د.محمد حبش- قراءة في سفراء النبي صلى الله عليه وسلم وقت السلم

مع أن عصر النبوة كان فترة صراع وعناء، غلبت عليه طبيعة المواجهة مع الجاهلية، فرضت على الجماعة المسلمة أكثر من 59 مواجهة مع فصائل الجاهلية، وقع في عدد منها اشتباك حربي، ولكن النبي الكريم استطاع أن يقدم تجربة فريدة في الشأن الدبلوماسي يمكن أن ندرك منها جوانب بالغة الأهمية.
وبالطبع فإن متابعة حياة الرسول الكريم في الشأن الدبلوماسي والتأمل في طبيعة السفارات التي أوفدها الرسول الكريم، ستكشف عن أسرار النجاحات التي تحققت لهذه السفارات الفريدة .
إن مهمته في المقام الأول هي الرسالة والنبوة، وهي سفارة إلهية على الارض يقوم فيها الرسول الكريم بنقل رسائل السماء إلى الأرض، ويقدم عبر السنة النبوية الشريفة تفسيرات ضافية ووافية لهذا الخطاب الالهي الكبير.
والسفارة الإلهية على الارض كانت نبوة خاتمة، ومعنى ذلك أنها جاءت لتؤسس نهاية لعصر الخوارق وبداية لعصر السنن، ونهاية لعصر الغيب وبدءاً لعصر الشهود، ونهاية عصر المعجزات وبداية عصر الإنسان، وكانت مهمته في المقام الأول – وفق مالك بن نبي- الخروج بالإنسانية من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن.
وفي حقل الدبلوماسية النبوية يجب الاشارة الى الجهود التي بذلها عدد من العلماء في التاريخ الإسلامي في قراءة الملامح الدبلوماسية في عطاء الرسول الكريم، وعلى سبيل المثال ما كتبه الماوردي في الأحكام السلطانية، والكتاني في التراتيب الادارية للدولة النبوية، وغياث الأمم للجويني، والولايات الدينية لأبي يعلى الفراء، والنهج المسلوك في سياسة الملوك للشيزري، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية.
وسنقتصر في هذا المقال على دراسة عدد من السفارات النبوية الحكيمة التي حققت نجاحاً ظاهراً في أداء رسالتها الدبلوماسية، ونكتفي هنا بالسفارات التي قامت حال السلم ونترك سفارات الحرب إلى فرصة أخرى:
جعفر بن أبي طالب:
كان أول سفراء النبي الكريم، تخيره رئيساً لكوكبة المهاجرين الأولى التي توجهت إلى الحبشة، ويجب أن نلاحظ هنا أن اختيار جعفر كان إرادة حكيمة من النبي الكريم، وكان من هدف هذا الاختيار بناء أوثق صلة مع الملك العادل النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد، وأنه أعلن وقوفه إلىجانبالمستضعفين ونادى بالمساواة والعدالة فيجب منطقياً أن يكون أقرب صديق للدولة الاسلامية الناشئة، حيث بنى الإسلام رسالته على الأخوة الإنسانية، والتعاون على البر والتقوى، واجتماع الشرفاء في الأرض على اختلاف أديانهم ومللهم وقومياتهم على نصرة المستضعفين وحماية المظلومين، وبناء العدالة في الأرض.
ونلاحظ أن جعفر بن أبي طالب لم يكن من الضعفاء في مكة، فأبوه ابو طالب وهو الحامي الرئيسي للنبوة، وكانت حمايته لابن أخيه محمد علنية وصريحة، وبالبداهة فهو على حماية ابنه أقدر منه على حماية ابن اخيه، خاصة أن ابن أخيه كان صاحب الرسالة فيما كان ابنه جعفر أحد الأتباع، واعتقد أن هذا الاختيار كان حكيماً تماماً، وبذلك تحول المفاوض في الحبشة من مستضعف يتسول الرحمة إلى مفاوض دبلوماسي يلتمس التحالف والتناصر وبناء علاقات متكافئة بين الحبشة والدولة الإسلامية الناشئة.
