د.محمد حبش- رمضان انقلاب اجتماعي كامل يطال كل مناحي الحياة 11/2005

على الرغم مما يلقاه الشعب الفلسطيني من عناء فإن مشهد رمضان وبهجته ودلالاته وفوانيسه وموائده لا تزال في فلسطين تعيش عصرها الذهبي على الرغم من الإيديولوجيا التي تقول إن العبادة والنسك هي شيء يلتفت إليه الإنسان بعد أن يستوفي حاجاته المادية، على أساس أن غياب خبز الشعب وأرزه سيحول دون أي تأمل فلسفي، وأن الفلسفة مرحلة متأخرة في سياق حاجات الإنسان، وأن الجائع لا يستطيع أن يتأمل في قيم فلسفية، ولكن وبكل تأكيد فإن رمضان يقول خلاف ذلك!!

واضح أن الصوم من أكثر مناسك الإسلام شعبية في العالم الإسلامي ، بحيث يمكن أن نتحدث عن أكثر من مليار صائم من دون أن نتهم بالمبالغة في شيء ، وهنا يمكن القول أن الصوم هو النسك الديني الذي يلتزمه أكبر عدد من الناس في وقت واحد !
إن تقرير مثل هذه الحقائق الموضوعية لا يجوز أن يتوقف عند حدود الاغتباط والبهجة، إن الأمم الواعية تنظر إلى المسألة من جوانب عملية، فحين يتم حساب الأشياء بمقاصدها، فإن الأمور يمكن توجيهها إلى مصالح الخير العام، بحيث ينظر إلى ذلك في إطار الطاقات الكامنة التي تتطلبها الأمة في كفاحها وسعيها المتواصل.
الصوم مشقة وربما لا نتلمس معاني المشقة فيه في صوم الشتاء هذا ولكن عندما يأتي الصوم في الصيف فإن المسائل تغدو أكثر وضوحاً ، والأمر نفسه حين تتذكر أن الصوم فرض في الحجاز عندما كان الحر على أشده حتى إنهم قالوا إنما سمي رمضان لشدة الحر الذي صادف افتراضه على الناس فيه .
والآن كيف يمكن أن يكون هذا الصوم مظهراً لبناء جيل رسالي؟
الإسلام ينهج منهجاً فريداً في بناء الإنسان فحين يحرم على الذكور الحرير والذهب لم يكن ذلك بدافع اقتصادي بدليل إباحة ذلك للمرأة ومعلوم أن تزين الرجل بالذهب لن يبلغ أبداً عشر ما تتزين به المرأة ، ولكنه كان موقفاً رسالياً يراد منه بناء جيل عقائدي لا يعرف الدعة والرفاهية في سبيل حمل الرسالة التي ادخرته لها الأيام .
كثيراً ما نتخيل أن هذه المقاصد الإسلامية من بقاء الجهاد حكماً شرعياً ماضياً إلى آخر الدهر هي من مبالغات (المشايخ) وأن الزمان قد تجاوز ذلك ، وأن عصر العلم والتكنولوجيا دفع عن الناس غوائل الحروب ولم يعد أمام الشعوب إلا الجلوس قبالة الكومبيوتر والأنترنت والنتميتنغ والنت فون وغيرها من أدوات العولمة الطاغية ، لنحقق بذلك ما تصبو إليه آمالنا في التقدم والازدهار .
وددت ذلك ولكن قراءة بصيرة لواقع الإنسان في القرن العشرين وكوارث الصدام المتواصل بين الأطماع المسعورة والنوايا الطيبة تجعلك تدرك بوضوح أن إنسان اليوتوبيا (الطوباوي) لا وجود له إلا على أوراق الفلاسفة وأن الإنسان مدعو في هذه الحياة لممارسة الكفاح والعناء حتى يتحصل له العيش الكريم .
