د.محمد حبش- الحشود الطائفية وعصف الكراهية…2016/11/12

أعلن قيس الخزعلي رئيس ما يعرف بعصائب أهل الحق، أن الحشد الشعبي هو ولي دم الحسين وهو معني بمهمة محددة وهي الثأر من قتلة الحسين!!

ويعلن الرجل بلا خجل أن المقصود بقتلة الحسين هم أهل الموصل وأهل حلب، وأن رسالة الحشد الشعبي لن تتوقف حتى تقضي على قتلة الحسين!!…. وفي تعقيب مباشر يقول إنهم أحفاد قتلة الحسين ويجب أن ينالوا جزاء ما فعله أجدادهم.

وما أبرئ الضفة الأخرى، ففيها أيضاً من فتاوى التكفير وتوعد الروافض والمجوس والباطنية ووجوب قتالهم ما يملأ المجلدات، وهكذا يعيش الانفعال اليوم عصره الأشد قتامة وسواداً وجاهلية.

وهذا الإعلان هو واحد من ألف إعلان يسمعه الناس اليوم مترافقاً بصور فظائع وجرائم يرتكبها هؤلاء القساة بمن يقع في أيديهم من (قتلة الحسين) من أهل الموصل أو الفلوجة.
كان يمكن أن تبقى هذه التهديدات اللئيمة صورة فارغة من الخطاب الأبله لو ان الرجل لا يمثل إلا عمامته السوداء وما فيها من جهل وقتل، ولكن الرجل يتحدث كما يقول ناطق رسمي باسم عشرات الآلاف من الغاضبين الشيعة الذين تم تجنيدهم على أشد وسائل البطش دقة ومكراً لدق آخر إسفين في نعش الوحدة الإسلامية والأخوة الإسلامية….

ومع كل هذه المأساة فإنني لا زلت مقتنعاً بأن هؤلاء ليسوا إلا جهلة الشيعة وأشرارهم، ولا زال في المجتمع الشيعي الكريم الذي يعد نحو 300 مليون مسلم من يرفض هذا الجنون ويختار الإخاء والعقل نهجاً واضحاً للعلاقة بين المذاهب والطوائف.

إنها دعوة صريحة للعقلاء من الشيعة لتحمل مسؤولياتهم في وقف هذا الجنون الطائفي الدموي الذي لا يمت بصلة لعقل ولا منطق، ويكرس مكان الشيعة في ضمائر المسلمين حركة لطم وتطبير مسكونة بالحقد الأعمى على سائر المسلمين بوصفهم قتلة الحسين.

لست أدري أين كان هذا الجنون الطائفي الأسود، وعهدنا بكبار الشيعة وعقلائهم الوعي والبصيرة والحكمة، ورفض الانجرار وراء اي طوفان طائفي لئيم…

وخلافاً لهذه الثقافة الفاجرة فإنني أعيد التذكير بزعيم الشيعة في سوريا ولبنان العالم المجتهد المجدد (محسن الأمين العاملي)، وأقدم للقراء الكرام رؤيته المجيدة في الإخاء الإسلامي وهي الرؤية المنيرة التي نراهن عليها في علاقتنا بالشيعة المعتدلين الذين لا يؤمنون بصيحات الجنون هذه ولا يؤمنون بالمشروع الفارسي الصفوي الدموي الذي يتجه لتمزيق وحدة الأمة الإسلامية وتدمير مستقبلها.

كانت رسالته هنا في سوريا أن يبعث إرادة العمائم منابر للوصول إلى الوحدة والتسامح، على سبيل من البصيرة واليقين.

حين أعلنت فرنسا مشروعها الخطير بإقامة مجلس ملي للشيعة في سوريا، وحمل المندوب السامي هذا الإعلان الكبير للسيد محسن الأمين العاملي وهو يتوقع أن يلقى من السيد الثناء والإعجاب، نظراً لما كان يحوط بهذا المجلس من امتيازات وإشارات ومناصب، فوجئ بموقف الشيخ الرافض بالمطلق لهذه الامتيازات والألقاب جميعاً، وقال له كلمته الشهيرة:

هذا أمر لا أخط فيه بقلم، ولا أنطق فيه بنَعم، ولا أتحرك فيه بنغم !!

