د.محمد حبش- خارج السرب 10/2/2006

دفاعاً عن رسول الله!!

جاهدت أن أفهم بصعوبة لماذا يقدم فنان دانمركي على إهانة العالم الإسلامي بالمجان من خلال إطلاق رسوم مسيئة للنبي الكريم على صفحات مجلة دانمركية، فيسمم الأجواء مجدداً بين أوروبا والعرب ويعيد الناس إلى أجواء الحروب الصليبية التي قامت في الواقع على أساس رسوم مسيئة نشرها بطرس الناسك في أوروبا على أساس أن المسلمين يرسمونها على قبر المسيح وهنا اشتعلت أوروبا بالغضب وتحركت صوب الشرق الإسلامي أربع عشرة حملة صليبية أريقت فيها أرواح الملايين وطبعت تاريخ العصور الوسطى بالدم والحديد والنار والظلام.
بالطبع لم يوافق المؤرخ الإسلامي العربي آنذاك على التسمية الأوروبية لهذه الحروب واختار الاسم الصحيح لها وهو حروب الفرنجة، ولم يصل إلى أسماع القراء العرب اسم الحروب الصليبية إلا بعد أن تمت ترجمة دراسات المستشرقين حول تاريخ العصور الوسطى.
لم يسأل أحد أين هو قبر المسيح؟ فالمسلمون لا يؤمنون أصلاً بقبر للمسيح، وهم ينـزهونه عن الصلب ويؤمنون أنه رفع إلى السماء عزيزاً كريماً، ومع ذلك فقد كان لا بد من إثارة مشاعر الناس لحرب مجنونة لا تبقي ولا تذر، ومع ذلك فقد اشتعلت نار الحرب وأكلت الأخضر واليابس، وطبعت تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب بالدم والكراهية.
ولكن لماذا الدانمرك؟؟
الدانمرك بلد بارد هادئ وادع يسكن على أعتاب العملاق الاسكوتلاندي، لا تزيد مساحته عن ربع سوريا نحو (43ألف كم2) ولكنه يشارك الناس على موائدهم بقوة في أكثر من مائة وأربعين بلداً في العالم عبر نستلة ولورباك، وتقدم أبقاره على شاشات التلفزة سعيدة مدللة، ترتدي أفخر الماركات الأوروبية وتنام على الفرش الوثيرة، وعادة ما يخطف أنظار الناس في الأولمبياد العالمي بلباسه الأحمر والمهارات الفردية والروح الجماعية التي تؤديها ماكينة الفريق الدانماركي لكرة القدم.
وفي العام الماضي حظيت الدانرك بثناء خاص في البلاد العربية والإسلامية عندما منعت دخول البضائع الإسرائيلية إلى أراضيها واعتبر ذلك نصرة لقضايا العرب، ولكن ما الذي يدفع اليوم باتجاه القطيعة والتوتر؟
العالم الإسلامي يغلي بالغيظ للموقف البارد الذي اتخذته حكومة الدانمارك عندما اعتبرت أن إقدام صحيفة على الإساءة المتعمدة للنبي الكريم محمد محض تسلية شخصية تندرج في إطار حرية الرأي والتعبير، ويعلم كل عاقل أنها تتسبب مباشرة في إهانة أكثر من مليار ونصف من الناس فيهم 200 ألف دانمركي مسلم ومئات الآلاف من المنصفين الذين كتبوا أوقرؤوا بحيدة وإنصاف رسالة النبي الكريم محمد .
بدأت القصة عندما أراد مؤلف كتب أطفال دانماركي أن يضع على غلاف كتابه صورة للرسول ص ورفض رسام الكاريكاتير المكلف بإعداد الغلاف رسم هذه الصورة، فقرر المؤلف إقامة مسابقة لرسم الرسول، حيث تقدم لها عدد من رسامي الكاريكاتير أرسلوا اثني عشرة صورة مسيئة لرسولنا الكريم في صور تهدف إلى إبراز علاقة بين الإسلام والإرعاب، وقامت المجلة بنشرها تباعاً، ولم تفلح مطالبات المسلمين في الدانمرك بوقف نشر الصور أو الإدعاء القضائي عليها ثم صدر فيما بعد أمر قضائي يقضي برفض تسجيل الادعاء في المحاكم الدانمركية على أساس أن ذلك يخل بحرية التعبير المقررة دستورياً!!
كان نيوتن يقول إن الإنسان بنى كثيراً من الجدران وقليلاً من الجسور، وعلى قلة الجسور التي بناها الإنسان فإنه مضى إلى هدم هذه الجسور التي صنعها الحكماء في العالم، وحماها مفكرون أحرار من بلاده مع الكتلة الروحية الأكبر في العالم اليوم، وهي العالم الإسلامي.