بالتأكيد لو كان رئيس القوم من الموالي المعذبين على يد قريش لكان مستوى العلاقة يقتصر عند حدود العطف وتقديم الطعام والشراب للنازحين، وربما بعض المجاملات العابرة، ولكن دور جعفر الهاشمي القرشي المطلبي ابن شيخ قريش وزعيمها الروحي أبي طالب كان في بناء علاقة ندية قائمة على الثقة والاحترام والتأسيس على المشترك بين الديانتين السماويتين.
وعلى الرغم من وجود عثمان بن عفان وزوجته رقية بين المهاجرين ولكن الرسول اختار جعفراً ليتحدث باسم القوم وذلك لما عرف عنه من فصاحة وحجة وبيان وهو ما لم يشتهر به عثمان رضي الله عنهما، إضافة إلى رغبة النبي الكريم في أن يرسم صورة الدولة الناشئة على أنها دولة مؤسسات وكفاءات وليست مجرد عائلة متمردة على تقاليد القبيلة.
وهناك في رأيي سبب آخر وهو دور أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب فقد كانت هذه السيدة الحكيمة أكثر نساء قريش ذكاء وحضوراً ووعياً، ويكفي للإشارة إلى مكانتها ومنزلتها أنها عاشت في كنف جعفر وبعد موته خطبها ابو بكر وتزوجها ثم علي بن طالب وتزوجها ثم خطبها معاوية ولم تقبل به زوجاً، وكانت أمها عند بنت عوف تعرف في العرب بأنها أكرم الأمهات أصهاراً وأظآراً، فقد زوجت بناتها للرسول الكريم ولحمزة وجعفر والعباس والوليد بن المغيرة، فكانت أخت أسماء سلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب وأخواتها لأمها زينب بنت خزيمة زوجة للرسول الكريم، وبعد وفاتها تزوج رسول الله أختها لأمها ميمونة بنت الحارث، وكانت أختها أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وباختصار كانت أسماء مطلب الملوك، وكانت أخواتها أهم النساء في بلاط قريش وكذلك في عصر الرسالة، وكانت تحمل كل صفات السيدة الأولى، واستطاعت ببراعة أن تبني شبكة علاقات نسائية داخل بلاط النجاشي أسهمت في بناء ثقة متينة بين الدولة الإسلامية الناشئة وبين النجاشي.
ولا يحتاج القارئ الكريم ان نذكره هنا ببراعة هذا السفير في إقناع النجاشي بعدالة القضية الإسلامية ومواجهة داهية العرب وصديق النجاشي عمرو بن العاص الذي أرسلته قريش لاسترداد المهاجرين من الحبشة، وكيف تمكن السفير جعفر بن أبي طالب من شرح عدالة قضية المهاجرين، ووضع النجاشي أمام مسؤولياته في نصرة العدالة وحماية المستضعفين.
خطاب جعفر الذي وعاه التاريخ أمام النجاشي لم يكن يتحدث فيه عن أركان الاسلام من صلاة وصيام وزكاة وجح، ولم يشر فيه إلى تمايز عقيدة التوحيد عن عقيدة التثليث، ووجوب الدعوة الى الوحدانية، وتفاصيل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وإنما كان بياناً واضحاً في مظلومية شعب تائق إلى الحرية في مواجهة إرادة بطش ظالمة ديكتاتورية عنصرية متغطرسة، وهذا بالضبط ما اقنع النجاشي بعدالة هذه القضية ونبل الموقف الذي اتخذه في حماية هؤلاء المهاجرين ورفض دعوى داهية العرب بأنهم مارقون على السلطان راغبون بالفوضى، ضالون في العقيدة.
ومن نص خطاب جعفر الذي روته أم سلمة:
“أيها الملك….. كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، …. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة…..
فصدقناه ، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به …. فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك
كان لهذا الموقف الواعي أكبر الأثر في نفس النجاشي وسر وجهه واستنار لما سمع من جعفر، وأمر بإكرامه وأصحابه وحسن رعايتهم.
