د.محمد حبش- المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي سبتمبر 2014

الصراع السني الشيعي
قراءة في الجذور…. أسباب الصراع وآفاق اللقاء

ورقة من إعداد
د.محمد حبش

المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي
الصراع السني الشيعي
قراءة في الجذور… أسباب الشقاق وآفاق اللقاء

• المسألة الطائفية في الدولة الحديثة
• الراهن الطائفي في المشرق العربي
o النزاع اليهودي الاسلامي والمسيحي
o النزاع الإسلامي المسيحي
o النزاع السني الشيعي

• قراءة ديموغرافية لواقع الانقسام الطائفي في المشرق العربي
• جذور الصراع الطائفي في الحالة الشيعية
o الظلال الميتافيزيقية للماضي
o ثقافة المظلومية
o التجربة التاريخية
o المرجعيات الطائفية
o ميثولوجيا الغيب
• جذور الصراع الطائفي في الحالة السنية
o مقارنات مع المنظومة الفكرية للشيعة
o فتاوى التكفير

• المشهد الطائفي في سوريا
• الحلول الممكنة للكارثة الطائفية
نتائج البحث
التوصيات

المسألة الطائفية في الدولة الحديثة
لا تبدو المسألة الطائفية قلقاً في الدولة الحديثة، فقد تكفلت القوانين المدنية للدول الحديثة بتجاوز المحدد الطائفي واعتباره شأنا خاصاً يتصل بعلاقة الإنسان مع ربه، وأحيانا يتصل بتقاليد وعادات اجتماعية تتم ممارستها في ضوء القوانين وفي إطار الحقوق المتقابلة.
ومنذ اختارت الدولة العلمانية في الغرب فصل الدين عن الدولة فإن هذه المسألة لا تبدو مسألة ذات بال، وتلتزم الدول العلمانية الحياد التام في الشأن الطائفي، حيث لا تنص القوانين على أي شرط طائفي في الحقوق والواجبات والتعيينات، بل إن كثيراً من القوانين العلمانية ذهبت إلى النص على أن أي إقحام للشأن الطائفي في الحياة العامة يعتبر مخالفة صريحة للقانون، ويمنع على الحكومات المركزية القيام بأي إحصاء طائفي أو مراقبة لحضور المواطنين في الحياة العامة على أساس انتماءاتهم.
وقد قامت مؤسسات صارمة بتأمين حياد القانون إزاء المسألة الطائفية، وتسهر هذه المؤسسات على مراقبة القانون، ومتابعة آثاره، وبالتالي رصد ما قد يتسلل من النزغات الطائفية من وراء القانون، وتقوم هذه المؤسسات بشكل تلقائي بمواجهات مستمرة مع ممارسات طائفية تلتزم نص القانون ولكنها تنتهك روحه.
ولا شك أن هذا الموقف القانوني الذي طبقته الدول العلمانية بصرامة وحذر قد أسهم إلى حد بعيد في حماية المجتمعات العلمانية من تبعات الطائفية ومشاكلها.
وعلى الرغم من أن عدداً كبيراً من الدول العلمانية لا تزال تنص على دين الدولة، ولكن ذلك لا يتعدى مبادئ الدين ومقاصده ولا يتصل بشريعاته التفصيلية:
وبناء على ذلك فإنه من العسير أن تتوفر لديك أي إحصائية رسمية للتوزع الطائفي في المجتمعات الغربية صادرة عن هيئة حكومية، أو تعترف بها أو تعتمدها هيئة حكومية، وسائر ما يصدر عن وصف الحالة الطائفية في البلدان العلمانية هو من عمل مؤسسات خاصة ليس لها أي صفة رسمية.
ويعيش اليوم في أوروبا الكاثوليك والارثوذكس والبروتستانت في إطار حقوق مدنية متساوية على الرغم من الذكريات الأليمة التي لا تزال تعصف بالذاكرة عن الهيجونوت والجشتلت والحروب الدينية التي أراقت دماء مئات الآلاف من الأوربيين عبر مئات السنين، وعلى الرغم من ذلك كله فإن بالإمكان أن نقول إنها برأت تماماً من الطائفية بسبب التطور الاجتماعي وثقافة الديمقراطية التي أقرتها الدساتير الحديثة.
ومع تأكيدنا لحقيقة انتهاء العصر الطائفي في الغرب المتحضر ولكن لا بأس أن نورد هنا هذا النص وهو مختارات من قصة الحضارة لول ديورانت يطل فيها على أوربا العصور الوسطى وبشكل خاص مطلع القرن السادس عشر في فرنسا وأسبانيا في جولات حمامات الدم الطائفي الرهيبة التي كانت تعصف بأوروبا قبل أن يستيقظ العقل ويتم اعتماد نظم لا طائفية:
وانتشرت محاكم التفتيش، وكان فيليب يراقبها وهو في أسبانيا، ويشجع على استمرارها، ويبعث إلى مرجريت بأسماء الهراطقة المشتبه فيهم. وما كاد يمر يوم دون إعدام. وفي 1561 أحرق جلين دي مولر في أودينارد، وأحرق توماس كولبرج في تورني، وقطع أحد أنصار تجديد العماد أرباً حتى الموت بسبع ضربات من سيف عتيق صدئ، في حضور زوجته التي قضت نحبها فزعاً من هول المنظر وأثارت هذه الأعمال الوحشية حفيظة برتران لبلاس فهاجم كاتدرائية تورفي، أثناء قداس عيد الميلاد واندفع إلى المذبح وانتزع القربان المقدس من يد القسيس ووطئه بقدميه، وصاح في جمهور المصلين “أيها المضللون، هل تظنون أن هذا هو المسيح إلهكم ومخلصكم؟ ” وعذب الرجل فأحرقت يده اليمنى وقدميه حتى لم يبق منها إلا العظام، وقطع لسانه، وعلق فوق نار وشوي على محصل حتى لفظ أنفاسه، وفي ليل أحرق روبرت أو جيبه وزوجته وأبناؤه لأنهم قالوا بأن عبادة القربان المقدس ليست إلا تجديفاً وثنياً
………..
…. كان ألفا قد أمر بانتقام تكون فيه موعظة وعبرة. فظل جنود فدريجو لمدة أيام ثلاثة ينهبون البيوت والأديار والكنائس، ويسرقون الحلي والأردية الثمينة من التماثيل المقدسة. ويطؤون الفطائر المقدسة تحت الأقدام، ويذبحون الرجال ويستحيون النساء، كاثوليك أو بروتستانت على حد سواء وفي طريق تقدمه إلى جلدرلند، تغلب جيشه على الدفاعات الهزلية في زوتفن، وقتل كل رجال المدينة تقريباً. وعلق بعضهم من الأقدام، وأغرق خمسمائة منهم يربطون زوجاً زوجاً، ظهراً لظهر، والإلقاء بهم في نهر ايسل.

ومع ان هذه الحروب الطائفية المقيتة استمرت مئات السنين دون توقف، ولكن أوروبا التي استيقظت عبر الثورة الفرنسية استطاعت ان تخط مساراً آخر لعلاقات المواطنة، لا مكان فيه للتعصب القومي أو الطائفي أو الديني.
وهكذا فقد استطاعت أوروبا الخارجة للتو من ألف وخمسمائة عام من الصراع الطائفي والحروب الدينية أن تحمي مجتمعاتها وتوفر الاستقرار عبر منظومة من القوانين والمؤسسات الرسمية الساهرة على حماية المجتمع.
ومع أن المسألة الطائفية لا تزال تطل بين حين وآخر في العالم الغربي كما في إيرلندا عبر النزاع الكاثوليكي البروتستانتي ولكن لا يمكن القول إن أوربا تعاني من مشكلة طائفية، فقد حسمت القوانين مسألة المساواة، ولا يحق لأي نظام حكم أن يسلك سلوكاً تمييزياً ضد أي طائفة، والأمر نفسه تلتزمه سائر الأحزاب الناشطة في الشأن السياسي.
وقد كانت آخر تداعيات الصراع الطائفي في أوربا هو الحرب الأهلية التي اندلعت بعد انهيار يوغوسلافيا، وقد تدحل المحتمع الدولي بحزم لإنهاء المأساة عبر اتفاق دايتون، ولا نعتقد أن حرباً طائفية أخرى متوفرة في أوربا لمدة نصف قرن قادم على أقل تقدير.

