د.محمد حبش- عاشوراء…كلمات في ذكرى أبي عبد الله الحسين…. 13/10/2016

كانت ثورته في وجه الاستبداد.. ولكنهم يأخذون ثورته اليوم إلى خدمة الاستبداد.
كانوا يقولون إنها انتصار الدم على السيف، ولكنها اليوم انتصار البراميل على الأطفال.
كانوا يقولون إنها حماية المراقد ولكنها اليوم الصواريخ التي تسقط على المساجد والمزارات والمراقد.
كانت ثورته للانعتاق من الظلم والتوق إلى الحرية ولكنها اليوم تقاتل من يتوق إلى الحرية وتكرس القهر والقمع والبطش والاستبداد.
وبدل أن يكون كربلاء يوماً أليماً في تاريخ الأمة، وكرباً وبلاء يجب أن تطوى آثاره المريرة ونستبدله بأيام النصر والعطاء والعمل، فانهم اندفعوا نحو ثقافة غير مفهومة تكرس العنف والدم طقس حياة، وسلوك تواصل، وثقافة كراهية تجعل كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء…!!
بالمناسبة فقد كان الامام الحسين أول من فهم المشهد على أنه مصيبة وكارثة وليس نصراً وسعداً، وحين سأل عن اسم هذه الأرض قالوا كربلاء قال كلمته الشهيرة إنه كرب وبلاء……
لم أنظر في حياتي نظرة سلبية إلى تقاليد المذاهب الإسلامية، أو مقدسات الأديان، مهما كانت مختلفة عما تعودناه، فقد تعودت احترام الآخر أياً كان مذهبه ودينه، وكرست حياتي للكفاح من أجل دين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان، وأمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم، ونبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء.
ولكن هذه الأحلام الطوباوية لا ينبغي أن تتحول إلى دروشة ساذجة، تتغابى عن مشاريع الكراهية التي تعصف بيننا كل يوم وتحيل آمالنا في التوحد إلى ركام.
وهذا اللون من العاشورائيات والتطبير والدم والضرب بالجنازير هو سلوك أنكره قبلي كثير من علماء الشيعة باعتباره بدعة في المذهب وليس نسكاً دينياً وإنما هو عادة حربية وقتالية، وكان بالامكان أن نكتفي بهذا الانكار من قبل مراجع الشيعة في العالم وعلى رأسهم العلامة الراحل الشيخ محمد حسين فضل الله طيب الله ثراه، فهم أبصر بالمذهب منا وأدرى بما أوصى به الأئمة الأطهار عترة البيت النبوي الكريم، ولا شك أن رصيد الحب والرحمة لدى الأئمة أغلب بكثير من نوازع الثأر الدامية لدى الدهماء الهائجة.
ولكن الأمر اتخذ طابعاً غير مقبول بالمرة وتحول من انفعال مذهبي إلى رسائل تهديد مباشر وسيوف مشرعة لقتال النواصب، والنواصب كما يحددهم رجال التطبير عادة هم السلفية والوهابية، فيما يتوسع الهائجون في تفسيره بحيث يشمل البكريين والعمريين والعائشويين والحفصويين، وباختصار كل من لا يشارك في لعن ابي بكر وعمر وعائشة وحفصة.!!
ولعل هذه الأفكار لم تكن قبل سنين قليلة إلا مخاوف مظنونة، ولم نكن نرضى أن نتحاور فيها نظراً لحساسية الشأن الطائفي واحتراماً لشركائنا في الوطن الذين يمتلكون تفسيراً مختلفاً لهذه المشاعر، ولكن مع اندلاع الحرب تحولت هذه الحلقات التطبيرية إلى كتائب مقاتلة، وسيوف وحتوف، ويكفي لفهم هذا المخزون الأسود من الكراهية أن تتابع ما تنشره قناة النجباء الناطق الرسمي باسم الكتائب العراقية الشيعية المقاتلة في سوريا، وهي كتائب حقيقية موجودة على الأرض تقاتل في حلب وتباهي كل يوم بقتلاها الذين تصفهم بالوهابية والسلفية من أهل حلب وقتل أبنائهم ونسائهم وجيرانهم أيضاً بوصفهم حاضنة للوهابية والسلفية، على الرغم من أن مهمة هذه الكتائب بالمعنى السياسي هي تشكيل جبهة نصرة للنظام السوري العربي العلماني الاشتراكي، وقد استدعاها النظام وهو يعلم أن مبادئها تتأسس على الكفر بكل ما هو سوري وقومي وعلماني واشتراكي، زيادة على مصيبة الموقف الأسود من النواصب وفق تصنيفات مقززة تبيح دم كل من يتهم بالوقوف في وجه المد الحسيني الفاطمي الذي يحملون لواءه.
