د.محمد حبش- جدلية الديني والكوني

بحث في الخلفيات المرجعية والمنهجية الكامنة وراء القيّم الكونية ومدى اتصالها بالديني:

مقاربة تاريخية نقدية.

مدخل
إن ارتباط الدين بالقيّم الإنسانية الكونية ليس أمرا جديدا أو عرضا حادثا على مستوى النظر العقلي، كما يمكن أن يستشّف للوهلة الأولى؛ بل إن تعالقهما وتداخلهما يضرب بجذوره العميقة في تاريخ الفكر النظري. يحتّم علينا مثل هذا الارتباط، متى أردنا الكشف عن طبيعته أو شكله، أن نحيط الفهم بتلك التساؤلات والإشكالات التي يطرحها حوار الديني والكوني. فكلا الجانبين عبارة عن قيّم متداخلة ومتشابكة، تتصارع ثارة وتتحاور أخرى؛ لكن طبيعة فهم تشابكهما هذا، وكذا المسارات التي يؤدي إليها حوارهما المفترض ذاك، هو ما سيحدّد أمر تعارضهما وتنافيهما أو تعانقهما وتلاقيهما.
لذا، فقد ظل دوما الصراع بين هذين المعطيين جدليّة قيمية معقّدة ومتشابكة منذ القدم، خصوصا لمّا تأسّست قناعة فلسفية مفادها: أن العقلي قول برهاني، ومن ثم فحقائقه بنائية استدلالية وكونية؛ بينما الديني قول قصصي، من ثمّ فحقائقه رمزية مرسلة وغير قابلة للإثبات العقلي. ظلّت تشتغل هذه التفرقة بوعي أو بدون وعي، إلى أن نجم عنها تفريق ثاني مفاده: أن الدين أديان شتى، ومن ثم فهو ما يفرّق الناس ويشكّل خصوصياتهم؛ بينما العقلي واحد يجمع كل الناس على اختلاف خصوصياتهم، ومن ثم فهو ما يشكل كونيتهم.
أفضى هذا التعارض بين الديني والعقلي إلى خلق المُفارقة الشهيرة بين: الخصوصية والكونية، والتي طالما غذّتها التصورات المتنطّعة والمتطرّفة لهذا المنظور أو ذاك. ثم، وهذا هو الأهم، نجم عن كلّ ذلك قيام ما نسميه: «جدلية الديني والكوني»، التي طالما شكّلت تاريخ الصراع بين الخصوصيات الثقافية والنزوع الكوني للقيّم المشتركة للتجارب البشرية على اختلاف هوياتهم الدينية. وقد أدى هذا الصراع إلى البحث عن طبيعة هذه الجدليّة قصد تجلية غموضها ولبسها، وذلك لإزالة سوء الفهم عنها ثمّ وضعها في سياق التحاور والتعايش السلمي بين الأمم والشعوب عوض النّزاع والصدام المدمّرين، مصداقا لقوله تعالى (يأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ).
هكذا، فالمسألة في الأساس تكمن في طبيعة فهمنا للعلاقات القائمة بين المعطى الديني بما هو مجموعة قيّم مخصوصة والمعطى الكوني بما هو جملة قيّم مشتركة، وذلك من أجل البحث عن السبيل الأمثل والمفيد لاستجلاء وفهم طبيعة هذه «الجدلية» القيمية التي طبعت تاريخ الحوار بين الكوني العقلي والديني الخُصُوصِي.
لكن قبل استشكال هذا المطلب وكذا العلاقة المفترضة بين المعطيين: الديني والكوني، نودّ بداية أن ندقّق النظر في المعنى الذي سنوظّف به كلا المفهومين: «الديني» و«الكوني»، حتى نقدر بعد ذلك على تحديد المقصود من استخدامنا لهما، لمّا نقيم الترابط بينهما في ما نسمّيه «جدلية الديني والكوني». فنقول: إن الديني «Le religieux» عبارة معطى بشري عام مشترك بحيث لا ينفكّ منه أحد من الناس سواء أدرك ذلك أو لم يدركه؛ إذ نحن البشر على الحقيقة، كائنات متديّنة بالطبيعة والفطرة القائمة فينا مصداقا لقوله تعالى: ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه). فكدح الإنسان هذا هو دينه تجاه القوّة الخارقة التي أوجدته والتي تسمى تلميحا أو تصريحا في الدين العقلي ب«الطبيعة» كما في الفلسفات اللادينية، بينما يكون بالنسبة للمؤمن بالوحي السماوي هو الله الذي لا إله إلاّ هو، الذي خلق كلّ شيء من لا شيء بإرادته وحكمته بما في ذلك هذا الإنسان. لذلك يدين له المؤمن به بالفضل والطاعة والعبادة والعمل الحسن الخيّر.
أمّا بخصوص الموقف الدهراني اللاديني «Le secularisme»، فإنه وإن كان يستبعد الدين بمعناه السماوي القدسي المتعالي؛ إلا أنه لا يخفي تعلّقه بمثالات أخرى معنوية واعتبارية دنيوية ودهرية، يؤلّه من خلالها إمّا هذه القيمة المعنوية أو تلك المادية. لذا فالظاهرة الدينية في معناها الشامل ليست مقتصرة فقط على تلك الأشكال الطقوسية الرمزية والشعائر الملّية التي غالبا ما نصادفها في المجتمعات الدينية التقليدية. وإنّما تمتدّ أيضا حتى إلى أكثر التصورات العقلانية معاداة للدين بمعناه الكلاسيكي، مثل تلك النزعات الإلحادية الجاحدة للوحي وكذا الناسوتية «L’humanisme» الحديثة والمعاصرة التي لا يكون تديّنها طقوسيا شرعانيا في الغالب، بل فقط اعتباريا وميتافيزيقيا يجوز نعته بالدين الطبيعي الجاحد. ولمّا كان الأمر كذلك، فإنه يجوز لنا اعتبار المعطى الدّيني بشكل عام كمثل جِلْدَة الإنسان التي لا انفكاك له منها؛ بذلك يَصِحُّ القول أنّه لا يوجد في الوجود ولا إنسان واحد غير متدين.
بهذا المعنى، نعتبر المعطى الديني في طبيعته العامة ظاهرة كونية مثله مثل باقي القيّم الإنسانية الكونية الكبرى (الحرية، العدل، المساواة، الحق…). لكن، هاهنا تكمن المفارقة الدينية في عمقها وحقيقتها! فبالقدر الذي يحضر المعطى الديني عند جميع الناس؛ فإنه كذلك وبنفس القدر أيضا يمثّل العنصر الأكثر خصوصية في حياتهم الشخصية والاجتماعية، حيث بموجبه يصبح لكل إنسان معتقداته الخاصة التي باسمها يعنّف الآخر أو ينفيه فيصادر حقوقه باسم الدفاع عن ذلك المعتقد. فهل يعني ذلك أن الديني الذي قلنا عنه إنه كوني (من حيث كونه حاضر لدى الجميع) إنّما يشدّ عن القاعدة التي تقول بأن كل ما هو كوني فهو مشترك ومن ثم فهو معطى يجتمع الناس حوله ولا يفرّق أبدا؟
للجواب عن هذا التساؤل نحتاج بداية إلى توضيح المقصود بالكوني «Universel»، إذ الشائع بين الناس أن ما يتقاسمونه إنما يشملهم كلّهم لذلك فهو مشترك بينهم. أمّا في علم المنطق فغالبا ما يستعمل مفهوم الكوني للدّلالة على أنّ القضّية المنطقية التي تشير إلى جملة من العناصر أو الأفكار هي التي يشملها نفس الحكم، مثل قولنا: ـ كلّ الناس فانون، بحيث يصير الحكم فيها شاملا لكل إنسان من دون استثناء. بينما في الاستخدام الفلسفي العام، فإنّ الكوني غالبا ما يدلّ على فكرة معيّنة أو قيمة ما عليا منظورا إليها باعتبارها مُثُلاً أعلى، مثل (الخير، الجمال، العدل…). وقد يدل الكوني أيضا على منظورية قيمية أخرى قادرة على تأطير الإنسانية في كليتها وشموليتها مثل: (السلام، العدالة، الحرية…).
بمعنى آخر، يدلّ الكوني على المعطى الذي يوحّد الناس ويجعل اختلافاتهم تنمحي بخصوص جملة القضايا أو القيّم التي يتقاسمونها ويشتركون فيها، تجريدا لها ورفعا للخصوصية والمحلّية عنها، وذلك من خلال إعادة تأسيسها على أساس الفهم الكوني للإنساني باعتباره مواطنا عالميا. فلمّا فُهِمَ الكوني على هذا الأساس وضع على نقيض المعطى الديني الذي يظلّ خصوصية شخصية فردية بين الإنسان وربّه. بذلك يصحّ أن يفهم الديني على أنه كوني من حيث هو معطى يخترق الجميع ويوجد لدى كل واحد واحد؛ إلاّ أنّه، وفي مقابل ذلك أيضا، يصحّ أن يقال إنّ الدين هو ما يفرق الناس نِحَلاً وشيعا كثيرة، حتى قيل إنّ لكل دينه الخاص (لكم دينكم ولي دين) كما في مجتمعاتنا الحديثة المعاصرة، حيث نجم عن انفجار القيّم وتعدديتها الدعوة إلى ممارسة الحريات الدينية، ومن تمّ فصل الديني عن الفضاء العمومي كما في التجربة التاريخية الغربية الحديثة.
هكذا يستنتج من تقابل العلاقة بين الديني والكوني تعارضهما وتباين الواحد منهما للأخر، على اعتبار أن الكوني بمثابة قيّم ومثل عليا توجد في مختلف الثقافات البشرية رغم تعدديتها وكلّ الاختلافات القائمة بينها. لذا يظلّ الديني عقيدة وهوية في عداد الخصوصيات الفردية والجماعية التي يسعى كل طرف إلى صيانتها والدفاع عنها. لكن على الرّغم من عالمية السعي أو كونية هذه الإرادة الجماعية في البحث عن صيانة الهوية الدينية، إلاّ أنّ ذلك لا ينفي التفاوت بين ما هو ديني خاص وما هو كوني مشترك رغم وجود ما قد يساعد على ترسيخ المشترك ويعزّزه في الأديان المختلفة نفسها، كالتسامح الديني «La tolerance religieuse» على سبيل المثال (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ) ، وكذا الإيمان بالإله الواحد بالرّغم من اختلاف العقائد الملّية للأديان السماوية.
لهذا فإنّ إشكالية الديني والكوني في عمقها لا تقوم فيما إذا كان الواحد منهما يقوم على نفي الأخر، أو في القول بوجود تعارض صميمي بين منطقيهما؛ بل هي على الأصحّ، تكمن في الجواب على ما إذا كان كل واحد منهما يشترط الأخر؟ وكيف يشترطه؟ وعلى أية أسس ومبادئ يقوم هذا الاشتراط؟ بمعنى آخر؛ كيف يجب على الناس أن يفهموا استحالة وجودهم وتعايشهم في ظل تعصبهم الديني والقيمي، ومن ثم ضياعهم وغربة بعضهم عن البعض في الوقت الذي ينشدون فيه الإيمان والتعارف والكونية دون فقدان اختلافاتهم وتمايز هوياتهم الثقافية والدينية؟ أليس ما يحكم علاقة الديني بالكوني هو والتبادل القيمي الإيجابي المشترك عوض الصراع والانغلاق الهوياتي السلبي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذه الجدلية القائمة بين القيم الدينية والقيم الكونية وسيلة فعّالة لترسيخ الحوار بين الشعوب والثقافات قصد تقاسم الخيرات المشتركة وتجاوز الأحقاد والعصبيات والأنانيات الضيقة؟
تظهر هذه التساؤلات وغيرها مدى حاجتنا الملحّة اليوم إلى إبراز كيف يمكن للقيم الدينية والكونية أن تتحاور وتتعايش لتتجاور، حتى تحقّق إنسانية الإنسان وظيفتها الوجودية المتمثلة في الكمال والرشد والتقدم الإيجابي لكل البشرية. ولتحليل هذه الإشكالية ومناقشتها، نقترح تناولها من خلال ما يلي: قسم أول: ينصرف إلى إبراز وتوضيح السياقات الفكرية والتاريخية لتبلور إشكالية الديني والكوني في تنافيهما وتعارضهما وما آل إليه جدلهما فيما بعد. ثم قسم ثان: يعالج دور القيّم الإنسانية الكونية في تعارف الناس وتأسيس تنوّعهم (جدلية القيّم الإنسانية)، متسائلين في الأخير عن آفتي: الفهم الذاتي والتحيّز الأيديولوجي، وما يترتّب عنهما من عنف وخروج عن روح الحضارة الكونية الايجابية.