الراهن الطائفي في المشرق العربي

شهدت منطقة المشرق العربي ولادة الأديان التاريخية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، ومع قيام الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى انتقلت المركزية المسيحية إلى روما وبيزنطة فيما تشرد اليهود زمناُ في الأرض قبل أن يكرسوا مبدأ تأسيس كيانهم في أرض الميعاد على خلفيات لاهوتية وتاريخية وأسطورية.
ومع أن هذا الانقسام كان دموياً ومريراً خلال التاريخ في فترات الحروب الصليبية بوجه خاص وكذلك في القرن الماضي الذي شهد سلسلة حروب بين العرب واليهود، ولكن الحالتين دخلتا مع مطلع القرن الجديد استقراراً معقولاً، ويبدو أن المنطقة مرشحة للاستقرار في ظل وجود اعتباري واضح للأديان الثلاثة، ضمن هيمنة إسلامية واضحة على المشهد كله باستثناء لبنان وفلسطين.
وقد شهدت المنطقة في القرن الماضي ثلاثة أشكال من الصراع الديني والطائفي، ويمكن تحديد الأشكال الرئيسية للصراع على الشكل التالي:
• الصراع العربي اليهودي
• الصراع الإسلامي المسيحي
• الصراع السني الشيعي

الصراع العربي اليهودي:
وهو الصراع الذي أفرزه المشروع الصهيوني، ومع أن الشكل الواقعي للصراع كان بين الصهاينة وبين العرب، ولكن البعد الديني ظل من أشد الأبعاد وضوحاً، وكانت العاطفة الدينية إسلاميا ومسيحيا تظهر في كل أشكال الصراع، ومع ان المقاومة اتخذت في المحفل الدولي شكل النضال الوطني المرتكز على الحقوق ولكن الجانب الأكثر حضورا في المقاومة بدءا من عز الدين القسام إلى رشيد عالي الكيلاني إلى حماس والجهاد كان نضالاً دينياً واضحا، ضمن شعارات لاهبة، كما تقرؤها في الحديث النبوي: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم خلفي يهودي تعال فاقتله.
والمعنى نفسه ظل حاضرا في الصراع المسيحي الذي كان يرى في موقف اليهود الجاحدين لنبوة المسيح اعتداء سافرا على الدين، وقد وقف عدد كبير من القادة المسيحيين مواقف نضالية حادة على خلفية الدفاع عن المقدس الديني وكنيسة القيامة وكنيسة المهد، وهي معالم مقدسة لا يمكن بحال من الأحوال أن يؤتمن عليها اليهودي المنكر أصلا لقدسية المسيح ورسالته.
وأما في الجانب اليهودي فالأمر أكثر ظهوراً ووضوحاً، وها نحن ندخل القرن الحادي والعشرين ونقارب مائة عام من الصراع ضد المشروع الصهيوني ولا يزال على رأس مطالب الدولة الصهيونية الاعتراف بيهودية الدولة، على الرغم من الادعاءات العلمانية والديمقراطية التي يسوقها الكيان الصهيوني (واحة الديمقراطية) في الشرق الأوسط.
وقد ظلت اليهودية مرتبطة ارتباطا عضويا بالمشروع الصهيوني ولم يستطع أي فصيل يهودي معتبر في المشرق العربي أن ينأى بنفسه عن المشروع الصهيوني، وقد تأكد ذلك جلياً بعد أن فتحت سوريا باب الهجرة للسوريين اليهود حيث استقر معظمهم في إسرائيل ولم يعودوا إلى سوريا.

الصراع الإسلامي المسيحي:
ظهر هذا اللون من الصراع بشكل واضح في الحرب الأهلية اللبنانية، وعصف بشكل مريع بالسلم الاجتماعي والروح الأهلية، ومع أن الصراع كان بين بارونات حرب محترفين، ولكنه في الواقع اتخذ طابعاً طائفيا كريها، وظهرت سلسلة دراسات طائفية مارست تحقير المقدس الديني عند المسلمين والمسيحيين على السواء: سلسلة قس ونبي، ظاهرة أبو موسى الحريري، حزب التحريرفي لبنان، وغيرها من الحركات الجهادية التي تؤمن بوجوب فرض القتال ضد النصارى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ومع أن الشكل الديني للصراعين السالفين قد أصبح نسبيا من شأن الماضي، ولم يعد طبيعة الخطاب الطائفي يحظى بشعبية كافية خاصة مع ارتفاع المستوى التعليمي في لبنان وفلسطين المحتلة، والتقدم النسبي في وسائل التواصل والتكنولوجيا، ولكن يمكن القول إن هذا اللون من الصراع الطائفي قد انطفأ نسبياً ولم يعد في برنامج أي فصيل سياسي إسلامي إلغاء الوجود المسيحي ولا العكس، فيما يصر الصهاينة على يهودية الدولة وهو موقف طائفي مقيت مهما زخرفه الكيان الصهيوني بتحفظات وتعهدات حول ضمان حقوق العرب والمسلمين في الداخل الفلسطيني في الاراضي المحتلة.
ولم تشكل المسألة المسيحية ظاهرة سياسية إلا في لبنان وقد ظل المسيحيون في العراق وسوريا والأردن وفلسطين يتعايشون مع المجتمع المسلم في ظل انظمة أقرب إلى العلمانية ولم يطرحوا لأنفسهم مشروعاً سياسياً وبذلك فقد مارسوا حياتهم في الاقتصاد والمجتمع، وشاركوا في السياسة بصفة فردية وحقق كثير منهم مناصب عليا مستفيدا من رغبة المجتمع بإظهار روح التسامح والتعاون.
ولا يشكل في ذلك إلا الحالة اللبنانية فقد برزت تيارات مسيحية واضحة تشارك في الحالة السياسية وتم تكريس لبنان على أنه حالة ملاذ للكيان المسيحي في المشرق، واستيقظت فيه دعوات واضجة للوجود السياسي المسيحي، وتنامت فيه رغبة الانفصال عن الإسلام والعروبة، وقد جاءت هذه المشاعر القاسية في سياق الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، ولا تزال تداعياتها تطل بين حين وآخر ويتوقع أن تتنامى تلك المشاعر الرافصة للمحيط العربي والإسلامي، والمطالبة بالعودة إلى الأم الحنون فرنسا، وهي مشاعر مرشحة للتزايد في ظل اللجوء السوري الرهيب للبنان وما سيفرضه من متغيرات قاسية على المجتمع والحياة في لبنان.
ولكن هذه الإشارة للحالة المسيحية ليست إلا بغرض استكمال جوانب البحث، وإلا فهي ليست هدف هذه الدراسة، كما أن لها شروطا وظروفاً بالغة الاختلاف والتفصيل.

الصراع السني الشيعي:
أما الشكل الثالث من الصراع الطائفي وهو الصراع السني الشيعي وهو محور هذه الدراسة فقد قفز بشكل مريع للواجهة منذ قيام الحرب العراقية الإيرانية ويمكن القول إنه يزداد قسوة كل يوم، وهو في الواقع المشكلة الطائفية الحقيقية في المشرق العربي والتي يتعين دراستها بشكل موضوعي للوقوف على سبل الخروج من هذا الواقع المرعب.
وأول ما يدهشك في المسالة الطائفية في المشرق العربي هو غياب الوعي الحقيقي بحجم المشكلة، وإذا كانت المشكلة في العراق مفهومة وواضحة، نظرا لتقارب عدد السنة والشيعة وانخراط القيادات الدينية مباشرة في إدارة الصراع، فإنها في الحالة السورية لا تزال غامضة ومبهمة، حيث يغلب على الشارع السني المتدين خصوصاً الإحساس بالحالة الأموية في الشام، وأن الشيعة لا يبلغون واحداً في المائة من السكان، وأنهم يعيشون في إطار المراقد الشيعية ولا يمتلكون أي رؤية سياسية، وأن الخلاف بين الشيعة وبين الطوائف العلوية والاسماعيلية والدرزية كبير ومستفحل، ولا يوجد سبب للقاء بينهم.
كما إن الدور الإيراني في رعاية المراقد وتنشيط القرى والبلدات الشيعية وكذلك إحداث الحوزات في الريف الدمشقي والإدلبي والرقة والساحل انعكس سلباً على مشاعر الأغلبية التي رأت فيه محاولة للتغيير الديمغرافي يقوم به الإيرانيون الفرس بدعم من النظام الطائفي في سوريا لتغيير التركيبة الديمغرافية للشعب السوري.
ولكن هذه المتابعات الطافحة بالريب قفزت مباشرة إلى ساحة المواجهة مع انطلاق الثورة السورية وانخراط النظام الإيراني وحزب الله والكتائب الشيعية العراقية مباشرة في الصراع.

