د.محمد حبش- مؤتمر الشيشان.. العمائم التائهة 10/9/2016

لم أشأ أن أكتب في مؤتمر الشيشان الذي انعقد الشهر الماضي فقد كانت الرؤية غير واضحة، ولكن بعد أن توضحت تماما الغايات والمآلات فإن من الواجب أن أضع القارئ الكريم برؤيتي وتصوري لهذا اللقاء الغريب.
ومع أنني أقل الناس افتراضاً لنوايا السوء ولكنني أعتقد أن المؤتمر قدم لبوتين خدمة مجانية خلاصتها أن الإسلام المستنير الروحاني السني يتفهم تماماً صواب مقاصده ونبل قنابله التي يلقيها فوق رؤوس السوريين وأنها ضرورة شرعية ومصلحة مرسلة واستحسان أصولي ضروري لتخليص المسلمين من وصمة التطرف السلفي التي يحاربها ببسالة الرئيس بوتين وفريقه من روافض الشرق الأوسط.
والمسألة الأولى في اللقاء هي أنه ينعقد على أرض روسيا الاتحادية بإشراف قائمقام الشيشان رمضان قديروف الذي يلبس كنزة رياضية عليها صورة التوكواندو بوتين أمير المؤمنين والكافرين والمقاومة والممانعة والفيتو وولاية الفقيه…
هذا هو جوهر المسالة والباقي تفاصيل…
تماماً كما تقوم الأوسمة بدورها على صدور الجنرالات المحاربين فقد قامت العمائم المتراكضة بهذا الدور وأصبح بإمكان الرجل أن يرسل رسالة نابليونية للأزهريين المجتمعين في غروزني بأنه قام بارسال جيوشه الى حميميم دفاعا عن بيضة الدين وإكراماً للمسلمين وأن يغزو ما يغزوه في سبيل الله وسيكتب في التاريخ أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وستصدر عبر هذه العمائم كتب سوداء عنوانها: بوتين الخليفة المفترى عليه!!!
ليس في هذه المقدمة الساخرة أي مبالغة فقد أرسل مثل هذا النص نابليون للأزهر، وتلاه الأزهريون في محراب الأزهر، وكتب كلاماً مثل هذا جنكيز خان في حربه على الخوارزميين، ثم هولاكو في اجتياحه لبغداد، ولم تكن بياناتهم تختلف في شيء عن بيانات بوتين القادم من أجل (الدفاع عن سمعة الإسلام الصوفي) من الذين اختطفوه من السلفية والوهابية.
وحده الغضنفر ترامب يقول على لسانه ما يدور في قلبه ولا مصانعة، فيما يفترش الآخرون فرش الدجل والكذب، ويا لهول خبايا ما يضمرون!!!
وحين قام ابن عفرين الشجاع سليمان الحلبي بقتل كليبر وكيل نابليون في عنف ثوري غاضب، لم يمنحه مشايخ الأزهر أي فرصة مجاملة أو تقدير لموقفه الوطني، ولم يقبلوا أبداً أن يقرؤوا في اندفاعه وغضبه على الكافر المحتل لأرضه أي شبهة تدرأ الحد، وأفتوا بإعدامه على الخازوق بعد حرق يده اليمنى حياً، وسطروا هذه الجريمة بسطور متزاحمة من الآيات والسنن والذكر الحكيم.
وهكذا في كل جيل كان هناك عمائم في خدمة الاستبداد يستخدمها حيناً ويركلها حيناً ولكنها تقوم بدور قميء لا يتصل أبداً بشرف العمامة ونبلها وطهارتها وما كوِّرت لأجله.
يقول المشايخ إنهم يمارسون الواقعية السياسية وفق منطق اليد التي لا تستطيع أن تقطعها بوسها وادعو عليها بالكسر، وإنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم!!!
لقد مارسنا الواقعية السياسية أكثر من عشر سنوات، وعلينا أن نعترف أن استخدامها كنطق تبريري لم يكن في معظم الأحيان مقنعاً، ولكن الواقعية السياسية قد يصح تبريرها حين لا يكون هناك رصاص يطيح بالأرواح ولا قصف يدمر المنازل ولا نابالم ولا فوسفوري ولا صواريخ كروز ولا جيوش ايرانية وروسية وطائفية تقاتل مع هذا النظام على الارض السورية، والواقعية السياسية بعد هذا القصف المتوحش ليست الا لوناً من الاستخذاء والفشل إن لم نقل انها التآمر والسقوط وانهيار الانسانية.
ولكن مسألة ارتباط المؤتمر بالأزمة السورية على خطورتها وتأثيرها السلبي ليست أسوأ ما في الأمر فقد ظهر تماماً أن المؤتمر متجه ليكرس انقساماً مريعاً بين المسلمين ليس على اساس اختلاف البرامج ولكن على أساس اختلاف الأشخاص، ومع أن المسلمين يعانون منذ عقود من انقسام سني شيعي، تحول من خلاف الى شتائم وسباب ومن سباب الى تخوين ومن تخوين الى حرب طاحنة تبذل فيها الأرواح وتدمر فيها المدن.
ولكن المؤتمر يطرح شكلاً آخر لتقسيم المسلمين هذه المرة بين السلف والخلف، بين ابناء المذاهب الأربعة وبين باقي المسلمين في الفقه، وبين الأشاعرة والماتريدية وبين باقي المسلمين في الاعتقاد!