• القسم الأول: السياق الفكري والتاريخي لتبلور إشكالية الديني والكوني.
اشرنا في المدخل إلى قِدَم مسألة تناول الديني والكوني في تاريخ الفكر النظري والملّي معا؛ وكان قصْدُنا في ذلك التّلميح إلى الصراع القديم الذي كان قد دار بين القول الأسطوري القصصي «Mythos» والقول العقلي البرهاني Logos»» باعتبارهما دينين طبيعيان معا. فقد كان النزاع القيمي بين الطرفين حول أهلية كل واحد منهما في التشريع للمبادئ الموّجهة للحياة المدنية للبشر، في ظل المجتمعات المدنية اليونانية القديمة، في أوْجِه بالنظر لخصوصيات البدايات الأولى لتأسيس العقلي الكوني وما واجه ذلك من صعوبات ومقاومات من طرف العنصر الديني الخرافي الشعبي.
كان بطل هذا الصراع الفيلسوف سقراط الذي كان إعدامه وتصفيته بعد تلفيق التّهم السياسية والدينية له سببا رئيسيا في ولادة الفكر العقلاني الفلسفي على يد تلميذه المخلص أفلاطون ومن بعده الفيلسوف أرسطو. لقد كانت الثقافة اليونانية في البداية تدين بديانتها الخرافية الشعبية الأسطورية، فحدث أن حاولت ثلة من المفكرين الأوائل تأسيس نواة أولى للتفكير العقلاني حين بدؤوا بالبحث الطبيعي في تفسير الظواهر الكونية: الفلكية والكوسمولوجية، وذلك عبر الخوض في ما كان ينعت بأصل العالم «L’origine du monde». كان ذلك كافيا لينطلق تحرير التأمل العقلاني من التفسيرات الدينية الخرافية، لأجل فهم الحياة والطبيعة من خلال البحث عن المبادئ الأولى للمعرفة والنظر العقليين وجعل الكثرة الأنطولوجية ترتدّ إلى وحدة العقل الميتافيزيقية. فهل شكّل هذا الصراع بين الأسطوري والعقلي الفلسفي بداية جدلية الديني والكوني؟
بالتأكيد نعم، لكن ليس إلى درجة الجدلية القيمية التي سنتحدث عنها فيما بعد، إذ بقي الأمر في تلك الفترة القديمة في حدود الإشكالية التي عبر عنها أفلاطون اختصارا في سؤاله الشهير: ما نوع السلوك الفردي والسياسي والديني الذي ينبغي على المرء إتباعه لكي يتحقق النظام، فتنظّم الحياة البشرية عقلانيا ويحدث التوافق بين نظام الكون ونظام المدينة، ثم بين قوى النفس البشرية؟ بمعنى أخر؛ ما هي الطريقة العقلانية الصحيحة الملائمة لتأسيس النظر والعمل في المدينة ـ الدولة «Cité polis»، بحيث إذا سار الناس وفقا لها كانوا أحسن حالا من واقعهم الخرافي، وكذلك صاروا عقلانيين فضلاء بعيدين عن الجهل الأسطوري؟
لقد كانت الفلسفة اليونانية بشقيها النظري والعملي لدى قطبيها أفلاطون وأرسطو محاولة عقلانية للجواب على هذه المشكلة، وذلك بالبحث عن تأسيس منطلقات جديدة للتشريع القيمي على أسس أنطولوجية عقلية متافيزيقية، تجعل من مبادئ العقل المنطقية (مبدأ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع) أسس تفكير نظري كوني، ومن مبدأ التعقّل الفكري «Phronésis» ملكة فكرية كونية للتشريع العملي للفضيلة «Arèté» الأخلاقية والسياسية.
كان هذا النموذج الفكري أول محاولة نظرية في دين عقلي طبيعي ينشد الكونية ويغري العقول بالاعتناق دون القلوب. لكن مترتباته المتافيزيقة والقيمية تواجهت فيما بعد مع غيبيات وشرائع الدين السماوي الجديد الذي جاء به عيسى عليه السلام وفيما بعد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، بحيث لم يعد بإمكان تلك المبادئ التي قامت عليها الميتافيزيقا النظرية للفلسفة كدين طبيعي «La religion naturelle» مستنبط من العقل وحده، أن تقنع المؤمنين المسيحيين والمسلمين الذين تلقوا مبادئ أخرى شرعية من وحي الرسل المبعوثة إليهم. نشأ عن ذلك ما نسمينه “جدلية الديني والكوني”، وذلك نسبة إلى صراع العقلي والشرعي الذي كان قد تولّد من نقاشات أنصار كلّ منهما في العصور الوسطى، وما آل إليه ذلك فيما بعد عند تأسيس العصور الحديثة والمعاصرة.
ولبيان كيف حرّكت تلك الجدلية نقاشات الفكرين: العربي اللاتيني الوسيط والغربي العلماني الحديث والمعاصر، سنتقدّم بفرضية في ذلك مع تعليل لها، فنقول:
إنّ الديني بما هو خصوصية اعتقادية ثقافية، والكوني العقلي بما هو فكر علمي نظري، كلاهما يمثّلان مصدرا لتشريع القيّم الإنسانية الموجّهة للنظر والعمل معا. فمتى كانت علاقتهما التمازج الملتبس وغير المتجانس، أفضى ذلك إلى تشويش أحدهما على الأخر فينجم عن ذلك الاضطراب والخلط، كما حصل حين الجمع بين الدين والفلسفة في النموذج النظري الكلاسيكي: الفلسفة المشائية الإسلامية والفلسفة المدرسية اللاتينية. أمّا إذا استحالت العلاقة بينهما إلى الانفصال والتعارض التام، فإنّه ينجم عن ذلك إطلاق الدهرانية العلمانية وارتداد الديني على نفسه، فيصبح الديني إما أصولية منغلقة مُتَحَكّم فيها قانونيا وسياسيا (الإسلام الرسمي والمسيحية واليهودية وبعض الأديان الطبيعية كالبوذية مثلا)، أو أصولية منغلقة ومتطرفة وغير متحكّم فيها لا قانونيا ولا سياسيا (الجماعات الجهادية الإسلامية وبعض التيارات المسيحية واليهودية اليمينية المتطرفة جدّا).
هذا هو الحاصل اليوم في عالمنا المعاصر، بحيث أصبح النموذج الدهراني بوجهييه: اللبيرالي الرأسمالي والاشتراكي المعدّل ليبراليا يتوجسّان خوفا من خروج الوحش الأصولي مرّة أخرى عن سيطرة تحكّمهما السياسي والاقتصادي والقانوني. أمّا العلاقة المثالية لجدلية الديني والكوني، فنظنها لا تزال أسيرة المخاض والصراع القيمي الذي أصبح يعمّ واقعنا المعولم اليوم، والذي هو في حاجة ماسة مرّة أخرى إلى بلورة ميثاق كوني جديد للقيّم الإنسانية، بحيث يتجاوز المنظورية الدهرانية للمسألة الكوسموبوليتية «Le cosmopolitique» التي أسّست لها مقولات الفلسفات الحديثة عن مفهوم الإنسان والأخلاق وبكل ما يتّصل بمسألة “حقوق الإنسان”.
أمّا تعليلنا لهذه الفرضية فينطلق من تاريخية “جدلية الديني والكوني” وما نجم عنها في كل مرحلة من مراحلها الأساسية. إذ نعتبر أن ما توصّلنا إليه اليوم من راهنية الخوض في المسألة القيمية وكذا حوار الأديان والتعايش السلمي فيما بينها من جهة، وبينها وبين باقي التيارات والمذاهب الفكرية الأخرى من جهة ثانية؛ كل ذلك قد تأتى بفضل مسلسل تاريخي طويل قطعه وعي الإنسان حتى وصل إلى حاله اليوم، وذلك من خلال أشكال مختلفة من الحوار بين ما هو ديني اعتقادي خاص وما يتأسّس على العقلي الفلسفي العلمي الذي ألصقنا به صفة الكونية.
فإذن ليس صدفة أن يعود النقاش حول “جدلية الديني والكوني” للظهور مرة أخرى تحديدا في عصرنا الحالي، مادام الحسم في شأنه ظلّ دائما مرتهنا بطبيعة النقاش حول طبيعة النظريات الفكرية المؤطرة له والتي غالبا ما تهيمن على مسرح تاريخ الفكر النظري. لذا نعتبر من الضروري فهم هذه الجدلية في بعدها النظري التاريخي من أجل إمكانية استشراف أفق نظري جديد لها على ضوء المستجدات الفكرية والثقافية التي أفرزتها ظاهرة الكونية والعولمة كما نعيشها اليوم بايجابياتها وسلبيتها، وذلك قصد الوصول إلى حلّ معضلة تصادم القيّم الكونية مع القيّم الدينية المحلية.
وهكذا سنتّبع خطاطة تاريخية لاستبيان تاريخية جدلية الديني والكوني منذ عصرها المسيحي الأول مرورا بالعصور الوسطى ببعديها العربي الإسلامي واللاتيني المسيحي، لنرى فيما بعد كيف تحولت هذه الجدلية على ضوء المستجدات العلمية للمرحلة الحديثة إلى انفصال الديني عن الكوني، ثم عودة تلاقيهما مرة أخرى في الفترة المعاصرة على ضوء الظاهرة المعروفة ب “العولمة”«La mondialisation». وكل ذلك لأجل إبراز تاريخية هذه الظاهرة واعتبارها مشكلة نظرية في الأساس قبل أن تكون قيمية.

1 ـ بداية تكوّن جدلية الديني والكوني في العصر المسيحي الأول.
بدأ تأسيس تعارض الديني (المسيحية) مع العقلي الكوني (الفلسفة اليونانية بما هي نسق متافيزيقي نظري وعملي) على تنافي منطقي تقيّيمِهِما للأمور الإنسانية نظرا وعملا؛ بحيث قام النظر الفلسفي العقلي على مبادئ البرهان المنطقي والإقناع الفكري «Le raisonement»، بينما تأسّس التفكير الديني الجديد على مبدأ التسليم القلبي الوجداني «La foi» الذي لا دور فيه للعقل، كما في الرسالة السماوية (الوحي) التي جاء بها الرسول المبعوث عيسى عليه السلام. وقد كان منطق المعجزات التي جاء بها الدين الجديد متنافيا كلية مع منطق التفكر الفلسفي اليوناني الذي يعتمد السببية العقلية، فكان خروج تلك المعجزات عن نطاق مبادئ العقل وخرقها لقوانين الطبيعة وقواعد السببية التي يؤمن بها البحث الفلسفي سببا منطقيا لتعزيز تعارضهما وتنافيهما.
كان هذا اللقاء الأولي بين الديني (في شكله المسيحي) والكوني الفلسفي (في صورته البرهانية والعقلانية) بداية تأسيس جدليتهما التي لم تصل في وقتها ذاك بعد حد التوتر الشديد بينهما؛ إذ اكتفت حينها باتخاذ طابع منطقي صوري صرف، على اعتبار أن التراث الفلسفي آنذاك لم يكن بعد معروفا كلّه لآباء الكنيسة الأوائل، اللهم فيما يخصّ بعض النصوص المنطقية لأرسطو وبعض محاورات أفلاطون مثل “طماوس” و”فيدون”. لكن عندما تبنى ساسة الرومان المسيحية، بدأ التوظيف السياسوي للديني لتصفية حساباتهم القديم مع الفكر العقلاني النقدي المتمثل في الفلسفة. كانت نتيجة ذلك أن طردت الفلسفة من آخر قلاعها في العالم الروماني، كمدرسة أثينا وغيرها من المدارس الأخرى كالإسكندرية فيما بعد، وذلك مثلا على يد المتعصب “جستيان” في القرن السادس الميلادي بداعي الحفاظ على عقائد المسيحيين من هرطقيات الفلاسفة.
هكذا غدا الانتقال من الفلسفة إلى الدين ومن أفلاطون إلى المسيح واضحاً جلياً في بعض الكتابات اليونانية آنذاك، حيث عاد الفكر أدراجه ليحتفي بالديني خصوصا وأنّه هذه المرّة وحي سماوي. وقد انتشرت بمقتضى ذلك الكتابات اللاهوتية الممجّدة لله ولرسالة المسيح الخلاصية، مثل تلك التي يعزوها مفكرو العصور الوسطى عن ثقة ويقين إلى اللاهوتي المسمى “ديونيسيوس الأريوباجي”«Dionysius d’ Areopagite» ، الذي كان رجلا من أهل أثينا اعتنق تعاليم بولس، وكانت أهم مؤلفاته: “في السلطة الكهنوتية السماوية”، و”السلطة الإكليروسية”، وفي “الأسماء القدسية”، و”اللاهوت الصوفي”. غير أنّ هذا اللاهوتي بقي مجهولا حقيقة، إذ لم يعرف عليه مثلا متى ألّف كتبه تلك ولا أين، وإن كانت محتوياتها كلّها تدلّ على أنّها كتبت بين القرنين الرابع والسابع ميلادية، لكن الثابت لدارسي هذه الفترة التاريخية أن لتلك الكتابات تأثير عميق وكبير في علم اللاهوت المسيحي اللاحق.
لقد كانت فكرتا التوحيد «Le monothéisme » و كذا الخلاص «Le salut»، كما جاءتا في الدين التوحيدي المسيحي، من أبرز المعتقدات تناقضا مع إلهيات الفلاسفة السابقين: أفلاطون وأرسطو. وهكذا، كانتا كافيتان لنقض أية إمكانية للتلاقي بين اللاهوتين: الطبيعي الفلسفي و الديني المسيحي. لكن حصل وعي كافي لدى هؤلاء المسيحيين الأوائل بخصوص هاتين المسألتين الخلافيتين؛ فاعتبروا أن فكرة الخلاص مثلا تتجاوز العقل والعلم البشريين اللذين لا يقدران على تخليص الإنسان. فبالنسبة إلى هؤلاء فلو كانت الفلسفة كافية لوحدها لخلاص الإنسان لكان الله قد أرسل الفلاسفة الحكماء بدل الرسل والأنبياء؛ لذلك فطريق النجاة لا يكمن في إتباع العقل، بل في الإيمان برسالة المسيح وليس في إتباع منهج العقل والمنطق.
أما بخصوص وحدانية الإله؛ فقد شنّت المسيحية في بدايتها حربا شرسة ضد النزعة التشبيهية «Anthropomorphisme» التي كانت تخلع الصفات البشرية على الإله كما في الأساطير اليونانية. وكانت الفلسفة، كدين عقلي، قبل ذلك قد حاولت تعقيل القول بالمسألة الإلهية والذهاب بها إلى حد افتراض الإله الصانع أو المبدأ الأول الذي لا يتحرك. إلاّ أن ذلك، وكما أكّد “إتيان جلسون”، لم يكن يعني في حقيقته سوى القول بوجود إله أسمى من الآلهة والبشر على حد سواء. لذلك لم يذهب “امباذقليس” «Empedocles» ولا “فيلولاوس” «Philolaus» أبعد من ذلك، إذ نحن نعلم أن مسألة تعدد الآلهة كان واحدا من المعتقدات التي يؤمن بها “بلوتارك” «Plutarch». إذن لم يرتفع الفكر اليوناني ـ فيما يبدو ـ عن ذلك على الإطلاق، فقد فشل في التخلص من تعدد للآلهة حتى في اللاهوت الطبيعي عند أفلاطون وأرسطو. فالأكيد أن الفلسفة اليونانية حتى وهي في شكلها الطبيعي العقلاني مع أرسطو لم تتخلّص كلية من النظرة التعددية للآلهة، إذ لم تكن المحركات السماوية للأفلاك الخارجية مثلا سوى نوع من استبدال الفكرة الأسطورية التشبيهية بالقول بالمحركات الفلكية القريبة من تقبّل العقل والمنطق لديه.
في الواقع لم يكن الخطاب الفلسفي اليوناني بالنسبة للمسيحيين الأوائل سوى غرور الإنسان الضعيف بعقله أمام حقائق الإيمان التي يعجز الذهن والفهم البشري حتى على تصورها. لذلك كان ضروريا بالنسبة لهؤلاء أن يصرفوا انتباههم عن الفلسفة لصالح اللاهوت، حتى غدا الإيمان عندهم مرادفا لنقيض العقل «Irrationnel» كما عبّر عن ذلك القديس “أوغسطين” لما قال قولته المشهورة: “أومن لأن ذلك غير معقول”. لهذا فقد أصبح الإيمان أو التسليم القلبي بالشرائع المرسلة من السماء سابق على النظر العقلي، بل وشارط له مادام أنه بموجب المنطق الديني نحن البشر على الحقيقة نؤمن لكي نفهم وليس نفهم لكي نؤمن.
هكذا فالدين الموحى به من عند الله تعالى إلى الإنسان قد غدا لمن يؤمن به نعمة عظيمة منّ بها الله على الإنسان ليهتدي بِيُسر وسهولة بمجرد تسليمه القلبي به. أمّا إتباع منهج البحث العقلي فبالإضافة إلى عسره، فإنّه بالنسبة للمؤمن يعتبر مجرد مغامرة محفوفة بمخاطر الضلال والزيغ عن هدي الرسل المرسلين. لذلك لا مجال للبحث عن المعقولية النظرية في الأمور المتعلّقة بالديني مادات ترتبط بالتسليم القلبي والإيمان العقائدي فقط دون شيء أخر.
لكن هل كان يعني هذا أن هنالك قطيعة تامة منذ البداية بين الديني التوحيدي والفلسفي الكوني؟ بداية يجب أن نعترف بصعوبة الجواب عن هذا السؤال من دون إلمام تام بحيثيات تاريخية وفيلولوجية بخصوص النصوص الأولى للفكر المسيحي الأول الذي كان في سجال مع الفكر الفلسفي اليوناني. لذا سنهتدي ببعض تصورات المتخصّص في الفكر المسيحي الوسيط الفرنسي “إتيان جلسون” لتوضيح شكل العلاقة الأولى بين البعدين: الديني المسيحي والفلسفي الكوني. فقد اعترف هذا الفيلسوف بوجود اختلاف كبير بين المنظورين القيميين، بحيث يتميز المنظور القيمي اليوناني عن المنظور القيمي المسيحي بفروق عميقة في بنائه. فكما رأينا سابقا، هناك تعارض بينهما في مسألة الألوهية؛ حيث إن الإله المسيحي الذي هو الأول في نظام الوجود، يحتاج إلى رسول ونبي ليثبت أنه الأول أكثر من حاجته إلى فيلسوف يستدل بالعالم الطبيعي ليبرهن على أنه المحرك الأول «Le premier motor».
ثم هنالك اختلافات أخرى مثل أنه في العالم اليوناني كان لدينا كونا تشكّل أبديا ويتحرك بصورة أزلية؛ بينما في العالم المسيحي لدينا كونا بدأ في الوجود منذ لحظة الخلق. أي أن في المنظور القيمي اليوناني هناك كون «Cosmos» غير حادث في نظام المعقولية أو في نظام الصيرورة، في حين لدينا في المنظور القيمي المسيحي كون حادث وعارض في نظام الوجود (=مخلوق). بمعنى أخر، لدينا في المنظور الأول (المنظور اليوناني) غائية باطنية محايثة للموجودات، بينما في المنظور الثاني ( المنظور المسيحي) هنالك دوما غائية مفارقة هي غائية العناية الإلهية التي تخلق النظام نفسه مع الأشياء في وقت واحد.
أفضى هذا الخلاف الأولي بين الديني والكوني في العالم المسيحي القديم إلى نوع من “تلقيح” الفكر الفلسفي ذي النزوع الكوني بالطابع الخاص للديني المسيحي المحلي، من جهة أن مفكري الدين الجديد لم يطّرحوا كلية الفلسفة اليونانية، بل عملوا على تهذيبها وتطويعها لتخدم مقاصدهم اللاهوتية ونظرتهم التقييمية للوجود، مثلما حدث مع تطويع المنهجية الفلسفية الأفلاطونية والأرسطية لخدمة أغراض اللاهوت المسيحي الجدلية. تستند حجتنا في هذه الأطروحة إلى ذلك النقد “الجينيالوجي” الحاد للقيّم الأخلاقية الدينية والفلسفية معاً، الذي أمعن الفيلسوف “فريدريش نيتشه” في توجيهه إلى التراثين الفلسفي والديني المسيحي معا، بما هما أفلاطونية دينية متنكّرة صالحة للفقراء والضعفاء فقط. وهذا ما يدل على تعانق النظامين القيميين: العقلي الكوني في بعده الأفلاطوني الأرسطي الفلسفي، والديني المسيحي اليهودي في بعده الأخلاقي والصوفي.
إنّ اللقاء الأول بين الديني والعقلي الكوني في عهد المسيحية الأولى قد أفضى إلى تمازج الفكرين: الديني والفلسفي، ليترتّب عليه تأسيس “جدلية الكوني والديني” بما هي علاقة قيمية وإشكالية، حرّكت الكثير من النقاشات الفكرية الحادة والعنيفة فيما بعد، خصوصا في إطار الفكرين الفلسفيين: الوسيطي العربي اللاتيني والعلماني الحديث بعد الثورة الكوبرنيكية ، وهذا ما نجم عنه فيما بعد تفجير هذه الجدلية لصالح إحداث قطيعة نظرية وقيمية فيما بين المنظورين: الديني والفلسفي العلمي.
إذن، فالفكر المسيحي الأول استطاع أن يؤثر في الفكر الفلسفي اليوناني بالطريقة التي جعلته يستدمج في بنيته بعض المسائل التي لم يكن يعرفها، مثل وحدانية الله ومسألة الخلق، وفكرة الخلاص..؛ لكن ذلك لا يعني تحول الفكر العقلاني اليوناني القديم كلية إلى فكر مسيحي مطلق، بل فقط ظهور بعض من المفكرين الذين سيحاولون تكييف النظريات القديمة مع بعض المبادئ الأساسية للديني المسيحي الجديد. نذكر من هؤلاء على سبيل المثال: أفلوطين الذي وإن كان ليس مسيحيا، فإنّه سيقول بوجود الله الواحد، ثم كذلك بنظرية الفيض القريبة من مسألة الخلق كما تقول به اليهودية والمسيحية.
لكن هذا لا يعني، كما أكد ذلك “إتيان جلسون”، أن الفكر المسيحي قد تجاوز الفكر العقلاني اليوناني؛ بل كل ما هنالك أن المبادئ التي أرسى قواعدها الفلاسفة اليونان في القديم قد استخرج منها المفكرون المسيحيون فيما بعد نتائج أخرى مخالفة لتلك التي أدت إليها لدى هؤلاء الفلاسفة، فهذا ما جعل تلك النتائج الجديدة كما لو أنها كانت متضمنة في المبادئ السابقة. بمعنى أخر، لقد استطاع الفكر المسيحي أن يستخرج من مثال الخير الأسمى الأفلاطوني، وكذا من مبدأ المحرك الذي لا يتحرك الأرسطي نتيجة لاهوتية هي إثبات وجود الله الواحد الخالق.
بهذه الطريقة، مهدّ الفكر الفلسفي المسيحي الأول الطريق للفكر الكلامي الفلسفي الإسلامي الذي واصل بدوره الخوض في نفس المشكلة التي أسّست لها “جدلية الديني والكوني”، والمتمثلة في البحث عمّا من شأنه أن يوفّق بينهما ويجمع بين منطقيها المتباعدين. وقد كانت فلسفة الأفلاطونية المحدثة ومجمل الفكر الفلسفي الديني لمدرسة الإسكندرانية بمثابة ذلك الجسر الذي عبرت من خلاله هذه المشكلة مختلف الترجمات التي أنجزت لإرث تلك المدارس وللفلسفة اليونانية القديمة بشكل عام والتي نقلت إلى المشرق في مدارس الترجمة الشرقية. ورث الفكر العربي الإسلامي عبر هذه الترجمة نفس الإشكالية المتمثلة في إيجاد نقط التقاء وتوافق بين الإيمان الديني والعقل الفلسفي، فكان على المتفلسفة المسلمين بالخصوص بحث هذه المسألة بكثير من التسامح. فكيف تلقى الفكر الديني الفلسفي الإسلامي هذه المعضلة النظرية في البداية؟ وما الرّد الذي تقدّم به الفلاسفة المسلمين عليها؟

