د.محمد حبش- السبي حرام… آخر هدي رسول الله ص 17/9/2016

………..
وفي مواجهة بشاعة السبي والاسترقاق… ورفض ممارساته السوداء….
وبمناسبة اختيار السبية المحررة ناديا مراد سفيراً للنوايا الحسنة في الأمم المتحدة…
ورجاء تحرير كل السبايا المختطفات وكل المعتقلات في سجون النظام السوداء
أقدم هذا الموقف النبوي الرائع الذي تقرؤونه لأول مرة، وهو يثبت دون شك تحريم السبي في الإسلام، ومنع رسول الله يوم فتح مكة من استرقاق أي رجل أو سبي أي امرأة …….
…….
السبي حرام… آخر هدي رسول الله…
قبل سنوات وفيما كنا عازمين على إطلاق محطتنا الفضائية التنويرية تحت عنوان عيال الله، قمت بزيارة مستثمر خليجي قدمه الوسيط الإعلامي على أنه راغب في خدمة الإسلام عن طريق الإعلام وقد رصد مبلغاً كبيراً لهذه الغاية، وحين حدثته عن مشروعي أبدى ترحيباً كبيراً ولكنه قال: “نريد أن نقدم صورة الإسلام الحقيقي وليس صورة الإسلام الذي يريده الغرب الديمقراطي الكافر!!! وقال لي مثلاً: السبي وملك اليمين.. هذا من محاسن الإسلام ومغانمه ولكن الغربيين يريدون منا أن ننكر هذا من أجل أكاذيبهم الديمقراطية!! ثم قال لي: لاحظ أنهم نجحوا بكيدهم المتآمر أن يمنعوا بيع السبايا مما سبب انتشار الفحشاء في الشباب!! ولو كان لكل واحد منها بنات سبي ملك يمين يتمتع بهن لكان العفاف في أفضل حال!! ثم شكر الله بعمق أن بلداً إسلامياً ملتزماً لا يزال يحمل قيم الإسلام العظيمة ويوفر بيع السبايا في سوق شرعي علني وهو موريتانيا!!”.
صدمني هذا الموقف تماماً فقد كنا نقول للناس إن السبي لون من مظالم الجاهلية وأن الإسلام تعامل معه بواقعية وبراغماتية معقولة أو بتعبير مشايخنا بحكمة وأناة وبصيرة حتى انتهى.
ولكن فضائح المشهد الداعشي هزت كل ثقافتنا الدينية وجعلتنا نواجه الحقيقة الصعبة بأسئلة لا يمكن التهرب منها، فقد ظهر أن ثقافة السبي والاسترقاق لا تزال جذعة حاضرة في تراثنا الإسلامي وأن فقهاءنا ومشايخنا لا يشاركوننا هذا الرأي الحضاري في تحرير العبيد، ويعتبرونه استخذاء للغرب وتمييعاً للدين وتفريطاً بواحدة من محاسن الإسلام وهي ملك اليمين!!
وأن السبايا منحة من الله نطؤهن على فراش السبي ونقوم بتأجيرهن وبيعهن وشرائهن، وأننا فقدنا هذه النعمة العظيمة منذ أن فرطنا بديننا والتفتنا إلى أكاذيب الحضارة الجديدة في حقوق الإنسان وما يتبع ذلك من مصطلحات شركية وكفرية كالمساواة والديمقراطية والحرية.
وحتى لا نتهم بالمبالغة فبحسبك ان تقرأ فتوى الشيخ صالح الفوزان وهو عضو هيئة كبار العلماء في السعودية، وهي الهيئة التي تحظى بموقع استشاري حقيقي على مستوى المملكة يعادل من الناحية الاعتبارية والتشريفية مجالس الأعيان والشيوخ في الدول الديمقراطية، وقد صرح على موقعه الرسمي بقوله: السبي من شعائر الله ومنكره يكفر!!
وحتى لانتهم أننا نهول الأمر ونبالغ فيه فبإمكانك أن تختار على اليوتيوب عنوان (ملك اليمين) لمشايخ الوعظ الديني على قنوات الناس والرحمة والصفوة والإرث النبوي وغيرها حيث تطل عمائم كبيرة ولحى عظيمة كالحويني ويعقوب ووجدي غنيم للحديث عن محاسن السبي في الإسلام.
