د.محمد حبش- يوم الهجرة…ملامح الكفاح الإنساني 2/3/2006

رحلة من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن

حين تمر بك ذكرى الهجرة يمضي القلم مباشرة إلى شعاب مكة والمدينة وغار ثور حيث كان المهاجر الأول يخط دربه في تلك الصحراء، وفي خاطره تطوف ملامح أمة تتشكل لتحقق الخلاص من الظلم والقهر الذي كان الإنسان يعانيه خلال جهاد طويل، لم يتوقف أبداً.
ولكن حين تطوف بخاطرك ذكريات الهجرة فإن عليك أن تسأل لماذا حصل ذلك؟ ولماذا وجد النبي الكريم نفسه مختبئاً في غار ثور تلاحقه عشرات الاتهامات الظالمة التي روجها دهاقنة قريش، من سحر وجنون وافتراء على الله وتجديف بالآلهة، وغير ذلك من التهم التي جعلت الصحراء تغلي بالغضب وشرعت السيوف الظامئة بالرغبة في القضاء عليه وتفريق دمه بين القبائل.
إنها الحرب القاسية التي واجهها ذلك المهاجر النبيل والتي جعلت جهاده ضد الطاغوت يمضي إلى خيارات بالغة القسوة، كاد مراراً أن يدفع حياته ثمناً لها وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
ومع أهمية رواية درس الهجرة ولكنني أشعر بأنه ليس من هدف هذه المقالة أن تقدم تفاصيل الهجرة وإن نكن لا نزال نحتاج إلى معرفة كثير من تفاصيلها، ولكن ما يتعين الوقوف عنده هو فهم أحداث الهجرة بمعزل عن الخوارق التي يرسمها عادة كتاب السير بأسانيد واهية ضعيفة، تخرج الحدث عن كونه كفاحاً تحررياً إلى كونه محض ميثولوجيا عائمة بالأسرار لا فائدة من قراءتها على أرض الواقع.

وفي قراءة سريعة لدروس الهجرة يمكن الوقوف عند حسن الإعداد والتخطيط وهو ما تحتاجه حركات النضال التي يحملها إخلاصها وحماسها على المغامرة التي لا تعود في الغالب بأي فائدة على النضال الاجتماعي،وتحمل الجماهير في الغالب عنت الحماس الهائج وما يحمله بعدئذ من ضياع وفوضى .
مع أن الرسول الكريم كان مؤيداً بالوحي وكانت الأحداث الدقيقة التي يمر بها تستدعي تدخل الغيب ولكن المتأمل في رحلة الهجرة النبوية سرعان ما يتأكد له أن هذه الهجرة كانت في الواقع كفاحاً بشرياً تم الإعداد له وتنفيذه على أتم وجه.
لقد خرج من خوخة في الدار والمشركون يحيطون بداره من كل وجه،وترك مكانه على الفراش علي بن أبي طالب تمويهاً على المشركين، ثم توجه إلى دار أبي بكر فأخذ الزاد كاملاً كما أعدته السيدة أسماء بنت أبي بكر ثم توجه صوب اليمن بعكس اتجاه المدينة فأقام في غار ثور ثلاثة أيام وكان عامر بن فهيرة يروح بأغنامه خلالها على آثار أقدامه ليضلل أعداءه عن الوصول إلى الغار ، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما كل يوم بأخبار المشركين إلى الغار، وبعد أن هدأ هياج قريش خرج النبي الكريم إلى سيف البحر حيث كان قد استأجر خبيراً بالطرق هو عبد الله بن أريقط ليقوده وصاحبه في رحلة الهجرة في شعاب الحجاز ووديانه.
وهكذا فإن أدنى تأمل يكشف لك أن النبي قد خطط لرحلة الهجرة بإحكام ودقة، وعهد إلى ستة لجان بأدوار محددة وهي:
لجنة تمويهية قام بذلك علي بن أبي طالب إذ بات على الفراش للتمويه على المشركين وتأخير مطاردتهم المتوقعة إلى الصباح وهي فترة كافية للخروج من مكة.
لجنة تموينية كلفت بإعداد الطعام الكافي للمهاجرين وهي أسماء ذات النطاقين
لجنة مرافقة كلفت بمصاحبة النبي في سفره، قام بذلك أبو بكر الصديق.
لجنة تضليلية مهمتها إزالة آثار أقدام لنبي وصاحبه حتى لا تتبعها قريش في مطاردة النبي الكريم وقد قام بها عامر بن فهيرة .
لجنة إعلامية مهمتها متابعة أخبار قريش وتبليغ النبي وصاحبه بها في الغار وقد قام بذلك عبد الله بن أبي بكر.
لجنة دلالية وهي عبد الله بن أريقط الذي كان دليلاً للنبي في رحلته عبر الشعاب والوديان.
هكذا فإن ست جهات قامت بدورها على أتم وجه لتحقيق نجاح الهجرة النبوية على أساس من الكفاح الإنساني.
لقد قام بتأمين زاده ولم ينتظر مائدة من السماء،وقام بالتمويه على أعدائه ولم يكتف بطلب الغشاوة على أعينهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، وقام بتضليلهم عن غاره ولم ينتظر ريحاً ذارية تعفو آثاره عنهم، وقام بدراسة تقارير عبد الله بن أبي بكر بدقة ليعرف تحرك أعدائه ولم يكتف ببيان روح القدس،واستأجر ابن أريقط ليدله الطريق على الرغم من أنه كان يستنير بنور الله ،واتخذ لنفسه رفيقاً وأنيساً على الرغم من أنه يعلم أن الله معه في كل حال!
من العجيب أن تكون هذه الحقائق كلها ماثلة في رحلة الهجرة ثم نتصور بعدئذ أن النصر محض أسرار تجود بها السماء على الأرض وأن موقع الإنسان فيها موقع المفعول به المنصوب الذي وقع عليه فعل الفاعل، ليس له من الأمر من شيء!!
فألق سمعك للأحداث إن نطقت فالحال أشرح أحياناَ من الكلم
إن ما أوردناه هنا ينبغي أن يكون ملهماً في كل نضال اجتماعي وهو دليل واضح أن الإيمان لا يتلاقى أبداً مع الفهم الاتكالي للحياة الذي روجت له كثير من التكايا والزوايا في الماضي ، وكثير من الفضائيات العربية في الحاضر التي تمارس مهنة صناعة النجومية لكثير من المشعوذين والخوارقيين الذين يرتدون كرافتات ، ويبررون الظلامية والانهزامية على أساس من قراءة الغيب!
إنها حكاية كفاح مرير خاضها النبي الكريم في مواجهة قوى الشر العاتية، ليرسم ملامح الوعي الجديد للأمة، حيث تصبح النبوة في الرسالة الخاتمة مشعل نور يقود الكفاح الإنساني وليس غلاً يحول دون ضياء العقل ونوره، إنها بكل أمانة رحلة الإنسان التي قادها النبي الكريم ليرسم للإنسان درب كفاحه بزند يديه، وليقوم بكل شجاعة واقتدار بنقل الناس من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن.

اضف رد