2 ـ الرّد الإسلامي على جدلية الديني والكوني.
نودّ في البداية أن نصرّح بالملاحظة التالية: إن الإسهام النظري للفكر الإسلامي في تقديم الجواب المناسب على إشكالية “جدلية الديني والكوني” ليس فيه اجتهادا أو تقليدا أعمى للفكر اليوناني القديم، ولا تبعية غير نقدية للفكر الديني اليهودي والمسيحي القديمين. بل على خلاف ذلك، اتسمت محاولات النظّار المسلمين بإبداعية وحس نقدي ساهما في تقديم أجوبة نظرية وعملية للمعضلات الفكرية المترتّبة على التعارض القيمي بين الديني والكوني، على اعتبار أن الفكر الإسلامي كان استئنافا للنظر في نفس المشكلات التي واجهت الفكرين الدينين: اليهودي والمسيحي، لكن على أرضية ثقافية جديدة.
فالمعروف أنّه بعد ترجمة التراث العلمي والفلسفي اليوناني إلى الثقافة العربية الإسلامية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، قامت حركة فكرية علمية كبيرة مَسَّتْ تقريبا مختلف الميادين المعرفية والفكرية: الدينية والدنيوية. فكان من نتيجة ذلك، ظهور مشكلة التوفيق بين الديني والكوني الفلسفي في نسختها الإسلامية التي اشتغل بها فلاسفة الإسلام بالخصوص دون غيرهم، على اعتبار أنّهم كانوا أكثر النظّار حرصا على تثبيت مشروعية الفكر الكوني العقلاني الفلسفي في بيئتهم الثقافية الدينية الإسلامية. فما هو الحل الذي استحالت إليه تلك الجدلية القيمية في ظل هذا الفكر النظري الجديد (=الفلسفة الدينية الإسلامية)؟
ورثت الثقافة العربية الإسلامية، بعد ترجمة كتب الأوائل خاصة الفلسفية منها، نفس المشكلات النظرية التي كانت تقع في صلبها إشكالية “جدلية الديني والكوني”. فقد تبيّن للنظار المسلمين فيما بعد تعارض المبادئ التي تقوم عليها المنهجية الفلسفية مع مقومات العقيدة الإسلامية، ممّا حدا بالغيورين منهم على الفلسفة، كفكر عقلاني كوني جدير بالتعلّم، الأخذ بزمام المبادرة والبحث عن طرق أخرى جديدة يتّم من خلالها تقريب الفلسفة من الدين وانجاز توفيقٍ بينهما. لكن بما أن للدين الإسلامي بدوره طابعا كونيا، فقد اشتدّ الصراع والخصومة بين أنصاره من الفقهاء الأصوليين المتكلمة والفلاسفة من جهة أخرى، حتى أنّه وصل درجة تكفير أصحاب الفلسفة بدعوى تهديد عقائد الملّة وتبديعهم ورميهم بشتى النعوت القادحة فيهم.
لقد كان الفقهاء في المرحلة الإسلامية الأولى على وعي تام بأن منشأ القضايا الفلسفية يعتمد العقل وحده، أي أن مصدر اجتهادات الفلاسفة هي من عند الإنسان لا غير؛ بينما ينبغي أن يكون المصدر الحقيقي للاجتهاد والتشريع هو الوحي المرسل من عند الله تعالى وسنة نبيه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام. أما من جهة الفلاسفة، فإنّ النظر بهذا العقل ليس بدعة كما يظن به، بله من جملة الأشياء التي دعا إليها الشّرع الإسلامي نفسه ؛ فهو بذلك لم يمنع استعمال العقل، بل حثّ عليه وشجّعه كما زعم ذلك ابن رشد. لكن فهم الإسلام كما أسّس له الفقهاء عندما محوروا الاجتهاد فيه كلية حول النص، قد قطع مسبقا أية إمكانية أخرى للانفتاح على العقلي الكوني اللهم فيما نذر. فالأداة المنطقية لم تكن بالنسبة لهؤلاء الأصوليين مؤهلة يوما ما للخوض في الأمور الدينية بوصفها مجموعة حقائق، بل إنّها مجرد أداة توظّفها معرفة أخرى دخيلة (=الفلسفة) وهي في أحسن الأحوال لا تنفع علوم الدين في شيء.
بهذه الطريقة حورب منطق صاحب “مناهج الأدلة في عقائد الملّة”، الذي كان يريد أن يعلي من شأن العقل بمجرد إيجاد ما يصل بين قوانينه اليقينية وأحكام الشرع؛ كما حورب صاحب “أراء أهل المدينة الفاضلة”، الذي كان ينشد تأسيس “ملّة فاضلة” تستقي من الإسلام أصولها العقائدية وتجعلها متوافقة مع المبادئ النظرية التي في الحكمة الفلسفية بما يضفي المعقولية على الدين والسياسة في مجتمع المدنية الفاضلة.
هكذا فشلت كل تلك المحاولات النظرية لتقريب الديني من الكوني بسبب أنّ خصوصية المجال التداولي الإسلامي المختلف كلية عن الثقافات اليونانية واليهودية والمسيحية، لم يكن ليسمح بالانفتاح على الكوني العقلي بما هو محاولة أخرى قد توازي الديني (=الإسلام). ومن ثم اتخذت “جدلية الديني والكوني” على ضوء هذا المستجد النظري الجديد حدة وتوترا شديدين لم تعرفهما من ذي قبل، إذ بالرّغم من المجهودات الفكرية المبذولة من طرف الفلاسفة المسلمين للتقريب بين الطرفين المتجادلين، فإنّ ذلك لم يزد الطرفين إلاّ تباعدا وتخاصما بينهما.
وقد شكلت ظاهرة “التهافت”، بما هي سجال عنيف بين الطرفين، العنوان الأبرز لهذه الجدلية؛ لذلك اتخذ النقاش في ظلّ التجربة الإسلامية طابعا جِداليا صرفا سواء للهجوم على الفلسفة من طرف الغزالي الأشعري، أو للدفاع عنها من جانب ابن رشد الفيلسوف المُناكف عن الكوني العقلي. لم يكن بخافٍ على المتكلمّين حجم الخلاف القائم بين عقائد ملّتهم والإلهيات التي جاءت بها الفلسفة اليونانية؛ إذ بينهما التعارض كان كبيرا لدرجة لم يكن بالإمكان السكوت عنه. إنّ كل الأسئلة المحرجة التي كانت مدار “التهافت” من قبيل: هل العالم أبدي لا بداية له؟ هل هو مخلوق من عدم أم من مادة قديمة؟ ثم هل يمكن تحديد ماهيته؟ وكيف؟ وهل السماء حية؟ وكيف هي حية؟ ثم كيف تتحرك؟ وما هي أسباب حركاتها؟ هل تَعرف نفوس السماوات الجزئي أم فقط الكلي؟ ما هي طبيعة النفس؟ هل البعث وسائر الخوارق ممكنة؟ كل هذه الموضوعات والمسائل لبّدت سماء الحوار الذي كان من الممكن إنجاحه بين الديني الإسلامي والكوني الفلسفي، لو لم يصاحبه التعصّب سواء من جهة منطق “تهافت الفلاسفة” أو من جهة منطق “تهافت التهافت”.
لكن بغض النظر عن القيمة الإبستمولوجية لمثل هذا النقاش حول مشروعية النظر العقلي الفلسفي فيما يتصّل بالأمور الدينية، حيث كان يبدو جلّيا أن منطقي نظرهِما جدّ متباينان: الإيمان في مقابل البرهان؛ فإن المشكلة الحقيقية التي تَرتّبتْ عن لقائهما في الثقافة الإسلامية هي بروز التعصب والانغلاق الفقهي في وجه كلّ ما يتصلّ بالعقلي الكوني، حتى أنّ “جدلية الديني والكوني” اتّخذت لأوّل مرّة في تاريخها طابعا عنيفا، إذ سرعان ما حُسِم الحوار بالعنف لصالح الفقهاء ومتكلّمي الأشعرية بالخصوص.
هكذا سقط الكوني العقلي من دائرة النقاش والبحث الفقهي السني الأشعري، فتمّ طرد عقلانية الفلسفة من نطاق البحث النظري في العالم السني بالخصوص، فخرج بموجب ذلك فكرنا الإسلامي عن سكة الفكر النظري الكوني، الذي سيعود أدراجه من جديد إلى بيئته اللاتينية المسيحية. لكن مع إضافة عقلية جديدة هذه المرّة، تلك التي أضفاها عليها كلاّ من: الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل ثم ابن رشد أخيرا، والمُتمثّلَة أساسا في تأويل أرسطو لصالح ميتافيزيقا الأديان السماوية ومحاولة تقريبه من الدين السماوي.
لقد شكّل الديني بالنسبة للكوني العقلي الفلسفي تحدّيا نظريا قيميا حقيقيا، تمثل أساسًا في البحث عن الكيفية التي يمكن بها إدخاله إلى دائرة المعقولية الفلسفية التي يرتكز إليها الكوني. لذا كانت اجتهادات الفلسفة المشائية الإسلامية كلّها عبارة عن تمرين فلسفي يَصُبُّ في هذا الإطار، بحيث قدمت تصورات هؤلاء الفلاسفة نظرية رائدة في عقلنة الإيمان الديني السماوي، كما هو الشأن في نظرية “الملّة الفاضلة” عند أبو نصر الفارابي، ونظرية ابن السنا في القول بأن الصفة هي عين الموصوف فيما يخص الله تعالى وفصله بين الماهية والوجود بخصوص باقي الموجودات الأخرى، ثمّ أيضا نظرية الحقيقة الواحدة ذات الطريقين المزدوجين عند ابن رشد.
تلكم هي أهم الإضافات التي أضافها الفكر النظري الإسلامي على “جدلية الديني والكوني” رغم خَنْقِهَا واضطهادها من طرف الفقهاء. بذلك أصبح الردّ الإسلامي على هذه الجدلية ذا بعدين متناقضين: بعد كلامي فقهي رافض لها بعنف، وأخر كلامي فلسفي معدِّلٌ من حدّتها وموفّقا بين حديها المتخاصمين: العقل والإيمان. وكنتيجة لهذا الردّ الإسلامي “الأشعري السني” العنيف، هاجرت مرّة أخرى “جدلية الديني والكوني” أرض الإسلام من دون حل نظري لها، لتعود مرّة ثانية إلى ثقافة نشأتها الأولى في المسيحية اللاتينية، حيث وجدت نوعا من الصلح والاستقرار مع “توماس الأكويني” بعد أن مهدت له كلّ المحاولات السابقة للفلاسفة المسلمين (وكذا تلك المحاولات التوفيقية المنجزة سابقا في المسيحية الأولى) الطريق نحو إنجاز توليفة تركيبية بين العقل والإيمان من جديد على يد اللاهوتي “توماس الأكويني”. فما هو هذا الشكل الجديد الذي ستؤول إليه الجدلية الديني والعقلي الفلسفي في اللحظة الأكوينية؟