قراءة ديموغرافية لواقع الانقسام الطائفي في المشرق العربي:
لا يمكن دراسة المسألة الطائفية في سوريا منفصلة عن محيطها، فقد بدأت الحرب بين السوريين ولكن سرعان ما قام المحاربون بكسر الحدود ودخل أنصار الفريقين عبر الحدود، فزعات لإخوانهم في الدين، وإذا كان المقاتلون في الداخل قد تحركوا لرفع الظلم ونشدان الحرية والمطالبة بالعدالة والديمقراطية، فإن هذه المطالب الوردية من الحرية وحقوق الإنسان هي آخر ما يفكر فيه الغرباء القادمون من الخارج سنة أو شيعة على السواء حيث يتحركون بدافع مباشر من التعصب للطائفة وفق رؤية سوداء قاتمة عن الآخر الكافر والذي لا يجوز مهادنته ولا التعايش معه.
اننا مدعوون هنا إلى ملامسة الموضوع بدقة، واقتحام التابو الطائفي للحديث بصراحة وبالأرقام الدقيقة، فاكتشاف الحل جزء من تصوره، ومعرفة الداء قبل معرفة الدواء، ولم يعد من المقنع أن نتصور أن الضمير في ضفة واحدة، وأن الآخرين بلا ضمير، ولا يمكن أن نتصور الآخر على أنه العدو المفطور على العدوان والابتزاز والشر، وهو ما يغلب على الخطابين معاً، ويقدم قراءات هائمة ساخطة لا يمكنها أن تحمل أي مضمون إصلاحي.
ورغم أنني لا أومن بالحرب كلها وأعتقد ان لا شرف لبندقية ولا مجد لحرب، والقتال بكل فنونه لون من الوحشية وشرعة الغاب، فإن ذلك لا يعني أن المتحاربين بلا قضية، أوأنهم لا يملكون أسباباً تقنعهم للدخول في حمأة الموت البغيضة.
في العراق وبلاد الشام يعيش قرابة 82 مليون إنسان، يزيد عدد الشيعة فيهم عن 36% وإذا استثنينا الكرد الذين لهم هم قومي وليس مذهبياً، فالشيعة هنا تقارب نصف الناس، هذا إذا لم نتحدث عن الامتداد جنوب العراق صوب الكويت والاحساء والبحرين والامتداد العلوي في تركيا العلمانية بواقع يزيد عن عشرة ملايين تركي، وهذا يعني أن الصراع المذهبي سيكون صراعاً ماحقاً، وأنه لا أمل في انتصار أحد فيه.
وإذا توسعنا في الدراسة صوب المحيط الاقليمي، وتناولنا الكتلة البشرية الموزعة في جغرافيا آسيا العربية وتركيا وإيران فنحن أمام كتلة بشرية تبلغ 318 مليون إنسان وهي تشكل عاصمة روحية وثقافية لمليار مسلم آخر ينتشرون في الأرض، وهكذا فإن هذه الكتلة البشرية الهائلة تتألف تقليديا من 183 مليون سني ونحو 123 شيعي وستة ملايين مسيحي ونحو ستة ملايين من اليهود.
ومع أن التركيبة الطائفية في سوريا ليست بهذه الصورة، ويرى البعض أن قياس العراقي على السوري واللبناني غير مستقيم، ولكن الأحداث أثبتت خلاف ذلك، فقد كسر اللبنانيون من حزب الله والمقاتلون من العراق حاجز الحدود واقتحموا سوريا بكتائبهم المقاتلة، هازئين بحدود سايكس بيكو بل إنهم أعلنوا أنهم لا يؤمنون أصلا بالدولة الوطنية بل بدولة الخلافة كما لدى مقاتلي السنة، أو ولاية الفقيه كما لدى المحارب الشيعي.
وتأتي فزعة النظم الشيعية في العراق وإيران ولبنان للنظام السوري على الرغم من الخلاف الكبير فقهياً وأصولياً بين الشيعة والعلوية، وهناك فتاوى تكفير مشهورة من مراجع الشيعة بحق أتباع محمد بن نصير مؤسس الفرقة العلوية في القرن الثالث الهجري، ولكن كل هذه الفروق تنصهر في ساعات المخاطر المشتركة، ويلتف الناس حول المحارب المنقذ، وخلال أسابيع قليلة من الصراع صار الجميع شيعة، النصيرية والدروز والاسماعيلية!!
ويمكننا من خلال هذه الجداول متابعة واقع المسألة الطائفية بوجه خاص في المشرق العربي، ونقصد به بلاد الشام والعراق، وهو إفليم يسكنه نحو 82 مليون عربي وتحيط به ثلاث كتل أخرى في مثل حجمه، إيران وتركيا والجزيرة العربية، ويقيم في هذه الأقاليم الأربعة نحو ثلاثمائة مليون مسلم تقريباً، وهو يعيش في المخيلة الشعبية لأكثر من مليار مسلم عاصمة روحية وعرفانية.

هماك إذن أربع كتل بشرية متجاورة ومتساوية تقريباً تعيش في هذه المنطقة:

الاقليم نسبة الشيعة من المسلمين نسبة السنة من المسلمين السنة الشيعة الأديان الأخرى المجموع
بلاد الشام والعراق 36% 64% 45 25 12 82
الجزيرة العربية 22% 78% 56 17 1 74
إيران 87 % 13% 8 70 1 81
تركيا 14% 86% 69 11 1 81
المجموع 41% 59% 178 123 15 318

ووفق الجدول المرفق فإن الحضور الشيعي السني متقارب في مجموع هذه الأقاليم الأربعة، ويمكن القول إننا نتحدث عن انقسام يقارب واحدا وأربعين إلى تسعة وخمسين بالمائة، وهي نسبة يجب أن تكون حاضرة في أي قراءة سياسية تحاول قراءة واقع المنطقة ناهيك عن اقتراح الحلول

كما يمكن النظر إلى الكتل الأربعة المتجاورة في المنطقة على الشكل التالي :

ويتركز الشيعة في إيران والسنة في تركيا، فيما يشكلون أقلية هامة في الجزيرة العربية وبوجه خاص في اليمن حيث تتبع الأغلبية المذهب الزيدي وعلى الرغم من قرب المذهب الزيدي من مذاهب أهل السنة واحترامهم للصحابة وطبيعة التسامح بين المذاهب في اليمن، ولكن ثورة الحوثيين ودخول إيران الصراع إلى جانبهم في الصراع ضد نظام صنعاء فرض شكلاً جديداً للمشهد الطائفي، وأسهم في ربط الزيدية بالكتلة الشيعية الدولية التي تدعمها إيران التي تطرح نفسها حامياً لمذاهب أهل البيت في العالم الإسلامي.
ولا يغيب الشيعة عن أي بلد خليجي تقريباً، وهم محكومون بالطروف السياسية في البلاد التي يعيشون بها ولكن إمكانية التحرك السياسي تبقى موجودة بالقوة كلما لاحت فرصة للتعبير عن الذات، وهو ما نشاهده اليوم بشكل واضح في البحرين.
وبمقاربة الكتل الأربعة فسندرك تقارب الهم وتشابه المشكلات في المنطقة، ووجوب الاعتراف بهذا الواقع التاريخي والمعاصر في هذه المنطقة الهامة التي تضم 318 مليون من السكان

وفيما يلي صورة لتوزع السنة والشيعة والأديان الأخرى في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية :

وفي إحصاء آخر تقدمه مؤسسة بيو ريسيرش نلاحظ أن الحضور المذهبي والطائفي لدى الشيعة أكبر منه لدى السنة، وهو ما يزيد في حدة الانقسام ويضيف أسباباً أخرى للاعتبار العددي للشيعة في المنطقة.
وقد تم توجيه عدة أسئلة عبر المؤسسة لسبعة آلاف مشارك حول الالتزام بالطائفة، والأمل بالخلاص على أساس دولة دينية، وذلك وفق المعايير الإحصائية الدقيقة، وكانت النتيجة كالآتي:

ومن الواشح أن تنامي الشعور بالانتماء المذهبي يتزايد لدى الشيعة بنسبة أعلى منه لدى السنة، وهذه نتيجة طبيعية لدى المحموعات التي تشعر أنها مهددة، فيما لا تشعر الأكثرية عادة بهذا الخطر، سواء كانت الأكثرية حقيقية أو متوهمة.

جذور الصراع الطائفي في الأفق الشيعي:
يعود الخلاف السني الشيعي كما هو معلوم إلى مسألة الخلافة بعد موت الرسول الكريم، حيث وقع خلاف بين الصحابة حسمه الفريق الأكثر نفوذاً في سقيفة بني ساعدة لصالح أبي بكر ثم عمر، وقد بقي الخلاف ضغائن نائمة في الصدور إلى أن استيقظ من جديد عقب مقتل عثمان، ورفض معاوية البيعة لعلي وبالتالي رفض علي الاعتراف بمعاوية، وقد أدى استفحال الخلاف إلى وقعتين دمويتين الأولى معركة الجمل والثانية معركة صفين.
ولا تهدف هذه الدراسة بالطبع إلى سرد التفاصيل التاريخية للخلاف بين الصحابة ولا تهدف كذلك إلى تبيين الصواب والخطأ في الخيارات السياسية التي تبناها المعاصرون للأحداث، وإنما تريد هذه الدراسة أن تكشف السبب الكامن وراء تحول هذه الأحداث التاريخية السحيقة التي تتجاوز أحداثها ألفا وأربعمائة عام، إلى معالم بالغة التأثير على سلوك مئات الملايين الذين يعيشون في القرن الخامس عشر الهحري، وتتحكم في سياسيات دول وشعوب، على الرغم من أن أحداثاً كثيرة أكثر هولاً عصفت بالمنطقة وأدت الى نتائج أكثر كارثية ولكن تم في الواقع تجاوزها وغابت في غمار التبدلات السياسية والمصالحات المجتمعية، ولا تجد لها ذكراً اليوم.

ولكن ما الذي جعل هذا اللون من الانقسام الطائفي يتجه إلى هذه الصرامة بحيث يشرخ بلا هوادة روح الإخاء التي يفترض أن تسود أتباع النبي الواحد والقبلة الواحدة؟
يمكن من وجهة نظري الإشارة إلى خمسة محددات تعتبر أصلاً في هذا الانشطار التاريخي وتحول باستمرار دون بناء حوار فعال ومباشر، يوفر ظروف السلام الدائم.