وفي إعلان صريح يقول الشيخ وجدي غنيم إن معاناة شباب مصر وبطالتهم تدمي القلب، وعليهم أن يتحركوا إلى سوق العمل لتأمين حياة كريمة لهم ولأطفالهم، ثم يقول: أفضل العمل الجهاد، وشبابنا أمامهم فرصة للالتحاق بالجهاديين والقيام بغزو أوربا وأمريكا، وسيكرمهم الله بالسبايا الحسان وسيعودون بها إلى مصر ملك يمين يمتعون أيامهم ويقضون أوطارهم ثم يبيعون هذه الخيرات التي من بها الله عليهم فيسعدون ويسعدون، ويقضون على شبح البطالة، كما يقضون على حضارة الكفر البائدة!!!
يشرح هذه الأساليب الشيخ وجدي_غنيم وهو يرتدي كرافتة وطقم أفرنجي، ومن المستحيل أن تلمس في كلامه أي تردد وهو يصف هذه الجريمة الإنسانية البشعة بأنها من محاسن الإسلام وأنها نعمة عظيمة هدى إليها القرآن وأرشدت إليها السنة الحكيمة وطبقها المسلمون في كل العصور إلا هذا العصر الكافر!!
وهكذا يصبح الاعتداء على النساء وممارسة السبي والظلم والقهر ضد النساء وضد الأسرة في كل مكان في العالم لوناً من التمتع بما أحل الله من الطيبات…. ومنكره يكفر!!
كيف يمكن أن يحترمنا العالم ونحن نحمل أفكاراً إجرامية كهذه؟ ويسألونك من أين جاءت داعش؟؟؟؟
ليس لدي شك أبداً أن الإسلام حرم السبي كله، وأنه اعتبره من أشنع شرائع الجاهلية، وأن السبي الذي وقع في أيام ثلاثة في الإسلام هي قريظة والمصطلق وخيبر قد انتهى خلال أسابيع، وأن الرسول الكريم نجح بعد ذلك في تحريم الرق كله، وأن ما جرى في السنوات الأولى للرسالة على قواعد الحرب في الجاهلية لم يكن إلا مرحلة من تحريم ذلك كله، وأن الرسول الكريم ندم من كل سبي، وأطلق السبايا الأربعة اللاتي نسبن إليه وهن ريحانة القرظية ومارية القبطية وجويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي.
وعلى الرغم من ورود روايات كثيرة في قيام الرسول والصحابة بالسبي ولكن من المحتم القول بأن ذلك كله قد نسخ أخيراً بآية سورة محمد التي تمنع على الحاكم المسلم أي تصرف بالأسرى بالاسترقاق أو القتل، كما هو نص الآية الصارمة: “فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها” وكانت هذه الآية هي آخر ما نزل بشأن الأسرى، وهو ما طبقه الرسول بوضوح في غزوة حنين والطائف اللتين كانتا آخر غزوات الرسول الكريم التي التحم فيها بأعدائه.
كان ذلك بعد أن أنجز النبي الكريم في رمضان من السنة الثامنة فتح مكة المكرمة سلماً، وبلغه أن حشوداً كبيرة من هوازن وثقيف برئاسة مالك بن عوف تحشد عند وادي حنين، وأن مالكاً وكان فتى مغامراً أمرهم بإحضار النساء والأطفال والأموال معهم لتكون لهم إرادة أكبر على القتال.
وكان من الطبيعي أن يقع الأطفال والنساء والأموال في الأسر، وكان عدد النساء يومذاك نحو ستة آلاف سبية كما رواه الطبري وإن كنا نعتقد أن في الرقم بعض مبالغة.
وستة آلاف سبية هو رقم مذهل ويشكل ثروة كبرى في سوق النخاسة، وهو ما أدى إلى استنفار الأعراب تماماً لحصاد هذا الصيد الوفير، وبدأت المطالبات من هنا وهناك بوجوب قسمة السبايا فيما كان الرسول الكريم حريصاً أن لا يكتب في تاريخه أنه ارتكب حملة كهذه من الاسترقاق والعدوان على الانسانية.
وتطور الأمر من مطالبات إلى غمز وهمز ولمز واتهامات، وأمر النبي بصرامة وحزم أن تحبس الغنائم كلها في وادي الجعرانة وكلف عدداً من الصحابة بمنع أي إساءة للسبايا، فيما توجه بجيشه إلى الطائف وفي نفسه أن يفاوض ثقيف على السبايا جميعا ويردهن إلى الحرية.