3 ـ من اللحظة الأكوينية الهادئة إلى الفترة الحديثة العاصفة.
تعتبر لحظة القديس “توماس الأكويني” مرحلة استقرار وهدوء “جدلية الديني والكوني” بالمقارنة مع سابقتها ولاحقتها فيما بعد. فبعد أن تواجه الفكر الديني الإسلامي مع عقلانية أرسطو التي اكتشفت من خلال ترجمته إلى العربية وشرحه والتعليق عليه من طرف ابن رشد، انتقل هذا الفكر الجديد إلى اللاتينيين عبر ما سيمسى فيما بعد بالرشدية اللاتينية «Averroïsme»، حيث بدأت المواجهة مرة أخرى بين الكنيسة وأرسطو تطفو على مسرح النظر العقلي، إلاّ أنه سرعان ما استقرّ النقاش هذه المرّة حول ضرورة تبني الأرسطية بما يخدم اللاهوت الديني الكنسي من جديد. ففي القرن الثالث عشر الميلادي، تشكّلت قناعة لدى نظّار اللاهوت المسيحي بأهمية توحيد الديني المسيحي بالعقلي الفلسفي الأرسطي، وهذا ما أطلقنا عليه: فترة الهدوء التي ستدخل فيها “جدلية الديني والكوني”؛ فما الذي حدث في ظلّ هذه المرحلة؟
قام القديس “توماس الأكويني” في هذه الفترة (=القرن 13 ميلادية) تحديدا بتقريب الفلسفة، بما هي منهجية منطقية كونية ضرورية، من الفكر الديني فجعلها في خدمته. وتكمن أهمية هذا التقريب، حسب مؤرخ الفلسفة “إميل برييه”، في قدرته على إزالة التوتر الحاد الذي وسم تاريخ “جدلية الديني والكوني”، حين دفع بتقارب طرفيها إلى حد القول بخدمة الفلسفة والعقل للدين واللاهوت. فقد أكّد الأكويني بهذا الصدد نظرية أرسطو المعرفية عندما اعتبر أنّ معرفتنا البشرية تبدأ دائما بالحس، معتبرا الوجود أوّل التصورات العقلية التي تبلغها عقولنا مثلما كان يقول أرسطو. فحسب هذا المنظور فنحن على الحقيقة لا نستطيع أن ندرك شيئا إدراكا حسّيا أو نتصوّره تصورا عقليا إلاّ على أنه موجود؛ وبعد أن ندرك الموضوع على هذا النحو (=الوجود) آنذاك نستطيع أن نحدّد له طبيعته. لهذا السبب أكّد الأكويني، مثله مثل أرسطو، أنّ الوجود بما هو معطى مباشر للحس، فإنّه المدرك العقلي الخاص بنا والموضوع المناسب لعقلنا.
هكذا استطاع هذا اللاهوتي المعتدل أن يختزل كل التعارضات القائمة سابقا بين المعطى اللاهوتي الديني والمعطى العقلي الفلسفي إلى تعارض منهجي واحد قائم على ما يلي: لئن كان موضوع المعرفة واحدا (=الوجود) بينما العلوم التي تبحثه متعددة، فلأن للموضوعات والأشياء وجوها مختلفة بحيث يمكن النظر إليها من زوايا نظر مختلفة: من جهة ذاتها، ومن جهة طبيعتها، ثم في علاقتها بالله باعتبارها مخلوقة وموجودة لغاية محدّدة. أمّا البحث عن هذه الأشياء من طرف العقل (بما هي خاضعة لعلاقة السببية العقلية الضرورية)، فإنّه لا يلغي بتاتا القول الديني بكونها تندرج ضمن علاقة خالق بمخلوق. لذلك، يجب أن نبحث عن الطريق المؤدي إلى الجمع بين منطق حدي طرفي هذه الجدلية: الديني الذي يرى في الخالق علّة الكون وكلّ موجوداته التي أوجدها بمجرد كلمة “كن”، والعقلي الذي يفسّر وجود تلك الموجودات بكونها خروجا من القوة إلى الفعل في الزمان.
بهذه الطريقة التصالحية، أسْقطَ الأكويني عن “جدلية الديني والكوني” توتّرها السابق لصالح تضافرهما وتعزيزا لدوريهما في حياة الناس. وهكذا رفع الندّية والصراع الذي غلبا على تاريخ نزاع الديني والكوني منذ بدايته مع الآباء الأوائل للمسيحية، مرورا بالفلسفة الإسلامية المشائية ووصولا إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث تحقّق الصلح الهشّ والمؤقت بين الطرفين نظرا لاستناده إلى الأنموذج الأرسطي الذي سيتّضح عجزه عن مسايرة المستجدات النظرية والعلمية التي سيسفر عنها ظهور الثورة الكوبيرنكية فيما بعد.
لقد نجم عن ذلك في التالي، خصوصا في القرنين 16 و17 الميلاديين، ظهور إشكاليات نظرية جديدة من قبيل ظهور صورة أخرى جديدة للعالم مخالفة لسابقتها التي كانت تقول بكون الأرض مركزا الكون؛ فظهرت رؤية جديدة تقول بمركزية الشمس عوض الأرض، وبأنّ العالم يمثّل نظامه كونا ماديا لا نهائيا ولا تحكمه أية غائية أخلاقية كما كان يُعْتقد في ظِلّ الأنموذج الأرسطي الذي تبنته المسيحية.
إذن لم تصمد تلك المصالحة التي عقدها “الأكويني” بين الديني والعقلي الكوني سوى قرنين، حتى ظهرت بوادر العاصفة والانشقاق ثم الانفصال بينهما من جديد. فكان للعلم الحديث في ذلك دورا كبيرا، حيث أظهرت مكتشفاته جسامة الخطأ الذي كان عليه الأنموذج الأرسطي المتبنى من طرف الكنيسة، عندما جمع بين الغائية والسببية، معرقلا بذلك تطور البحث العلمي. هكذا، فقد أصبح لزاما على الفكر النظري الجديد أن يُضَحِّي بأحد الطرفين لصالح الطرف الأقوى؛ فكان الديني هو هذا الطرف الضعيف الذي سينسحب من مسرح النظر العقلي بعد قرن كامل من الرّيبة والبحث والشك (=القرن السادس عشر ميلادية). وقد فسح هذا المستجد المجال لميتافيزيقا العلم الجديد التي ستتعزّز بالكثير من الاكتشافات النظرية للعلم الحديث وعلى رأسها النظرية الكوبيرنكية مع العلم الفلكي «Copernic» في علم الفلك ورديفتيها: الفيزيائية مع العالم الفيزيائي «Galilée» والفلسفية مع الفيلسوف «Descartes»، حيث اقتنع النظّار والعلماء فيما بعد بحتمية استبعاد الدين عن النظر العقلي لما يشكّله من عبئ ثقيل عليه.
أدت هذه المستجدات العلمية والنظرية إلى تبلور نزعة فلسفية آلية مع كل من الفيلسوف الإنجليزي «Hobbes» والفرنسي «Descartes» اللذين بَلْوَرا فلسفة متكاملة في الميكانيكا استوعبت بنجاح تلك المستجدّات العلمية السابقة عليهما، فعبّرا عنها بمنهجية عقلانية جديدة تأسيسا وتبليغا بعد تجربة الشك الفلسفية المثمرة والفريدة لدى ديكارت الذي خالف كل تجارب الشكاك السابقين عليه، الذين استطاعوا أن يُخَرّبوا كل شيء تقريبا من دون أن يعرفوا كيف يبنوا شيئا. فقد هدم شك هؤلاء الشكّاك نفوذ العلم الأرسطي وحتى الإيمان المسيحي، فقوّض سلطة الكتب المقدسة وكذا سلطة أرسطو والدولة معا.
كان ذلك علامة بارزة على النشاط العنيف الذي خلّفه انفجار “جدلية الديني والكوني” في القرن السادس عشر ميلادية؛ حيث طال الشك كل شيء ولم يعرف كيف يبني شيئا إلى أن غدا هذا القرن فترة فقدان الثقة في كل شيء. هكذا صار الإنسان في هذه الفترة (=السادس عشر ميلادية) محروما من معاييره الموروثة عن المنظومة السابقة للحكم والاختيار فلم تكن له بعد معايير جديدة ومتينة، وأصبح يحِسُّ بأنه ضَّل السبيل في عالم قلق انتفى منه اليقين وصار فيه كل شيء ممكنا.
لقد كان شك الشكاك ذاك هدّاما غير مُثْمرٍ على الرّغم من كون«Michel Montaigne» مثلا لم يشك إلاّ وهو مرغم باسم محاربة الخرافة والجهل والخطأ، لكنّه انتهى إلى انعدام اليقين فسلّم أمره للظّن لمجرّد أن الواقع الذي كان يعيش فيه كان يستدعي الشكّ والريبة. لذلك اضطّر يائسا إلى البحث عن مخرج لهذا المطب بالعودة إلى ذاته باعتباره “أنا” في الوجود. وهكذا طرح العالم الخارجي جانبا بما أنّه موضوع شك، فحاول أن يخلو إلى نفسه لربّما يصادف فيها أساسا جديدا لليقين والمبادئ الممكنة للحكم والتمييز.
كان ذلك السبب المباشر الذي جعله يدرس “أناه” في أحوالها المتغيرة والمتنوعة لعلّه يجد فيها أساسا يسند إليه معرفته، غير أنّه لم يجد سوى الفراغ. ثمّ استسلم لليأس من اليقين في آخر المطاف، معلنا الزهد في “رسالته في اليأس” ثم الانسحاب في النهاية، ليفسح بذلك المجال لمن يقدر على تجاوز هذا الإحباط المترتب عن انعدام اليقين. بذلك مهّد الطريق للفيلسوف ديكارت الذي سلك طريقة أخرى أفضت به في النهاية إلى شيء جديد في المعرفة والعلم بدل البقاء أسير الشك؛ فكانت تجربته في ذلك متميزة تماما عن كل تجارب الشكّاك السابقين عليه بمن فيهم “مونتاني” نفسه.
لم يكن ديكارت يحتاج إلى أن يشك في أشياء أخرى في الحياة مثل الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية، بل اكتفى بالشّك في المبادئ المزعومة أنّها أساس معارفنا النظرية مثل: الخيال والإحساس، ناقلا بذلك شكّه هذا من ميدان الحياة العادية إلى مجال الفكر الخالص. هكذا أصبح شكّ ديكارت منهجيا أكثر، ثم كونيا وميتافيزيقيا فيما بعد وأثناء لجوئه إلى فرضية الشيطان الماكر التي ساعدته كثيرا على سحب هذا الشّك ليشمل كل المعارف، حتى تلك التي تقوم منها على البسائط مثل الرياضيات. ثم فيما بعد، وفي خطوة جريئة، طبّق صاحبنا هذا النوع من الشكّ على وجوده الذاتي، ممّا جعله في النهاية شكّا متطرّفا لا نهائيا طال كل شيء. هكذا انتهى ديكارت إلى اكتشاف حقيقة كونه “ذاتا مفكّرة” «Sujet pensant».
خالف ديكارت، بهذه الطريقة، كلّ الذين سبقوه في تجربة الشك لمّا جعله أداة معرفية منهجية تطالت كل الأشياء (شك كوني) بما في ذلك وجوده الذاتي نفسه. إنّه لم يقّف في استخدامه له ذاك لا على مستوى الواقع (البدن) ولا على مستوى الممكن (الفكر)؛ بل واصل ممارسته إلى أن تحسّس أن مثل هذا الشّك قد يفضي به إلى الجنون، فعند ذلك فقط توقّف عن ممارسته. لكن بما أنّه شكّ منهجي يميّز بين الواقع والممكن؛ فقد كان من اللازم أن يؤدي بنا إلى اكتشاف شيء جديد في المعرفة، إنّه: “الأنا المفكر”، ثم بعده الله الضامن للحقيقة، وأيضا موضوعية وصورية الأفكار التي تملكها النفس.
أكثر من ذلك، فقد أفضى هذا النوع من الشّك إلى اكتشاف المعيار الحقيقي للحكم على أفكارنا ومعارفنا دون خوف من الوقوع في الخلط السابق في تجربته؛ بذلك تبيّن له بعد فحص للأفكار التي لدى “الأنا المفكرة” أن مصدر أخطائنا فيها إنما يعود إلى مفارقة محدودية ما نملكه من فهم مع اتساع نطاق إرادتنا، تلك الإرادة التي غالبا ما تتسرّع في الحكم حتى من دون أن يتمكّن فهمنا من الإحاطة بالموضوع أو الفكرة التي نحن بصددها. بذلك يصبح تسرّع وتهوّر إرادتنا مع ضآلة فهمنا سببا في أخطائنا المعرفية التي نقع فيها.
يريد ديكارت من خلال تجربة تأملاته الميتافيزيقية هذه أن يثبت لنا أنّ الإنسان ليس على صورة الله كما يتصور اللاهوت وكل الفلسفة المسيحية المدرسية السابقة؛ بل هو مجرد “ذات مفكرة” متأتية من اتحاد عجيب وغريب بين جوهرين منفصلين ومتناقضين هما: النفس والبدن. لذا فإنّ فهم كيفية اتحاد هذين الجوهرين هو ما يمكن أن يجعلنا نفهم كيف يؤسّس الإنسان معرفته ب “أناه” باعتبارها “ذات مفكرة”، وبالعالم الذي يوجد فيه باعتباره “موضوعا” للتمثل الذهني، يخضعه بعقله لسيطرته المعرفية التي ينتجها عنه بواسطة نوره الفطري فقط.
هكذا يقطع ديكارت الشك باليقين بأن المشكلة ليست دينية في الأساس، بل هي معرفية علمية محضة؛ أي أن المشكلة المطروحة هي: كيف أفهم ذاتي والعالم الذي أعيش فيه، ومن ثم ما هو المنهج العقلاني الصالح لتأسيس اليقين العلمي بذاتي وبالعالم الذي أعيش بداخله؟
لم يحصل أن طال شكّ ديكارت يوما ما الأمور الدينية، إذ كان يعتقد بأن هذه الأمور إنّما تقع خارج مجال العلم الذي يبحث عن تأسيسه. فقد ارتأى في مختصر كتابه “التأملات الميتافيزيقية” ، عند حديثه عن أصل الخطأ، أن يترك جانبا كل ما يتّصل بالخطيئة واللاهوت المسيحي ليس خوفا من الكنيسة كما يقال عادة، بل لأنّه كان يؤمن إيمانا جازما بأن العقل والبحث العلمي الدقيقين ينفصلان تماما عن اللاهوت والدين لاعتبارات علمية ابستيمولوجية محضة. فالإيمان يتوجّه إلى قدرات الإنسان الأمي العادي، وهو بذلك لا ينطوي على منهج عقلي دقيق إذ الدين في أساسه يتوجّه إلى المؤمن الذي يرتكب الخطايا، وليس إلى الذات المفكرة الخالصة التي ترتكب الأخطاء المعرفية كما يقول.
لهذا يقع الدين خارج دائرة النظر العقلي الفلسفي، على اعتبار أن موضوعاته لا تستجيب لمعيار البداهة والوضوح الضروريين في المعرفة النظرية مثل العلم؛ فالقضايا الدينية ليست علمية ولا فلسفية، لذلك فهي تستوجب الاستبعاد التام من الفكر النظري الكوني.
هكذا دشّن ديكارت العصور الحديثة بفصل نهائي ومطلق بين الديني والكوني عندما أنهى جدليتهما لصالح الفكر الكوني، مستخلصا بذلك النتيجة الفلسفية المترتبة عن الثورة الكوبرنيكية القاضية بحتمية الفصل بين الدين والعلم، كما كان يدعو إلى ذلك «Galilée» لمّا واجه رجال الكنيسة بالقول بأن الكتاب المقدس لا يعلّمنا كيف تسير السماء وإنّما فقط كيف نسير نحن إليها. لذا لم يكن ديكارت يروم بحث الأمور الدينية لمّا تطرق للبرهنة على وجود الله، بل سعى فقط إلى إقناع الكفار والملحدين الذين حرموا نعمة الإيمان. إنّ الغرض الحقيقي من “تأملاته الميتافيزيقية” كان هو البحث عن تأسيس العلم الحديث، وليس شيئا أخر كما اعترف هو نفسه لصديقه «Mersenne».
لقد ترك علماء وفلاسفة العصور الحديثة التصورات الدينية جانبا لصالح المعرفة العلمية التي أخذت بزمام المبادرة حين باشرت اكتشاف العالم، فبحثوا قوانينه الفيزيائية المادية بعيدا عن منطق الغائية الذي كان التصور الميتافيزيقي السابق يعتمده في تفسيره. هكذا عرفت “جدلية الديني والكوني” نهايتها بِفَكِّ الارتباط بين التأمل الديني للعالم (=التفسيرات الميتافيزيقية الغائية) والتفسير العلمي الفيزيائي الجديد الذي تأسّس حديثا على يد كل من: كبلير وغاليلي ثم نيوتن فيما بعد. لكن الفضل في ذلك، في نظرنا، يعود أساسا إلى الفيلسوف ديكارت الذي ردّ سؤال خلق العالم ليتحوّل إلى سؤال التَّكوين (=كيف تكوّن العالم)، ثمّ جعل سؤال غايته (=منطق الغائية الديني) يتحوّل إلى سؤال التسخير. وبذلك يكون قد أعاد بناء العالم وفق منطق الكوني العقلي متخلِّيا عن منطق الديني الذي لا يفي بغرض الإنسان حتى وإن كان صحيحا.
لكن وبغض النظر عن كلّ هذا التاريخ النظري، أين هو موقع القيّم الإنسانية من “جدلية الديني والكوني” هذه؟ في واقع الأمر، إنّ تعمّدنا إبراز تاريخية هذه الجدلية من مرحلة تكوّنها إلى حدود انفجارها في العصر الحديث، ليس الغرض منه استعراض تاريخ النظر في مشكلة الدين والفكر العقلاني على مرّ حقبها التاريخية؛ لكن فقط لأجل التأكيد على أن مشكلة القيم الإنسانية لم تكن لتطرح يوما ما أمام النظر العقلي إلاّ بعد انفجار تلك الجدلية وانفصال طرفيها التام والنهائي.
لقد كان الانفصال بين الطرفين شرط تحرّر العقل من النظرة الدينية الكلاسيكية التي تقيّده باعتباراتها الفقهية واللاهوتية والتشريعية الضيقة، حيث كانت تمنع على الإنسان إمكانية أن يصوغ نظرة علمية عقلانية مستقلّة وكونية ليس لذاته فقط، بل وحتى للعالم الذي يعيش فيه. ثمّ كان ذلك أيضا شرط تحرير الإنسان من النظرة الموضوعية الطبيعية التي لا ترى فيه غير كائن طبيعي غير حرّ حتى وإن كان عاقلاً كما هو الشأن في ظل الأنموذج الأرسطي.
هكذا، كان من اللازم انتظار الثورة العلمية الحديثة ، خاصة في علمي الفلك والفيزياء، لكي يتم صياغة فهم جديد للكوني يخالف الفهم القديم القائم على النزعة التشبيهية التي ترى في الإنساني صورة مصغّرة للكوسموس بمعناه الغائي؛ ذاك التصور الذي نشأ في أحضان البراديغم القديم القائم على الأرسطية الممزوجة بالأفلاطونية والمسيحية. إنّ الكوني الجديد الذي تأسّس بعد الثورة الكوبرنيكية (والذي قطع الصلة بين العقل والدين بمعناه الكلاسيكي العام على الأقل لأنه يصعب فعلا إنكار ما إذا كان هذا الأخير ليس بدوره ذا خلفية دينية معينة، إذ يعتبره البعض دين العقل خصوصا مع الفيلسوفين: هيوم وكانط فيما بعد) قد هيَّأ المناخ الفكري الكافي لفهم جديد للإنساني بنظرة عالمية «Cosmopolite» وعلى أساس أنّه ذات عاقلة ومفكرة (=ديكارت) لها كرامة أخلاقية إنسانية مطلقة (=كانط).
لقد انبثق من هذا الفهم الكوني الجديد للإنساني، تأسيس ما نطلق عليه اليوم تسمية “القيم الإنسانية الكونية” بما هي مجموعة من المعايير الإنسانية المشتركة، صيغت في سياق الثورة الفرنسية ثم تعزّزت بعد ذلك من خلال الفكر الأنواري الأوربي «Aufklärung»، ومتخذتا بعدا حقوقيا كما أعلن عن ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيما بعد، وذلك كنتيجة تقويم نهائي للمسار النضالي التقدّمي الذي مرّ منه فهم الإنساني على أسس علمية كونية حديثة. فإلى أي حدّ استطاع هذا التأسيس الحديث للقيّم الإنسانية الكونية أن يتجاوز الفهم الديني المنغلق بطبيعته الأيديولوجية بما يسمح له بتخطّي منطق التعصب والتّمركز حول الفهم الذاتي للإنساني؟ ما هو دور القيّم الكونية، كما تأسّست مع الحداثة الغربية، في تعارف الناس وتأسيس معنى وجودهم، من ثم تجاوز المركزيات الدينية والعرقية والثقافية لصالح التعددية القيمية؟ هل ما يحكم تنوّع وتعدّدية القيّم الإنسانية هو منطق التصادم أو سنّة التصادف؟