• الإحالة الميتافيزيقية
• المظلومية
• التجربة التاريخية
• المرجعيات
• ميثولوجيا الغيب

الإحالة الميتافيزيقية:
تم اعتبار كافة تفاصيل الأحداث الأليمة في الذهن الشيعي قطعة من الغيب، وقد تم إثبات تفاصيلها الصغيرة والكبيرة بنصوص مطلقة، وأصبح الاتكاء عليها لا يقوم على أسس تاريخية وإنما على أسس ميتافيزيقية غير خاضعة لحكم العقل، وفي كتاب منتخب الأثر في ما ورد في الامام الثاني عشر للصافي الكلبايكاني 8236 حديث منسوب للرسول الكريم يتناول قضية ظهور المهدي في آخر الزمان بكل التفاصيل من اسمه ونسبه وعلمه وتاريخه ورجاله وأسماء آبائه وأجداده وإخوانه وأبنائه وذريته.
ويتجاوز التراث الشيعي في الحكم على التاريخ من نصوص السنة إلى نصوص الكتاب حيث تم تأويل النص القرآني في مئات الآيات لتكون دليلاً بالنص على ما حدث وما سيحدث خلال التاريخ، وهناك مواكبة مستمرة عبر المؤسسة التراثية الشيعية لربط كل حدث جديد بنص تراثي ويتم تقديمه عادة على أنه من معجزات الرسول أو الأئمة، وهكذا تتقبل المخيلة الشعبية بسهولة هذه التأويلات بوصفها معجزات للمعصوم، ويتم تلقائياً البناء عليها وربط الحاضر والمستقبل أيضاً بالميتافيزيق الواجب التصديق والممنوع من كل حوار عقلاني.
واليوم يتم تجييش ألوية وكتائب مقاتلة بالغة الحماس والغضب بنصوص المحشر والمنشر وأرض الملاحم وهزة قرقيسا وجيش السفياني وغيرها من الروايات التي يتم تفسيرها بطريقة تحليلية إخبارية تفصيلية، تزداد كل يوم في إرهاصاتها ودلالاتها وإسقاطاتها، وبالتالي تجييشها للناس على مركب الميتافيزيق حيث يكون ريح الجنة أقرب إلى المقاتل وأكثر تأثيراً من كل مبادئ العدالة والمنطق وقوانين الحرب والسلام.
والممارسة نفسها بمقدار أقل قام بها أيضاً فقهاء السنة فاعتبروا أن الخلافة الراشدة من مسائل النص الديني وقد تم اعتبار أي تفكير بنقدها أو التقليل من شأنها عدوانا على النص المقدس.
ومن أمثلة ذلك أحاديث تفترق أمتي ثلاثاً وسبعبن فرقة، وقد قام الاسفراييني بتدوين هذه الفرق الثلاثة والسبعين بشكل تفصيلي منتهجاً السلوك ذاته لفقهاء الشيعة، وجزم بدلالة النص المقدس على ضلال كل فرقة من الفرق المذكورة، وأسند الحاضر إلى الغيب وفرض على الناس التزام الفرقة الناجية والبراءة من فرق المخالفين، وكذلك في حديث عليكم بسنتي وسنة الراشدين المهديين من بعدي، وهكذا في سياق متراصف، وقد أثار هذا الأمر المحققين من علماء المصطلح خارج اللعبة السياسية فكانوا يهاجمون ذلك بشدة وانتهى المحققون إلى قاعدة هامة وهي ان كل حديث ورد فيه ترتيب الأربعة على التوالي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فهو حديث مشكوك فيه.

المظلومية:

إن فكرة المظلومية التي يمارسها العقل الشيعي الجمعي في اللطميات والتطبير والطقوس المقتل ليست مجرد فولكلور طقسي إنها في العمق واحدة من أكثر الوسائل السياسية تأثيراً، وهي جزء لا يتجزأ من العقل الشيعي الذي تمت به إدارة الصراع.
والمظلومية ليست نصاً إيديولوجيا يقرؤه المثقفون إنها في الواقع روح شعبية عارمة تتم يها قيادة المجتمع في آماله وأماتيه وتتم من خلاله تسخير أدق طاقات المجتمع للعمل الثوري والانقلابي.
ويجب الانتباه إلى أن المظلومية هنا لا تتوقف عند معاناة الآباء والأجداد إنها تطل مباشرة من نافذة المقدس الديني، فقد وقعت المظلومية على ابن بنت رسول الله وسيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة، وعلى أهل بيته من أئمة معصومين ونساء مقدسات، وفي أدبيات المقتل التي يمكن إفرادها بباب خاص في الأدب والبلاغة والشعر ، ويمكن القول إنها من أشد وسائل التحفيز والإثارة وقد تم تحويلها إلى دراما دامية تثير أعنف المشاعر وتدفع المقاتلين إلى الموت.
وفي تجارب الحاضر تمكنت ثقافة المظلومية من حشد ملايين اليهود في العالم للذهاب الى أرض الميعاد، وقد تمكن اليهود عبر ماكينة إعلامية رهيبة من التأثير في القرار العالمي لدى دول كثيرة وتأمين انحيازها لصالح المشروع الصهيوني، وكان لحملات الهولوكوست أبلغ تأثير في القرار الدولي والقارارت السيادية لدول كثيرة، وعبر المظلومية أطلق الصهاينة حملات طويلة من النضال الحقوقي والمكر السياسي تمكنوا من خلالها من انتزاع قرارات جادة في أعرق الدول الديمقراطية تحت عنوان الأنتيساميك تطال كبار مفكري الغرب وأحراره بالمحاكمة والملاحقة، وهي ممارسات تتنافى مع حرية التعبير، التي هي على رأس الحريات في كل دساتير دول العالم.
وربما كانت أوضح صورة لاستدعاء المظلومية هي ما قدمه حاكم العراق نوري المالكي عبر خطابه الأخير الذي أكد فيه أن الجيش العراقي يستأنف الآن معركة كربلاء ويواجه قتلة الحسين وأحفاد يزيد.

التجربة التاريخية
تطل القضية الشيعية عبر سلسلة من التجارب التاريخية التي بدأت مع وصول الإمام علي إلى الحكم وبيعة ابنه الحسن من بعده، ثم تدخل في تاريخ من العناء والعذاب والقهر، يمر بفاجعة كربلاء ثم صلب زيد بن علي ثم مقاتل الطالبيين وتاريخ طويل من الشهداء والعذاب والقهر، ولكنها في النهاية تنضج في دولة كبيرة تبدأ من المهدية في تونس على مبدأ فكرة خروج المهدي حكماً عدلاً في آخر الزمان، وتتسارع الانتصارات من المهدية إلى القاهرة ويحقق الخلفاء الفاطميون في القاهرة انتصارات كبيرة وتدخل في حكمهم الشام والحجاز، وتصل إلى العراق ، بل إن عام 450 شهد تحولا رهيباً حين تمكن القائد الفاطمي أبو الحارث البساسيري من دخول بغداد ونقل الخليفة العباسي القائم إلى عانة وفرض الخطبة في بغداد للخليفة المستنصر الفاطمي، ولولا طغرل بك السلجوقي لأصبحت بغداد نفسسها إحدى الحواضر الشيعية الفاطمية.
كما لا ينبغي التقليل من أثر الدولة الحمدانية أيضاً في احتضان العلويين (النصيرية) واختيار إمامهم الحسين بن حمدان الخصيبي ت 358 هجرية مفتياً للدولة وإماماً للصلاة.
وهناك تجارب لا يمكن تجاهلها عبر دولة الأدارسة في المغرب ودولة بني بويه في كنف الخلافة العباسية ودولة العلويين في الديلم ودولة الزنديين في شيراز.
ولكن أكثر هذه التجارب تأثيراً على الحاضر هي دولة الصفويين في تبريز وأصفهان (905-1133) هجرية، وهي التي شهدت أعنف الحروب الطائفية مع العثمانيين ولا تزال إلى اليوم تذكي نار العداوة والبغضاء.

