الطيبة التي يحنون لها ويشتاقون إليها، وهذه المشاريع الإعلامية ذات الطابع المحلي إذاعة وتلفزيونا ومواقع أنترنت ومحطات تلفزة وصحفاً محلية هي مشاريع استثمارية صغيرة ولكنها باتت تحقق عائدا استثماريا حقيقيا بالإضافة إلى دروها الاجتماعي والحضاري.

وقناعتي أن هناك حاجة حقيقية للاستثمارفي العربية في إطار علمي من خلال الأبواب التالية:
• قنوات فضائية محلية متخصصة تتناول الحاجات الاحتماعية والسياسية والانسانية للعرب في المغترب وتعزز بقاء اللغة العربية لغة تواصل وتكامل، وتحافظ على وجودها على الأقل لغة الأسرة والحياة.
• صحف محلية تتبنى قضايا العرب ومساعدتهم في بناء واقعهم وحياتهم والحفاظ على دينهم ولغتهم، وتأمين بناء حاجاتهم الاجتماعية والروحية والعقائدية المطلوبة.
• إذاعات خاصة تتولى الشأن المحلي باللغة العربية، وتنتج باستمرار الفن العربي المحلي الذي يساعد العرب في التكيف والعيش المشترك مع المجتمعات المحلية.

أما الجانب الذي أعتقد أنه أكثر إثارة وجدية للاستثمار في العربية فهو مراكز الأبحاث والدراسات وعلاقات التوأمة المطلوبة بين المؤسسات العربية والمؤسسات العلمية في المغترب، وبشكل خاص مع الجامعات التي تتبنى برامج عربية تتصل بالقضايا العربية سواء في الشأن الثقافي أو السياسي أو حتى التجاري.
وفي عنوان أكثر مباشرة للمقصود فنحن نبحث عن برامج للتواصل مع حركة الاستشراق التي لم تهدأ منذ قرون والتي صارت جزءاً من الاستثمار في الجامعات الغربية، مع أن مكانها الصحيح عبر جامعات عربية تستثمر في اللغة العربية.
لقد بدأ الاستشراق بالمعنى الاصطلاحي المعروف تقليدياً منذ ثلاثة قرون ولكن ذلك لا يلغي بالطبع الجهود الاستشراقية الكبيرة الهامة التي نهض بها متنورون أوربيون لاكتشاف الحضارة الإسلامية بدءاً من روجر الثاني ملك صقلية والامبراطور فريدريك الثاني، وصولاً إلى أبرز أعلام ترجمة المعرفة العربية إلى الغرب جيرار الكريموني وجيرار السابيسنتي وبرنار دو شارتر وتليتال الايطالي وماركوس الطليطلي وغيرهم من أعلام التواصل بين الحضارة الإسلامية والثقافة الغربية….. بل إن البداية المنطقية للاستشراق كانت مع هيرودوت الإغريقي الذي دون في رحلاته إلى الشرق الإسلامي كثيراً من الدراسات والاكتشاق\فات والمعلومات القيمة التي سجلت أول جسر معرفي بين الشرق والغرب.
ولكن هذا الاستشراق الذي استمر في رسالته عدة قرون بلا توقف ظل من وجهة نظري صائع البوصلة ولم يكتشف شريكه العربي الإسلامي بعد.
لا توجد حاضرة أوروبية إلا وفيها أقسام لدراسة الشرق والاسلام في أهم جامعاتها، ويتخرج بهذه الأقسام رجال مؤهلون يرحلون إلى الشرق ليمارسوا دوراً ثقافياً هاماُ في خدمة التواصل بين الشعوب، وبالتالي يقمون خدمة ما اللغة العربية.
وفي تحفظ ضروري فإنني لا أبرئ كثيراً من المستشرقين من الهدف الاستعماري الكبير الذي يمارسونه أو يخدمونه من حيث يريدون، ولكن ذلك لا يغير من حقيقة أهمية الدراسات التي يقومون بها لجهة خدمة العربية والتراث الإسلامي.
وفي هذا السياق نذكر أهم الموسوعات والمراجع التي ظلت خلال القرن العشرين أهم وسائل الدراسات العربية للبحث والتدقيق، وعلى سبيل المثال أهم ما تم إنجازه في اللغة العربية للتواصل مع التراث الثقافي العربي: تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمن وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لفلوجل والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف لفنسنك ومعجم القبائل والأسر الحاكمة لزامباور، ومن المدهش أن كثيراً من رجال التحقيق والتراث ظلوا يكيلون الاتهامات لجيل المستشرقين الرواد مع أنهم كانوا عالة على كتبهم وفهارسهم .
