د.محمد حبش- يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم 30/1/2009

 ما الذي يجعل أهل غزة بعد ألف وخمسمائة شهيد وسبعة آلاف جريح ومدينة مدمرة بآلة الحقد الأسود يستيقظون من تحت الركام رافعين الأصبعين السبابة والوسطى يرسمون إشارة النصر (فيكتوري)، ويقولون: المجد للمقاومة!!!
لقد التقت القنوات الفضائية المختلفة العربية الأجنبية والصهيونية بمئات الناجين من مشهد الموت من نساء وأطفال، أطفال فقدوا أمهاتهم وأمهات فقدن أبناءهن، وشيوخ يبحثون عن أجداث أبنائهم بين ركام الموتى، كل الذين قدر لهم أن ينجوا من المحرقة تحدثوا بيقين، نحن هنا صامدون! لن يستطيع أحد أن يقتلعنا من جذورنا، لم نسمع طفلاً واحداً منهم على الإطلاق يقول بأننا تعبنا ومللنا، أو طفلاً يقول كما يقول (حكماء) الأنظمة العربية البائسة إن مقاومتنا متهورة متسرعة متطرفة!! وعلينا استبدالها بفريق هادئ وقور يشد شراعه في رياح السلام، ونريد من يأخذنا إلى قطار السلام، ويسقينا من عسل المحتل، وننام هادئين على أرائكه!!
ليس كذلك أبداً أطفال فلسطين ولا نساء فلسطين، بل كان نداؤهم دوماً: يا عدو الشمس لكن لن أساوم!!
من غير المعقول أن كل هؤلاء النسوة والأطفال كانوا مدربين على كلمات الصمود وأن المذيعين والمذيعات تولوا تحفيظهم نصوصاً خاصة للمقاومة تم إعدادها في إدارة التدريب المعنوي للمقاومة!! إنها في الواقع صيحات صدورهم ونفثات أفئدتهم التي رسمتها الأفئدة على الشفاه المعذبة البريئة!
قبل أربعين عاماً خاض الجيش الإسرائيلي حرب حزيران، كان يواجه جيوشاً عربية نظامية، ودولاً ومؤسسات في زخم المد الثوري القومي العربي، ولكن كانت النتيجة خلال أقل من ستة أيام أن غزة والضفة والجولان وسيناء سقطت بالكامل في يد العدو الصهيوني، ووجد مئات الآلاف أنفسهم تحت الخيام في موعد مع المجهول، وأصبح البر والبحر والجو مسرحاً لآلة العدو المدمرة وتحطمت الطائرات عند الفجر!!!
الآن بعد اثنين وأربعين عاماً فإن هذا الجيش نفسه رغم تغوله وتطور آلته الإجرامية المدمرة، ورغم الدعم الأمريكي الأعمى له ، ورغم أنه لم يكن في مواجهة جيوش نظامية كما هو الحال في حرب الأيام الستة، لقد كان في مواجهته شعب أعزل تمكن من صناعة بعض وسائل الدفاع بطرق بدائية، ولكنه أطلق ثورة المقاومة والجهاد صيحة غضب ونار لا تضعف ولا تلين.
وبعد اثنين وعشرين يوماً من الجرائم المتواصلة ينسحب العدو في أقل من أربع وعشرين ساعة تحت وابل من صواريخ المقاومة دون أن يستطيع تغيير أي شيء على الأرض على الإطلاق!!.
إنه الجيش الصهيوني نفسه الذي كان يحتل الدول وينشر الأساطير ويقول إنه لا يقهر وإنه ماض لتحقيق أحلام إسرائيل الكبرى يبحث اليوم عن مكان هادئ ضمن شريطه الساحلي الذي أيقن الصهاينة أنه قد استوفى مدَّه وأنه ماض إلى الجزر والانحسار وآيل بالتالي إلى الانهيار.
ربما كانت هذه الكلمات التي كتبها جلال الدين الرومي خير تعبير عن رسالة غزة وهي تقوم من بين الأموات!!
لقد شهد جلال الدين الرومي المشهد إياه الذي عرفه أهل غزة من القتل والموت والدمار، فقد ولد مطلع القرن السابع الميلادي في بلخ وانتقل إلى خوارزم التي كانت على موعد مع أول جحافل المغول الجرارة والتي حطمت خوارزم أمام عينيه ومنها انتقل مع أبيه إلى حواضر الإسلام من نيسابور إلى أصفهان إلى تبريز وشيراز وقزوين وبغداد وكانت عيناه ترقب في كل مدينة مصارع الأبرياء أمام الطوفان المغولي الهائج الذي أحرق الأخضر واليابس، وحين دخل المغول إلى بغداد واستسلم لهم الخليفة المستعصم أمر هولاكو بوضعه في كيس من خيش وطرح على الأرض ومشت فوقه خيول الجيش المغولي الجرار في مشهد مرعب ولكنه ليس اشد هولاً من إباحة بغداد للذبح ثلاثة أيام قتل فيها نحو الف ألف رجل من بغداد، وألقيت الحضارة الإسلامية في دجلة وسجل دجله على شطيه مآثر الحضارة الإسلامية وصار واضحاً للعيان أن المستقبل أسود قاتم، وأن الموت سيمحو رجال بغداد من هذا الوجود.
هناك في هذه الظروف السوداء بدأ جلال الدين الرومي يكتب رباعياته الخالدة، ومن خلال ركام الموت كتب جلال الدين فلسفة الأمل والحب والإشراق، وتوجه بيقين إلى نفس المؤمن التي كانت طافحة بالآمال الكبار ليكتب للتاريخ أن المؤمن لا يموت وأنه ينتقل من أفق إلى أفق، وأن رسالته في صناعة الحياة لا تتبدل حتى في عالم الموت الأحمر الذي يواجهه.
كتب جلال الدين الرومي قراءته للعالم بعد المأساة:
ربـما تذكر في العهـد جراحـي ودمـي ينـزف من هول الخطـر
وشـريـداً ورقيقــاً ضائعـاً ظلمـة السجن وأهـوال الحفـر
أنـا لا أذكر يـــا صاح القيود أنـا رغـم القيـد جبار وحر
ربما يطّوق الليـث الحديــد ويعاني الأسر في ضيق الحجـر
إنما يبقـى أميراً هـادراً وقيود الأسـر في زنديــه دُر