القسم الثاني: من جَدَلِية الديني والكوني إلى جدَلِيَةِ القيم الإنسانية الكونية.
تطرّقنا في القسم الأول من هذا البحث إلى أنّ الطابع التاريخي للنزاع القائم بين المعطى الديني (بما هو خطاب رمزي قصصي غير عقلاني) والمعطى الكوني (بما هو خطاب عقلاني ينزع نحو مخاطبة الإنسان باعتباره “حيوانا عاقلا «Soon logon echon») قد كشف عن ضرورة الفصل بين الخطابين كما تقتضيه الضرورات النظرية: العلمية (=القول بالسببية الآلية وترك الغائية كلية) والفلسفية (=بإضفاء المعنى العلماني على العالم وحياة الإنسان). ترتّب عن هذا النزاع في النهاية خروج الدين من دائرة المعقولية النظرية كلية، فاستقلّت المنهجية العلمية بدراسة وفهم الحياة البشرية بعيدا عن التصورات الغائية السابقة.
ثم أكثر من ذلك، ظهر مفهوم جديد للإنسان أدى إلى استبدال المنظور الفلسفي القديم للكائن البشري برمّته لصالح منظور عالمي جديد، دشّنه الفيلسوف الألماني «E. Kant» بسؤاله الشهير حول “ما الإنسان”؟ سنة 1793م. اعتبر هذا الفيلسوف الجواب عن السؤال: ما الإنسان؟ إنّما يحدّه مفهومنا عن الإنساني لا على أنّه كائن عاقل وكفى كما كان يُقَال على ضوء البرديغم الأرسطي القديم ؛ بل أساسا على أنّه ذات أخلاقية حرّة مطلقة غير مشروطة . إذ لمّا كان الإنسان كائنا حرّا “يكفي ذاته بمجرد ما يُلْزِمَ نفسه احترام قانون الواجب بواسطة عقله الخاص” ، فإنّ ذاك هو ما يملي عليه أن يتصرّف في أفعاله وفقا لحريته المطلقة التي تَسْتَمِدّ أساسها من مبدأ الواجب الأخلاقي.
هكذا، فقد سرّع ظهور مفهوم الإنسان على مسرح الفكر النظري في القرن التاسع عشر (كما أكّد ذلك «M. Foucault») بانبثاق مشكلات نظرية ميتافيزيقية جديدة، نجمت كلّها عن هذا التأسيس المنهجي للإنساني (=تأسيس علوم الإنسان)، مثل ظهور مشكلة القيّم المشتركة بين كافة أفراد النوع البشري بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية والثقافية والعرقية؛ ثمّ كذلك برزت مشكلة نظرية تخصّ كيفية البحث عن الفهم التأويلي والمنهجي للروح الإنسانية وبعالمها الداخلي والتاريخي.
شكلّت كلّ هذه المستجدات الفكرية تحفيزا نظريا للبحث عن فهم جديد يستجيب للطابع “الكوسموبوليتي” (=العالمي) للإنساني كما أسّست له التصورات الإنسية للأنوار ضدّا عن تلك التصورات ذات النزوع “الإثنومركزي”«Ethnocentrisme»، التي كانت قد خيّمت بظلالها على الدراسات التاريخية والثقافية منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى إلى حدود ظهور الحركة الامبريالية الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ميلادية. إذن، لم يكن بالأمر اليسير أن تُفْهم القيّم والمعايير الإنسانية على أنَّها كونية لو لا أنّ تَشَبّع الإرث الأنواري بالطابع الحداثي الكوني قد سمح بذلك، وبالأخصّ كما نظّر إليه الفلاسفة الإنسيين وعلى رأسهم المفكّر والمناضل الفرنسي «Condorcet»، الذي آمن أشدّ الإيمان بوحدة مصير البشرية وقدرتها على تحقيق تقدّمها العقلي غير النهائي.
لقد مهّدت الحداثة الفلسفية الغربية الطريق نحو ظهور مركزية إنسِية مكان المركزية اللاهوتية المطرودة من على ساحة الفكر النظري العقلي، فتحوّل بذلك النقاش الفكري (الذي كان في ما مضى جدالا بين الديني والعقلي) ليصبح في الفترتين: الحديثة والمعاصرة، حوارا بين القيّم الخاصة والقيّم المشتركة؛ أو إن شئنا القول: حوارا بين الخصوصي والمشترك، المحلي والعالمي. هكذا تبدّل النقاش في المسائل المعنوية والروحية لحياة الإنسان الحديث والمعاصر معا، حتى تلوّنت تلك القضايا بنماذج معيارية أخرى جديدة: قيمية وأخلاقية، تحتّل فيها الإنسية المُعَلْمَنة والملحدة صدارة التشريع والتأسيس للقيّم الأرضية، ضدّا عن أية إمكانية للارتداد أو الاعتراف من جديد بالقيم الدينية المتعالية؛ محقّقة بذلك إحدى تنبؤات الفيلسوف نيتشه عن إنسانية متحررة من كل أوهام الدين والمثالية السالبة للحياة الأرضية.
لكن الإحراج الذي تنطوي عليه كونية هذه “القيّم الإنسانية” المُعَلْمَنَة، هو أنّ كلّ التحوّل الذي سيقع بعد الانتقال من “جدلية الديني والكوني” إلى مجرّد “الجدلية القيّمية” بين المشترك والخاصّ / العالمي والمحلي، قد جعل هذه القيّم تنصّب نفسها نوعا جديدا من اللاهوت باسم الناسوتية الكونية الجديدة التي تقترح نفسها كدين جديد للإنسانية. هكذا، يدفعنا هذا الإحراج الجديد أن نطرح للنقاش فرضيات أخرى بصدد هذا التحوّل، نقترح منها ما يلي:
الفرضية الأولى: إذا كان انفجار جدلية الديني والكوني في سياق الحداثة الغربية لصالح تعزيز عقلانية العلم والفلسفة في مقابل انحصار الديني بمعناه العام (بمعنى أخر انسحاب الدين بما هو شأن خاص لفسح المجال للكوني بما هو شأن مشترك لدى البشر كافة)؛ فإن الفهم الحداثي الغربي للإنساني هو وحده من يملك المشروعية التاريخية والمعقولية النظرية لتأسيس وتحديد ماهية تلك القيّم الإنسانية التي تلصق بها صفة الكونية رغم منشئها الغربي الصريح. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ تلك “القيّم الكونية” هي في حقيقتها محض قيّم غربية تمّت عولمتها، ومن تم فهي لا تحمل من الكونية سوى ما فرضتها الحضارة الغربية على العالم نتيجة نزعتها الامبريالية التي غذتها إرادتها السياسية للهيمنة عليه؟
الفرضية الثانية: في مقابل هذه الفرضية، التي غالبا ما يستند إليها الموقف الرافض لكونية “القيّم الإنسانية” المتعارف عليها دوليا تحت مسمّى “حقوق الإنسان”، هناك فرضية أخرى تستند إلى الموقف الإيجابي الذي ما فتئ يؤكّد على أنه حتى في أشدّ الأنظمة الأخلاقية نسبية، والتي من المفروض أنّها أكثر ذاتية، تصل بعض القيم الأخلاقية إلى مستوى الكونية بشكل لا يقاوم تماما مثلما هو الشأن بالنسبة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ حيث يعترف بها كل الناس بما فيهم الأصوليون الدينيون الذين يرون أنّ لها ما يعادلها في شرائعهم الدينية رغم رفضهم الواضح لمرجعياتها الفلسفية العلمانية التي تنبني عليها. لذا، فما الذي يجعل هذه القيّم (=قيّم حقوق الإنسان) تكتسي هذا البعد الكوني رغم أنّ سياق تشكّلها غالبا ما يلصق بالتجربة الحضارية الغربية؟
إنّ تعليلنا لهاتين الفرضيتين سيكون بالإجمال كالتالي: لئن كان تأسيس القيّم الإنسانية الكونية يدين للغرب بالفضل على الأقل في شقّه العلمي الفلسفي النظري، نظرا لما جاءت به حداثته الفكرية من تصورات فلسفية تحرّر الإنسان من براثن التقليد والإقطاع والرجعية اللاهوتية؛ فإنّ إلصاق صفة الكونية بتلك القيّم يجب أن يفهم منه كونها خلاصة ما وصلت إليه الحكمة والتجربة الإنسانيتين اللتين أخذت الحضارة الغربية مشعلها من الحضارات الأخرى منذ أن سلّمت إليها مهمة التقدّم التاريخي في بداية القرون الحديثة.
وبما أنّنا نؤكّد على هذه الفكرة، فإنّنا نود الإشارة إلى أن السياق الحقيقي الذي نجمت عنه فكرة كونية هذه القيّم المتعارف عليها دوليا، هو أساسا سياق نظري محض له منطقه المستقل عن الثقافات والشعوب. إنّه سياق تشكّل مفهومي: الذات المفكّرة، ومن بعدها مفهوم المواطن العالمي الذي ساهمت الخلفيات النظرية للثورة العلمية الحديثة (=الثورة الكوبرنيكية وفيزياء نيوتن لم تأتيان من محض إبداع الغرب بل هناك سياق تاريخي ونظري طويل بدأ باليونان وأغناه المسلمون ثم اللاتينون في العصور الوسطى قبل أن يتبلور منهجيا في العصور الحديثة) في بروزه على طاولة الفكر النظري رغما عن أنف الثقافات المحلية ذات النزوع الانغلاقي.
لهذا السبب، إذن، يجب أن لا يشكّل لنا تخلّفنا الفكري والنظري الحالي عقدة نقص في الاعتراف بالفضل للفكر النظري العقلاني الحديث في الإسهام المنهجي في بلورة الأسس الفلسفية لمفهوم المواطن العالمي هذا رغم أن البعض منّا، نحن المسلمون، لا يكفّ عن القول بفضل عالمية ديننا الإسلامي على الغير وما إلى ذلك من الترهات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إنّ خروجنا عن نطاق الإسهام الحقيقي في الفكر النظري منذ عصور انحطاطنا إلى اليوم (وأؤكد أننا لا نزال نقع خارج دائرة الفكر النظري: العلمي والفلسفي وحتى السياسي، رغم كل ما يقال هنا وهناك من أشياء يكذبها واقع انحطاطنا عن الركب الحضاري) كان ثمنه كلّ هذا التخلف القيمي والمعرفي الذي نرزح فيه اليوم. وإذا ما أردنا العودة إليه فما علينا سوى بالإنخراط الجديد فيه على أسس علمية ونظرية قبل كلّ شيء (=ليس مدخلنا إلى كونية الحضارة العالمية مشكلة دينية بقدر، ما هي مشكلة نظرية خالصة يجب علينا فهمها ومعالجتها في أسرع وقت ممكن).
من هذا المنطلق، سنحاول مقاربة جَدَلِيَة القيّم الإنسانية الكونية ودورها في تعارف الناس وتأسيس معنى وجودهم وتنوّعه من دون الركون السلبي إلى الثنائية الشهيرة: نحن / الأخر؛ وذلك من خلال فك النزاع بين الخصوصي والمشترك عبر مساءلة طبيعة كونية القيّم ومدى حفظها للتنوع الثقافي والديني؛ ثم نسائل في الأخير آفة الفهم الذاتي والتحيز الأيديولوجي في مقاربة إشكالية القيّم الكونية.