ولكن هذا الاستشراق الممتلئ بالحماسة والنشوة لخدمة أي مشروع ثقافي يربط بين الشرق والغرب، ظل يقتقر إلى الشريك العربي الذي يحقق التواصل والتكامل، وظل هؤلاء المستشرقون يحضرون إلى الشرق العربي ويطوفون في مساجده وكنائسه وحاراته العتيقة بل وخيامه في الصحراء، وظلوا من وجهة نظر الكثير زواراً مشبوهين ولم تنهض للتكامل معهم مؤسسة عربية إسلامية مباشرة متحصصة.
إن قيام مركز دراسات حيوي يصل ما بين حركة الاستشراق المستمرة عبر هذه الجامعات وبين مراكز الإسلام والشرق هو عمل حيوي وجدي، وهو مسؤولية تاريخية حقيقية يجب أن تنهض بها الأمة.
بل إنني أملك القول أكثر من ذلك أنه في الواقع عمل استثماري حقيقي، يمكن أن تقوم به جامعات عربية وإسلامية باتجاه التواصل والتكامل مع برامج الاستشراق التي تنهض بها مئات الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في الغرب وهي تنتظر الشريك الحقيقي في البلاد العربية.
وربما كان من أوضح الأدلة على ذلك هو قيام إسرائيل بإحداث ثمانية معاهد متخحصصة بالاستشراق، وهي قائمة على استثمارات هامة تتحقق بالتعاون والتكامل مع جامعات كبيرة في الشرق والغرب.
وأجد من المفيد ان أسجل هنا خبرتي في المؤتمر الدولي للأديان الذي انعقد في طوكيو قبل سنوات، فقد قامت اللجنة المنظمة بتوزيع المشاركين في إحدى فقرات المؤتمر إلى عدد من المناطق الجغرافية، أفريقيا وأمريكا وأوربا وتم تخصيص قاعة خاصة باسم الشرق الأوسط.
إلى جانب أعضاء المؤتمر من دول الشرق الأوسط فقد رغبت اللجنة المنظمة للمؤتمر أن تضيف إلى خبرات المؤتمر ثلاثة من اليابانيين الطيبين البالغي التواضع وصفتهم بأنهم أصدقاء الشرق الأوسط!
السيدة الأولى قدمت نفسها على أنها كازوكي فيرابايا وقالت وهي تنحني الانحناءة اليابانية الجميلة المحببة أنا صديقة قديمة للشرق الأوسط لقد حضرت إلى الشرق الأوسط عشر مرات وأقمت هناك نحو عشرين شهراً، وقدمت الثانية نفسها على أنها مادوما كيتاري وهي أيضاً أقامت في الشرق الأوسط نحو سنتين، والثالث هو نودوما ميزواري وقد أقام أيضاً في الشرق الأوسط أكثر من عام، وقد تحدث الثلاثة لغة عربية بلكنة عبرية، ولكنهم استطاعوا أن يوصلوا رسالتهم والتعريف بفهمهم للإسلام والمسلمين.
لم تعد إذن الجزر اليابانية معزولة عن العالم كما كانت في عهد إيزانامي وإيزاناجي الإلهتين اليابانيتين اللتين وصلتا من السماء إلى الأرض على قوس قزح واختارتا اليابان معبداً للأسرار السماوية ومهداَ للديانات ومجداً للآلهات ونهاية للتاريخ كما كان الاعتقاد الياباني السائد إلى ما قبل عقود قليلة.
ولكن أين كانت إقامة ضيوف الشرق الأوسط خلال زياراتهم الكثيرة إلى الشرق الأوسط؟ وما هي الخبرات العملية التي جنوها عن الشرق الأوسط ومن هم المعلمون الذين قابلوهم؟ كازوكي: أقامت في تل أبيب! أما مادوما فقد سكنت في جيروزاليم (القدس) وأما نودوما فقد سكن خلال ذلك في تل أبيب أيضاً!!
كانت كلمتي في الواقع عقب التعرف على ضيوف الشرق الأوسط وبإمكانك أن تتصور إلى أي مدى شعرت بالإحباط وأنا ألاحظ الابتسامات اليابانية الودودة والبريئة وهي تتحدث بسرور عن معرفتها الجيدة بالشرق الأوسط، عبر إقامتها وسكنها وتعلمها في تل أبيب!