وعندما تكرر العرض من الفرنسيين، مشفوعاً بما يمكن أن يخسره الشيخ إذا هو خسر العرض الفرنسي، خاطبهم السيد بروح حرة أبية:

إنني موظف عند الخالق، ومن كان كذلك، لا يمكنه أن يكون موظفاً عند المفوّض السامي يأتمر بأمره ويتحرك بإشارته.

لقد قال كلماته تلك وكأنها تنزيل من التنزيل أو سطور من الذكر الحكيم، وحين قال كلماته تلك لم يكن العالم قد سمع بالمذابح الطائفية التي تسبب بها الاحتلال الأمريكي في العراق، ولم يكن الناس قد سمعوا بمجازر باميان ولا بافتراءات كاشان، ولم يكن الناس قد سمعوا بتفجير المراقد وحرق خيام العزاء وتفجير جسر الكاظمية وخنق الناس في نفق المعيصم، وفظائع داعش والحشد الشعبي وغيرها من الكوارث السوداء المدلهمة التي عادت على الناس بأسوأ الشر والأذى باسم الطائفة وباسم الفرقة الناجية.

كان يدرك تماماً أنه يعيش في عاصمة التسامح والمحبة في الأرض، في دمشق، وتحديداً في الحي الدمشقي العتيق الذي يضم من شواهد التاريخ ما تغتني به أمة عظمى ويملأ متاحفها ومدارسها وشواهدها بالأوابد، حيث مرقد النبي يحيى ومحراب الوليد وقبر صلاح الدين ورؤيا بولس ودار ابن ميمون ومرقد ابن عساكر، وكان يتجول بين حي الأمين وشارع اليهود والطريق المستقيم وقبة النسر وما تعنيه هذه العجائب من ظلال إسلامية ومسيحية ويهودية تتوزع في اثنتين وعشرين طائفة بالتمام والكمال لكل واحدة منها رؤاها وتأملاتها واختياراتها وقبلتها ومحرابها وسواريها تتجاور في هذا الميل المربع الأكثر غنى وعراقة في العالم.

كان يطوف في محاريب الأموي الستة بين علم الشافعي وفقه مالك وقضاء أبي حنيفة ورواية أحمد ثم يعرج على المحراب الخامس حيث يرقد رأس الإمام الحسين وفي محراب زين العابدين كان يذرف عبراته بشوق المحبين، بين المحاريب الخمسة للشام الشريف وما ترمز إليه من إخاء المذاهب الإسلامية وروحانيتها، ولم يكن لينسى المحراب السادس حيث القداس والمذبح إلى جوار ضريح النبي يحيى الذي تركه المسلمون عن عمد في قلب المسجد الكبير شاهداً على التسامح والتشارك والإخاء.

قبل ستين عاماً رقدت روح الشيخ الطاهرة في جوار الأم العظيمة زينب الكبرى على بوابة دمشق، وخرجت دمشق كلها في وداعه، ولا نعرف فقيهاً من فقهاء السنة إلا مشى في ذلك النعش المهيب كرامة للحسين وأبناء الحسين…..

هكذا كانت الشام، قبل أن تظهر عمائم الحقد وسلاح الانتقام الفاجر الذي حول رسالة الجهاد إلى فجور طائفي عنيف لا مكان فيه للعقل ولا للإخاء.

هذا التراث الأبيض الذي عشناه قروناً طويلة مع القلوب البيضاء من أبناء دمشق يدفعنا إلى طرح السؤال الكبير: إلى أي مرجعيات سوداء ينتمي هذا الحشد الهائج وهذه العصائب وتمارس أبشع الفظائع ضد الناس بخلفية طائفية قذرة لا صلة لها بأي خطاب عدالة أو رحمة او كرامة.

اضف رد