د.محمد حبش- المرأة بين الشريعة والحياة 10/3/2006

في ذكرى اليوم العالمي للمرأة 8/آذار

تم الإعلان عن اليوم العالمي للمرأة بعد كفاح طويل للمرأة في العالم من أجل الخلاص من تبعات القهر التي كانت تفرضها على المرأة في العالم الإرادات الشريرة التي لم تكن ترى في المرأة إلا مشروع متعة وفراش، أو آلة رخيصة للإنتاج.
وقد دفع ذلك إلى سلسلة طويلة من الاحتجاجات والمظاهرات في أمريكا وأوروبا، وكان شعار المظاهرات “خبز وورود”، ولكن الاحتفال بيوم المرأة العالمي رسمياً بدأ في 8 آذار تم في 1913، وبقي هذا التاريخ رمزًا لـ”نضال المرأة” حتى اليوم.
وإذ أشير إلى هذا التاريخ العالمي لقضايا المرأة فأنا أعلم أن ذلك الإعلان لا يستقبل عادة بالترحيب في بلادنا على الأقل في إطار التيار المتشدد الذي يرى في كل إنجاز حققته المرأة في العالم تفلتاً لها من خيار العفاف والفضيلة، ولا يرى هؤلاء في السعي العالمي لإنصاف المرأة إلا مؤامرة على القيم التي جاءت بها الأديان، على أساس الافتراض المسبق للتناقض بين سعي الأديان وسعي الإنسان.
ولكن إلى أي مدى يصدق القول أن سعي الإنسان لا يقع إلا في مواجهة كفاح الأديان؟؟؟

يطرح القرآن الكريم قضايا المرأة في سور القرآن الكريم، فهي الأم والأخت والزوجة وهي شريك كامل في صناعة التاريخ، ويخلد القرآن الكريم بوجه خاص ذكر امرأتين اثنتين مريم بنت عمران التي تختص برواية أخبارها سورتان عظيمتان سميت الأولى باسم أسرتها آل عمران، والثانية باسمها سورة مريم، وفي كلا السورتين كانت المرأة موضوعاً للقدوة الحسنة والاتباع والإعجاب، وخلد القرآن الكريم لمريم رسالتها في التحرر والتوثب حيث اقتحمت برزخ اللاهوت الذي كان إلى ذلك التاريخ حكراً على الرجال، ولم يخطر على بال أحد أن هذه السيدة ستغير ناموس الديانة، وتبوئ المرأة منزلة راشدة في التوجيه والتربية والريادة الروحية، وسرعان ما أصبحت مريم أملاً يسعى إليه الأنبياء، حين صار زكريا يتساءل بإعجاب وغبطة: يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله.
ومن جانب آخر فإن مريم أصبحت أكبر رموز التوحد والتكامل بين أكبر ديانتين في الأرض وبهذا المعنى فإن تاريخها يظل هنا رمزاً للإيلاف والتواصل بين الديانتين الأعظم في الأرض، فهي تتبوأ أعلى درج الاحترام والتكريم في الإسلام والمسيحية على السواء وتكرس بذلك معنى هاماً من الإخاء بين أتباع الديانتين الأعظم في الأرض.
ومن جانب ثالث فإن مريم تبدو اليوم رمزاً آخر لتوحيد جهود الشرفاء في الأرض من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وتنهض كنيسة المهد وكنيسة البشارة بدور كبير في حشد التأييد العالمي للدفاع عن الشعب الفلسطيني في وجه ما يتعرض له من المحنة والقهر.
وفي دمشق فإن من حقنا أن نشير باعتزاز وفخر إلى أهم ضريح امرأة في العالم، ولا نبالغ في شيء إن قلنا إن دمشق تحتضن أهم ضريح امرأة في الأرض، أو قل إن شئت أكثر ضريح في الدنيا لامرأة يؤمه زائرون وناسكون، وهو ضريح السيدة الطاهرة زينب بنت علي أمير المؤمنين، وعلى الرغم من التقصير السياحي والخدمي الذي تعاني منه منطقة السيدة زينب، ولكنني أجزم بأن محبيها وزوارها من مختلف أنحاء المعمورة يتزايدون كل يوم، وقد سجل الرقم أكثر من عشرين ضعفاً خلال العقود الأخيرة ولا يبدو أنه مرشح للهمود، وعلى حواشي روضتها قامت عشرات الحوزات العلمية والمؤسسات الخدمية والسياحية وكذلك الأسواق التجارية وكل ذلك قام من أجل شيء واحد هو كفاح امرأة عاشت هنا لاجئة محاصرة قبل أربعة عشر قرناً ولكنها تركت بصمتها في التاريخ بحيث تسجل لدمشق واحدة من أكبر مآثرها وأهم عطاياها.
لم تكن زينب في أسرة ملك، ولم تولد وفي فمها ملعقة ذهب، ولم تكن تتقلب بين تاج محل وحدائق غرناطة، كانت بكل أمانة تعيش في دمشق في حي سيدي مدرك الفزاري المتواضع، لاجئة في رياض غوطة دمشق، في ظروف جد قاسية ممزوجة بالألم والذكريات المرة، تعامل في من قبل السلطة الرسمية على أنها ابنة قائد انقلاب سياسي حكم بالإعدام ونفذ فيه الإعدام، ولكن زينب استمرت أمَّاً طاهرة كبيرة، وقفت ببسالة في وجه الظلم، وسجل التاريخ كلامها الصارم ليزيد بن أبي سفيان حين قال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيته؟؟ قالت له: هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم!! وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفوز يومئذٍ، ثكلتك أمك يابن مرجانة!! فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا!!
أعتقد أن ضريح السيدة زينب في جنوب دمشق هو المكان الصحيح لسائر فعاليات المرأة العربية، ومن المنطق أن تقام في حواشي الضريح أكبر النشاطات والمؤتمرات النسائية في العالم.