ومن المفارقة أن المعاهد التي انتمى إليها المستشرقون اليابانيون قد قامت بتعليمهم قسطاً غير قليل من الثقافة الإسلامية واللغة العربية، ومن الناحية المنهجية فإن هذا المعهد الإسرائيلي قد قام بالدور المهني المطلوب منه كمؤسسة تعليمية في الشرق مهتمة بالاستشراق، ولا شك أنه قدم ما يقنع استثمارياً ليحظى بالدعم المناسب الذي تخصصه حكومته للأعمال الثقافية والإنسانية وكذلك بالقروض والمنح التي يخصصها الاتحاد الأوروبي والهيئات الأمريكية واليابانية لدعم التواصل في التراث الإنساني، ولا أشك أن هذه القدرات كانت مطروحة أيضاً لأي مشروع مماثل يقوم في البلاد العربية.
ومن المشروع ان نتساءل هنا لماذا عجزت الجامعات العربية عن افتتاح كلية للاستشراق تستقبل المستشرقين وتحاورهم وتبني معهم المشاريع المتكاملة في الثقافة والعلم والتراث، في حين نحجت إسرائيل في إطلاق ثمانية معاهد أكاديمية لرعاية الاستشراق حيث يتم استضافة المستشرق من المطار إلى المطار وتأمين سائر حاجاته ومتطلباته خلال الإقامة الطويلة.

نموذج عن الاستثمار الناجح في حقل خدمة العربية
تجربة مكتبة الاسكندرية
ومع أنني أشرت إلى عجز تام للجامعات العربية والإسلامية في التعامل والاستثمار مع الجامعات الغربية المتخصصة بالاستشراق، فإنني أجد من الواجب أن أشير إلى مؤسسة عربية كبرى قامت بجانب من هذا الواجب وحققت طرفا غير قليل من النجاح في إطار التواصل والاستثمار مع المشروع الاستشراقي، وهي في الواقع مكتبة الاسكندرية التاريخية.
كانت مكتبة الإسكندرية الملَكية أكبر مكتبات عصرها، ويعتقد أنّ تأسيسها كان بأمر بطليموس الثاني، في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وهو أحد خلفاء الاسكندر الأكبر منذ أكثر من ألفى عام لتضم أكبر مجموعة من الكتب في العالم القديم والتى وصل عددها آنذاك إلى 700 ألف مجلد بما في ذلك أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو، وضمت تالياً إبداعات أرخميدس وإقليدس وغيرهم من عمالقة مصر في التاريخ، ولكن المكتبة احترقت ودمرت تماما أثناء حصار يوليوس قيصر للمدينة، حيث أرسل سفنه الحربية عام 48 قبل الميلاد لتدمير سفن دولة البطالمة المرابطة هناك .
ومع أن المكتبة أحرقت قبل الفتح الإسلامي بزمن بعيد، ولكن الغربيين لم يكفوا عن اتهام المسلمين بأنهم أحرقوا المكتبة وفق أسطورة تتناقض تماماً مع قيم الإسلام وفيها أن عمر بن الخطاب أمر بإحراقها لأن القرآن يغني عنها، ولكن الأوروبيين أنفسهم تكفلوا بالرد على هذه الفرية الظالمة حيث قال غوستاف لوبون: وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب والمسلمين، والتي تجعل المرء يسأل: كيف حازت هذه القصة على إقرار بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً ؟! وهذه القصة دحضت فى زماننا، ومن المؤسف أن يتناقلها مؤرخ محترم كول ديورانت نقلاً عن عبد اللطيف البغدادي في حين أنه يشير باحترام إلى دور الفتح الإسلامي في احترام الحضارة الإنسانية.
على كل حال لم يبق اليوم لهذا الرأي من يؤيده في زحمة التراث العالمي، خاصة بعد أن عرف العالم أن الخلفاء كانوا يدفعون وزن الكتاب ذهباً لمن يترجم لهم بشكل خاص من كتب الحضارة اليونانية.
وظل الحلم في إعادة بناء مكتبة الاسكندرية القديمة وإحياء تراث هذا المركز العالمى للعلم والمعرفة يراود خيال المفكرين والعلماء في العالم أجمع .