ولا شك أن انحسار الدولة الفاطمية وسقوطها نهائياً على يد صلاح الدين 567 بعد أن حكمت قرابة 270 عاماً له أكبر الأثر على إثارة الدافعية القتالية لدى الشيعة، حيث يعتقد جمهور الشيعة أن دولة أهل البيت قامت وحكمت وشمل سلطانها سائر حواضر العالم الإسلامي، بل إن الدولة العباسية ما هي إلا صيحة شيعية نادى بها أهل البيت ولكن اغتصبها العباسيون من الطالبيين وقد قاتل الشيعة قتلااً مريراً للظفر بالدولة بعد سقوط الامويين، ووقعت ملاحم مريرة بين الطالبيين والعباسيين، جمع تفاصيلها ابو الفرج الأصبهاني في كتابه الشهير مقاتل الطالبيين .
وإزاء ذلك فإن القناعة السائدة لدى الشيعة اليوم أن العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا هي دولة شيعية مغتصبة، وأن معظم أهلها كانوا شيعة وأجبروا على التسنن عبر السلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
ولا تخطئ العين اليوم في مصر التقاليد الشيعية الكثيرة كالموالد ومقامات أهل البيت وما يقام فيها من مناسبات صاخبة ينكرها باستمرار التيار السلفي الذي يرى فيها بقاء التأثير الفاطمي في مصر، وعلى كل حال فإن ما يجري عند ضريح الحسين والسيدة زينب في مصر لا يمكن بحال من الأحوال تبريره سلفياً، ويشتد الإنكار عليه حتى من أبرز دعاة الاعتدال والوسطية في مصر.
بل إن هذه المشاعر تتطور باستمرار للتنقيب عن البلدات والقرى التي استمرت في ولائها السياسي لأهل البيت، وهذا هو بالضبط ما تشهده سوريا اليوم في نبل والزهراء والسيدة زينب وأحياء زين العابدين والجورة في دمشق، التي يتم فيها إيقاظ المخيلة التاريخية لطائفة كانت ذات يوم تحكم شمال أفريقيا والشام والحجاز بل وحكمت العراق ردحاً من الزمن.
وتذهب تصورات بعضهم إلى التنقيب في الأسر الشامية والعراقية واللبنانية خاصة في دمشق وحلب حتى تلك التي التزمت منذ قرون بمذاهب السنة للحديث عن الأصول المنتمية لأهل البيت، وفي هذا السياق تتم اليوم الإشارة إلى عائلات مثل الحسني والحسيني وداود وحيدر وكاظم وزين العابدين والجعفري والموسوي والرضا والشريف والشرفاء والأشرف والمرتضى والبغدادي والنجفي والحصني وتقي الدين والاصبهاني والكرمنشاهي والشيرازي والرازي وغيرها متن العائلات المعروفة بأنها عائلات كانت شيعية وتم إجبارها على التخلي عن ولائها فعاشت التقية لعدة قرون.
إن الحديث عن الدولة الفاطمية ليس مجرد حكاية من الماضي بل هو في الواقع نموذج مباشر للدولة المنشودة، ودليل على إمكانية وجودها على الأرض، وبالكطبع فقد أسهم تشويه الدولة الفاطمية سنياً في زيادة شعبيتها بين الشيعة واعتبارها مظهر انتصار في التحدي الحيقي مع الخصم التاريخي.
ولا شك أن الدولة الفاطمية وسلفها الدولة الحمدانية تؤسسان لوصال شيعي تاريخي متين مع الطوائف الثالث القلقة في بلاد الشام حيث يرى العلويون أنفسهم امتداداً للحمدانيين حيث اختار سيف الدولة الحسين بن خمدان الخصيبي العلوي التصيري مفتيا للدولة، كما أن الدروز والاسماعيلية يعتبرون الدولة الفاطمية دولة المجد التاريخي الذي تحسد فيه الإسلام في مرحلة من التاريخ، ومع أن انفصال الطائفتين عن الدولة الفاطمية كان له أسباب مختلفة ولكن المشهد اليوم يتوحد في ذلك المنى التاريخي الذي تجسد في الدولة الفاطمية.
إن ولاية الفقيه التي نادى بها الخميني عنوانا لانتصاره على الشاه، أصبحت مباشرة خطاباً ملهماً لكل الشيعة في العالم وأيقظت في نفوسهم مباشرة أمل الرباط بين التجربة الجديدة وحواضر الدولة الفاطمية من المهدية في تونس إلى النجف والكوفة في العراق مرورا بالقاهرة ودمشق وحلب، حيث تعتبر جبال الدروز في سوريا ولبنان وجبال العلويين وصحراء سلمية حواضن طبيعية للفكرة والمشروع، خاصة أنه يأتي مع غياب تام للعدالة في هذه الأرياف واستفحال مستمر للظلم والقهر الذي لا زالوا ينسبونه للدولة العثمانية بوصفها الحكم السني الأخير.
وبالطبع فإن الشيعة العرب الذين يعيشون في حوض الدولة الفاطمية التاريخي يزيدون اليوم عن خمسة وعشرين مليوناً، إضافة إلى نحو خمسة عشر مليون آخرين في اليمن ودول الخليج وهم يلتهبون في حواضر الجنوب العراقي وفي جبل عامل في لبنان وفي جبال اليمن، وهو رقم كبير ويكفي لإحياء هذا الطموح التاريخي.
ولا شك أن النجاح الذي حققه حزب الله آخر القرن الماضي في إجبار الصهاينة على الانسحاب من جنوب لبنان كان له أبلغ الأثر في إحياء مشاعر الأمل بعودة التجربة التاريخية وقيام ولاية الفقيه ومجيء المهدي الذي سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجورا.
المرجعيات:
تمكن الفقه الشيعي من بناء هرم سلطوي مكلل بالحجج الشرعية للائمة المتبوعين وأوجب الفقه الشيعي اتباع الإمام الحي وتسليمه الخمس، وأحاطه بهالة من التقديس لا نجدها عند أهل السنة، وتمت تسمية الفقهاء بأسماء ثيولوجية: آية الله العظمى، وحجة الإسلام والمسلمين، ونائب الإمام المعصوم، وغير ذلك من الألقاب المدججة باللاهوت.
وتمت المحافظة على نمط تعليمي شديد الخصوصية وبالغ الانفصال عن الواقع الأكاديمي وانصرف هؤلاء إلى حوزات خاصة، لا تنتظر تصديقاً من أحد وتتمتع باستقلالية كبيرة وفق إرشادات الإمام ومكتبه، وهذه الآلية والسلطات الكثيرة المعززة مالياً بيد المرجع الدين تمكنت من إعطاء السلطة الدينية في المذهب الشيعي صلاحيات كبيرة وقد ظهر أثرها على الأرض وأصبحت معارضة هذا اللون من السلوك محفوفة بالمخاطر.
ويمكن القول دون تردد إن هذا النوع من السلطة لرجال الدين لا يشبه في شيء مكانة رجل الدين السني الذي لا يحظى بشيء من هذه الامتيازات، ويحبذ له الانكفاء عن الحياة السياسية والاقتصار على تعليم علوم الدين.

ميثولوجيا الغيب
والقصد هنا هو بناء حروب الواقع على نصوص الغيب، وهنا يكون المحارب جزءا من إرادة إلهية قديمة، ينال فيها بسلاحه وقتاله وشهادته شرف الانتماء إلى تحقيق هذه البشارات المسطورة في الغيب والتي تحمل للعالم الرجاء والخلاص.
ومع أن قدر ميثولوجيا الغيب مشترك بين السنة والشيعة، تحت عناوين أشراط الشاعة والملاحم والفتن وأرض المحشر والمنشر، ولكنها لا تزال في العقل الشيعي أرسخ وأثبت، خاصة أن فقهاء الرواية في السنة يشيرون بالريبة والشك إلى هذه المرويات فيما يمارس مراجع الشيعة إغناء هذا اللون من الروايات وبسطه على أرض الواقع والإضافة إليه من التراث الجديد بحيث تكون الملاحم تطبيقاً لمواعيد قديمة ضربها الله سبحانه لحججه وأوليائه في الأرض وهي تأتي اليوم في مواعيدها.
ولعل أقسى أقدار سوريا اليوم أن المتحاربين القادمين من بلدان مختلفة وفق الاصولية الشيعية والسنية على السواء يمتلكان قدراً متساوياً من نصوص الغيب التي تأمرهم بالتوجه إلى الشام والقتال فيها، حيث يبطش النواصب بالروافض والروافض بالنواصب على مسرح الدم.
وهنا في غمرة القتال في سبيل الغيب الموعود تغيب كل ملامح القتال من أجل الحرية والكرامة والأمن والاستقرار وحقوق الإنسان، وتبدو هذه الشعارات سمجة وباردة ولا معنى لها عند هؤلاء الذين يقتحمون الهول من آفاق الأرض إلى دمشق الشام حيث الملحمة الكبرى واللقاء الفصل بين الدجال والمهدي، وما يتبع ذلك من كوارث لا تنتهي.
القراءة الشيعية تفترض أن دمشق هي أرض هرمجدون التي ستشهد ملاحم نهاية التاريخ وسيتم فيها تقديم قرابين الشهداء قوافل قوافل حتى يتم اقناع المهدي المنتظر بالخروج ومن ثم القتال والثار من كل من ظلم آل محمد أو سكت عن مظالمهم وهذا قدر يشترك فيه القاعدون عن نصرة أهل البيت ومن تسلسل من ذراريهم، وبهذا المعنى فلا يوجد أحد في هذا الشام الشريف مبرءاً من وصمة هذه الخطيئة.
مئات الحسينيات والمزارات اليوم التي يرتادها ملايين الشيعة في إيران والعراق والهند وباكستان ولبنان تروي الأحداث بصيغة واضحة ممهورة بخاتم آيات الله وحجج الإسلام وأهل البيت والراسخين في الولاء لأهل البيت كلها تؤكد أن جيش السفياني الذي تحدث عنه الرسول الكريم قد ظهر اليوم بكافة تفاصيله وألوانه وملامحه في دمشق، وهو الجيش الحر وجبهة النصرة وداعش التي يجمعها شيء واحد هو إقرار خلافة الثلاثة قبل علي وهذا وحده سبب كاف لاعتبارهم نواصب أعداء يجب قتالهم، وأن خروج المهدي سيكون بدافع هذا القتال المرير.
وحديث السفياني ورد في ثمانية مصادر في كتب الحديث عند أهل السنة وعشرة أضعاف ذلك عند الشيعة، أشهرها في بحار الأنوار وغيبة النعماني وإلزام الناصب، حيث يظهر السفياني على الشام، فيملك حمص ودمشق والأردن وقنسرين وبيت المقدس، ثم تكون هزة فيقتل من الناس مائة ألف، ثم يكون بينهم وقعة بقرقيسا حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم، (وقرقيسا بلدة تاريخية قرب دير الزور، تسمى اليوم بالبصيرة).. وينزل الترك الحيرة وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبد الله المهدي حتى يلتقي جنودهما بقرقيسيا على النهر، فيقتل الرجال ويسبي النساء.
ثم تأتي رواية أحرى ترسم ملامح الصراع اليوم بين الرايات الثلاث، الأبقع والأصهب والسفياني، عن الإمام الباقر: يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ويقتل الأصهب، ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها، فيقتل بها من الجبارين مائه ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة، وليس عسيراً أن يفهم المحارب أن هذه الرايات الثلاث هي الجيش الحر وداعش وجبهة النصرة.
ومع أن صيغة الروايات بمجملها تكفي العاقل ليدرك أنها مما وضعه احترافيو الرواية إبان سقوط الدولة الأموية لإغراء محاربي الفرس للقدوم إلى الشام واستكمال نكبة بني أمية والتنكيل بقبورهم وآثارهم، وفق ما قاله سديف بن ميمون:
فضع السيف وارفع السوط حتى … لا تغادر فوق ظهرها أموياً
ولكن هذا التأويل التاريخاني لهذا اللون من الروايات لا يقنع أحداً من هذه الجماهير الهائجة التي يمكن أن يثيرها قوال في لطمية أكثر مما يثيرها شيخ الأزهر!! حيث تعصف هذه الروايات بدم الهائج وعصبه وروحه وتدفعه من فوره حطباً لهرمجدون اللاهبة في دمشق الشام حيث سيتم قتل السفياني ونزول المسيح وخروج صاحب الزمان من سردابه حيث يستل سيفه ويطارد أعداء أهل البيت ممن نازعهم الخلافة ومن شايعهم ووالالهم إلى يوم القيامة.
وفي القراءة السلفية الجهادية كارثة من لون آخر، فأحاديث الملاحم لا تتوقف في روايتها، وقد جمعها البرزنجي في كتابه الإشاعة في أشراط الساعة وكذلك كتاب الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان القنوجي، والكتابان يوردان أكثر من ألف رواية فيما يكون آخر الزمان، وقد قام شيوخ الموت بإسقاط قراءاتهم وتأويلاتهم عليه وفق هدي السلف واختيار المحققين من علماء الرواية، فيكون الأصهب والأبقع والسفياني أسماء لتشكيلات حزب الله ولواء ابي الفضل العباس والرايات السود وغير ذلك من الرؤى، التي لا بد أن تظهر في دمشق التي هي أرض المحشر والمنشر!
وفي النهاية الصورة واحدة، هناك دجال وهناك مهدي، ولكن أدوار القاتلين متناوبة فالقتل هذه المرة حمٌّ حتم، كتبه الله على أهل الحق، حين تكثر الملاحم والفتن، فالأولون يقتلون في الشام النواصب، والآخرون يقتلون فيها الروافض، ويقاتل الأولون لهلاك أعداء أهل البيت ويقاتل الآخرون لهلاك المبتدعة والزنادقة والصوفية والمتشيعة، وفي غمار معركة كهذه فإنه لا بأس بزهوق الأرواح والانفس.
والكارثة أن الشعب المسكين الذي تقتله القذائف لم يسمع أصلاً بهذه الروايات، ولم يخرج يوماً من أجل أي منها، لقد كانت صيحات بريئة هتف فيها للحرية والكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم يخطر في بال ثائر في هذه الثورة المباركة أنه خرج من أجل أي من هذه الأهداف الموهومة.
من المؤلم ان فكرة الخلاص بالمنتظر مسيحاً أو مسياً أو مخلصاً أو مهدياً نشأت في الأصل لإحياء الأمل لدى شعوب ترتع في المظالم وبالمناسبة فهي فكرة ذائعة الصيت لدى كل الأمم، وللمسيحيين واليهود والبوذيين والهندوك والأرواحيين أساطير مشابهة تتحدث عن المخلص في آخر الزمان، وعادة ما يكون خروجه أو الأمل بخروجه هو الأمل بالسلام والحب والعدل والرخاء، ولكن هذا المخلص في نسخة الصراع السوري اتخذ طابعاً يهودياً، يشبه ما كان اليهود ينتظرونه قبل مبعث الرسول حين كانوا يتوعدون أهل المدينة ويقولون يوشك أن يظهر نبي آخر الزمان فينا، فنقتلكم به قتل عاد وإرم!! بشارة بنبي موعود رسالته أن يقتل الناس!! أو كما تعبر بعض بياناتهم عقب انتصاراتهم الدامية اليوم: جئتكم بالذبح وأنا الذباح الرحيم!!
الكارثة أن الأسطورة هنا تتحول إلى خطة طريق، وترسم لكل فريق أصدقاءه وأعداءه وفق إرادة رجل الدين المطل على الميتافيزيق، والذي يكون بالضرورة علم أم لم يعلم جزءاً من لعبة سياسية شريرة، آخر ما تفكر به هو حقن الدماء ونشر السلام.
لا نبالغ إن قلنا إن أهم باعث لتقاطر قوافل المحاربين من سلفية جهادية أو شيعية متطرفة مقاتلة إلى دمشق هو هذه القراءات الدموية في الغيب، ومن المؤكد أن هذا التأويل لا يرضي القيادات المستنيرة في الفريقين، ولكن يجب الاعتراف أن صوت الاعتدال لا يسمع في طبول الحروب وأزيز الرصاص، وللناس في يوم الحرب مرجعيات أخرى من نوع أبو صقار وذئب كربلاء، وهؤلاء هم من يقوم اليوم برسم خطة الطريق الدامية لقوافل الموت.

