د.محمد حبش- الإسلام بعيون غربية 23/2/2007

حين تدخل إلى مكتبها الصغير في واحد من أهم المواقع في العالم في ستراسبورغ حيث اختارت أوروبا أن تقيم شهر عسلها بعد إنجاز الاتحاد الأوروبي أرقى تجربة وحدوية في الأرض، تشعر بأن باتريك باتري النائبة الأوروبية البارزة ورئيسة لجنة العلاقات مع بلدان المشرق العربي تشع بعينيها الدافئتين لتقول حتى الثمالة أنا عربية!! كل شيء في مكتبها بالبرلمان الأوروبي يضج بالعروبة والإسلام، لا مكان على جدارها لأي ذكرى أمريكية أو كندية أو بريطانية فقد احتشد جدارها بالأيام العربية والصحراء العربية، وحين كنت أجول بعيني في مكتبها كنت أتذكر كفاح سناء محيدلي وحميدة الطاهر وسهى بشارة وراشيل كوري السيدة الأمريكية الجبارة التي قدمت صدرها تحت جنازير الجرافات الإسرائيلية من أجل أن تقول للعالم إن الشعب الفلسطيني يستحق الحياة!!

ما الذي يجعل تلك السيدة الوادعة القادمة من الريف الفرنسي الهادئ الأخضر، والتي اختارها الأوروبيون نائباً لهم في ستراسبورغ رمز القارة الأوروبية الموحدة، تختار عشقاً فريداًً للصحراء العربية وتملأ جدارها بلوحات ذات دلالة من الأرض العربية والصحراء العربية والتاريخ العربي؟

كثيرون يعتقدون أن وراء الأمر سراً وربما كانت هذه السيدة تعمل لحساب مشروع ما، وسألني صاحبي ما الذي يجعلنا نثق بهذه السيدة ولماذا لا تكون جزءاً من مؤامرة كبيرة لاستجلاب الثناء العربي ومن ثم لتطعن بنا في الظهر، وفي الواقع فإن سؤالاً كهذا على الرغم من وجاهته مخابراتياً، ولكنه سؤال محير يكشف لك عن شكوكنا في عدالة قضيتنا، وشكوكنا بالإنسان!! وكان ينبغي أن يكون الجواب: ولكن لماذا لم تكن كل سيدات العالم بهذا الاندفاع في نصرة قضايانا؟ أليس الإنسان نفحة من روح الله؟ ألسنا على الحق؟ أليس العدل والخير هما الهدف الأسمى الذي خلق من أجله الله الأرض والسموات؟؟

وإلى جانب صور مراكش والقاهرة ولبنان والأقصى فإن الصورة المحببة إليها هي دير مار موسى الحبشي في صحراء النبك على طريق القريتين حيث شهدت باتري واحدة من أكثر لقاءات الروح تأثيراً وأهمية في حياتها، حين تسلقت ذلك الجبل العالي إلى دير مار موسى في قلب الصحراء حيث لا يرتقي نحوه الطير ولا يهتدي إليه السحاب، لتلتقي هناك بعدد من علماء الشريعة الإسلامية ورجال الكهنوت المسيحيين ليتحدثوا في المشترك الإنساني الرائع الذي يلتقي عليه أبناء الأنبياء هنا في سوريا كما لم يلتقوا عليه في أي مكان آخر في العالم.

لست هنا من أحل أن أسجل دعاية مجانية لدير مار موسى الحبشي، ولكنني أريد أن ارسم ببساطة أن صورة الإخاء الديني التي ترتسم في سوريا تقدم نموذجاً فريداً للعالم حين يصبح الخطاب الديني وحداً من أبرز معالم التلاقي والتواصل والتراحم.
أتذكر جيداً لقاء باتريك باتري بالمشاركين في الدير الحبشي والرسالة التي حملتها لهم، نحن في أوربا اكتوينا بنار الحروب الدينية، لدينا حرب الثلاثين عاماً ولدينا حرب السبعين عاماً وحرب المائة عام، لقد جرى ذلك كله بمباركة من رجال الدين وتحميس منهم، لقد قتل الإنسان أخاه، والقى الكاثوليك بالبروتستانت من الشرفات العالية طالبين بشماتة أن تخلصهم العذراء إن كانوا على حق، وطار بطرس الناسك برسالة البابا أوربان الثاني إلى بلاد الوندال والبافار والسكسون والبروسيين والجرمان والفرنجة يحشدهم في حروب طاحنة لا معنى لها إلا الانتصار للأوهام، ولكنكم في الشرق العربي قدمتم نموذجاً متحضراً للإخاء الديني ومن اليوم الذي وصل فيه طلائع الفاتحين فإن معارككم لم تعرف البعد الديني، وظلت دفاعاً مشروعاً عن الأرض، وظهر التلاحم الإسلامي والمسيحي في رد هجمات الفرنجة حين كان الأوروبيون يدفعون الأثمان الباهظة لمطامع الفرسان الإلهيين الذين يحملون رسالة من الرب لإحراق الدنيا وقتل الحياة.