وفي عام 2002 تم إنجاز المبنى الجديد لمكتبة الاسكندرية، بتعاون دولي غير مسبوق بين اليونسكو والحكومة المصرية وعدد من الدول المتحضرة في العالم المهتمة بالتراث الإنساني، وأعلن في الاسكندرية عن إنجاز المبنى الجدد، مكتبة تتسع لأكثر من ثمانية ملايين كتاب، ست مكتبات متخصصة، ثلاثة متاحف، سبعة مراكز بحثية، معرضين دائمين، ست قاعات لمعارض فنية متنوعة، قبة سماوية ، قاعة استكشاف ومركزا للمؤتمرات، وعدة متاحف مرافقة، ولوحات ومجسمات تخلد تاريخ مصر ورجالها وأعلامها وإبداعها، وتاريخ الكتاب والمطبعة والورق والقلم.
ليست مكتبة الإسكندرية مجرد مخزن للكتب وقاعة محاضرات إنها في الواقع نبض الثقافة المصرية وبشكل ما فهي نبض الثقافة العالمية، فالمؤتمرات لا تهدأ على حواشيها وهي نفسها صاحبة أكبر مشروع تنويري في الإسكندرية، وفيها سلسلة متاحف بالغة الأهمية في الحالة الثقافية في مصر، وفيها مجموعة نادرة من المجسمات والماكيتات لتاريخ الطباعة والكتابة وفيها عشرات المنحوتات لأعلام الثقافة والفكر في مصر وفيها نحو عشر قاعات متخصصة للمحاضرات تعمل جميعها في وقت واحد، أما أفواج السائحين فلا تهدأ سائر النهار وهي مفتوحة للزوار، ولا يوجد لها أبواب خارجية ولا حرس ولا خاطر ولا دستور، يمر فيها الناس كل يوم ويقدر عدد الذين يمرون يومياً في مكتبة الإسكندرية بأكثر من خمسين ألف إنسان، فهي في منتصف المدينة ومفتوحة المسارب من الجانبين وعادة ما يحط الناس بها للراحة وشرب الشاي والتأمل في وجوه الباحثين.
إن كل هذه الأعداد من البشر لا تؤثر أبداً على صفاء البحث العلمي فالقاعة العملاقة التي تمتد على مدى نحو تسعة أدوار وهي مفتوحة بالكامل بعضها على بعض أكبر من أن تتأثر بدخول وفد سياحي وهي قادرة على ابتلاع ألوف الزائرين يومياً من دون ان يفسد الجو المعرفي الذي ينشده الباحثون حول طاولاتها المتقابلة، وهيبة المعرفة فيها ترغم الداخل على احترام المعرفة والزمن والكتاب، وتمسح المشهد بلون من جلال المعرفة وقوة الحقيقة.
لقد استطاع المصممون النرويجيون في شركة سنوهيتا العملاقة، أن يجعلوا الكتاب محور الحياة، وصمموا المكتبة على صورة قرص الشمس في انطلاق سطوعها وهو خير تعبير عن رسالة الكتاب، الذي يمنح العالم العافية والدفء والنور، والذي يتجلى بمجد الله حين يطلع شمسه على الصالحين والأشرار، وتماماً كما الشمس لا يحتجب نورها عن الناس فإن الكتاب ينبغي أن لا يحجب عن الناس، إن المعرفة هي الحاجة العليا للبشرية، ومن حقها أن تكون من الحرية والعافية بحيث لا يصدها عن الناس شيء.
الخزائن كلها متاحة للزائر الذي يصل إلى المكتبة بأقل قدر من الروتين، ويتم تأمين التعامل مع الكتاب نفسه وليس التعامل مع بطاقات الكتاب، إن خزائن البطاقات عنصر مساعد للإحصاء والتعريف، ولكنها بكل تأكيد لا تسمن الباحث ولا تغني من جوع، فالباحث يشتد ولعه بلمس الكتاب وتقليب صحائفه حيث لا يغني خبر عن بصر.
أما مركز الشاي والاستراحة فهو متاح للعابر والسائر وحين يجتمع الناس فيه فإن فرصة الترويح عن النفس تصبح أكثر واقعية للباحث، وهذا بالطبع يزيد من الرجل الوافدة على المكتبة ويعزز موقع المكتبة في الثقافة الشعبية، ولن يكون ذلك أبدأ على حساب العمق البحثي الذي سيجد بكل تأكيد قاعاته الخاصة وأجواءه العلمية البحتة.