إن أهلنا في فلسطين الذين فرضت عليهم اليوم المواجهة العنيفة يعيشون أيضاً في مطلع القرن الحادي والعشرين، ويعرفون استخدام الإنترنت والمالتيميديا ، ولكن قدر المواجهة مع الغاصب الغادر فرض عليهم أن يزجوا بصدورهم العارية في مواجهة الرصاص المتفجر وهو ما تصفه كثير من مذيعاتنا (الدلوعات) وفق التضليل الإعلامي المبرمج بقولهن (الرصاص المغلف بمادة رقيقة من المطاط) والذي يعطيك إيحاء مقصوداً بأن هذا الرصاص ليس إلا شكلاً من أشكال المزح اللطيف لا يؤذي ولا يجرح وكأن الدماء الحمراء التي تنبعث من جراح هذا الرصاص الغادر ليست إلا مبالغة فلسطينية ذات أهداف إعلامية !.
إن تربية الجهاد التي تبعث الحماس في قلوب أبناء فلسطين وتقود جهادهم ، هي في الواقع ضمانة المواجهة وبالتأكيد فإن توهين تربية الجهاد في نفوس هؤلاء سيأخذ الجيل بأسره إلى حانات العجز والخور .
لا يوجد في الواقع أي ضمانة أن القدر الذي كتب على إخواننا في فلسطين غير قابل أن يتكرر أيضاً في بلاد إسلامية وعربية أخرى، ظالما بقي المشروع الصهيوني المدعوم أمريكياً قائماً في المنطقة.
يبقى الصيام شاهداً واضحاً على إرادة الإسلام في إبقاء جذوة الروح الجهادية متقدة فعالة، فحين يمتنع الشاب عن رغائب الجسد وهو عليها قادر وهي منه قريبة فإنه حينئذ يستعلن بملء إرادته أن الإنسان ليس محض نوازع الجسد إنه أقوى من ذلك بكثير إنه الروح التي تتحدى الصعاب وإنه قادر أن يرتفع فوق رغائب الجسد عندما يدعوه الواجب لذلك ، وستكون روحه عندئذ على كفه حين يتحدى الموت في سبيل الرسالة.
يحدث عامر بن الطفيل قال : لما أرسل النبي  بعثه إلى بئر معونة وكنا أهل جاهلية غدرنا بهم فلما تمكنت من حرام بن ملحان طعنت بالرمح طعنة أثبتته ، فلما تفجر الدم من بطنه ملأ راحتيه دماً ومسح به وجهه وقال : فزت ورب الكعبة!!
قال عامر فقلت في نفسي : والله ما فاز أنا قتلته!!
فما زالت كلمته تلك في خاطري حتى شرح الله صدري للإسلام.
لقد كان جيلاً فريداً ذلك لجيل الذي حمل أفراده على كواهلهم عناء العالمين ، وتوجهوا في أطراف الأرض ، وكانت تربية الجهاد التي نشؤوا عليها تحمل لهم عبير الجنة فترتفع آمالهم عن حطام الدنيا ورغائبها .
وهكذا فإن الصوم جزء من هذه المدرسة التربوية التي يريد الإسلام أن ينشأ عليها شباب الأمة تمنحهم زاد الاستعداد للأيام الفاصلة عندما يناديهم الواجب.
أنقل لك هنا ما أخبرني به سفيرنا السابق في الإمارات الأستاذ علي عمران، قال: ذات يوم قال رابين لأركان حربه : كم عدد العرب في مواجهتنا ؟ الجواب عدة مئات من الملايين! قال : كلا ..إنني أحصيهم في صلاة الفجر في المساجد!! هؤلاء في المقام الأول يهددون حقيقة كيان إسرائيل!!
ألا تشعر الآن بدقة تعبيره وأنت تراقب الانتفاضة المنبعثة من رحاب الأقصى المبارك؟؟
فهل تتوجه برامج رمضان الإعلامية باتجاه إحياء هذا اللون من مقاصد الصيام ؟
وهل نشعر حقيقة بأن الصوم لا يزال يحمل للصائم تربية الجهاد أم أن المطبخ الرمضاني نسف ذلك كله ووقف بالصائمين عند عبارة الأول : احملوا أخاكم فقد شبع!!

اضف رد