الصحيفة الدانمركية المغمورة وجدت طريقاً قذراً للشهرة، يصبح به اسمها متداولاً خارج البلاد، على طريقة سلمان رشدي، ذلك أن من الناس من يحب الشهرة ولو بالصفع على القفا، ويحب أن يرى صورته في الجرائد ولو في صفحة الجنايات مطمش العينين، ويحب القنـزعة ولو على الخازوق، وهو بالضبط ما قام به محرر جيولاندز بوستن، وأجبر العالم على أن يذكر اسم صحيفته ولو كان ملعوناً مذموماً مخذولاً!!
وبنفس المشاعر اللئيمة الباحثة عن الشهرة قفزت الصور التافهة المسيئة لتجد مكاناً على صفحات كثيرة في ألمانيا وفرنسا وبولندا بل والمغرب والأردن، وأظن أنك حين تقرأ مقالي هذا فستكون الصور المسيئة في أكثر من عشرين بلداً في العالم، وستنال جميع هذه الصحف نصيباً من الشهرة (واللعن والمقت) وبالتالي بيع النسخ الكاسدة، ويغريها بالإقدام على أعمال أكثر شراً ولؤماً بحق الإخاء الإنساني.
ما يجب تأكيده هنا هو أن الإساءة هنا إنما كانت ضد مشاعر البشر ويجب التأكيد أن كل هذه الإساءات لن تنال من مكانته صلى الله عليه وسلم وأنها محض إضافة لما أخبر به القرآن الكريم من كلام أهل الحقد والغي الذين قالوا إنما هو شاعر وساحر وكاهن ومجنون، ومع تصاعد الإسلاموفوبيا هذه الأيام فإن إضافة تهمة إرهابي إلى هذا السيل الذي واجهه به سدنة الظلام لن يغير شيئاً من نور الحقيقة فمنطق الرحمة الذي جاء بها النبي الكريم ستظل روح رسالته مهما صرف الحاقدون أنظار العالم عن الحقيقة الخالدة لهذه الرسالة.
شعرت بالمرارة من إقدام الصحيفة الاسكندنافية على هذه الخطوة اللئيمة الهادفة إلى قطع الجسور بين الشرق والغرب واستنفار العالم الإسلامي إلى ما يشبه حالة الحرب مع الحضارة الغربية بكل جوانبها، ولكنني وجدت نفسي أشد حزناً عندما رأيت تسارع الأحداث باتجاه مزيد من الصدام بين الإٍسلام والغرب، وما تبع ذلك من قطع للعلاقات وهجوم على السفارات بهذا المنطق الهمجي الذي لا يمت بصلة إلى نبي التسامح والرحمة محمد ص .
لماذا تفرض علينا الصحيفة العابثة شكل الرد الذي نتبناه في مواجهتنا لهذا التهور، ولم لا يكون الإمام الشافعي رائداً لحراكنا في مواجهة هذا الطيش:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
لقد كان الشافعي بصيراً بالرغبة الجامحة لدى شاري الخصومات بطبل الشهرة:
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طبياً
ربما كانت أجمل كلمة سمعتها في سياق الأحداث المتلاحقة هي ما قاله السيد زكريا ميرعلم في لقاء لجنة العمل الإسلامي المسيحي المشترك: لو كان الرسول الكريم ص حياً بيننا اليوم وهو في أوج نصره وملاحمه وبلغه أن فناناً في الدانمرك رسم كاريكاتيراً مسيئاً لشخصه الكريم، فماذا سيصنع؟ هل سيسير جيشاً كجيش تبوك لمواجهة هذه الإساءة؟ أم سيستنفر العرب والعجم في شن حرب على الثقافة الغربية، أم سيعقد العصائب الحمراء لرجال الموت ليفجروا أنفسهم في سفارات الغرب؟؟ أعتقد أنه ببساطة لن يقوم بأي شيء من ذلك ولكنه سيقول إحدى كلمتين: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أو يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون!!
إنني أعلم تماماً أنني هنا أيضاً أغرد خارج السرب، وهي تهمة أسمعها كل يوم، ولكنني بكل أمانة لا أشعر أن السرب الذي يتحركون فيه سيصل إلى الحديقة التي زرعتها أرض النبوة بالمحبة والتسامح، ورتلتها الآيات البينات: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون).

اضف رد