وفي اليوم التالي عمد عمرو بن العاص إلى اللعب بالورقة الدينية، وقال أمام الملك: إن هؤلاء تركوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ولا في دين أحد من الملوك، ووقع هذا الكلام موقعاً صادماً لدى النجاشي واستدعاهم من جديد ليفهم موقفهم من المسيح وأمه.
وهنا تبدو براعة جعفر بن ابي طالب ووعيه الدبلوماسي، ويمكن افتراض ان لو كان مفاوض آخر أقل حكمة فمن الوارد هنا ان يتزلف إلى النجاشي على حساب العقيدة وفق قاعدة إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وكان بالإمكان هنا أن يرضي هذا الزعيم المسيحي ببضع كلمات في العقيدة حتى يضمن سلامة المهاجرين وعدم تسليمهم لقريش، ولكن جعفر أظهر شجاعة وثقة وحكمة، واكتفى بتلاوة نصوص القرآن الكريم في بيان منزلة السيد المسيح وعبوديته لله تعالى، واستطاع أن يقدم صورة واضحة لرسالة الاسلام في احترامه للسيد المسيح دون أن يذهب إلى التزلف للنجاشي وما يعتقده في أمر المسيح.
وكانت المفاجأة أن النجاشي بدا مختلفاً حتى عن حاشيته وبطارقته الذين كانوا يدينون بالأقنوم الإلهي للمسيح، وقال النجاشي بوضوح: إن هذا والذي جاء به عيسى بن مريم ليخرج من مشكاة واحدة!! فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، وإن نخرتم والله، ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي – والسيوم : الآمنون – من سبكم غرم من سبكم غرم ، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأني آذيت رجلا منكم!!
ولكن نجاح السفير جعفر كانت له جوانب أخرى بالغة الأهمية لا بد من تسليط الضوء عليها، فقد كانت الهجرة إلى الحبشة قبل الهجرة بسبع سنوات، ومن المعروف ان الدولة الإسلامية قامت بالفعل في المدينة عند الهجرة، بقيادة الرسول الكريم، وبالطبع فقد عاد معظم المهاجرين إلى الحبشة والتحقوا بالدولة الاسلامية في المدينة، ولكن جعفر ظل في الحبشة وكلف بمهام دبلوماسية أخرى، ولم يعد دوره إذن في توفير ملجأ للهاربين من ظلم قريش، بل كان المطلوب منه مواصلة الدور الدبلوماسي الناجح الذي قام به هو وزوجته أسماء في بلاط النجاشي، وبالفعل فقد روى لنا جعفر بن ابي طالب كثيراً من المواقف التي كان يمارس فيها دور سفارة الإسلام في الحبشة، ولو كان المقال يتسع لبيان ذلك لأطلنا فيه القول ولكن يكفي ان نقول أن النجاشي حين رزق بولد يكون ولياً لعهده في الحبشة اختار اسم جعفر! وهو اسم غير شائع في الحبشة، وهي دلالة قوة الرباط العائلي الذي كان يجمع بين أسرتي جعفر وأسرة النجاشي.
أقام جعفر في الحبشة سبع سنوات أخرى بعد عودة المهاجرين الى المدينة المنورة، وتمكن من تنظيم عدة وفود من قادة الحبشة وبطارقتها قامت بزيارات متعاقبة لمكة المكرمة ونصرة المسلمين إبان الحصار في شعب أبي طالب، وكذلك غلى المدينة المنورة ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وعاد جعفر إلى المدينة إبان فتح خيبر في السنة السابعة، ويومها قال الرسول الكريم: والله ما أدري بايهما أسر، بفتح خيبر أم بعودة جعفر.
حاطب بن ابي بلتعة
اختار النبي الكريم سفيره إلى مصر حاطب بن أبي بلتعة، وهو رجل لم يكن في السابقين الأولين ولا في العشرة المبشرين، ولم يكن كثير صلاة ولا صوم، ولكنه كان الرجل المناسب تماماً للحوار في مصر، فمصر بلد حضاري له تاريخ طويل، وهناك شراكة بين الكنيسة والعرش، وقد أسس القبط كنيسة وطنية، وفي هذه الحالة لا بد للسفير من معرفة وافية بعقيدة القوم وتفكيرهم الديني، وقد كان حاطب هو الرجل المناسب لسفارة كهذه.