في مقاهي الروتانا والهافانا يلتقي المتعبون على شيء واحد هو التسلية عن النفس والترويح وقتل الفراغ ولكن عندما يصبح الترفيه في حرم المكتبة الوطنية فإن الناس لن تنسى أن الكتاب هو جوهر المسألة كلها وأن هذه المرافق نشأت لخدمة الكتاب، وتلقائياً سيقود هذا التقليد الناس إلى الدخول في ملعب الكلمة ذات يوم.
إنها دعوة للعودة إلى عالم الكتاب والاعتراف بأن وسائل العولمة على اختلاف أدواتها لا يجوز أن تحل محل الكتاب، الذي هو بشهادة التاريخ سيد المعرفة وأبو الحضارات، وهي دعوة أطلقها شاعر العرب المتنبي:
أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الأنام كتاب
وللسر منه موضع لا ينالـــــــه نديم ولا يفضي إليه شراب

إن نجاح مكتبة الاسكندرية في تحقيق تكامل معرفي مذهل بين الشرق والغرب، وبالتالي في تنظيم مشاركات وشراكات استثمارية في عدد من الحقول المعرفية في التراث واللغة والتاريخ والكتاب هو مثال يحتذى لما يمكن أن يتم فيه الاستثمار في خدمة اللغة العربية والحضارة الإسلامية، ولا أشك أبداً أن الذين رصدوا مالهم للاستثمار والتنمية في مكتبة الاسكندرية قد حققوا عوائد استثمارية معقولة عبر المشاريع المرنة التي نجحت المكتبة في إطلاقها بين الجامعة وبين المجتمع.
ولكن الكسب الأكبر إنما كان في تخليد ذكرهم وعطائهم وهو ما قامت المكتبة العريقة بممارسته على أعلى درجة من الاحتراف، وأصبح أولئك المستثمرون أسعد الناس استثمارا وتنمية فقد خلد ذكرهم في خدمة العربية والمعرفة والتراث الإنساني، وأطلقت أسماؤهم على ردهات وقاعات وجداريات لا يتردد المرء في اعتبارها أكبر استثمار وعطاء خالد.

وباختصار
فإن الاستثمار في خدمة العربية ليس مجرد شعار وطني أو واجب ديني إنه أيضا عمل تنموي حقيقي، ومن الواجب أن نقول إنه ليس من تلك المشاريع التي تدر الأرباح الطائلة أو تأتي بالثراء السريع، ولكنه من ذلك النوع الذي يخلد اسم المستثمر في التاريخ ويحول عطاءه إلى عطاء ذي ذكر يفخر به أبناؤه والأجيال الآتية، وفي الوقت نفسه فإنه ليس من العسير أن تقوم مشاريع استثمارية دقيقة توفر عوائد معقولة للتمويل التجاري في المشاريع الحيوية في حقل الاستشراق وخدمة اللغة العربية والحضارة الإسلامية.
ولعله من الواجب أن نقول هنا أيضاً إن أي دراسة استثمارية في خدمة اللغة العربية والتراث الحضاري للعرب في الغرب ينبغي أن تلحظ الطابع الوطني والإنساني في هذه الدراسات الأمر الذي يفرض على المؤسسات الوطنية والإنسانية الإسهام الحقيقي في هذه البرامج، وبالتالي فإن دور هذه المؤسسات في تعزيز هذا اللون من الاستثمار وتوفير فرص نجاحه يعتبر جزءاً لا يتجزأ من دراسة المشروع، وحين نعجز عن تأمين تكامل مع المؤسسات الوطنية، والمنظمات الثقافية الدولية فإننا لن نحقق الاستثمار الفعال الضامن لاستمرار هذا النشاط، وربما نحكم على مشروعنا كله بالفشل، مهما كانت المبررات طيبة والآمال كبيرة.
إننا في الثقافة العربية نقوم بحراسة تراث الأمم، ومن حقنا أن نطالبهم بالوقوف إلى جانبنا وتحمل مسؤولياتهم في هذا الجانب، فالتراث الثقافي ملك للإنسانية، وهذه حقيقة صار العالم المتحضر يدركها ويكرس جزءاً من موازنته لدعم المشاريع المتصلة بالتراث الإنساني، في كل مكان في العالم وهنا فإن الاستثمار الصحيح في اللغة العربية يستحق هذا اللون من الدعم المرصود في موازنات الدول المتحضرة، وكذلك الشركات الكبرى الباجثة عن ذكر ومجد، وهذا بالضبط ما أردت أن ألفت إليه أولئك الذين يعدون للاستثمار في اللغة العربية في الدول المتحضرة في الشرق والغرب.

اضف رد