د.محمد حبش- دمشق والقدس… أرض التين والزيتون…توأمة روحية وتاريخية 4/2006

لماذا يرفض الفلسطينيون سايكس بيكو؟

لن أقدم هنا جواباً سياسياً خاصة أننا لم نعد اليوم أمام سايكس بيكو الاول الذي كان مشروعاً فرنسياً بريطانياً روسياً تم به اقتسام تركة الرجل المريض: الدولة العثمانية، بل نحن أمام تركة العالم الإسلامي المريض والتي تقتضي البداهة أن عشرات السايكس بيكوز يتم إعدادها تحت الطاولة وتتناوب على توقيعها إرادات مضبوعة تحمل ألقاباً كثيرة من الجلالة والعظمة والسمو والفخامة والنيافة..الخ.
فما هو إذن الجديد الذي يمكنك أن تقدمه في مجلة إلى الأمام بعد أكثر من تسعين عاماً على الدراسات والشروح السياسية حول سايكس بيكو.
أعتقد أن أهم ما يجب الانتباه إليه هو أن هذه الاتفاقية وما أعقبها قصدت إلى تمزيق أهم نسيج روحي يتدفأ به الشرق العربي، حيث ظلت دمشق والقدس أهم معلمين بارزين من معالم الروح في الأرض، تختزنان تاريخ الأنبياء، بأداء متناوب فريد لا يكاد يتشكل في أي مكان في الأرض، فدمشق مهاجر إبراهيم والقدس عاصمة رسالته، والقدس مهد المسيح ودمشق مهد المسيحية، والقدس مسرى محمد ودمشق منصة رسالته، والقدس عذابات المسيح وملحمته، ودمشق فسطاط الإيمان يوم الملحمة الكبرى، والقدس كانت مهد ميلاد المسيح وربوة دمشق كانت قراره ومعينه يوم فرت به أمه من بطش اليهود، وخلال تاريخ طويل فقد كان الحج الإسلامي لا يكتمل أداء إلا بالمرور عبر الشام وزيارة المسجد الأقصى ومراقد الأنبياء في دمشق، حيث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، أرض التين والزيتون.

من جانب آخر فإن بلاد الشام لها شغل آخر في الريادة الإسلامية فهي الأرض الوحيدة التي حرك إليها النبي الكريم جيشه خارج جزيرة العرب وهو يردد اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا في إرادة واضحة لرسالة التحرر التي ما فتئ يتطلع بها صوب الشام ، وعلى مداخل الشام الجنوبية عن يسار القدس يرقد ثلاثة من رجاله المقربين زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة على ثرى مؤته في إشارة واضحة ترسم ملامح أول أبطال استقلال في تاريخ الشام.
وتتوالى إشارات النبي الكريم الواضحة في الدور المركزي للشام في رعاية الروح في الأرض طوبى للشام ولم يا رسول الله لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها، والشام فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى في ارض يقال لها دمشق في غوطتها هي خير مدائن الشام يومئذ.
ولم يخطئ أصحاب النبي الكريم هذه التوجهات فسرعان ما نقلوا عاصمتهم الحضارية إلى الشام وأطلقت دمشق في ضمير العالم أكبر حركة فتح ظافرة، وحملت مشروعها التحرري بوسائل العصر الذي أدركته إلى آفاق العالم الأربعة وخلال أقل متن قرن أصبحت دمشق عاصمة لحضارة تمتد من السن على الأندلس ، وهي حضارة تضاهي في عظمتها حضارة الإسكندر غير أنها لم تمارس بطشه، ومنحت الشعوب التي نعمت بالحكم الإسلامي دوراً غير قليل في رعاية التوثب الحضاري.
وهكذا فإن الدور التاريخي للشام بحاضرتيها التاريخيتين القدس ودمشق ظلت منتظر إشراقات الزمان الآخرة وهي التي جعلت حنين المسلمين في العالم أبداً صوب الشام الشريف على أنها أرض المحشر والمنشر، واليوم يتحدث المسلمون عن الشام على أساس أولها شام وآخرها شام، وإليها كان تأوي عن قصد جموع المهاجرين من كل مكان في العالم ينالهم فيها اضطهاد أو ظلم على أساس أنها أرض الشام الشريف.
لدينا في بلاد الشام حضارة فريدة بكل المقاييس، هنا يبدو الدين جزءاً من هوية الوطن، فحين يكون الدين عند الغرب ثقافة وافدة يعتنقها من يشاء يبدو الدين في الشرق وفي بلاد الشام تحديداً جزء من تكوين هذا الوطن، سوريا تسمى في الشرق الإسلامي أرض الشام الشريف وتسمى في الغرب المسيحي أرض الشام المقدسة، هذا البلد فيه التراث الديني الذي يحج إليه العالم، لا يمكنك أن تصلي في المكسيك إلا إذا كنت تتذكر في صلاتك عذابات المسيح، إن السيد المسيح جاء هنا هو ابن هذا الشرق، هو سوري بامتياز، علينا أن نتذكره وهو يقود نضاله الثوري ويقلب موائد الفريسيين في وجه الاتجار بالدين واستغلال الناس، لا يمكنك أن تصلي في أندونيسيا إلا أن تتذكر في صلاتك بلاد الشام التي صلى فيها النبي، لا يمكنك أن تقرأ هذا التاريخ من دون أن تكون واعياً لدور الدين في صناعة مجد الشام، إننا نقرأ هنا مشهداً حضارياً مختلفاً، وعلى هذا ينبغي أن نعلم أن تعاطي المشهد الديني في بلاد الشام يختلف عنه في بقية أنحاء العالم.
يمكن لدعاة ماديين أن يقامروا بالدين في ألمانيا والسويد والبرازيل وغيرها, إنهم يتحدثون عن ثقافة وافدة لكنك هنا في هذا الشرق في بلاد الشام تتحدث عن ملح الأرض وتاريخ الأرض عن محمد والمسيح, ومن أجل ذلك فإن كل دراسة للشرق تحيد هذا الحس الديني فهي دراسة فاشلة, وأي مشروع نهضوي يتجاهل الدين فإنه اتجاه سيبوء بالخسران.
لقد حكم العراق بعلمانية صارمة نحو أربعين عاماَ وحين أتيح للناس أن يعبروا عن أنفسهم ديمقراطياً عادت العمامة من جديد لتحكم في العراق، وبعد أربعين عاماً من تسلم فتح زمام العمل الفلسطيني فإن كل شيء تغير مع أول جرعة من الديمقراطية وتبوأت حماس الإسلامية موقع القيادة البرلمانية بأغلبية مطلقة.
وليس من المبالغة في شيء أن نقول إن أي نضال سياسي أو اجتماعي في بلاد الشام يغيب الدين من برنامجه فإنه سيجد نفسه مباشرة في مصادمة مع المجتمع ومع التاريخ ولن يكتب له الفلاح.