إنهم يطبرون ويجلدون أنفسهم بالسياط والسكاكين ويغتسلون بالدم ويطلقون أغلظ الأيمان على الثأر من قتلة الحسين، وكنا نظن انهم يقصدون شمر بن ذي الجوشن وعبيد الله بن زياد ويزيد بنن معاوية، وأنم يريدون أن يصلوا إلى قبورهم ليفرغوا ما شاؤونه من نهمة الثأر، ولم يكن يعنينا هذا في شيء فليس لهذه الأسماء قبور ولا مزارات في سوريا ولكن هذه المشاعر تحركت صوب من يسمونه أبناء النواصب وسرعان ما انصرفت هذه الإرمازات الميتافيزيقية صوب القلمون والزبداني وحلب وأخواتها من مدائن الوجع السوري بوصفها حاضنة للوهابية والسلفية من قتلة الحسين!!!.
ولا يدرك ذلك المغسول بالدم أن قتلة الحسين صارت عظامهم مكاحل، وأن سوريا لا تحتفظ باحترام أي منهم وليس لهم في سوريا كلها قبر ولا ذكرى ولا ضريح ولا مسجد ولا صومعة ولا زاوية، وأن مساجد سوريا عن بكرة أبيها تزخرف باسم الحسين وعلي وفاطمة، وأن لا مسجد ولا مدرسة ولا صومعة ولا زاوية ولا قبة تزخرف باسم معاوية ولا يزيد، وأن ضحايا البغي الطائفي في رجال حلب ونسائها ممن اسمه حسين وحسن وعلي وفاطمة أكثر بمائة مرة من يزيد ومعاوية!!!
إنني بالطبع لا أريد أن يفهم القارئ من كلامي أنني أدين الناس بأسمائهم، فهذا اختيار آبائنا ومن حق المرء الفخر باسمه ونسبه كما يشتهي ولو لم نجد نحن فيه أي فخر ومجد.
هل يدرك أصحاب العصائب الحمراء القادمين مع جنرالات الحقد الطائفي أن البيوت التي يهدمونها داراً داراً مع الروسي المحتل في حلب كانت مزينة باسم أهل البيت وليس باسم بني أمية، وأن عشق الناس وحبهم لأهل البيت فطرة نشأ عليها السوريون قبل أن تقوم ثورة الخميني بأكثر من ألف عام.
نصف السوريين السنة اختاروا مذهب الإمام الشافعي الذي كان يصرح في كل مجالسه:
إن كان رفضاً حب آل محمد … فليشهد الثقلان إني رافضي
أما النصف الآخر من سنة سوريا فقد اختاروا مذهب أبي حنيفة الذي سجن مرتين: مرة في عهد بني أمية بسبب انتصاره لزيد بن علي، ومرة في عهد العباسيين بسبب انتصاره لعلي الرضا.
هل يقرا هؤلاء المقاتلون الدمويون القادمون بأوهام مغمسة بالدم أن الناس في سوريا يترضون عن الحسين وليس عن يزيد، ويبلغ اسم حسين في سوريا مائة ضعف اسم يزيد أو سفيان أو معاوية مجتمعين!!
هل يدرك هؤلاء أنه ما من سوري إلا وهو يعلم علم اليقين أن الحسين خير عند الله من طلاع الأرض من مثل يزيد، وهي حقيقة لا يخالفك فيها صوفي ولا سلفي ولا سني ولا شيعي، وقد تعودنا أن نقيم الاحتفالات بعاشوراء بمشاركة عدد من رجال الدين المسيحي السوريين، وقبل سنوات عقد مهرجان النجمة المحمية الخاص بفاطمة في كنيسة محردة في مشهد من الاخاء والتوحد قل ان يكون له نظير في العالم كله.
متى يدركون أن الصراع في سوريا لم يبدأ ثورة على المراقد، ولا ثورة على المزارات، ولم تكن زينب ولا رقية هدفاً للثائرين، وأن العصائب الحمراء التي جاءت تحت شعار لن تسبى زينب مرتين كانت تتجه إلى المكان الخطأ، فزينب تعيش بكرامة ونور منذ الف عام في بيوت السوريين وأكثر الأسماء رواجاً في سوريا هي أسماء الزيانب.