والماتريدية والأشاعرة مصطلح قروسطي ماضوي أجزم أنه لم يسمع به ثمانون بالمائة من المسلمين وهو لا يعنيهم في شيء ولكن المؤتمر يقول إنه هو الإيمان وأتباعه هم أهل الهدى، والآخرون في ضلال مبين!!.
لا اعتراض لي على ما قدمه المؤتمر من أوراق بخصوص مواجهة التطرف وتعزيز الإسلام الصوفي المعتدل، فهي رسالتي ويشرفني أن أسير في أي ركاب يدعو إلى إحياء قيم التصوف الإشراقية البريئة، ولكن ما أملك توكيده هو أن الاعتدال والتطرف موجودان في كل بيئة تصوفاً أو تمسلفاً، وأن إطلاق وصف العنيف على كل توجه سلفي غير مستقيم، وهو دمغ لعدة مئات من الملايين في العالم الإسلامي بدمغة الإرهاب، وهو كلام غير معقول ولا مقبول.
ما أحب أن أصارح به أصدقاءنا في مؤتمر الشيشان هو أن فتاوى التكفير المريرة التي نعانيها ونواجهها ليست اختصاص الحركة السلفية وحدها ولا حتى الوهابيين منهم، على أنهم بالفعل أبرز الناشطين في فتاوى كهذه، ولكنها موجودة أيضاً في بطون كتب المذاهب الأربعة ،ولم يسلم منها مذهب من المذاهب، ولا أشعرية ولا ماتريدية، وفي مسالة قتل تارك الصلاة مثلاً فإن الراجح في المذاهب الأربعة هو وجوب قتله!! كفراً عند الشافعية والحنابلة، وحداً عند المالكية والحنفية!!! فأين تذهبون من خيار التطرف الذي يطوق أعناقنا ويحكم مصائر أبنائنا ويلقي بهم في أتون التطرف.
إنني لا أقلل من شأن فتاوى ابن تيمية السلفي في تكفير الطوائف، وقد كتبت فيها مائة مرة، ولكن نظرة مماثلة لما كتبه الصوفي الأشعري الإمام الغزالي ستحملنا على إدراك أن الرجلين يقرآن من مشكاة واحدة، على الرغم من قسوة الأول سلفياً ورخاوة الثاني صوفياً، وينص الغزالي في كتابه فضائح الباطنية زيادة على فتاوى ابن تيمية بأن واجب المسلم هو قتل الطوائف وليس قتالهم!!! ويقول بعبارة لا لبس فيها: ولو كان المطلوب قتالهم إذا قاتلونا فهذا هو حال كل معتدي، أما هؤلاء فيقتلون دون قتال، ويغتالون قصداً ويقتلون على فرشهم هم ونساؤهم، وتسبى أطفالهم فإن غلب الظن أنهم كآبائهم وجب إلحاقهم بهم!!
إن اصطفاف الأمة على هيئة سلفية وصوفية لن يقدم أي مشروع تنويري، على الرغم من إيماني بالجوانب الإشراقية التنويرية في تصوف الجنيد كما عبر عنه المؤتمر، وأزيد عليه العرفان الإشراقي الروحي الذي قدمه ابن الفارض وابن عربي وابن سبعين وجلال الدين الرومي، ولكن التصوف والسلفية تيارات عريضان يمثلان طريقة تفكير لنمط حياة شخصانية، ولا ينتجان مواقف موازية واضحة تجاه الأحداث، وتنمو في خضم الصوفية أشكال من التطرف لا تقل صدأ وخطراً عن تلك التي تنمو في تيار السلفية، والعكس بالعكس.
يجب أن يدرك المشاركون في الشيشان أن موقفهم ضد التكفير لا يصح أن يصدر في عاصمة تكفيرية أخرى، فبينما يكفر السلفية أهل التصوف، فإن موسكو تكفر أهل السنة جميعاً، وهذه المرة لا يطلق الفتاوى مشايخ موسكو بل جنرالاتها، ولا تكون الفتوى هنا شاناً يتصل بحساب الدار الآخرة في السعير والزقوم بل في صواريخ كروز ومنصات حميميم، وهي فتاوى تحرق بالنابالم الأسود وجوه (المخالفين من السنة) ونساءهم وأطفالهم وبيوتهم، وتقول هل من مزيد.
ويجب أن يدركوا أن مؤتمرهم لتحديد أهل السنة لا يجوز أن يصدر في بلد يصرح وزير خارجيتها بكل وقاحة أنه لن يسمح للسنة أن يحكموا في سوريا وأن المعارضين السنة كلهم متطرفون وهم هدف مباشر للقصف الروسي ولا يستثنى منهم أطفالهم ولا نساؤهم الذين هم حاضنة الارهاب السني…
كنت أنتظر أن يوجه المشاركون رسالة واضحة إلى القيادة الروسية التي تحتضن المؤتمر تطالبه بوقف قصفه للمدن السورية الثائرة باعتبار أن أهل المدن السورية أشاعرة وماتريديون ومن أتباع المذاهب الأربعة، والوهابية فيهم قليل، ولكن من قال إن جنرالات الحرب يتلقون فتاويهم من العمائم، إنهم يستهلكونها فقط، ولا ينتظرون منها أمراً ولا نهياً.
متى تكف العمائم عن التطوع للدخول في حروب لا تنفعها في شيء، وتكرس مكانها في محور التقسيم والتكفير طرفاً أبله يخدم الحرب وهو يحسب أن يدعو الى السلام، ويخدم الكراهية وهو يحسب انه يدعو إلى المحبة.

كم هو قميء أن تتحدث بلسان طائفي وأنت تؤمن أن الطائفية هي اكثر أشكال الخطاب كارثية ويؤساً.

اضف رد