1 ـ جدلية القيّم الإنسانية الكونية أو النزاع بين الخصوصي والمشترك.
يعتبر النزاع بين الخصوصية والكونية، في ظّل الحديث عن القيّم الإنسانية، مستجدًّا فكريا وسياسيا يكاد يهيمن على الكثير من النقاشات النظرية التي تؤثّث المشهد الثقافي لعالمنا المعاصر وخاصة في ثقافتنا العربية الإسلامية. فقد درج نظّار الحداثة السياسية على أن يعتبروا قيّم الديمقراطية وحقوق الإنسان بمثابة معايير شاملة وكونية، يمكن أن تسود ثقافات كثيرة على اختلافها وتباينها بالرغم ممّا قد يبدو من خصوصيات تفرض على هذه الثقافة أو تلك عدم الأخذ بكونية هذه القيّم كما هي. وينبع أصل هذه القناعة من الأطروحة التي تقول بأن كلاّ من الخصوصية والكونية ليستا على طرفي نقيض، لأن الأصل فيهما هو التداخل والتكامل بينهما. وفقا لهذا المنظور، يتضمّن كل ما هو “خاص” شيئا من “المشترك” كما يحتوي كل ما هو “عام” شيئا من “الخاص”.
لكن غالبا ما لا تتفق الآراء كلّها حول مثل هذه الأطروحة، نظرا لمنطقها الاختزالي للخلاف الأيديولوجي القائم بين أنصار كونية القيّم الإنسانية المترتّبة عن الحداثة الفلسفية والعلمية، وبين أنصار الخصوصية الثقافية الذين يرتكنون إلى القول بأهمية المحافظة على القيّم الدينية والثقافية المحلية. لذا فعلى الرّغم من أن النظرية السالفة الذكر تؤكد أهمية الانفتاح على القيّم الإنسانية المشتركة لأجل الانخراط في الحداثة الكونية (بالنّظر إلى مشروعيتها التاريخية والنظرية) إلاّ أنّ هناك من يرفضها، بل ويجعل من رفضه هذا تمرينا فكريا لا يكلّ ولا يملّ من ترديد مقولة تعارض الأطروحتين: الكونية والخصوصية، كما هو الحال بالنسبة للتيارات المحافظة ذات التوجهات الدينية واللاهوتية المحافظة، وحتى عند بعض النزوعات النقدية الموصوفة بما بعد حداثية، وذلك كردّ فعل على عقلانية الحداثة المتهمة بتأسيس مركزيات أيديولوجية منغلقة (=مركزية الذات المفكرة، مركزية الإنسان العقلاني مواطن العالم..) وقاصرة على حفظ تنوّع البشرية واختلافها.
فإذا ما أخذنا مثالا على هذا النزاع القائم بين أنصار الخصوصية ودعاة الحداثة الكونية في ثقافتنا العربية الإسلامية، نجد المقولة الدينية حاضرة دوما وبقوة في صلبه بحيث تشكّل عصب الخلاف بين الخصمين. ولمعاينة نموذجا على ذلك، نحيل إلى موقف “محمد أركون” الذي اعتبر مقاومة التحديث والانخراط في الحداثة الكونية في ثقافتنا الإسلامية، إنّما مردّه الدفاع عن وهم الهوية الدينية الخاصة التي أبدعتها أيديولوجيا الكفاح الوطني ضد الهيمنة والاستعمار الغربيين. وقد ترتّب عن ذلك تشكّل ما نسميه ب «العائق الهوياتي» «L’obstacle identitaire» الذي يحول دون تحديث المجتمعات الإسلامية، حيث نصّبت الحداثة خصما حضاريا يتعيّن محاربته ثقافيا وفكريا مثلما يحارب المستعمر سياسيا وعسكريا.
يمثّل هذا الموقف نموذجا فكريا محلّيا للدعوة إلى الانخراط في الحداثة الكونية من دون عُقَدٍ ثقافية أو سياسية، تحول دون الاستفادة من مزاياها النظرية والقيمية. غير أن مبرّراتها القائمة على الرّيادة الثقافية والصلاحية العقلانية للحداثة لا تحول دون نقدها من طرف دعاة الخصوصية القيمية والثقافية، الذين يستثمرون نقط ضعفها المنهجية المتمثلة في عدم تركيزها للنظر على وجود تفاوت واختلاف قيمي حتى من داخل الكونية نفسها. في مقابل هذه الدعوى، نجد صاحب “الحق العربي في الاختلاف الفلسفي” لا يتوانى عن القول بأولوية الدفاع عن التنوّع الثقافي باسم الحق في الاختلاف القيمي مع الحداثة الغربية. في السياق نفسه، رفض الأستاذ طه عبد الرحمّان دعوى شمولية الحداثة الفلسفية للأزمنة والأمكنة، مثبتا باستعمال حجة استقلالية المجال التداولي للثقافات البشرية، تنوّع القيّم الإنسانية وتصادفها بدلا من تصادمها وسعي بعضها إلى الهيمنة على البعض الأخر. وهكذا، غدت مقولة الخصوصية الحضارية بالنسبة لمنظوره التداولي خلفية أيديولوجية تروم تأكيد انفتاح الثقافة الإسلامية على الحداثة الغربية من دون أن تفقد مقوماتها الحضارية والثقافية الخاصة بها؛ وقد عزّزا بذلك الرأي الشائع حول تنافي الخصوصية الثقافية مع الكونية القيمية.
تدعم هذا الرأي حجج كثيرة على رأسها حجة انهيار المعايير الإبستيمولوجية والميتافيزيقية لليقينيات التي قامت عليها الحداثة العلمية والفلسفية التي تشكّل سند مقولة الكونية المزعومة. إذ لمّا عرَف أنموذج الذاتية، الذي تمحورت حوله الحداثة الغربية، نوعا من الاندحار والانحسار الفلسفيين منذ مطلع القرن العشرين، حيث تكشّفَت أزمة العلوم الأوربية مع “هوسرل” وظهر انسداد أفق النزعة الإنسانية مع “هيدغر”؛ فإنّه لم يعد بإمكان “برديغم الذات”، الذي تتقوّم به تلك الكونية المزعومة، أن يصمد أمام صعود أنموذج نظري جديد تحتل اللغة قلبه ووسطه. من هذا المستجد النظري الذي لم ينتبه إليه المرحوم محمد أركون، يستقي الموقف السابق لطه عبد الرحمان (الناقد للكونية بما هي أيديولوجيا تحالف الفكر الفلسفي والسياسي الحديثين) قيمته الاستدلالية نظرا لاستناده على هذا البرديغم اللغوي الجديد. غير أن ما يتعمّد طه السكوت عنه هو أن أنموذج اللغة هذا، ما هو في حقيقة الأمر سوى منعطف نظري لاستمرارية الفعالية العقلانية للحداثة الغربية التي ينتقدها بشدّة رغم توسّله بأدواتها المنهجية (=المنطق وفلسفة اللغة) دون أن يعترف لها بكونيتها النظرية على الأقل.
في واقع الأمر كلا الموقفين المتنازعين حول مشروعية أو عدم مشروعية الحداثة الغربية المزعومة أنّها كونية وما يترتب عليها من قيّم كونية مشتركة أو مخصوصة غير مشترك، كلاهما يرتكبان خطأ منهجيا، يتعلق بعدم الانتباه إلى استقلالية منطق الفكر النظري عن السيكولوجيا والأيديولوجيا والشعوبية والأممية. غير أنّه وللمفارقة، فحتى لمّا اعتمد الأستاذ “طه عبد الرحمان” هذه الفكرة في نقده للمرحومين: الجابري وأركون، فإنّه يعيد تكرارها من دون أن ينتبه إلى أنه يقع في نفس الخطأ عندما اعتمد النزعة السيكولوجية ذات اللبوس الصوفي في تقرير الكثير من مفاهيمه التي سبق أن رمى بها الفكر النظري خارج معقوليته. غير أنّ هذا الخطأ يكاد يكون سمة ثقافية لصيقة بتقليدنا الفكري العربي الحالي، حيث إنّ أغلبية مثقفينا لا يستطيعون أن يروا من المشكلة النظرية المطروحة على أنظارهم سوى تلك الواجهة التي تروق لسيكولوجيتهم النرجسية. في رأينا المتواضع، فحتى لو سلّمنا بصلاحية الحجج التي يعرضها أنصار الخصوصية الثقافية وكذا دعاة الانخراط في الكونية القيمية الحديثة في ثقافتنا العربية، فإن مشكلتنا النظرية لن تحل، بل ستبقى هي نفسها ما لم نتوجّه إلى مكمنها الحقيقي الذي هو الدين والشريعة الإسلامية، وذلك من أجل استئناف النظر فيهما بالابتداء حيث توقف سابقا الكلام الاعتزالي (هل القرآن مخلوق أم هو كلام الله).
لكن لما العودة إلى الدين وإلى علم الكلام المعتزلي منه بالخصوص لفك أسرنا النظري فيما يتّصل بمشكلة: موقعنا من الكونية القيمية التي تنتصب أمامنا كجبل ضخم مرتفع؟ الجواب بسيط في ظاهره لكنه عميق ومخيف في مدلوله، وهو كالتالي: إن العودة إلى المشكلة الدينية الكلامية (=مصدر وطبيعة النص الديني المؤسّس) السابقة في شقها المتعلق بماهية القرآن خاصة والنصوص الدينية عامة، كفيل بأن يظهر لنا إلى أي حدّ يمكن أن نؤوّل تلك النصوص حتى تستجيب للمستجدات التاريخية والنظرية منها بالخصوص. ثمّ أيضا، وهذا هو المهم، لأن الحسم والتفريق بين ما هو ديني خالص وما هو مجرد معارف دينية من اجتهاد الفقهاء والنظّار، كل ذلك كفيل بأن يحرّرنا من الكثير من الرطانات الفقهية والاجتهادات النسبية، التي تريد أن تنصّب نفسها دينا خالصا رغما عن أنف التاريخ ومنطق الفكر النظري الذي يتجاوز الميت من الأفكار بطبيعته، ثم لا يبالي إلاّ بتلك التي تستجيب منها لمعقوليته النظرية الخاضعة بدورها للنسبية التاريخية.
إنّنا نقول هذا الكلام حدسا لا استدلالا لكوننا نعي جيّدا صعوبة الخوض في تفاصيله النظرية والمنهجية في مثل هذا المقام. لذلك، ونحن نسعى لمقاربة إشكالية القيّم الكونية بين المنظورين المتصارعين: دعاة كونيتها وسموّها على الثقافات والشعوب، ودعاة خصوصيتها القيمية واستقلالية الثقافات بهوياتها واختلافاتها؛ فإنّنا لا نزعم امتلاك أطروحة نظرية خاصة بهذه الإشكالية. لكنّنا، وانسجاما مع إيماننا بمعتقدنا الإسلامي العالمي وبكونية الفكر النظري من جهة أخرى، نؤكد بأنّ راهنية الإيمان بالمصير المشترك للإنسانية يفرض علينا نحن المسلمون بالخصوص، من منطلق كوننا شهداء على الناس، أن نباشر إصلاحا دينيا وفكريا حقيقيّين وآنيّين، نتجاوز بهما آفتين خطيرتين تنخران ثقافتنا، هما: نزعتنا النرجسية تجاه ذواتنا، وعقدة نقصنا تجاه الحداثة والعقلانية. فإذا تقرّر لدينا يوما ما الوعي الكافي بهذا الإصلاح الديني والفكري، عندها فقط ستكون لنا الشجاعة الكافية لكي نقرّر بنضج تام: أن تعارض القيّم الكونية مع القيّم الخاصّة والمحلّية إنّما هو مجرد وهم وسياج يتذرع به الضعفاء لعدم قدرتهم على الانخراط في الإبداع النظري والعملي والفني للحداثة الكونية.
إنّ الانخراط الفعلي الواعي في الإسهام المبدع للفكر النظري (=العلم والفلسفة) ينجم عنه حقّا تجاوز منطق تصادم الكوني والخصوصي إلى منطق تلاقيهما وتضايفهما، وذلك بعيدا عن الثنائيات المغلوطة: المحلي / العالمي، الكونية / الخصوصية… إذن فالنقاش حول مسألة القيّم الكونية، هو في عمقه حديث عن الدين والعلمانية ومدى قدرة الأديان التوحيدية خاصة على أن تستجيب للتقدم النظري للإنسان من دون أن تفقد جدواها القيمي والمعنوي في غمرة التطور الهائل الذي تحققه البشرية في مسيرتها نحو اكتمال منزعها الكوني. يؤدي بنا هذا الحديث عن النزوع الكوني للإنساني إلى الاستفهام حول ما إذا كان سينفي هذا المنزع الكوني ذلك التعدّد الخلاّق والاختلاف المبدع الموجود بين الثقافات البشرية على مرّ تاريخها؟

