د.محمد حبش- عمائم ومظالم على هامش مؤتمر الشيشان 30/9/2016

شهدت العاصمة الشيشانية غروزني الشهر الماضي مؤتمراً فريداً هو الأول من نوعه انعقد تحت عنوان من هم أهل السنة والجماعة.

وقد كنت عزفت عن الكتابة في شأن المؤتمر فأنا أعذر السوريين في اتجاهاهم الهائمة وهم يبحثون عن أمل الخلاص في كل وجه، وليس لدي أي سابق تحفظ على سعي يريد به سوري ما أن يوقف كارثة الحرب وأن يأتي بالسلام الموعود.
ومع أنني أقل الناس اتهاما للنوايا والأصل عندي براءة الذمة والأصل في العمائم التقوى والإخلاص والعمل للأمة، ولكن اندفاع المشهد إلى الغايات الكارثية يوجب قراءة المشهد بشكل مختلف.
ومع أن الكلام في هذا المؤتمر يتصل بجوانب كثيرة أقربها هو فرض قسمة جديدة في المجتمع الإسلامي تدور هذه المرة بين الأشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية والمفوضة والمؤولة والجبرية والقدرية وغيرها من تصنيف العصور الوسطى، وهي أوهام لم يعد لها وجود في الشرق البائس، ولكن عمائمنا الهائلة لا تزال تقرا الحاضر بعين الماضي في قيامه وعثاره وخيره وشره وبؤسه وسعده..

ولكن الجانب الأكثر إلحاحاً وحضورا هو أن المؤتمر ينعقد على أرض روسية، وهو بالتالي يوجه رسالة بائسة فحواها أن المشايخ المعتدلين يفهمون تماما مقاصد القيصر الروسي ونبل قنابله التي يلقيها على رؤوس السوريين وأنها تقع تماما في الحرب على التطرف والتكفير والإرهاب الذي شوه الإسلام وأن الاستمرار في حرب كهذه هو أفضل ما يقوم به المؤمنون للدفاع عن الاعتدال والوسطية وفكر أهل السنة.
هذه باختصار هي جوهر المسألة اوالباقي تفاصيل….