في خطابه مع المقوقس أظهر حاطب معرفة فريدة بالعقيدة المسيحية، واعتمد النص القرآني مدخلاً للخطاب الدبلوماسي مع حاكم لا يستطيع أن ينزع عنه عباءة الكنيسة وسطوتها، وفي حواره معه قال له المقوقس، هل كان صاحبكم نبياً مؤيداً من عند الله، أجاب حاطب بالطبع بالإيجاب، قال المقوقس: فما منعه إذ كذبه قومه الا يكون قد دعا الله عليهم فأهلكهم؟؟
قال حاطب: أيها الملك.. فما منع عيسى ابن مريم إذ كذبه قومه ألا يكون قد دعا الله عليهم فيهلكهم وينجو من ظلامتهم؟
قال له المقوقس: أنت حكيم .. جئت من عند حكيم.
ومع أن اللقاء لم يسفرعن تحول في دين المقوقس، ولكن حاطب استطاع أن ينصب جسور مودة ووئام بين مصر وبين الدولة الإسلامية الناشئة وعاد من مصر محملاً بالهدايا من المقوقس وفيها طبيب وجارية وغلام، وصارت الجارية فيما بعد زوجة كريمة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وكما كان بارعاً في نصب حبال المودة من الجانب المصري فقد طار إلى مصرمرة أخرى بكلمة الرسول الكريم: استوصوا بالقبط خيراً فإن لهم فيكم ذمة وصهراً.
وهكذا تعتبر سفارة حاطب من أنجح السفارات في الإسلام وقد أثمرت بناء علاقات حسن جوار، وتجنيب مصر من ممارسة دور مقاوم للفتح الإسلامي في سوريا وفلسطين ، كما كان لهذه الروح الودية التي أشاعتها سفارة حاطب أن يسرت السبيل فيما بعد أمام عمرو بن العاص لدخول مصر عبر فتح سريع جنب الفاتحين والشعب المصري أهوال حرب طاحنة.

دحية بن خليفة الكلبي:
كان دحية بن خليفة الكلبي أميراً عربياً من بني كلب وقد اشتهر بجماله وحسن طلعته، حتى قيل إنه كان إذا مر بالمدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه لفرط جماله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يأتيه على صورة دحية، في إشارة لجماله وحسن طلعته حتى سمي نظير الملائكة، وبالفعل فقد اختاره الرسول الكريم سفيرا له إلى الشام.
وكان دحية واسع الثراء، وكان أعظم الخزرج تجارة مع الشام، وهو صاحب القافلة العظيمة التي وصلت المدينة عند صلاة الجمعة تضرب الطبول وتعزف البوق حتى انصرف الناس إليها عن صلاة الجمعة وفيها نزلت الآية: وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً.
وبدون شك فقد كان هذا الاختيار حكمة بصيرة من الرسول الكريم، فقد كان دحية واسع الصلات والروابط بتجار الشام وبلاط قيصر فيها، وكانت قوافله المستمرة رسالة واضحة لقادة الشام أنهم بالفتح الإسلامي يكسبون سوقاً كبيرة في جزيرة العرب، وكانت سفارة رجل الأعمال الناجح دحية أوضح دليل على ذلك.
ومن جانب آخر، فإن الشام بلد حضارات وتاريخ، وكان الرومان بشعورهم الشقراء وعيونهم الزرقاء يوحون إلى أهل الشام الأصلين وخاصة أهل الساحل في سوريا ولبنان وفلسطين بأنهم أقرب إليهم من عرب الصحراء الذين تغلب عليم الدكنة والسمرة، وأن سوريا أشبه بأوروبا منها بجزيرة العرب!! وهكذا كانت سفارة دحية رسالة واضحة للسوريين بأن رباطهم بالجزيرة العربية هو رباط بالجذور، وأن رجال الإسلام من عرب المدينة هم من يملأ أسواق الشام بخير الصحراء، وهم من يصنعون رحلة الشتاء والصيف التي يعيش عليها الاقتصاد السوري، وأن الإسلام هو دين الكافة وهو الرحمة للعالمين.