إنها روح شماء، تتصل بالملأ الأعلى، لا يعرف اليأس إليها سبيلاً، إنها روح أسود غاضبة قد تهدأ عن الجري والصياح وليست أبداً في وارد الاستسلام والهوان والخنوع، إنها كموج البحر الهادر لا تهدأ إلا لتشتد ولا ترتد إلا لتثور.
إنه يخط صمودها وثباتها بقلم قريحته، ويناجيك من ركام الدمار المجنون القاتل في غزة، يريد أن يصحح الصورة: لقد رآه العالم جريحاً كسيراً رهقاً ولكن لا يجوز أن ينسى العالم صورته وهو يحفر رسالة الخلود، وهو يبتسم في كفاحه على الرغم من مرارة جراحه:
أنا كالـروح وقـد أرهقهـا قفص الأبدان فــي دنيـا الممـر
أنا بــدرٌ إنمـــا قوسنـي ألم العشق وأضنانـي السهــر
سوف أغدو مشرقاً من غربتي وأعيش الدهر في كرٍ وفر
يا أهل غزة إن المؤمن لا يموت!! إنه أبداً كحبة القمح الطافحة بالأمل والرجاء، كذلك قال جلال الدين:
حبة القمـح وإن تدفنهــا تجعل الأرض مخـاضاً مستمــر
وإذا تطحنهـا صلب الـرحى فـهـي بعـد الطحن خبز للبشـر
وإذا تســـحقهــا أسنانهـم فهي للعاقــل روح وفـكـر
ما الذي تفعله آلة البغي بالأرواح المتوثبة للملأ الأعلى، والتي تشم ريح الجنة صوب بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا وخان يونس؟ رسالة الأمل التي تسكن فؤاد المؤمن أكبر من أن تصيبها عوارض اليأس، لم تتزحزح قناعاته أبداً أن الله خلق العالم من أجل نهاية سعيدة، وأن للباطل جولة وللحق جولات، وأن من يضحك أخيراً يضحك كثيراً، وأن من يبكي أخيراً يبكي كثيراً، وأن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم.

اضف رد