الطائفية في الأفق السني:
باستثناء المظلومية والمرجعيات فإن المحددات الخمسة التي أوردناها في إطار الحديث عن الجذور الطائفية في الفكر الشيعي تتكرر في التراث السني بنسبة أقل، وربما لا تتوضح ملامح الحالة السنية في الشأن الطائفي بالحدة التي نشاهدها في الجانب الشيعي، وذلك لأسباب موضوعية أهمها أن السنة تقبلوا تطور حركة التاريخ بطريقة أكثر واقعية، ولم ينم تأسيسها على أنها غيب منشور منصوص عليه في الكتاب، بل إنها محض شورى بشرية تسعى لانتخاب واقع حال أكثر ملاءمة للناس، وليس نصوصا مثقلة بآصار الغيب، جفت فيها الأقلام ورفعت الصحف، وبات اعتقاداً محسوماً أنها تحكم الماضي وتحكم الحاضر والمستقبل.
إضافة إلى ذلك فإن السنة لا تسكنهم المظلومية التاريخية التي عاناها الشيعة، ولم يدخل تراثهم ثقافة الحزن والألم والتطبير، وهناك نهي مباشر عن الحداد لأكثر من ثلاث ونهي عن لبس السواد وشق الجيوب ولطم الخدود وغيرها من الطقوس التي اعتبرت في الثقافة الشيعية أصلاً دينياً لا ينازع فيه، وأدت بشكل مستمر إلى استثارة نوازع الانتقام.
وأما التجربة التاريخية فهو قدر يشترك فيه السنة والشيعة، وما يراه السنة استمراراً لدول لم تنقطع خلال التاريخ فإن الشيعة يرونه تحدياً يجب اقتحامه، وإن نجاحه في حقبة من التاريخ يعني إمكانية تحقيق انتصارات كبيرة ومؤثرة فيه.
إضافة إلى أن السنة لا يتوفر لديهم الهرم القيادي الطائفي كما هو الحال في مراجع الشيعة المتبوعين، وبالتالي كانت إمكانية الانخراط في سياسات علمانية واعية أكثر إمكاناً وواقعية.
كما أن ميثولوجيا الغيب أقل حضورا في الخطاب السني، ويتتابع علماء الحديث على التصريح بأن ما ورد في شأن المهدي وخروجه في آخر الزمان هو من باب الضعيف الذي لا تقوم به حجة، على أنهم قالوا إن هذه الروايات الضعيفة نظراً لكثرتها ترقى بمجموعها إلى حد الحديث الحسن، وهذا الواقع لا يشبه في شيء موقف الكفاح الشيعي المتحمس الذي يفرض القتال والفداء من أجل خروج الغائب مهدي آخر الزمان.
ولكن الجانب الأخطر الذي انجرف إليه الخطاب السني هو ما أخذ به الفكرالسلفي التقليدي عموماً من كفر الطائفة الشيعية وخاصة في ثوبها النصيري والاسماعيلي والدرزي، وهذه الفتاوى معروفة ومشهورة، وهي مسطورة عند ابن تيمية في مجموع فتاوى الامام ابن تيمية، وفيه النص بوضوح على كفر الطوائف ووجوب مقاتلتها، وهذه بعض نصوص ابن تيمية في مقاتلة الطوائف الباطنية وهي أفكار بالغة التطرف في الواقع وتمثل انتهاكاً سياسياً هائلا لحقوق الإنسان، ولكنها كما يعلم كل باحث ظلت أشهر ما يتداوله التيارالسلفي ويبعث الحماس في جماعات الإسلام الجهادي.
وهذا نص الفتوى كما وردت في مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية:
وسئل رحمه الله تعالى عن ” الدرزية ” و ” النصيرية ” : ما حكمهم ؟
فأجاب : هؤلاء ” الدرزية ” و ” النصيرية ” كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم ؛ بل ولا يقرون بالجزية ؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ؛ ولا يهود ولا نصارى لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج ؛ ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما . وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين . فأما ” النصيرية ” فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الذين يقولون : إن عليا إله وهم ينشدون أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين وأما ” الدرزية ” فأتباع هشتكين الدرزي ؛ وكان من موالي الحاكم أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلهية الحاكم ويسمونه ” الباري العلام ” ويحلفون به وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم أعظم كفرا من الغالية يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب وغايتهم أن يكونوا ” فلاسفة ” على مذهب أرسطو وأمثاله أو ” مجوسا ” . وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقا . والله أعلم . وقال شيخ الإسلام رحمه الله ردا على نبذ لطوائف من ” الدروز ” كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون ؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم ؛ لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين ؛ بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم . فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم ؛ بل يقتلون أينما ثقفوا ؛ ويلعنون كما وصفوا ؛ ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ. ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم؛ ويحرم النوم معهم في بيوتهم ؛ ورفقتهم ؛ والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه . والله المستعان وعليه التكلان .
إن مثل هذه الفتاوى تنتشر بشكل بين الجماعات الجهادية ويحظى ابن تيمية بمكانة كبيرة ومؤثرة، ولا شك أن هذا اللون من الفتاوى قد أسهم إسهاماً كبيراً في إذكاء نار الحرب والكراهية بين الطائفتين.
وقد كانت هذه الفتاوى موجودة دوماً عند رجال السياسة والدين في الطوائف العلوية والدرزية والنصيرية وكانت هذه بمثابة الجفر الذي يرسم لهم شكل الصراع الطائفي القادم، وخاصة من الخليج العربي حيث يعتبر ابن تيمية إمام المذهب المتبوع للحركة الوهابية في السعودية ومن تأثر بها من حركات إسلامية في الشرق والغرب.
إن هذه الفتاوى ليست محض اجتهادات عابرة لشخصيات مغمورة، إنها في الواقع أخطر ما يذكي هذه الصراعات الطائفية، وليس ذكر موقف ابن تيمية على سبيل الحصر بل إن هذا النوع من الفتاوى متوافر بشكل لا يحصى في الطائفتين، وقد تخصصت اليوم قنوات بحالها لإثارة هذا اللون من الكراهية، وتم استدعاء هذا اللون من الفتاوى من الكتب السفراء ليصبح خطاباً يومياً على قنوات رديئة تمارس التجييش الطائفي وثقافة الكراهية.
وفي إطار فتوى ابن تيمية فإنني أحيل إلى مقال لي حول الأثر التاريخي لفتاوى ابن تيمية ووجوب مواجهتها، وقد اقترحت مواجهة فكر الإلغاء والإقصاء عبر إجياء ثقافة التسامح المتركزة في مذهب ابن عربي وجلال الدين الرومق، وذلك في مقال نشرته بعنوان: ابن تيمية وابن عربي حكاية من دمشق.