من شان الاعتدال والتسامح أن يتجنب الانجرار الى أي فريق يخوض نزالاً ضارياً، ويكرس نفسه طرفاً مباشراً في أشقى الحروب الدائرة في العالم، ويستخدم يمينه في مجلس الأمن لمنع أي حل حقيقي، ثم يستخدم طائراته وصواريخه ودباباته في قصف مدن بحالها بمن فيها من صوفيين وسلفيين وماتريديين وأشعريين!!.
واختيار غروزني بالذات رسالة أكثر من سيئة للمشايخ القادمين من عواصم عربية منكوبة وبشكل خاص من العاصمة دمشق، فغروزني هي مدينة مقاومة رهيبة تم إخضاعها بأشد أساليب الوحشية والتآمر، وقديروف الذي كان مفتيا للثورة الشيشانية أيام جوهر دودايف وقائداً ميدانياً للثوار، اختار فجأة الانشقاق عن الثورة وتسوية وضعه مع النظام الروسي المحتل، وتواصل مع الجنرالات الروس وأعلن على الشاشات الروسية لقد كنا في ضلال مبين!!، ولم نشعر بنعمة الله علينا ببوتين الذي اختارته السماء حارساً للدين والملة!!
وبذلك فقد اعتبره الثوار العدو رقم واحد للثورة وفق تعبير أصلان مسخادوف الرئيس التالي لجوهر دودايف وسليم بندرباييف.
وفي غمرة أحداث 2003 حظي قديروف بدعم مباشر من الرئيس الروسي وخاض انتحابات صورية في الشيشان تحت اشراف روسي وأصبح رئيسا للجمهورية.
وحين لقي حتفه في تفجير غامض كان ابنه رمضان قديروف في التاسعة والعشرين من عمره وكان مغامراً ورياضياً وفارساً واشتهر بارتدائه القميص وعليه صورة القيصر بوتين، وتلقى دعماً غير محدود من بوتين الذي قام يتعيينه رئيساً للشيشان عام 2007 وهو في الثانية والثلاثين.
غروزني بالنسبة للروسي هي البلد المثالية للاسلام فقد مارس عليها الروس سياسة الارض المحروقة ودمروها بشكل كامل، وقديروف هو الثائر المنشق على الثورة والذي تحول من محارب للروس إلى واحد من اشد أنصار الرئيس بوتين حماساً وتملقاً.
كل شيء في المؤتمر كان يقول: أيها السوريون الحل هو غروزني، حيث المقابر هي كل ما تبقى من تاريخكم إنه بالضبط ما نفعله لأجلكم في حلب، وحتماً سيكون فيكم قاديروف مناسب يعود الى أحضان الوطن وسيدرك فائدة صواريخنا وبعد نظر طائراتنا، ونبل مقاصدنا في حلب وإدلب، وسيقول للعالم إننا نقاوم الإرهابيين من السلفية والوهابية الذين شوهوا صورة الإسلام!!
لا يمكن فهم رسالة وجود هذه العمائم في موسكو إلا هكذا، وهذه هي أم المقاصد في عقد مؤتمر كهذا، وما سواها تفاصيل، وإلا فلماذا لا ينعقد مؤتمر كهذا في القاهرة او عمان أو مراكش أو غيرها من عواصم أهل السنة والجماعة؟
تقول العمائم السورية المشاركة: إنكم لا تدركون عناءنا، نحن نمارس الواقعية السياسية ونتعرض لضغوط كثيرة لا يعلمها إلا الله فاعذرونا أيها السادة المقيمون في نواحي الأرض بعيداً عن قبضة المخابرات..
والحديث عن الواقعية السياسية حديث ذو شجون وأنا لا أعترض على المصطلح من جهة المبدأ ولقد مارسنا هذه الواقعية سنين طويلة، وكان يمكن أن تجنب البلاد كثيراً من الشر، ولكن ذلك قبل ان يطلق النظام الرصاص على وجوه الناس، كان ذلك قبل أن يبلغ عدد القتلى الذين سقطوا بالطيران الاجرامي اكثر من مائتي الف شهيد!!
ويجب القول ان الاكراه الشرعي الذي تحل به المحرمات هو الاكراه الملجئ، وليس الاحراج أو الضغط كما يظنه المشايخ، فالاكراه الملجئ الذي عاناه عمار بن ياسر وقال له الرسول الكريم فإن عادوا فعد، هو أن يوضع رأسك في الماء حتى تبلغ الموت ويراد منك أن تنطق بلفظ الكفر، وهذا بعيد جداً عما يتصوره بعض المتعممين من تبرير مشاركاتهم للظالم المستبد في تبرير جرائمه ثم تعليل ذلك بأنه الخوف على مصلحة الدعوة او على وظائف العاملين في الاوقاف أو على شهادات الطلبة الذين يدرسون في المعاهد الدينية، فهذه المخاوف إحراج وليس إكراه، ولا معنى للإحراج في سلم القيم.
وحتى الإكراه الملجئ نفسه إنما يبيح لك ارتكاب المحارم فيما هو حق الله كالعقيدة والصلاة والصوم، ولكنه لا يبيح لك أبداً قتل الناس وحين يخير المسلم بين أن يقتل أو يقتل فإنه مأمور بكل تأكيد أن يتقدم الى مذبح الشهادة نقياً طاهر اليدين، وليس أن يعود إلى داره أسود اليدين وقد قتل أخاه.