حين أصدرت كتابي المرأة بين الشريعة والحياة قبل سبع سنوات كنت أشعر تماماً بالرهق الذي تعانيه المرأة حين تتولاها نظرات الريبة كلما حاولت أن تفرض وجودها في الحياة مشاركة وعملاً ودأباً وعطاء، وقد واجه هذا الكتاب رهقاً شديداً من قبل تيار التعصب والجمود الذي لا يرى في نهوض المرأة إلا تمرداً على قيم دينها وشريعتها، ولا يرى في هذا النهوض إلا تمرداً على الثوابت وكأنما الثوابت تختصر في اعتزال المرأة للحياة وغيابها عن المجتمع وركونها إلى حجرات مظلمة لا يرجى منها ولا بها أي نجاء.
إنها ثقافة القبور التي سادت في عصر الحريم، وروجت لمنطق يطالب المرأة أن تغيب في مخدع الدار لا ترى الرجال ولا يراها الرجال، ونص بعضهم أن ليس للمرأة أن تخرج من دارها إلا مرتين، مرة من دار أهلها إلى دار الزواج، والثانية من دار الزواج إلى القبر، ونعم الصهر القبر، عورة سترت ومؤونة كفيت… الخ، وهي صيغ ظلامية روجت للخنوع والعجز والوهن في المرأة المسلمة في عصور الإنحطاط.
إنني لا أفهم الإسلام هكذا وولكنني أقرؤه بكل أمانة في مريم وزينب وآسيا بنت عمران وهي تقف في وجه الطاغوت لتختار عقيدتها وسلوكها متحدية الرجل الذي كان كان يقول أنا ربكم الأعلى!!
أقرؤه في موقف خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة في عصر النبوة تجيء إلى النبي شاكية أمر ظهار زوجها منها، فيفتيها النبي الكريم ـ وهو أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية ـ بوجوب مفارقته، فتثب المرأة منتصرة لحقوقها، وتجادل رسول الله، بعد أن أصدر فتواه، ولا تزال تجادل تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني!. وعندما كرر عليها فتواه عادت تقول مجادلة: إن لي صبية إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا.. وما زالت تجادل رسول الله حتى نزل فيها قرآن يتلى، وسورة سميت باسمها (المجادلة) ومطلعها: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير.
وهكذا فإنه نتيجة موقفها الحر وإصرارها وحوارها وجدالها حتى مع صاحب الشريعة النبي الكريم نزل الوحي بتعديل الشريعة وتصويب رأي المرأة.
إنها امرأة أخرى بكل تأكيد، لا تشبه في شيء تلك المرأة المائتة المسحوقة التي يصور لنا عصر الانحطاط هوانها وضعفها مرادفاً للعفاف والإستقامة.

تحميل الملف المرأة بين الشريعة والحياة

اضف رد