وبدأ النبي الكريم حصار معاقلهم في ثقيف، واستمر الحصار قريباً من شهرين، والنساء والأولاد أسرى لم يأذن الرسول بقسمتهم كغنائم حرب، على الرغم من أن عدداً من القبائل التي شاركت معه في القتال كانت تصر على هذه القسمة، وتتهمه بالمحاباة والمحسوبية في توزيع الغنائم وهو ما نزل فيه قرآن كثير شرح سوء أدب الأعراب مع الرسول في شأن الغنائم، ويمكن مطالعة ذلك في سور الفتح والأحزاب.
وبعد شهرين من الحصار والمتابعة، نجحت دبلوماسية النبي الكريم في إقناع وجهاء ثقيف بالسعي للمصالحة وإنهاء الحرب، وحين وصلوا إلى الرسول الكريم في الجعرانة، كانوا قد أنهكوا نتيجة مغامرات عوف بن مالك الطائشة. وكان النبي الكريم أيضاً قد أضناه مطلب الأعراب والمؤلفة قلوبهم في وجوب قسمة الغنائم، وننقل تفاصيل الخبر من زاد المعاد لابن القيم:
وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أربعة عشر رجلاً، فلما صلى رسول الله الغداة قال ((إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين. وقد استأنيت بسبيهم، .. فمن كان عنده شيء فطابت نفسه بأن يرده، فسبيل ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرده عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفئ الله علينا)). فقال الناس: قد طبنا ذلك لرسول الله.
فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. ….وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا…….
ومن الواضح في النص أن الرسول الكريم كان راغباً في إنهاء ملف الأسرى بالفداء وليس بالسبي أو الاسترقاق، وقد نجح في ذلك، وهو ينطبق أيضاً على آخر آية نزلت في شأن الأسرى، وهي تحصر خيار ولي الأمر بين أمرين اثنين: المن (وهو الإطلاق بدون عوض) أو الفداء (وهو الإطلاق بعوض). ونص الآية في سورة محمد: فشدوا الوثاق، فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (سورة محمد 4)
وعلى الرغم من أن نص الآية واضح في تحريم قتل الأسرى أو استرقاقهم وحصر التعامل مع الأسرى بالمن أو الفداء ولكن الفقهاء لا يزالون في ركام الموروث يعتبرون السبي من محاسن الإسلام وشعائره.
من المؤسف أن قراءة السيرة النبوية على هذا الوجه المسؤول المبني على عدالة الإسلام وكرامة الإنسان لا يحظى بالقبول في الفقه الاسلامي التقليدي، وسنتهم بأننا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وأن الرسول الكريم الذي لم يمارس السبي يوم حنين مارسه يوم قريظة والمصطلق وخيبر، وأننا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وأننا نقوم بتمييع الدين ارضاء للكفار من اليهود والنصارى!!
وقناعتي مع أن الفقه لا يساعد على هذا التصور الذي رسمناه ولكن لا يمكن احترام الرسول بطل حرية وبطل سبي في وقت واحد، ويجب أن تنزل هذه الوقائع على كفاحه البشري وتطور الظرف السياسي وأنه ندم على السبي في أول مواجهاته مع المشركين، وحرر منهن ما استطاع ولكنه ختم حياته الجهادية بيوم مجيد وهو يوم حنين، الذي يمكن اعتباره أهم أيام حرية الإنسان في تلك المرحلة من التاريخ حيث وجدت ستة آلاف سبية من عيال المحاربين سبيلهن إلى حريتهن من جديد، بعد أن أوشك الأعراب أن ينتفضوا على الرسول ويخوضوا تمرداً مسلحاً ضارياً للوصول الى السبايا.
كم هو محزن أن ترى العمائم التائهة تتبنى خيار السبي والاسترقاق على أنه من محاسن الإسلام رغم عواقبه المتوحشة وصورته الظالمة السوداء، ركوناً إلى ظاهر النص، واستسلاماً لما وجدنا عليه آباءنا، وتمهد من حيث تريد أو لا تريد لسلوكيات التوحش السوداء التي ترتكبها حركات التطرف في السبي والاسترقاق، على الرغم من أن مواقف الرسول الأخيرة أكدت أنه نسخ تلك الأحكام الظالمة وأسس لعدالة الإسلام وحقوق الإنسان.

اضف رد