عمرو بن أمية الضمري:
وهنا نصل إلى سفير فريد وغامض في تاريخ الرسالة، فقد كانت الحبشة أكثرالبلاد قربا من مكة، وكان ملكها أكثر الملوك قرباً للنبي الكريم، وأكثرهم وداداً للإسلام، وفي هذه الحالة فالمفروض أن يكون سفير الاسلام إلى الحبشة واحدا من العشرة الكبار، كأبي بكر أو عمر، فللرجل سابقة ومودة تستحق غاية الاحترام والتقدير، وجرت العادة أن يكون التمثيل الدبلوماسي متسقاً مع الموقف الوطني للبلاد التي نتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، ولكن رسول الله اختار لهذه السفارة رجلا مغموراً لا يعرف بسابقة في إسلامه ولا في علمه ولا في فروسيته، وهو عمرو بن أمية الضمري، وقد شهد بدراً وأحداً يقاتل مع المشركين!! وفي وصفه قال ……. بأنه كان قصير القامة شديد الدكنة منفوخ الشفيتين!! فما الذي خول هذا الفتى الضمري ليكون أهم سفراء الإسلام في عصر الرسالة؟؟
في الواقع أثارني هذا الاختيار طويلاً وبحثت عن حكمة ذلك واعتقد أنني وقفت على جانب مدجهش من حكمة الرسول في الاختيار وارجو أن يوافقني القارئ الكريم في فهم هذه الحقيقة.
ومن يتأمل كلام عمرو بن أمية الضمري سيشهد بلا ريب ما هو مدهش ومثير من خطابه للملك النجاشي، فبينما كانت السفراء تخاطب الملوك بما نعارف عليه الناس من الألقاب فإن سفير الغسلام إلى الحبشة تجاوز ذلك كله، وخاطبه بلغة لاأصدقاء والأقارب قائلاً:
يا أصحمة……. إن علي القول وعليك الاستماع!!….
إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز وإصابة الفصل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم ، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس فرجاك لما لم يرجهم، وأمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف وأجر منتظر .
ولدى أدنى تأمل في صيغة هذا الللون من الخطاب ستشعر بالذهول! فكيف تسنى لهذا الفتى أن يخاطبه باسمه أصحمة بن أبحر؟ وأن لا يناديه بألقاب الملك المعهودة؟ ثم أي جرأة هذه التي يقول له فيها إن علي القول وعليك الاستماع!!!
لقد حيرني أمر هذا الخطاب، خاصة أن الروايات تشير إلى أن النجاشي استجاب لدعوة الرسول الكريم وأكرم وفادة رسوله وشهد شهادة الحق!! فكيف أمكن لخطاب قاسٍ كهذا أن يأتي بنتائح إيجابية طيبة؟
شخصياً أعتقد أن تفسير ذلك يمكن أن يكون في ثنايا هذه الرواية الكريمة التي أخرجها الطوسي في أماليه: وفيها أن النجاشي أرسل يوماً إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه و هو في بيت له جالس على التراب، وعليه خلقان الثياب! فقال جعفر: أعز الله الملك! فما أجلسك على الرماد وعليك هذه الخلقان بغير هيئة الملك التي نعرفها؟
فقال: إنه جاءني- الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك، وأخبرني أن الله قد نصر نبيه محمدا على قريش بواد يقال له بدر.. وإنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن الله يحب إذا أحدث نعمة لعبده أن يحدث عندها تواضعاً!
قال جعفر: وهل تعرف بدراً أيها الملك؟
قال: نعم.. كأني أنظر إليه!.. إنه لما سلبتني الحبشة الملك وأنا صغير ركبت البحر حتى أتيت ماء بدر فاقمت ثمة، وكنت أرعى الغنم لسيدي هناك و هو رجل من بني ضمرة!..