2 ـ جدلية القيم الكونية أو النزوع الكوني في ظل التنوع والاختلاف.
لئن كانت النزعة الكونية «Universalisme» سمة العقلانية الحديثة بما هي فلسفة تنشد الصلاحية النظرية الشاملة والمعقولية الثابتة (بالبحث عن القوانين الثابتة والكونية للفهم البشري، كما هو عليه الشأن في ظل النزعتين: الديكارتية والكانطية الحديثتين المنتميتين إلى برديغم الذات المُشَكِّل للحداثة الفلسفية)، فإنّ النزوع الكوني اليوم يكاد يشير إلى شيء مخالف تماما لِمَا كان عليه في ظلّ أنموذج الذاتية. فالعولمة المعاصرة التي قد أصبحت نوعا من القدر الإنساني الجديد، الذي لا مهرب لنا منه بفعل التطور التكنولوجي في ميدان التواصل، جعلتنا اليوم كما لو أننا نعيش في قرية واحدة وصغيرة؛ بحيث يستطيع أي فرد منا عبر الشبكة العنكبوتية، وفي أيّ مكان من الكرة الأرضية، أن يتعارف مع أي أشخاص آخرين في أي منطقة أخرى من هذا العالم من بدون تكلفة وجهد كبيرين ما خلى التمكّن من اللغات الأجنبية.
قد يتجاهل الكثير من الناس دلالة هذا المستجد الكوني كما لو أنّه أمر عادي جدّا، مثلما الحال في الكثير من أوجه التطورات الأخرى. لكن الحقيقة غير ذلك، إذ يصحّ أن نقول بأننا قد انتقلنا فعلا إلى برديغم علمي نظري جديد، تحتلّ فيه اللغة والتواصل والبرمجيات مكانة الصدارة، وهي بمثابة المحركات الابستيمولوجية والمحفزات النظرية المخصّبة للكثير من النظريات الفكرية والسياسية وحتى الاقتصادية التي غدت اليوم توجّه القيّم والسلوكيات المعاصرة أكثر فأكثر. لكن ما علاقة هذا بموضوع النزوع الكوني الذي قصدنا الحديث عنه في هذا الفصل؟ الجواب بسيط، وهو أن التنوّع الذي ننشده في ظلّ هذا الكوني ليس لدينا بعد ما يضمنه، إن لم يتمّ تحييد إرادة الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تغري الدوائر المتحكمة في مفاصل الأنموذج العولمي الجديد بمزيد من التحكّم نظرا لفائدته الاقتصادية والسياسية الكبيرتين.
إنّ الانتقال إلى ما يسمى “العولمة” «La mondialisation» (التي هي في حقيقتها مجرد نتيجة نظرية وتاريخية مترتبة عن الحداثة التي سبق لها أن جعلت من العلم والتقنية نمط تفكيرها الساعي إلى الهيمنة والسيطرة) ينبغي أن يستثمر جيّدا وبسرعة ممكنة في اتجاه تعزيز التنوع والاختلاف بين الشعوب والثقافات؛ نظرا لأن هذه العولمة لم تقم في الأصل إلا على تعزيز سيطرة وهيمنة منطلقاتها الأيديولوجية والقيمية، الشيء الذي يستوجب تلقيحها وتخصيبها بالتنوع والاختلاف على وجه السرعة قبل أن تفقد الشعوب الضعيفة اختلافاتها الثقافية واستقلاليتها القيمية، حين تؤوّل القوى المهيمنة اقتصاديا وسياسيا قوانين هذه العولمة لصالح مصالحها النيوليبرالية باسم الكوني، فتلتهم هؤلاء الضعفاء كما تفعل السياسة الأمريكية الحالية.
يدفع مثل هذا التخوف وهواجس أخرى من جنسه بعض النظّار إلى الاعتراض على العولمة في شكلها الحالي على الأقل، وذلك بتبنيهم لمقولة “التنوع الثقافي” التي لا تنفي كونية الإنساني. فقد سبق أن أكّد الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر «Claud Levi Strauss»، بعد دراساته المتعددة لثقافات الشعوب المختلفة، أنّ وراء تنوع ثقافات البشر واختلافها البيّن سمات سيكولوجية إنسانية واحدة موّحدة تشكّل العناصر المشتركة بين البشر، والحضارات الإنسانية لا تعمل إلاّ على إعادة تركيب تلك العناصر المشتركة في توليفات أخرى.
هكذا فحتى أشدّ الثقافات تباينا واختلافا في المعمورة يمكن أن نلاحظ بينها تشابهات محدّدة، هي عبارة عن “ثوابت بنيوية” «Des Invariants structurales» مثل النهي عن ارتكاب المحرّم، أو ما يسمى: «Prohibition de l’inceste» الذي تَحْضُرُه وتمنعه تقريبا كل الثقافات، كثابت بنيوي يعمل على نقل الإنسان من مجرد كائن حي إلى فرد اجتماعي ثقافي. يقرّ هذا الأنثروبولوجي عن طريق هذا الاكتشاف الجديد أن جميع الثقافات الإنسانية تتشابه، ومن ثم ليس هناك ثقافة أسمى وأرقى وأخرى أحط وأدنى. بل إنّ كل ما هنالك هو إجابات متنوّعة ومختلفة لنفس المشكلات الأساسية. لذلك ليس صحيحا أنّه يوجد إنسان متوحش وأخر متحضر أو وضيع وراق، بل هنالك فقط اختلافات في طريقة التفكير لا تفاضل بينها.
الثابت إذن، بحسب هذا الأنثروبولوجي الفذ، أن الإنسانية في عمقها واحدة وكونية، بينما تنوّعها الثقافي غني لا يعدّ ولا يحصى؛ فهي تتطور وتتنوّع في ضروب شتى من مجتمعات وثقافات، وتتقاسم مع بعضها البعض البحث عن تأسيس أساليب واستراتيجيات مشتركة قصدا أو من دونه. تلك هي خاصية وقاعدة التنوّع الثقافي التي يدافع عنها “كلود ليفي ستراوس” ضدّا عن الفهم الأحادي البعد الذي تقوم عليه العولمة في شكلها الحاضر الذي يؤدي إلى تقهقر وإفقار الإنسانية من غناها الثقافي المتنوع. غير أنّه في مقابل هذه العولمة القاصرة، يقترح هذا الأنثروبولوجي البنيوي مفهوم “الحضارة العالمية” «La civilisation mondiale»، التي هي عبارة عن تحالف للثقافات المتنوّعة القادرة على حفظ خصوصياتها، على اعتبار أن أيّ قيم حقيقية أو أصيلة إنّما تتضمّن في طياتها اختلافا مع باقي القيّم الأخرى، فهذا ما يجعل البشرية ترفض أن يذوب بعضها في البعض الأخر دون حفظ تنوعها واختلافها.
إن الإنساني في ظل العولمة الحالية لم يصل بعد إلى الكونية الحقيقية الضامنة لترائه وتنوع ثقافته، بل على خلاف ذلك أصبح يتهدّده فقدان أصالته بفعل الآلة الاستهلاكية الضّخمة التي تنصبها له أدوات هذه العولمة: الاقتصادية والتكنولوجية. لذلك فالتوجّه العولمي الحالي لا يأخذنا سوى إلى المزيد من الأحقاد العرقية والثقافية والتعصّب الديني الهوياتي المنغلق بفعل إرادة الهيمنة التي تحفزّه. أمّا أخطر ما يتهدّد الإنسان المعاصر، فهو احتمال تحوّله إلى مجرّد مستهلك قادر على استهلاك أي شيء من أية نقطة في العالم ومن أية ثقافة من دون مراعاة لاختلافه، فيكون الثمن فقدانه لأصالته وتنوع ثقافته.
هكذا، فقد أصبح النشاط الاقتصادي المعولم، وكذا الإفراط في الاتصال باستعمال التكنولوجيات المعاصرة، يهدّد الإنساني في اختلافه المولّد للإبداع والمحرز للتقدم الحقيقي الذي ينبني بحق على الاختلاف والتنوّع. إن عدم اعتبار هذا الاختلاف أو إعطائه ما يستحق من الاهتمام، سيجعلنا ذات يوم نعتقد خطأ في أن ما هو عادي بالنسبة إلينا هو كذلك بالنسبة لكلّ الناس؛ ومن ثم سنصل إلى اعتقاد أخطر عندما نظنّ خطأ أن معاييرنا الثقافية هي معايير كونية، فنزعم أن ما هو عادي بالنسبة إلينا هو أيضا طبيعي ومشروع بالنسبة للآخرين .
بيّن إذن أن النزوع الكوني كما جاءت به الأنثربولوجيا البنيوية، من خلال دراستها للأساطير الدينية وكذا لثقافات الشعوب البدائية المختلفة، ليس مثله كمثل العولمة التي تروّج لها الدوائر الرأسمالية الاقتصادية المعاصرة؛ بل هو على خلاف ذلك، يعارض منطقها القيمي الساعي إلى محو التنوع والاختلاف، وذلك من خلال ما يدعوه “كلود ليفي ستراوس” «الحضارة الكونية» التي تؤمن باختلافات الشعوب الثقافية والقيمية بعيدا عن الطرح العرقي أو المركزية الثقافية والإثنية. فإذا تقرّر الإمكان النظري لهذا الكوني المحافظ على التنوع والاختلاف بين الشعوب، فإنه يسهل تبنيه عالميا بما يحقّق وحدة الإنسانية في مصيرها المشترك كما يدعو إلى ذلك الفيلسوف المعاصر «Edgar Morin».
إنّ انتقال الفكر الإنساني من طور التفكير اللاهوتي في العصور الماضية إلى طور التفكير العلمي العقلاني في الفترة الحديثة، قد مهّد السبيل إلى تحقّق الكثير من المنجزات المعرفية التقدمية والقيمية والسلوكية، والتي غدت يوما بعد يوم تفرض على الإنسانية ضرورة أن تتلمّس وحدة مصيرها في تعدديتها. غير أن تأسيس الفهم بهذه التعددية الثقافية على منطق التصادم والصراع غالبا ما يؤدي إلى الصراع الثقافي والنزاع السياسي المفضيان بدورهما إلى التحارب والاقتتال. لذا قدّم الأستاذ “طه عبد الرحمان” بهذا الخصوص فهما قيّما لهذه التعدّدية القيمية، التي يجب تجنيبها منطق الفهم الصدامي، حيث دعا إلى تأسيسها على مبدأ “التضايف” عوضا عن مبدأ “التصادم” المفضي إلى إرادة القوة والهيمنة المفجعتين.
لقد أثبتت الوقائع التاريخية والسياسية أن جدلية القيّم الإنسانية غالبا ما تحرّكها النزاعات والمصالح الذاتية، كما يلعب التحيّز للفهم الذاتي والأيديولوجي دور الوقود الذي يُسَعّر ويؤجّج الصراعات الإقليمية والدينية والعنصرية العرقية والثقافية في كثير من الحالات: حالة البوسنة والهرسك، كوسوفو، رواندا، الصراع الطائفي المذهبي في العراق وفي لبنان وسوريا. لذا سنطرح السؤال حول هذه المسألة، فنقول: إلى أي حدّ يمكن للفهم الذاتي وكذا التحيّز الأيديولوجي أن يلعبا دورا حاسما في تدمير كونية القيّم الإنسانية؟

3 ـ القيم الكونية أو الإنساني بين آفة الفهم الذاتي والتحيّز الأيديولوجي.
تحدثنا فيما سبق عن جدلية الديني والكوني العقلاني، وقلنا إنّها قد استحالت في الفترة الحديثة إلى انفصال الدين عن العلم والفلسفة؛ فخرج هذا الدين بذلك من ساحة الفكر النظري تاركا المجال لأنموذج جديد في فهم الإنسان. إنّه أنموذج اللغة وعلوم الثقافة والتاريخ التي تسعى إلى فهم دلالات الإنساني في معانيه التاريخية والسلوكية والثقافية المختلفة. وقد شكلت علوم الإنسان «Les sciences humaine»، في شكلها الحديث، نواة هذا الأنموذج النظري الجديد الذي يؤسّس دلالة الإنساني على أسس تأويلية ميتافيزيقية أنثروبولوجية، تنهض بتشكيل صورة للإنسان عن نفسه انطلاقا من الفهم التاريخي والتأويل الذاتي (كما جاء في المدرسة الألمانية) لثقافته وتاريخه، وأيضا من خلال ذلك الفهم الثقافي العالمي (كما الشأن مع المدرسة الفرنسية) الذي انخرط فيه التقليد البنيوي وفلسفة الاختلاف ما بعد الحداثية.
غير أنّه، بموازاة مع ذلك، سرعان ما تربّصت الأيديولوجيا «L’idéologie» (كما مارستها التاريخانية «l’historicité» الحديثة حين اعتقدت التاريخ أنموذجا نظريا قادرا على بناء صورة موضوعية بذاتنا الإنسانية: ثقافيا وقيميا) بهذا الفهم، خصوصا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ حيث وقعت الدراسات الإثنولوجية والأنثروبولوجية تحت تأثير النزعة الامبريالية الاستعمارية، فنجم عن ذلك تكريس صورة نمطية عن الثقافات والشعوب الأخرى المختلفة، كان أخطرها التمثلات العنصرية الفاشية والنازية التي اجتاحت أوربا ما بين الحربين العالميتين.
إنّ صعود نجم الأيديولوجيا في هذه الفترة تحديدا، قد عجّل بتأويل التاريخ والثقافة لصالح أغراض سياسويّة وذاتويّة كان أخطرها الاستعمار الامبريالي للشعوب والدول الضعيفة المختلفة عن النمط الغربي. لقد تم استغلال الآلة البحثية للعلوم الإنسانية في مطلع القرن الماضي لتبرير ممارسة هذه الأيديولوجيا، وكذا تحيّز الفهم الذاتي للإنسان الغربي ولثقافته المتطورة ضدّا على مصالح الشعوب غير الغربية، مباشرة بعد التيّقن من انهيار الأسس الميتافيزيقية والفلسفية لمفهوم الإنسان باعتباره “مواطنا عالميا” ذاك الذي بنت عليه الحداثة الأنوارية مفهومها للكوني.
هكذا غَدَت الأيديولوجيا في القرن الماضي شبحا حقيقيا حلّ محل الديني، فأصبح يتهدّد الكوني الإنساني المشترك في كلّ وقت وحين، خصوصا بعد نزاع المعسكرين الأيديولوجيين المتخاصمين: الرأسمالي الغربي والاشتراكي الشيوعي الشرقي، إلى أن انهار المعسكر الثاني أمام الأول (=المعسكر الشيوعي الشرقي)، فتنفّس العالم الصعداء بعد تهديد مستمرّ بينهما بحرب كونية دام لنصف قرن من الزمن. في ظل هذا السعار الأيديولوجي المشتعل في هذه الفترة التاريخية، لم تكن للقيّم الإنسانية الكونية أية قيمة اعتبارية تذكر؛ غير أنّ بروزها للعلن بدأ لتوه مباشرة بعد تحّكم الهيمنة الأمريكية على المقدرة الاقتصادية والسياسية للعالم بعد أن انفردت بزعامة النظام العالمي بكثير من الفهم والتحيّز الذاتي لقيّمها الليبرالية.
أصبحت مقولة “حقوق الإنسان” في ظلّ هذا النظام الجيوستراتيجي الجديد أكثر الذرائع والحجج استخداما من طرف الهيمنة الأمريكية للتدخّل في شؤون الدول والشعوب الأخرى. بل أخطر من ذلك، غدا الفهم الأمريكي لحقوق الإنسان وللقيّم الكونية (=الفهم القائم على الليبرالية الجديدة المعارض في كثير من الأحيان لثقافات الشعوب غير الغربية) شرّا ووبالا جديدين على كل من خالف طاعة البيت الأبيض ونموذجه في الحياة السياسية والاقتصادية والقيميّة. هكذا، غدا الفهم الذاتي للثقافة وللقيّم الإنسانية مرّة أخرى سببا رئيسيا في النزاع والحروب التي تخوضها الآلة العسكرية الأمريكية (=حرب العراق الأولى والثانية، حرب أفغانستان وباكستان على الإرهاب)، حيث غالبا ما تفرض سياستها في تدخلاتها الرعناء لدى كثير من الشعوب المخالفة نموذجية ثقافتها كما لو أنّها النموذج الثقافي والسياسي الاقتصادي الوحيد الممكن تحقيقه تاريخيا وواقعيا.
لكن، ولمكر التاريخ، سرعان ما كَشَف هذا الواقع التاريخي الجديد مدى خطورة الاستغلال الأيديولوجي للقيّم الكونية باسم أيديولوجيا مُهَيْمِنَة؛ وذلك بأن تزعم ثقافة ما، لها من القوّة ما يكفيها لفرض وجهة نظرها على الجميع أنّها هي التجسيد الحيّ للكوني الإنساني، ومن ثم يمكن لها، باسم الدفاع عن هذا الكوني، أن تصادر حق قيّم وثقافات الشعوب الأخرى في الاختلاف والتميّز. في هذا السياق، لقد رأينا جميعا رئيس أمريكا السابق “جورج بوش الابن”، وهو يخطب في أتباعه اليمينيين وكلّه حماس للقضاء على ما يسميه ب “الإرهاب”، كيف كان يتكلّم بصريح العبارات على أنّه تلقى تفويضا من الربّ بالقيام بمهمّة تاريخية تتمثّل في محاربة أعداء العالم الحرّ الارهابيين.
بالنسبة إلينا تعتبر هذه الحالة، بحقّ، أنموذجا تاريخيا جديرا بالاعتبار والتأمّل عندما نريد أن نفهم خطورة تحيّز الفهم الذاتي للقيّم الكونية! لهذا السبب نعتبر أنّ مثل هذا الفهم هو أخطر الآفات التي يمكن أن تطال مفهومنا البشري للقيّم الإنسانية المشتركة. فالفهم القاصر والمتطرّف للدّين هو من جملة الأشياء السلبية والخطيرة على القيّم الكونية والدّين نفسه، لأنّه من شأن تَطْلِيق دين ما أو ثقافة معيّنة (=جعله مطلقا روحا وممارسة) وجعلهما قاعدة ضرورية وإجبارية لجميع الناس في كل مكان أو زمان، من شأن كلّ ذلك أن يُنَصِّب ديكتاتورية “كوسموبوليتية” شاملة أو تيوقراطية جديدة غاية في التطرّف والتحيّز الذاتي المتشدّد للدّين والقيّم معا. فكم انطبق هذا على الطرفين المتحاربين من على قمم جبال “تورابورا”: طالبان “بن لدن” المتعصبة للدين السلفي وأمريكا “جورج بوش الابن” المتعصب للفهم اليميني الجديد للقيّم الليبرالية!
أمّا في سياقنا الثقافي العربي الإسلامي، فقد ظلّت هذه المسألة (=الفهم الذاتي والأيديولوجي) من الأمور التي سكت الناس عليها لأسباب دينية محضة، حتى أصبح التطرف الديني السلفي والاستغلال السياسي للدين أمرا مقلقا للجميع؛ بعد ذلك رأينا كيف أصبحت الأصوات تصدح من هنا وهناك للتنبيه على مثل خطورة هاتين الآفتين على النسيج الاجتماعي والثقافي للكثير من المجتمعات العربية والإسلامية. فنحن نرى ونسمع كيف يتمّ تجييش الأتباع الدينيين أو الطائفيين في الحروب الدينية والأهلية الطاحنة في بعض بلداننا الإسلامية، حتى من دون أن يعرف هؤلاء الأتباع الأسباب والأبعاد الحقيقية لتلك النزاعات التي ينخرطون فيها بحماس غير واع، سوى ما القيّ فيهم من تعصب طائفي ديني من طرف الفقهاء “الفضائيين” المتعصبين (=نسبة إلى بعض الفضائيات المحرضة على الطائفية والتعصّب الديني).
لكن، لمّا لم يبرح واقعنا الديني الثقافي والسياسي الإسلامي بعد هذه الحال المزرية؛ فمن أين لنا أن ننخرط بايجابية وفعّالية في الحضارة الإنسانية الكونية التي ينشدها عالمنا المعاصر، والتي هي على الأرجح لن تكون مؤسّسة على استمرارية التقاليد البالية القديمة التي لا يزال مزاجنا العربي يركن إليها ولا يريد أن يتخلى عنها رغم تعارض الكثير منها مع روح الدين نفسه قبل العصر الذي نعيشه؟ نطرح هذا الاستفهام الاستنكاري، معتقدين بجزمٍ أنّ إشكالاتنا الثقافية المزمنة ستبقى قائمة ومعلقة إلى حين، في ظل تحنّط مزاجنا الثقافي المرتهن لشتى أنواع الاغتراب الذي جعل من شعوبنا وثقافاتنا التقليدية كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات عصرها. إن ركون عقولنا إلى التقليد الميّت والاقتيات من جثته العفنة، لهو أكبر المصائب التي تحول بيننا وبين التحوّل نحو الحداثة والديمقراطية الكفيلتين بجعلنا ننخرط من جديد في الكونية من دون عقد ولا فقدان لشخصيتنا الثقافية الخاصة بنا.
إنّ التحوّل الديمقراطي المؤجّل في وطننا العربي يكاد يكون السبب الحقيقي في جمود هذا المزاج، ولعل عدم استجابة القوى المحافظة (=أقصد القوى المتحكّمة في مفاصل الحكم والاقتصاد التقليدي الريعي، بالإضافة إلى المؤسسة الدينية اللاهوتية الفقهية الرسمية وغير الرسمية) لربيع الشباب العربي وكذا الردّة التي تحصل هنا وهناك، كلّ ذلك يمثّل نماذج حيّة على وجود مقاومات مزاجية شرسة للتغيير اللازم، قصد الانتقال إلى أفق الكونية وتحرير قوى الإبداع والطاقات الخلاقة للشباب العربي المسلم التوّاق إلى العقلانية والحرية الكونيتين. فركون البعض منّا إلى التحيّز الأيديولوجي والفهم الذاتي في معاداته لبعض قيّم عالمنا المعاصر والكونية منها بالخصوص مثل الديموقراطية..، لهو دليل على روح الانهزامية والخوف من نسائم تلك الحرية التي لا بدّ من أن تنتشر يوما ما في أقطارنا العربية، شئنا ذلك أم أبيناه.
فربما نتفهّم انغلاق الثقافات القديمة على بعضها البعض في ظلّ الأنموذج الكلاسيكي لجدلية الديني والكوني نظرا لضعف التواصل وغياب الأنموذج العقلاني الحديث، لكن ادعاء البعض لمعقولية وصلاحية ذاك الانغلاق في عالم اليوم، وفي ظلّ جدلية القيّم الكونية وحقوق الإنسان التي انخرطت فيها الحضارة الإنسانية العالمية المعاصرة اليوم؛ كل ذلك يعتبر حماقة تخلو من الذكاء والحس التاريخيين الضروريين لفهم راهنية تلك القيّم الإنسانية الكونية المشتركة لأي ثقافة محلية كيفما كانت. من هذا المنطلق أعتبر أنّ بعض القيّم الإنسانية المشتركة مثل: الحرية والعدل والديمقراطية والمساواة بين الجنسين..، من أهمّ المقوّمات الضرورية للحضارة الكونية الحالية وللأديان نفسها، خصوصا التوحيدية منها التي تزعم أن رسالتها عالمية مثل الإسلام، على اعتبار أن أيّة ممارسة دينية حرّة اليوم إنّما تقتضي وتتوقّف ضرورة على وجود مثل هذه القيّم: الحرية، المساواة، الحق، العدل…
خاتمة
في الأخير وختما لما سبق ذكره، نوَدّ القول بأن علاقة الديني بالكوني ظلّت على مرّ تاريخ الفكر النظري متوتّرة، وذلك لسببين اثنين في نظرنا الشخصي على الأقل:
الأول: لأن منطق النظر العقلي المجرّد كان دوما مُسْتَقّلاّ عن منطق الإيمان الديني الوجداني رغم محاولات الجمع بينهما في العصور الوسطى، وهذا ما أدى إلى فصل الدين عن معقولية الفكر النظري في العصر الحديث، بعد مسلسل تاريخي طويل من البحث عن التوفيق بينهما آل في النهاية إلى الفشل، ومن ثمّ كان التّفريق بين منطقيهما المتعارضين ضروريا لقيام العلم الحديث (=نموذج ديكارت، اسبينوزا، كانط..). ويمكن التعبير عن هذا السبب بالقول التالي: إنّ استقلال منطق النظر عن منطق الإيمان والعمل معا، قد أسّست له الحداثة الفلسفية الغربية منذ القرن السابع عشر ميلادية بداية مع “ديكارت”.
الثاني: لأن الاشتغال بالإيمان ليس واحدا على مستوى المعتقد والممارسة معا، ظلّ منطق التعاطي السيكولوجي والاجتماعي والتاريخي مع الدين يحكمه النسبي الثقافي والتحوّل التاريخي والتحكّم السياسي؛ بينما استطاع الاشتغال بالنظر العقلي المحض أن يستنبط قوانين كونية للفهم والمعرفة في شكل “برديغمات” قابلة للتعديل والتصحيح وحتى للإلغاء والتشطيب إذا ما ظهر خطؤها المطلق (=البارديغم الأرسطي في العلم) وعدم تماشيها مع المستجدات العلمية الجديدة، وهذا ما لا يسمح به منطق الدين إلى اليوم.
بموجب هذين السببين، ظلّت العلاقة بين الديني والكوني جِدَالِيَّة إلى أن طُرد الدين من نطاق الفكر العلمي الفلسفي في العصر الحديث (=بروز العلمنة الشاملة للمعرفة)؛ لكن ومع تقدمنا نحو اللحظة الراهنة، مع انحصار الكثير من مقولات الحداثة الكلاسيكية (=النزعة الإنسية والعقلانية الأنوارية)، عاد المعطى الديني ليطفو من جديد على ساحة النظر العقلي خصوصا مع تشكّل البرديغم التاريخي اللغوي في فهم الإنساني. هكذا أصبح الديني يفرض نفسه من جديد في ظل انحصار المدّ الأيديولوجي وسيادة مقولة القيّم الكونية وحقوق الإنسان، وأيضا كنوع من ردّ الفعل من طرف الثقافات التقليدية على صدمة العولمة وغزو القيّم الاستهلاكية للنمط الغربي الأمريكي في الثقافة.
دفعت هذه المستجدّات النظرية والتاريخية وغيرها إلى أن يعود الدين إلى النقاش النظري مرّة أخرى بعد قطيعة نظرية معه لمدّة ثلاثة قرون، لكن بلباس سياسي حقوقي تصدرته شعارات محاربة الإرهاب هذه المرّة. غير أنّ ما سيُسَجّل لعودة الديني إلى الساحة الفكرية هذه المرّة، هو مدى تحامل النزعة “النيوليبرالية” الغرب ـ أمريكية في صيغة اليمين الجديد مع “بوش الابن” على الإسلام بالخصوص، وكأنّ التطرّف الديني هويته الوحيدة هي الإسلام!؟
إذن، ليست العودة إلى الديني في شكلها الرّاهن سوى ثمرة سيادة تصورات صدامية للقيّم الإنسانية، من مثل: أطروحة “أفول الغرب” لفيلسوف التاريخ والحضارة (أسولد شبنغلير)، وتصوّر “صدام الحضارات” للمفكّر الأمريكي (صامويل هينتينغتون)، وأيضا مقولة “نهاية التاريخ” (لفرانسيس فوكوياما). لقد لعبت هذه التصورات الفلسفية المعاصرة، ذات الخلفيات الصدامية للثقافات والقيّم الإنسانية، دورا كبيرا في بلورة وعي شقيٍّ في فهم “ماهية” الحضارة الإنسانية الكونية الجديدة؛ وهذا ما نتج عنه تنصيب قيّم الرأسمالية الليبرالية ثقافة كونية نهائية للإنسان، ترى في كل ما من شأنه أن يخالفها منظورها القيمي عدوًّا كونيا يريد أن يقوّضها من أساسها مثل الإسلام. ولَعُمْرِي كم هذا فاحش الخطأ حيث تمّ تطليق قيّم ثقافة واحدة (=الرأسمالية الليبرالية) وتنصيبها عالمية كما لو أنها مشتركة للعالمين!
من هذا المنطلق نعتبر أنّه من الضروري تنسيب القيّم الإنسانية وذلك لارتباطها في الأساس بثقافات مختلفة، حتى تجد فيها جميع هذه الثقافات نفسها من دون إقصاء أو هيمنة. إنّ هذا الدرس لهو أحسن ما يمكن استخلاصه من تطرّف النموذج الثقافي الأمريكي المُعَوْلم في عصرنا الراهن، حيث ستكون نسبية الإنساني في ظلّ تعدديّة قيّمه وثقافته شأنا يحول دون تَغَوُّل ثقافة واحدة على باقي الثقافات الأخرى.