ولكن هذه الآمال الكبيرة ستصطدم بكل تأكيد بصخرة الواقع العربي المحبط الذي أفرزه الاحتلال اليوم في فلسطين والعراق والذي يؤسس لحرب قبلية عشائرية لاهوتية يحيط بها أعجب خليط من التناحر الذي لا يمكن تبريره إلا في خصام الوهم والجهل.
فهل يدرك هؤلاء المتطاحنون الهائجون في العراق وفلسطين أنهم بحروبهم العشائرية هذه يعصون الله ألف مرة ويسيئون لقيم الإسلام، وأنهم صاروا فتنة للناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط؟

قبل سنين بعيدة كان الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله مدعواً إلى أمريكا حين اجتمع حوله إخوانه من الشيوخ يودعونه في مطار دمشق في رحلة مبكرة للدعاة الإسلاميين من سوريا إلى العالم الحديث حين قال لهم مفاجئاً: لقد أعددت لكل شيء عدته في سفري هذا، ولدي عدد من المحاضرات أعددتها بإتقان، ولدي مترجم ممتاز هو السيد فاروق آق بيق، وأعتقد أنه قادر على أن ينقل رسالتي للمستمعين، ولكن هناك سؤالاً واحداً يحيرني ولا أجد له جواباً؟؟ وحين سأله إخوانه ما هو هذا السؤال؟ ولماذا يقلقه ولم يجد له جواباً وقال له أحدهم بإمكاننا أن نساعدك في البحث في بطون الكتب عن جواب لتساؤلك؟؟ قال لهم بتأمل: لو كان الجواب في بطون الكتب لوجدته ولكن المشكلة أنه غير مكتوب في الكتب !! وحين اكتملت الحيرة في وجوه محدثيه قال لهم: إنني سأمضي إلى الأمريكيين وسأقول للعالم المتحضر إن الإسلام الذي ندعو إليه هو الرحمة والأخوة والإخاء وهو التقدم والحضارة والبناء، وهو الصناعة والرفاه والمساواة، ولكن ماذا لو سألني الناس، لماذا أنتم هكذا؟؟ إذا كان الإسلام كما تقول فإن واقعكم يكذب ذلك كله؟
أسمع كلامك يعجبني أشوف عمايلك أتكدر؟

وبالعودة إلى أصدقائنا في الغرب فإنني أعتقد أن هذا الغرب كما الشرق امتدت إليه يمين الرحمن فمسحت وجوه الناس إذ نفحتهم نعمة الحياة، وحكماؤهم كتبوا تراثهم وفلسفتهم على نهج الأنبياء، وهو جانب دقيق كشف عنه الفيلسوف المسلم نديم الجسر في كتابه قصة الإيمان الذي قدم ألف دليل أن ما كتبه الفلاسفة في العالم في معظمه لا يخرج عن مشكاة النبوة، وقد هداهم الله بالعقل إلى ما هدى إليه الأنبياء بالوحي، ولا يوجد وجه في الاعتقاد يجعلك تواجه الناس بالريبة تأسيسا على أعراقهم وأنسابهم، ولا على أعمال مغامريهم من المحاربين والبلطجية الذين يوقدون الحرب في الأرض، وكلما أوقدوا ناراً للحرب أكفاها الله ويسعون نفي الأرض فساداً والله لا يجب المفسدين.

متى نتمكن من فك شفرة الحوار بين البشر الذين يؤمنون بالله في السماء والإنسان في الأرض، وندرك أن قيم الإسلام في المرحمة لا تزال تحظى باحترام العالم ولا تزال تثير الأشواق لدى ناشدي الحرية في كل مكان في الأرض، على الرغم من الجنون الذي نكابده كلما شاهدنا نشرة أخبار مصورة عن العواصم العربية المحترقة، من وجهة نظري فإن أكثر ما يؤلمني هو أن قيم الإسلام في الحب والرحمة والإخاء التي صارت اليوم مشتركاً إنسانياً غنياً يشترك فيه الحكماء، وهي تحظى باحترام العالم صارت غريبة في بلاد الإسلام، وخاصة في التيارات المتعصبة التي تركت كل تسامح الإسلام وراحت تتعقب صفحات هائمة من التراث الأصفر، وكاتباً هنا وكاتباً هناك من أجل أن تعثر على هفوة أو سهوة تحقق لها غريزتها في التكفير والتفسيق والزندقة، وبالتالي إنشاء حروب كافية جديدة تتأسس على الاتهامات بالكفر والزندقة!!
إنها شكوى مؤلمة أحرقت من قبل روح إقبال فضج بصراخه إلى الملأ الأعلى فملأه صخباً:
لما اشتكى لله إسرافيل من شكواي قال بحرقة وتنهد
هذا الفتى قبل الأوان يريد أن ينهي الحياة بشعره المتمرد
فاجابه صوت أليس أشد من هذي النهاية ما ترى يا سيدي
إحرام أهل الصين داخل سورها وهمود مكة في جوار محمد!!

ولكن باتريك باتري ليست أكثر إدهاشاً من زميلتها النائبة فورنيكا دي كايزر أو النائبة الأوروبية ليللي غرابر صاحبة كتاب بنات الأنبياء التي سأحدثك عنها في المقال الآتي.

اضف رد