لست أدري هل يقرا الغاضبون القادمون من الفيزيق الأسود شيئاً من جدلنا ومقالاتنا البائسة وهم يحركون جيوشهم للقتال على أرض الشام الشريف.
لا يجهل أحد أن الثورة في سوريا كانت ثورة على الاستبداد والظلم والقهر ولم يحصل أبداً أن واحداً من السائرين في تلك المظاهرات المليونية الأولى كان يبحث عن راية يزيد أو معاوية، ويعلم كل مراقب أن المطالب كانت لا تتعدى الحريات وحقوق الإنسان وكرامة السوريين.
لا أعتقد ان منطقاً في الدنيا يمكنه أن يبرر الغضب الهائج الى الثأر للحسين وهو يرتكب كل يوم أضعاف المجزرة الحسينية، وأن الحسين الحقيقي المظلوم كما قال الشيخ الطفيلي تحت قذائف الروس وليس في بوارجهم!! وأن رضيع الحسين تحت أنقاض حلب وليس فوق دبابات الروس وبراميلهم.
لقد صرح المالكي وهو رئيس وزراء العراق في غمار حربه مع أهل الفلوجة وتكريت بأن المعركة مستمرة بين الحسين ويزيد، وحين انطلق الحشد الشعبي اختار اسماً واضحاً لا لبس فيه وهو لبيك يا حسين!! في إشارة واضحة إلى الأهداف الطائفية المباشرة من جيش كهذا، حتى أعلن حكماء العالم في الشرق والغرب أن مخاطر الحشد الشعبي على حياة الناس ومستقبل المنطقة قد تكون أكبر من خطر داعش، أو قل على الأقل إنهما في مراصد متقابلة في تبادل الحقد والشر والكراهية.
هل يدرك الراقدون والراقدات في هذه المراقد الشريفة كم يرتكب من الآثام باسم الثأر للحسين وزينب؟
وهل يقبلون أن تدك مدن بحالها ويقتل مئات الألوف ويشرد ملايين لتبقى مزاراتهم ومراقدهم في أمان؟
ومتى كان الحجر أقدس من الإنسان؟ ونحن في دين تؤكد نصوصه أن الإنسان أعظم حرمة عند الله من حجر الكعبة!!! من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً.
في النهاية لا أحتاج لمن يزاود علي ويذكرني بالجحيم الطائفي في الجانب الآخر من هذه الحرب، فقد كتبت مئات المقالات في التحذير من الطائفية البغيضة القائمة على أساس التعصب السني، وكتبت ردوداً قاسية على فتاوى ابن تيمية والغزالي، وكتبت ألف مرة ضد كل من يرفع شعار قتال النصيرية والرافضة، وكتبت باعتزاز عن أئمة الحكمة والعرفان في كل المذاهب بما فيها الشيعة والعلوية، وأعلنت أنه لا يمكننا أبداً أن نطفئ نار الكراهية بالكراهية، والحقد بالحقد، وهو موقف واضح تشاركني فيه كل الحناجر الطاهرة التي صرخت من البداية الله سوريا حرية وبس، واحد واحد واحد الشعب السوري واحد.
في فنتازيا تداولها المدونون أن نزاعاً نشب بين سنة وشيعة في مسجد بغربستان، وتطور إلى عراك بالايدي وحضرت الشرطة وأحالت الأمر الى القضاء وحين سأل القاضي عن سبب الخصومة قيل له إنها على الموقف من يزيد والحسين!
أمر القاضي باستدعاء يزيد والحسين للشهادة!
قال المحضرون: مستحيل… لقد ماتا منذ الف وثلاثمائة عام!!…
عند ذلك حكم القاضي بأن يحال المتخاصمون إلى مشفى المجانين!!
هل نحتاج خمسمائة سنة أخرى حتى ندرك ان التاريخ مكانه رفوف المكتبات، وليس قيادة الحرب على الأرض، وهل ستدرك الكتائب الطائفية سنية وشيعية أنهم يسيرون عكس حركة التاريخ، وعكس مقاصد القرآن، وهل سننجح أخيراً في تصديق الله تعالى في قوله: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون.

اضف رد