د.محمد حبش- الأطفال وصناعة الموت…2016/10/26

ومما علّمناه في مدارسنا أن النبي الكريم عقد اللواء لأسامة بن زيد وهو ابن ستة عشر عاماً ليقود حملة غزو لفتح بلاد الشام في جيش كان يضم كبار الصحابة….

وأن سمرة ورافع كانا طفلين صغيرين في الثالثة عشرة تنافسا على المشاركة في القتال يوم أحد، فأمرهما الرسول الكريم أن يتصارعا ثم أجازهما معاً للقتال في أحد.

ومما علمناه في مدارسنا أن معاذ ومعوذ ابني عفراء وكانا طفلين صغيرين تناوبا على ضرب أبي جهل عمرو بن هشام في معركة بدر وأن عملهما هذا صنف جهاداً وتضحية وبطولة، وأن أطفالنا يجب أن يشاركوا في الحروب بهذه العزيمة القعساء ويضربوا بأسيافهم وقنابلهم في وجوه الأعداء.

ومما ندرّسه في مدارسنا أن الرسول الكريم تلقى رأس أبي جهل مذبوحاً محزوزاً مجروراً على الأرض بخيط وقد نال منه التشويه والتعذيب والتشفي كل منال، ثم لما وضع الرأس بين يديه سجد شاكراً لله تعالى على مقتل فرعون هذه الأمة، وأنه راح يكافئ الطفلين الذين قتلاه، وطلب أن يرى سيفيهما فلما تأكد أنهما والغان في الدم اعتبر أن كلاً منهما بطل مجيد وكرمهما بعبارات الثناء الكبير ووعدهما رغد الجنة، وقد اندفع الطفلان لقتل آخرين من المشركين، فلماذا ننكر إذن أن تستخدم داعش انتحاريين من الاطفال ضد المشركين والمرتدين من العلمانيين والموالين؟.

فكيف نستغرب بعد ذلك من تجنيد الأطفال على يد داعش، ونحن نقول لأطفالنا لقد كان أسلافكم من الأطفال محاربين ومقاتلين جلبوا لنا المجد؟

ولكن ما لم ندرّسه لطلابنا أن روايات قتل أبي جهل بهذه الطريقة قد رويت كلها من طريق محمد بن إسحق الذي قال عنه الإمام مالك إنه دجال من الدجاجلة….

وما لم نقله لهم هو أن نجاح المسلمين في قتل ابي جهل الذي جاء من مكة إلى بدر غازيا محاربا معتدياً لا يعني تأليف حكايات الشماتة والتنكيل والدعس ورفعها الى مقام النبوة وتأليف نصوص تسيء الى مقام النبوة أكثر مما تحسن إليه.

وما لم نقله لهم هو أن القرآن الكريم عتب أشد العتب على الرسول نفسه يوم توعد بالتمثيل بجثث المشركين ثأراً لحمزة، فنزلت الآيات الكريمة: ليس لك من الأمر شي!! وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.

وما لم نقله لهم إن القرآن الكريم ينهى بنص واضح وصريح أي تنكيل بالجثث أو إجهاز على جريح أو قتل لأسير كما تنص الآية الواضحة في سورة محمد، فإما مناً بعد وإما فداء.

وما لم نقله لهم أن هذه الأحداث وإن حصلت لا ينبغي أن تكون مستنداً شرعياً لتجنيد الأطفال وأنها تعكس ثقافة عصر كانت فيه الطفولة مسحوقة لا تحميها قوانين دولية، وأن ما تحقق من حماية للطفولة في النهاية هو هدف إسلامي كريم قبل ان يكون مطلباً إنسانياً دولياً.

ومما ندرّسه في معاهدنا ومدارسنا أن القاسم بن محمد الثقفي البطل المجيد قاد بنفسه مائة زحف في بلاد ما وراء النهر وكان عمره سبعة عشر عاماً وأنه استباح بلاداً كثيرة فقتل شبابها وسبى نساءها واسترقّ أبناءها ورفع راية الإسلام عالية خفاقة….