لا يمكن قراءة تاريخ المنطقة إلا وفق تصنيف ثنوي جد صارم قبل الفتح الإسلامي وبعده، حيث غير الفتح الإسلامي شكل البلاد من التبعية إلى الاستقلال ومن كونها تابعة تسويقية لبيزنطة إلى كونها عاصمة لحضارة ناهضة مستقلة، ومن كونها فضولاً ثقافياً إلى كونها مركز إشعاع حضاري وبالتالي موئلاً للعروبة الهائمة التي لم تجد أفقها وصفاءها إلا في ظلال الحكم الإسلامي.
وعانت سوريا خلال القرون الأخيرة من تسلط إرادة الغرباء مجدداً عليها، ونجحت مقاومتها في النهاية في الخلاص من النمط البيزنطي الثاني (العثماني) ومن النمط الصليبي الثاني (الفرنسي) ووجدت نفسها على شاطئ الاستقلال من جديد.
ولكن استقلال بلاد الشام طرح أسئلة في غاية الصرامة بشأن الأقليات والشرط الديمقراطي والخلاص من تأثير باريس والأستانة، وقد دفعت هذه المخاوف بالطبقة السياسية إلى تجنب إدخال الديني في السياسي، وربما كان رجال السياسة يندفعون باتجاه التجربة الأوروبية التي خاضت حروباً طويلة من أجل الفصل بين الدين والسياسة، ولم تنته تلك الحروب إلا بمعاهدات مذلة قاسية ألجئ الباباوات إلى قبول نتائجها المهينة، وانتهى الأمر على حد ما وصفه إقبال:
ليت شعري كيف يسرى موكب الشرق الغضوب
ليت شعري ما يرى الآن وفي أي الدروب
هيج الألمان حول الدين إصلاحاً عريقاً
بدد الأسرار لم يترك بها بيتاً عتيقاً
أصبحت منه هباء عصمة الباب العجوز
واستفاق الفكر لا يعرف شيئاً لا يجوز
منذ أن ثارت فرنسا بدأ الغرب العراكا
لم تعد تبصر فيها بعده إلا ارتباكاً
هي ذي روما التي شاخت على العهد القديم
تحتسي خمراً جديداً معها البابا نديم

إن التجربة الأوروبية كانت تقتضي نتيجة واحدة وهي غياب دور حقيقي مؤثر للدين في الحياة السياسية وإرغام الكهنة على الوقوف داخل أبواب كنائسهم دون المشاركة في الحياة من الجانب العملي
ولكن هل كانت بلاد الشام فعلاً مضطرة لسلوك كهذا؟ وهل كان ذلك ممكناً؟ وهل انتهى الدور الذي قامت به دمشق والقدس متكاملتين بحيث يتعين اليوم البحث عن جلد جديد للمدينتين، ودور جديد يتناسب مع المشروع الأمريكي المتغول؟؟
إن الرسالة التي كانت تؤديها القدس ودمشق في التاريخ متجاورتين، تبعث في النفس اليقين أن الرسالة التي غنتاها مشتركتين في التاريخ يمكنها اليوم أن تجدد الحياة في ناي الخلود، وأن تقدم مزيداً من الجمال لروح الحياة، وتكرس من جديد رسالة الشرق كرائد عالمي للروح في الأرض.
ماذا يخبئ العلم الفلسطيني تحت مثلثه الأحمر؟
إنها بالتأكيد دماء الشهداء، ولكنني أقرأ فيه أيضاً سهماً واضحاً يظل يشير إلى دمشق توأمة الروح ووصال الآمال والشق الآخر لسمفونية الكون التي عزفت خلال التاريخ على وتر الروح، في أرض التين والزيتون التي صارت قبلة الروح لثلاثة أرباع سكان الكوكب الأرضي.

اضف رد