إن عمرو بن أمية الضمري إذن هو ابن تلك القبيلة العربية التي احتضنت النجاشي مظلوما مقهوراً، وعاش في خيامها سنين عدداً، يلعب مع أطفال بني ضمرة ويشاركونه حزنه وأساه ويشاركهم حياتهم وأيامهم.
وهكذا فقد كان فتى ضمرة ابن هذه القبيلة الهامة، ومن يدري فلعله كان شخصياً رفيق طفولته، واستطاع أن يكون بالغ التأثير على النجاشي بخطابه المباشر هذا الخالي من الالقاب.
ومن الدلالة على طبيعة هذا الاختيار ما أورده كتاب السير من أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن يطلب من النجاشي تزويجه برملة بن أبي سفيان! وكانت رملة قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش ولكن الأخير تركها وتنصر، فبقيت على عهد الإسلام صابرة محتسبة، حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا لا بد من التساؤل: ما معنى أن يخطبها النجاشي للرسول؟ وليس بينهما أي صلة قرابة أو نسب؟ والرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
والجواب أن رسول الله اراد أن يكرمها أولاً بزفاف تقوم به الملوك، في رسالة وفاء لصبرها، ورسالة نصح لأبيها أبي سفيان ليدرك انه بالإسلام سيكون أكثر عزاً ونصراً، وبالفعل فقد استجاب النجاشي وخطبها بنفسه للنبي الكريم وأصدقها هدايا الملوك وزفها على سفينيتين ملكيتين هي وسائر من بقي من المهاجرين، وتسامع العرب بمجد هذه العروس وما زفت به على مراكب الملوك، وبلغ ذلك أبا سفيان، فقال يصف النبي في زهو وفخر: هو الفحل لا يجدع أنفه!! على الرغم من أنه كان آنذاك كافراً يقود قريشاً لحرب الإسلام، ولعل هذا الزواج كان أول إشارة لنهاية الحرب بين مكة والمدينة، وهو ما حصل بالفعل.
وبعد أن تم ذلك الزواج الحكيم، نشير هنا إلى دور آخر لعمرو بن أمية الضمري في نزع فتيل العداء بين زعيم مكة أبي سفيان وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أورد بن حجر في ترجمة علقمة أن رسول الله أرسل عمرو بن أمية مع علقمة بن الفغواء في صرر مال أمره يعطيها لأبي سفيان يفرقها في فقراء قريش، وقال أبو سفيان يومها: ما رأيت أبر من محمد نحاربه ونقاتله وهو يرسل لنا مالاً نفرقه في ضعفائنا!!
وهنا يتأكد معنى ما أشرنا إليه من حكمة الرسول الكريم في اختيار عمرو بن أمية الضمري لهذه السفارة، ولا شك أن هذا الدور العائلي من الزفاف والفرح والإكرام لا يمكن أن يرتبه دبلوماسي عادي، ولا بد أنه كان ثمة علاقات من الود والصداقة في مضارب بني ضمرة توفر الجو لهذا الوداد.
لقد كانت هذه القراءة جولة في سفارات النبي صلى الله عليه وسلم في السلم، وهناك كثير من الدروس في سفرائه في الحرب، ولكننا نتركها لدراسة قادمة إن شاء الله.
إنها محض مطالعات في حكمة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في حسن تخير سفرائه، ومراقبة أدائهم، وهو رسول الكتاب والحكمة التي هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الشكل الذي ينبغي.
ومع أنه لا يمكن القول بأن هذه السفارات تكفي لضبط الأداء الدبلوماسي الذي يقوم على تراكم من خبرات الأمم وتجاربها، ويتأسس على منطق التبادل الدبلوماسي، وأصبحت له اليوم مؤسسات دولية تقوم بترشيده وتنظيم علاقاته، ولكنها على كل حال توجيهات ملهِمة اقتبس منها فقهاء الإسلام كثيراً من أصول الوعي الدبلوماسي، وتوجيهه لخدمة الأمة، وبناء علاقات دولية رشيدة.

اضف رد