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة في البحث

 المصادر والمراجع باللغة العربية:
– القرآن الكريم.
– إمانويل كانط: مشروع السلام الدائم، ترجمة وتعريب: عثمان أمين، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو مصرية، سنة 1952، القاهرة ـ مصر.
– إمانويل كانط: الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني، الطبعة الأولى، فبراير 2012، جداول للنشر والتوزيع، بيروت لبنان.
– ابن رشد: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال، تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثانية سنة 1983. القاهرة ـ مصر.
– ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، إعداد محمد عابد الجابري، نشرة مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة التراث الفلسفي العربي: مؤلفات ابن رشد رقم 6. الطبعة الأولى، مارس 1998. بيروت ـ لبنان.
– إميل برييه: تاريخ الفلسفة: القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة، الطبعة الثانية، سنة 1993، بيروت ـ لبنان.
– ألكسندر كويري: ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمة يوسف كرم، طبعة الأولى، سنة 2009، مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة ـ مصر.
– إتيان جلسون: الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ص37، ط 3 نشرة التنوير، سنة 2009، بيروت ـ لبنان.
– إدوارد سعيد: الثقافة والمقاومة، حوار مع ديفيد بارساميان. ترجمة: علاء الدين أبو زينة، دار الآداب.
– بيير هنري سيمون: الفكر والتاريخ، ترجمة: عادل العوا نور الدين حاطوم، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، بدون رقم الطبعة وتاريخ النشر.
– جيرار كليرك: العولمة والثقافة، جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى سبتمبر 2004، بيروت ـ لبنان.
– حليم بركات: الاغتراب في الثقافة العربية، الطبعة الأولى، سنة 2006 ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ـ لبنان.
– روجيه جاروديه: أصول الأصوليات والتعصبات السلفية، مكتبة الشروق، يناير 1996، القاهرة ـ مصر.
– طه عبد الرحمان: الحقّ العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، سنة 2006، الدار البيضاء ـ بيروت.
– طه عبد الرحمان: أصول الحوار في تجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، سنة 2000، الدار البيضاء ـ بيروت.
– طه عبد الرحمان: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، الدار البيضاء ـ بيروت.
– طه عبد الرحمان: تعدد القيّم: ما مداها؟ وما حدودها؟ سلسلة الدروس الافتتاحية: الدرس الثالث، سنة 2001 ، كلية الآداب: جامعة القاضي عياض بمراكش.
– علي حرب: أزمة الحداثة الفائقة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، سنة 2005، الدار البيضاء ـ المغرب.
– عبد الله الغدامي: الفقيه الفضائي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، سنة 2011، الدار البيضاء ـ المغرب.
– عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة السياسية عند الفارابي، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، سنة1997، بيروت ـ لبنان.
– فيورباخ: أصل الدين، ترجمة: أحمد عبد الحليم عطية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، سنة 1991، بيروت ـ لبنان.
– كافين رايلي: الغرب والعالم: القسم الثاني، ترجمة عبد الوهاب المسيري وهدى عبد السميع حجازي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 97، يناير 1986، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت.
– كارل بوبر: بؤس الأيديولوجيا: نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي، ترجمة عبد الحميد صبره. الطبعة الأولى، دار الساقي، سنة 1992. بيروت.
– لوك فيري: المؤله أو معنى الإنسان، ترجمة محمد هشام، عن دار إفريقيا الشرق، سنة 2002، الدار البيضاء المغرب.
– محمد أركون: قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للنشر، بيروت ـ لبنان.
– مشيل فوكو: الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء العربي، 1989، بيروت لبنان.
– ميرتشيا الياده: المعنى والتاريخ في الدين، ترجمة سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، سنة 2007، بيروت ـ لبنان.
– محسن مهدي حول: الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية، ترجمة وداد الحاج، دارالفارابي، الطبعة الأولى ، سنة 2009، بيروت ـ لبنان.
– نيتشه: أصل الأخلاق وفصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بدون تاريخ النشرة والطبعة. بيروت ـ بيروت.
– هانز ريشنباخ: من كوبرنيقوس إلى أينشتاين، ترجمة حسين علي، الدار المصرية السعودية، سنة 2006، القاهرة ـ مصر.
– ولتر ستيس: الدين والعقل في العصر الحديث، ترجمة عبد الفتاح إمام، الطبعة الثالثة، دار التنوير سنة 2009، بيروت ـ لبنان.
– يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط” دار القلم، بدون تاريخ النشر، بيروت ـ لبنان.

 المصادر والمراجع باللغة الفرنسية:
– André Robinet: La république avant neuf mois; in: L’année 1793, Kant: sur la politique et la religion: sous la direction de J, Ferrari. Ed vrin 1995.
– Alexandre Koyré: Etudes d’histoire de la pensée philosophique; éd Gallimard, 1971.
– Descartes René: Méditations métaphysiques; Première méditation; Presses universitaires de France, Paris 1970.
– Elisabeth Clément et autres : La philosophie de A à Z, P 456 . Hatier, Paris 2000.
– Edgar Morin et Stéphane Hessel : Le chemin de l’espérance ; Ed de Fayar, 2001.
– Hans Blumenberg : La légitimité des temps modernes ; tr de l’ allemand par: Marc Sagnol, J. Louis Schlegel et Denis Trierweiler ; éd Gallimard, 1999.
– Mohamed Arkoun : Humanisme et Islam, Combats et propositions. Paris, éd Vrin, 2005.
– Strauss. C. L. : Race et histoire ; Denoël, Unesco, réédition 1987.

 المقالات الفلسفية:

– أبو يعرب المرزوقي: مقال تحت عنوان: “مبادئ العقل وقيّمه” منشور في المجلة المغربية “فكر ونقد”. العدد 36، فبراير 2001.
– عبد المجيد بعكريم : مقال تحت عنوان: “العنف في تاريخ الفكر النظري”، منشور في مجلة دفاتر المدرسة العليا للأساتذة بمكناس “وليلي”. العدد 14، أبريل 2009.
– فتحي المسكيني: “الإنساني بين الوحدة والكثرة”، درس لفائدة أساتذة الفلسفة، جامعة تونس المنار، سنة 2007.
– مباهات تركيز: “العلاقة بين الدين والفلسفة”، ترجمة: علال الفاسي. منشور في مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، العدد 7 سنة 1958.

 المواقع الإلكترونية:

– http://fr.wikipedia.org/wiki/Averroisme.
– http://fr.wikipedia.org/wiki/condorcet.
– www.aljabriabed.net/culture10.htm.
– www.islamport.com.

فهرس الموضوعات

– مدخل الموضوع:…………………………………………………………………………………………. 01

– القسم الأوّل: السياق الفكري والتاريخي لتبلور إشكالية جدلية الديني والكوني …………………….06
– الفصل الأوّل: بداية تكوّن جدلية الديني والكوني في العصر المسيحي الأول…………………………09
– الفصل الثاني: الرّد الإسلامي على جدلية الديني والكوني…………………………………………..14
– الفصل الثالث: من اللحظة الأكوينية الهادئة إلى الفترة الحديثة العاصفة……………………………..18

– القسم الثاني: من جَدَلِية الديني والكوني إلى جدَلِيَةِ القيّم الإنسانية…………………………………26
– الفصل الأوّل: جدلية القيّم الإنسانية الكونية أو النزاع بين الخصوصي والمشترك……………………30
– الفصل الثاني: جدلية القيم الكونية أو النزوع الكوني في ظل التنوع والاختلاف……………………..34
– الفصل الثالث: القيم الكونية أو الإنساني بين آفة الفهم الذاتي والتحيّز الأيديولوجي…………………..38

– خاتمة الموضوع:…………………………………………………………………………………42

اضف رد