وهكذا فإنه باسم الواقعية والمداراة خلقنا جيلا بوجهين وبلسانين وبشخصيتين، وباسم المدارة بررنا النفاق والكذب، وباسم المداراة زاد المستبد ظلماً وزاد الجائر جوراً.
من المؤسف أن العمائم التي اجتمعت في الشيشان تحدثت عن مظالم الفلسطينيين وأهل اليمن وليبيا والعراق، ولكنها لم تتمكن من قول حرف واحد على الكارثة الأشد إيلاماً في سوريا التي يتولاها ويرعاها وينفذها راعي المؤتمر نفسه، ولم يقل أحد من المشاركين إننا نناشد روسيا وقف قصفها للمدنيين في سوريا.
لقد كانت غايات المؤتمر الأساسية وفق منظريه ومنطميه أن المسلمين هم أبناء المذاهب الأربعة في الفقه والاشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وهذا الموقف خطير ومخيف لانه يضع عدة مئات من ملايين المسلمين خارج دائرة اهل السنة والجماعة، وهي دائرة الاسلام الصححيح كما أراد أن يقول منظمو هذا المهرجان …
ولكن الكارثة أن المؤتمر لم يجرؤ ان يقول للجيش الروسي توقف عن قصف المدنيين في سوريا، لم يجرؤ أن يقول إنهم أشاعرة وماتريدية وأحناف وشافعية وهذا هو حال كل السوريين الذين يقاتلون هذا النظام الظالم.
كانت رسالة المؤتمر واضحة في عمائم المشايخ الشاميين المشاركين وابرزهم المفتيان البزم وافيوني والشيخ توفيق البوطي وكانت بالطبع تكراراً لما سمعه الناس من أبيه: اضرب بيد من حديد… فجيش الأسد وحلفاؤه هو جيش الصحابة، وخصومهم هم السلفية والخوارج الذين لا يجوز أن ترحمهم في شيء.!!
ليس في تقديم المشهد بهذه الصورة القميئة أي مبالغة ولكنه شرح للواقع على مرارته وبؤسه، وقد يكون الأسى والحزن هو ما يدور تحت تلك العمائم المكورة التي تتعلل حيناً بالإكراه والإحبار وآخر بالحرص على الحل ونهاية الحرب، ولكن موقفهم هذا لا يزيدها إلا اشتعالاً ولا يزيد نارها الا ضراماً.
انها اذن القسمة الضرورية التي يقترحها المجددون التائهون في إعادة تقسيم العالم الإسلامي الى سنة ووهابية، أو صوفية وسلفية، بحيث يكون التسامح في الجانب الصوفي والتكفير في الجانب السلفي.
لست بالتأكيد موافقا على هذه القسمة السخيفة للفقه الإسلامي، ولا على التصور المقيت للتسامح في جانب الصوفية والتطرف في جانب السلفية، فالصوفية والسلفية تياران في التفكير الإسلامي وفي كل منهما كفايته من التسامح والتطرف، وإذا كنا قد تعودنا أن نشير إلى شدة ابن تيمية في فتاويه التفكيرية فلا بأس ايضاً أن نشير إلى فتاوى صوفية في التكفير لا تقل عنها شدة وإقصائية، وبحسبك ان تعود إلى فضائح الباطنية الذي كتبه الشيخ الصوفي أبو حامد الغزالي وهو يطالب ليس بقتال الطوائف المخالفة لأهل السنة، بل بقتلها على السبيل العمد والقصد والاغتيال ولو لم يظهر منها أي عدوان على الأمة!!!
وربما كان من المناسب القول ايضا ان فتاوى كفر تارك الصلاة وقتله هي الفتاوى الشائعة في المذاهب الأربعة ولم يقل أحد إنها شأن الوهابية والسلفية فقتل تارك الصلاة هو الرأي الراجح بكل أسف أشعرياً وماتريدياً، فيقتل كفراً كما أفتى الشافعية والحنابلة ويقتل حداً كما أفتى بذلك الحنفية والمالكية!!
بالطبع أرجو ان لا يفهم أحد من كلامي تبرير قتل تارك الصلاة بدعوى انها الفتوى الراجحة في المذاهب، فقتل تارك الصلاة عمل همجي مناقض بالمطلق لقول الله تعالى: لا إكراه في الدين، ولا نعلم في الإسلام كله نبياً ولاخليفة ولا سلطاناً ولا قاضياً قتل أحداً بدعوى أنه تارك للصلاة على الرغم من وجوج الفتوى إياها في كل كتب الفقه الإسلامي.
إن مقاومة التطرف لا تتم عبر شرط الأمة إلى نصفين جديدين، على نسق القسمة الملعونة القديمة سنة وشيعة، فكل هذه التقسيمات تبدو من وجهة نظري محادة لله ولرسوله، ويجب أن تكون القسمة الواضحة المبينة هي القسمة بين الخير والشر، بين العمل الصالح والعمل السوء، بين الأبرار والأخيار، بين الناس وبين المستبد، بين الظلم وبين العدل، أياً كانت المذاهب والأديان والملل والنحل والقبائل والأعراق، وهذه القسمة هي التي شرحها القرآن الكريم بواضح العبارة بقوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون؟

اضف رد