المشهد الطائفي في سوريا:
تفاعلت القضية الطائفية في سوريا إلى حد لم يكن متوقعاً، وحتى أكثر المتشائمين لم يذهب به الظن إلى هذا الواقع الأسود حيث يقوم نظام حاكم بتدمير بلده حجراً حجراً، ثم ينكفئ في داراته المغلقة بالحديث عن ثقافة المظلومية والتهديدات التي تتعرض لها الأقليات في سوريا، ويحشد بذلك تأييداً غير قليل على مستوى الأقليات بوجه عام وعلى مستوى الطائفة العلوية بوجه خاص.
وهكذا أصبحت المسألة الطائفية أكبر الكوارث التي أفرزها بطش النظام وطيش المعارضة في سوريا، ويسود اليوم خطاب إقصائي إلغائي لا مكان فيه لأي لغة تسامح أو تعايش بعد أن دفع الخطاب الطائفي بحملة السلاح إلى الغاية، وألقى بالزيت على النار في المحرقة المشتعلة.
حتى الخطاب الرسمي للمعارضة المسلحة والنظام أصبح استئصالياً بالمعنى الدقيق للكلمة، وإن كان لا يزال يتجنب التوصيف اللفظي الطائفي، ولكنه حاضر في روح كل تصريح، حيث ينص النظام على القتال حتى مقتل آخر إرهابي، وتصر المعارضة على القتال حتى مقتل آخر شبيح، ويتم يومياً الدعس اللئيم على ضحايا الفريقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الفور ترتسم اللوحة الطائفية البغيضة في الأذهان للإرهابي والشبيح، ويقفز لتأييد النظام فصائل مسلحة وافدة من الخارج كلها دون استئناء من الشيعة، ويصل لتأييد المعارضة فصائل مسلحة مقاتلة من الخارج كلها دون استئناء من السنة، وتعبر عن الكارثة مباشرة بالصوت والصورة عشرات المقاطع المسربة من الفيديو للفريقين المتحاربين، ومن السذاجة أن نصدق أن الرغبة الدموية الهائجة في الاستصال الطائفي هي شأن فريق دون آخر، بل يجب القول إن لدى الجميع رغبات متشابهة في التصفية الطائفية والثأر والانتقام.
ويبدو أن الصراع الطائفي في العراق أكثر وعياً، فهناك أغلبية ساحقة حتى بين المتحاربين في العراق لا تزال تؤمن بالعيش المشترك ليس على أساس الوعي أو الثقافة وإنما على أساس واقع الحال فالعراق يكاد يكون موزعاً بالتساوي بين السنة والشيعة ومن المنطقي أن يؤمن الجميع بالتعايش واقتسام الموارد، فيما اتخذ الصراع في سوريا طابعاً استئصالياً حيث لا يتبادل المتحاربون هذه النظرة ويغلب على كثير من المحاربين السنة وخاصة الغرباء منهم الاقتناع بأن الشيعة رافضة ومجوس وإيرانيون وغرباء يجب طردهم أو تصفيتهم ولا مجال للعيش المشترك، وكذلك فإن احتشاد المقاتلين الطائفيين في سوريا من حزب الله والألوية العراقية الدموية القادمة تحت شعارات محاربة السفياني والأبقع والأصهب وفق قراءات معززة يالميثولوجيا الدينية الرهيبة يدفع المحاربين للقتال دون هوادة، بحيث تبدو نهاية الصراع ليس في اتفاق سلام يوفر العيش المشترك كما هو الحال في العراق بل يكون بانتصار المهدي على أعدائه وإرغام العامة على اتباع هديه ونوره أو التقرب إلى الله بدماء النواصب.
وهذا الفهم بعيد بالطبع عن أبناء دمشق وحلب من المذهب الجعفري، الذين لا يرون سبباً لهذه الحرب، والذين اختاروا تاريخيا العيش المشترك في كنف أغلبية سنية، وحظيت شعائرهم ومراقدهم باحترام الجميع في سوريا، إلى حد رفض مرجعهم الديني السيد عبد المحسن الأمين في موقف شهير تأسيس محاكم جعفرية خاصة وإصراره على الاحتكام إلى المحاكم العامة مع سائر أهل السنة.
وهكذا تبدو نهاية الصراع في العراق بين المتحاربين عند الوصول إلى اتفاق سلام يحفظ حقوق الطرفين، باستثناء قلة من الفرق ذات البعد الإيديولوجي المنخرطة في القتال، في حين أن المقاتلين في سوريا في معظمهم وهم أضعاف المتحاربين في العراق لا يحملون هذه الرؤية، ولا يرون إمكانية للعيش المشترك.
إن المشهد الطائفي في سوريا ليس شأناً خارجياً في الجوهر، ولكنه بسبب لغة الإقصاء والرفض صار اليوم محكوماً بإملاءات الخارج، وإن الصورة الحقيقية للصراع أن هناك طائفتين حقيقيتين مفروزتين ومتعادلتين في العدد والنفوذ، تدعم الأولى إيران بمخزونها النووي ووزنها الاستراتيجي وتدعم الثانية دول الخليج بقدراتها المالية والسياسية، والحلفان لا يملكان التراجع، ويعتبران المعركة في سوريا والعراق مسألة وجود، ولا بد من حسمها بما يضمن المصالح الاستراتيجية لكل منهما، ويدفع ثمن ذلك كله الشعب المنكوب الذي يعيش في أتون الحرب وقدرها دون أن يكون له في ذلك اي اختيار.
إن موقف المعارضة المتسرع من مهاجمة إيران، امتثالا لرغبة بعض العواصم الداعمة للثورة واعتبارها عدوا للشعب السوري كان خطأ استراتيجيا دفع ثمنه السوريون، وقد أسهم مباشرة في الفرز الطائفي المقيت، ودفع الايرانيين الى التورط مباشرة في الصراع السوري، بقوات محترفة من لبنان والعراق وايران، وهو تطور دام وخطير في المسالة السورية الرهيبة.
قناعتي أنه حتى لو كان الشاه نفسه حاكما لايران ولو أن الخميني نفسه لم ينجح في ثورته، ولو كانت ايران تعيش العصر الامبراطوري نفسه بنكهته العلمانية فمن العسير ان تبقى متفرجة على الشأن السوري، ومن الوارد تماما ان تتدخل لحماية مصالحها واتباع مذهبها، ومبررات التدخل ستبقى متوفرة تحت عناوين إنسانية أخرى لا تختلف عن مبررات التدخل الخليجي والتركي التي تنطلق من حماية الناس من الإبادة، وإغاثة الملهوف، وبقدر ما تمتلك المعارضة صوراً لعذابات وحصارات لا تنتهي في المعضمية وبرزة وداريا ومخيم اليرموك فإن النظام يمتلك صوراً أخرى كثيرة في نبل والزهراء والحولة وتل كلخ والقصير وريف سلمى وعدرا العمالية وصدد ومعلولا وغيرها والقائمة تطول.