ويتناوب كتاب التاريخ الاسلامي على اختلاف مشاربهم بالتغني والإشادة ببطولات الفاتح الصغير، وإثبات أن الفتى في سن السادسة عشرة قادر أن يكون محارباً وقائداً عسكرياً، ويتناوب مؤرخونا على منح الألقاب: فاتح السند، أسد الله، الطفل القائد، مع زفرة غاضبة من غياب أطفالنا عن معارك الجهاد!! وأن الأمة لم تغلب إلا حين صرفنا الأطفال عن الجهاد وحولناهم إلى مدارس الموسيقا والفنون والعلوم!!

ولكن ما لم ندرّسه لأولادنا هو أن محمد بن القاسم الثقفي لم يكن بنظر معاصريه من السلف الصالح ملاك رحمة، وإنما كان غازياً من القساة الفاتكين، وأن منصبه الرفيع في الجيش كقائد فيلق عظيم وهو ابن ستة عشر عاماً لم يكن إلا مظهر فساد إداري مارسه ابن عمه الحاكم الظالم الحجاج بن يوسف ليكون أحد سيوفه الفاتكة في الشرق، وأن شبابه الضاري الذي أنفقه في الحرب لا يجعل منه قديساً ولا قدوة في شيء، وأن غزوه لم يكن يلتزم في شيء مما روي عن الرسول الكريم من الرحمة والتسامح والغفران، وأنه اقتيد مغلولا مكبلا إلى العراق ليواجه عقوبة السجن في واسط بعد ثبوت اغتصابه لابنة الملك الهندي صيتا بنت داهر، وهناك سجن حتى الموت.

سيفه الفتاك وهو ابن سبعة عشر عاماً لم يكن سبب إسلام تلك الشعوب إلا إذا صدّقنا المستشرقين أن الإسلام لا يتنشر إلا بالسيف، وقناعتي أن الإسلام كان قادرا على الإنتشار في الأرض بغير هذه السيوف الفاتكة، التي أدخلت شعوبا بحالها في الدين راغمة غير راغبة، وتركها تضمر في نفوسها حقداً لا ينتهي بسبب فتك الحجاج وأعوانه.

على كل حال مات محمد بن القاسم وهو شاب مراهق قبل وصول عمر بن عبد العزيز الى الحكم بثلاث سنوات، حيث أمر بإعادة النظر في هذه الفتوح كلها، وأمر عدة جيوش بالإنسحاب من البلاد المفتوحة بعد أن ثبت أن الفتح كان تغلباً وقهراً وفق منطق الحجاج الثقفي الدموي المستبد، وليس وفق قيم الإسلام ومبادئه، وكان عمر بن عبد العزيز يتوعد الحجاج وأعوانه بحساب عسير ويقول: والله يا بني أمية لو جاءت كل أمة بذنوبها وجئتم بالحجاج لغلبتم سائر الأمم.

الأطفال يجندون في الحرب على يد داعش، والعالم يستنكر هذه الجريمة، ولكن الدواعش لا يعنيهم نقدنا في شيء، وحين يقدمون الأطفال إلى ذبح المرتدين على مدرج بصرى فهم يضيفون بهم بطولات جديدة الى (التاريخ المجيد) على نفس سياقه وسباقه وحده ومطلعه!

هل ندرك أننا نروي التاريخ ببلاهة، ونعتبر كل ما كان فيه مجداً وبطولة، ونعلمه لطلابنا بغاية الإعجاب والدهش، ثم نختبرهم فيه، ولكننا في النهاية نستغرب حين يلتحق أطفالنا بهذه الثقافات السوداء، ويتخرجون انتحاريين ضد أعراسنا وأفراحنا وأبريائنا.

لست ساذجاً لأعتقد ان هذه الاعمال الانتحارية التي مارسها أطفال جاهلون قد تمت بعد حوارات فكرية وتراثية، وبراهين عقلية ونقلية، إنها في العمق صناعة استخباراتية لئيمة، ولكن هذا التراث الأسود الذي نرويه بفخر هو أحد أهم أدوات قوى الشر الاستخباراتية التي تتقن رواية التاريخ الأهوج للمسلم الغاضب المقهور من الظلم والتآمر الدولي، ولو أننا علمنا التاريخ بطريقة واعية، ونزعنا وهم القداسة عن سلوك الغابرين، تماما كما قال القران الكريم: نتقبل عنهم احسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، لو فعلنا ذلك لكان الوعي المجتمعي كفيلاً برد هذه المكائد التي جعلت من أطفال السوريين جزءا من برنامج صناعة الموت.

اضف رد