الحلول الممكنة وجهود الانقاذ
تحاول هذه الدراسة أن تستشرف المستقبل وتقدم الحلول الممكنة للمسألة الطائفية المستعصية، ومن نافلة القول أن تشير إلى أن المسألة بالغة التعقيد بحيث لا يتصور وجود حل سريع لها في المدى القريب، كما أن هذه الدراسة ليست راغبة أن تقوم بدور الواعظ المرشد للحديث عن القيم الأخلاقية ولكننا في إطار البحث المطلوب نجتهد أن نقدم الحلول الممكنة.
لا يوجد لدي أدنى تردد بأن الحل المثالي المطلوب هو قيام نظم علمانية ديمقراطية تمارس فصل الدين عن السياسة أو تمييز الدين عن السياسة وفق تعبير العدالة والتنمية المغربي، وهذا هو بالضبط الترياق الذي استعملته أوروبا للخلاص من داء الطائفية المتجذر عبر القرون.
ولكن دراسة متأنية لشعبية العلمانية في البلاد العربية تقدم مباشرة إشارة سلبية لإمكانية تحقق ذلك على أرض الواقع، ولو قد كان العائق هو الموقف الايديولوجي لهان الخطب، ولكن أكثر ما يشوش على هذه الحقيقية هو التجربة العلمانية التي ارتبطت مباشرة بالاستبداد والقهر، فقد مارس البعث في سوريا والعراق نظاما علمانياً صارماً وبنسبة أقل مارس المصري والتونسي، ولكن العلمانية لم تنفع شيئاُ في وقف الاستبداد وتوفير الحرية للناس، وازدادت بالتالي شعبية الحل الديني القائم على استددعاء النموذج التاريخي المسكون في مخلية الشعوب والذي لا زالت تهتف له وتنتظره منذ الاستقلال.
وربما حصل الشيء نفسه في مصر حين أخفق الحكم الاسلامي أن يقدم نموذجاً في التسامح والديمقراطية، وحشد الناس من حيث لا يريد ضد مشروعه، وأعاد جذوة الخطاب العلماني مما مكن العسكر من قلب نظام الحكم وبالتالي الإعداد للعودة للعلمانية عبر تأييد عارم من مؤسسات الدين الرسمية في البلاد.
وإزاء ذلك فإن الاقتراح الذي تقدمه هذه الدراسة هو تبني التيارات الدينية المعتدلة المؤمنة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وهي تيارات متنامية في المحتمع العربي وإن كانت قد تعرضت لانتكاسة متوقعة في عواصف الربيع العربي، ولكنها على ما يبدو مرشحة للنهوض من عثارها ومن الممكن تماما أن تشارك بفعالية وايجابية في المرحلة القادمة من تاريخ المنطقة.
ومن جانب آخر فإنه لا أمل أيضاً في أي فرز على أساس مذهبي، لأن الانتشار السني والشيعي عارم في كل المدن السورية والعراقية واللبنانية، والتداخل كبير ومن المستحيل تأمين أي فصل على أساس طائفي، وأي تقسيم على اساس الفرز بالاغلبيات سينتج دولا متعادية متحاربة، وأقليات مسحوقة محتقرة، وفي الحالين فالكارثة متحققة، ولا خيار للناس إلا العيش المشترك.
هل سيدرك السوريون أن التنوع المذهبي والديني الذي طبع حياتهم هو قدرهم الذي لا مفر منه، وأن إلغاء الطائفة مذهبياً أو إيمانياً هو مشروع استئصال، وأن أي مراهنة على طائفة فوق الطوائف، ومذهب فوق المذاهب هو انتحار للمجتمع بأسره، وأن المطلوب هو مذهب بين المذاهب، وحزب بين الأحزاب، وطائفة بين الطوائف.
حين قال هتلر ألمانيا فوق الجميع أحرق العالم ودمر ألمانيا.. وحين قال الألمان ألمانيا مثل الجميع حققوا أنجح وحدة سياسية في العالم، وحملوا الرفاه والازدهار لكل الألمان.

نتائج البحث:
أكدت هذه الدراسة النتائج التالية:
• تشكل بلاد آسيا العربية كتلتين رئيسيتين متساويتين الأولى: بلاد المشرق العربي وهي تحديداً: (سوراقيا) بلاد العراق والشام 82 مليون، والثانية بلاد الجزيرة العربية وهي دول مجلس التعاون الخليجي مع اليمن 74 مليون.
• يحيط بالمشرق العربي حوضان إقليميان بالغا التأثير في الراهن السياسي وهما وإيران 81 مليون وتركيا 81 مليون ويشكلان منظومة متشاركة في تاريخها وهمومها في الشأن الطائفي، حيث يقيم في هذه الأقاليم الأربعة نحو 318 مليوناً، وتعتبر المنطقة الحاضنة التاريخية الروحية للأديان الكبرى في العالم التي يتبعها أكثر من نصف سكان الأرض.
• إن التعايش الإسلامي المسيحي يعيش واقعاً مرضياً، ويعاني المسيحيون ما يعانية المسلمون من غياب الحريات وانتشار العنف ولا توجد مؤشرات كافية على استهداف ديني فيما تنتجه المنطقة من خيرات أوفيما تعانيه المنطقة من كوارث.
• تمكنت المنطقة إلى حد بعيد من تجاوز البعد الديني في الصراع مع الصهاينة للتأكيد على طبيعة الصراع السياسي بين العرب وإسرائيل على الأرض والحقوق، ولكن إصرار إسرائيل على ترسيخ يهودية الدولة يهدد بعودة الصراع الديني بين المسلمين والمسيحيين من جانب وبين اليهود من جانب آخر.
• إن المشكلة الطائفية تتموضع اليوم في الانقسام السني الشيعي بشكل خاص، وقد اتخذ هذا الصراع بعداً سياسيا صارماً منذ قيام الثورة الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية، وقد استفحل بعد الحرب الأمريكية في العراق وبلغ مرحلة خطيرة جداً مع قيام الثورة السورية.
• يبلغ الشيعة نحو 41% من سكان المنطقة الكبرى آسيا العربية وإيران وتركيا، كما يشكلون أغلبية إيران وشبه أغلبية في العراق واليمن ولبنان.
• إن القراءة السائدة لحجم الوجود السني والشيعي في بلاد الشام متباينة تماما بين الطائفتين، ويسود شعور الأغلبية الساحقة لدى كل من الفريقين، ويبنيه الشيعة على أساس ضم الطوائف الدرزية والاسماعيلية والعلوية وعلى أساس وجود أكثرية تمارس التقية مضطرة، وأن المشهد سيتغير لدى أول حسم عسكري، فيما يبنيه السنة على واقع الحال.
• إن الواقع الطائفي قائم في المنطقة منذ قرون بعيدة، ولكن الانفعال السياسي والتحولات الكبرى في المنطقة قذفت بالمسألة الطائفية إلى الواجهة في ظروف قاسية من التوتر يعسر معها بناء علاقات متوازنة ومستقرة.
• إن التدخل الطائفي الخارجي أذكى نار الكراهية في سوريا ولبنان، وهو المشهد نفسه الذي عاناه العراقيون، ولا شك أن منع التدخل الخارجي سيكون له أثر إيجابي على وقف الحرب وإنهاء تبعاتها القاسية.
• إن الحالة الاستقطابية الطائفية تبلغ نحو 65% سكان المنطقة في حين لا يزيد عدد المطالبين بالخيار العلماني عن 35%
• إن مشاعر الإقصاء والاستئصال تتنامى في العراق وسوريا وتتطلب جهوداً كبيرة لوقف مزيد من الانهيار نحو الحرب الأهلية.
• إن السنة والشيعة يستخدمان بأقدار متفاوتة نصوصاً من الغيب لإذكاء الصراع السياسي على الأرض، وإن هذا التراث موجود ولا يعسر رصده في مظانه الراسخة.
• إن الانفصال السياسي على أساس طائفي هو أمر غير واقعي وغير ممكن، نظرا للتوزع التاريخي في الأرض، وانتشار المذهبين في كل مدينة وبلدة وقرية خاصة في بلاد الشام والعراق.
• إن التفكير بالانفصال الطائفي لا مبرر له فقهياً حيث يتوفر لدى الطائفتين ما يكفي من تراث مشترك يوفر أرضية كافية لعيش مشترك، وكذلك فإن للطائفتين تحديات مشتركة وتجارب من العمل المشترك يمكن البناء عليه لعيش مشترك كريم.

توصيات البحث
توصي هذه الدراسة بالمطالب التالية:

• تعزيز فرص اللقاء والحوار بين الأديان، وتعزيز دور المنطقة كمنطلق للأديان السماوية، وملتقى لأبناء الأنبياء.
• تأكيد المشترك الإسلامي المسيحي على وجه الخصوص واستثمار التعايش الناضج بين المسلمين والمسيحيين، على الرغم من محاولات أنظمة الاستبداد للزج باللون الديني في الصراع، وتقديم أنفسها حامية للأقليات.
• التأكيد في كل وسائل الثقافة والإعلام على أن ممارسات داعش ونظائرها لا تعكس على الإطلاق روحية العلاقة بين الإسلام والمسيحية في المشرق العربي.
• التأكيد على أن المظالم التي لحقت المسيحيين في المشرق العربي ليست إلا المظالم نفسها التي عانى منها الجميع.
• وجوب إحياء خطاب التقريب بين السنة والشيعة على أساس من المصارحة، وفق المنطق الحضاري في قبول الآخر، والتأكيد على فصل الحوار المذهبي عن الشأن السياسي.
• الدعوة إلى تشجيع القيادات المعتدلة في الطرفين وبشكل خاص الرموز الدينية الشيعية التي رفضت الزج بالطائفة في الحرب الأهلية السورية.
• مراقبة الفكر الطائفي الذي يذكي الحرب في سوريا والعراق على أسس ميثولوجية، والدعوة إلى تأسيس مراصد إعلامية وثقافية تتولى التقليل من أضرار منصات التحشيد الطائفي المستمرة.
• مواجهة الفقه التاريخي الذي قام بنشر ثقافة الكراهية على أساس إيديولوجي، وتوفير منصات فكرية وثقافية وإعلامية للرد على هذه القراءات العدائية على أساس روح السلام والمحبة في الإسلام.
• مواجهة التأويلات الدموية لنصوص الغيب، واستحضار الخطاب العقلاني في تأويل ما ورد من هذه النصوص وتجريم استغلالها لنشر ثقافة الكراهية.
• تشجيع التيارات التجديدية في الإسلام التي تعتمد خطاباً ديمقراطياً وتتقبل الآخر المختلف دون انتقاص في حقوقه ومزاياه.
• دراسة التجربة الأوروبية للخلاص من الواقع الطائفي مع احترام المقدس الديني ورموزه.
• مناهضة كل تقسيم على أساس طائفي لأنه لن يتم إلا عبر فصل الحدود الدامية، ولن تنشأ منه إلا كانتونانت متباغضة متحاربة متعادية.
• إن خيار الدولة العلمانية لا يحظى بشعبية في الشارع المشرق العربي خاصة بعد التجارب الفاشلة للحكم العلماني خلال العقود السابقة، والمطلوب هو نظم تحترم القيم الدينية، وتتعامل مع الواقع بانفتاح وتنوير.

اضف رد