د.محمد حبش- مقاومة بقيادة بوتين…تشرين أول 2016

 

اسرائيل هي العدو التاريخي للعرب والمسلمين، وربما كان هذا هو السطر الوحيد المتفق عليه بين سائر الحركات الدينية والسياسية في العالم العربي والاسلامي، وتحت هذا العنوان حققت المقاومة انتشارا كبيرا على المستوى السياسي والشعبي بوصفها ارادة المسلمين والأحرار للوقوف ضد مشاريع الهيمنة والتوسع والحرب التي تقودها إسرائيل.

ومنذ اجتياح اسرائيل للجنوب اللبناني وما أعقبه من مآسي ومجازر قامت أول حركة للشباب المقاوم في لبنان بقيادة الشيخ صبحي الطفيلي في بعلبك التي تحولت بشكل متسارع إلى حركة المقاومة الاسلامية التي اتخذت بعد ذلك اسم حزب الله.

لم يكن في خيال المؤسس الشيخ صبحي الطفيلي ورفاقه أبداً أن هذه الحركة الجهادية الاستشهادية ضد العدو الاسرائيلي ستصبح ذات يوم عنفاً طائشاً أهوج تحكمه أجندات سياسية طائفية واستعمارية تضرب مباشرة في أعناق العرب والمسلمين وتقول إنها تستهدف إسرائيل، وتقصف في حلب والقلمون ودرعا وحمص وتقول إنها في الطريق إلى القدس!!

اليوم يقف الشيخ صبحي الطفيلي نفسه صارخاً في برية المقاومة التائهة، وقد أبقاه الدهر ليكون شاهد عيان على انحراف مريع في سلوك العنف المقاوم، وانتقال قيادة هذه المقاومة من جبل عامل ومرجعياته في النجف الأشرف إلى الكرملين مباشرة حيث يقود المقاوم المجاهد الغازي بوتين الذي تم اختيار لقب مناسب له السيد أبو علي بوتين ليقود المقاومة بروح الحسين وجهاد علي وسيف ذي الفقار إلى آخر المهزلة.

يقاتل اليوم حزب الله والنجباء والفاطميون ولواء أبي الفضل العباس وكتائب زينب في حلب باسم المقاومة الاسلامية تحت قيادة مباشرة من عساكر أبو علي بوتين الذي يشرف مباشرة على غرفة العمليات في حميميم، ويعلن وحده دون سواه موعد الحرب والسلم والهدنة والاشتباك

القيادة السورية وقيادة الأحزاب الطائفية التائهة في حلب لم تعد تملك شيئا من قرار الحرب والسلم، لقد باتوا مثلنا يسمعون في الأخبار، القرار بالكامل روسي بوتيني، وبوتن لم يعد يمنح الجيش السوري أو قيادة الاحزاب المقاتلة أي فرصة لإعلان الحرب والسلام، والتصريح عن خطط المستقبل، فهذا كله دلع لا مبرر له، وهو على يقين أن المقاتلين تحت لواء الدب الروسي لا خيار لهم الا التسبيح بحمده مهما استصغرهم وتجاهلهم وأهانهم واحتقر مبادئهم وشعاراتهم ومصائرهم، وفي المعارك الأخيرة في حلب يولول أتباع القيصر الروسي على اشتعال الأرض تحت أقدامهم فيما يرى القيصر الروسي بصراحة أن لا مبرر للقتال في هذه المرحلة.

المقاومة الاسلامية التي تأسست في النبطية وبنت جبيل وجبل عامل ضد عدو يحتل الأرض اللبنانية والفلسطينية تتحول اليوم إلى كتائب رخيصة تمضي في هوى الروسي المستكبر الذي لا يباليهم باله، وتقاتل تحت لوائه وفق خططه وبرامجه وأهدافه وغاياته التي ليس في أولها ولا آخرها ولا أوسطها أي كلمة تتصل بالقدس أو فلسطين أو المقاومة أو حق العودة بل إنه يعلن مباشرة أن عملياته في سوريا تتم بالتنسيق اليومي مع إسرائيل!!

لا يتضمن هذا الكلام أي نص اتهامي للمشروع الروسي، فالرجل سجل خلال العامين الأخيرين أكبر نسبة تواصل مباشر مع الكيان الاسرائيلي، وربما كان أكثر رئيس في العام التقى نتنياهو، وحين كان في مراحل اتخاذ القرار بالتدخل في سوريا أرسل رئيس مخابراته الى دمشق ليبلغ النظام السوري بقراره إرسال القوات العسكرية الى سوريا، ولكنه ذهب بنفسه إلى الكيان الإسرائيلي ومعه جهاز دولته ومعه 400 رجل أعمال واقتصاد روسي بمشاريعهم وشركاتهم وبرامجهم وموالاتهم وبرامجهم، ومن تل أبيب كانت بداية انطلاق المشروع الروسي في سوريا.

لا يجد الروسي أي داعٍ لممارسة أي نفاق لمصلحة المقاومة التي تقاتل بأعلامها الصفراء والسوداء والحمراء تحت رايته، ولم يجد أي مبرر ليقول لهم يوماً مثلاً إن الفلسطينيين يملكون أي حق للعودة أو دخول القدس أو النضال في سبيلها، وبدل ذلك فإنه أعلن مراراً انه وريث البيروسترويكا الروسية التي زودت إسرائيل في التسعينيات بمليون مهاجر روسي يهودي أصبحو اليوم أهم قوة ضاربة في بنية جيش الحرب الإسرائيلي.

وفي مشهد يعكس عمى الفريق الممانع يعلن بوتن عن أكبر مناورات عسكرية يقوم بها الروس في البحر المتوسط مع حليفهم المركزي إسرائيل وترقص الطائرات الروسية مع الإسرائيليين في وضح النهار ثم تذهب في الليل إلى حلب لتلطم مع كتائب المقاومة والممانعة وتمضي بإصرار نحو قتل الشعب السوري الثائر.

شخصياً لا ارى في السلوك الروسي أي شيء يثير الاستعراب، فهذا هو ظاهره وباطنه، وماضيه وحاضره، ومقاله وفعاله، وسياسيوه وعساكره، ولم يعدل شيئا منها على الاطلاق مراعاة لمشاعر المقاومين والممانعين والمزمجرين ضد العدو الاسرائيلي الذين باتوا بدرورهم يصرخون نشيد المقاومة في النهار ويبيتون على فراش الروسي في الليل.

هل يتذكر المقاومون شعارات الفداء والتضحية والمقاومة والممانعة التي كانت ترفض أي تناقض عربي عربي أو نزاع اسلامي اسلامي على اساس ان التناقض الوحيد هو مع العدو الصهيوني وأن المعركة هي فقط في فلسطين وان مدافع المقاومة لا تتجه أبداً إلا نحو الجنوب وأنها ماضية فقط إلى حيفا وما بعد حيفا.

لا أحب أن أشارك في سوق الاتهام الرخيص ولكنها الحقيقة التي تدفعنا لمراجعة عميقة لكل شعاراتنا البائسة، والاعتراف بصراحة أن المقاومة والممانعة أصبحت محض سخريات لا تقنع أحداً وأنها باتت تمارس العنف الأعمى ضد الشعب الذي ظل يغني للمقاومة والممانعة عشرات السنين ثم استفاق مصدوماً على هذا الواقع الأسود.

لا يحتاج الموقف الروسي إلى تسريبات من ووتر غيت أو ويكي ليكس، فالرجل لا يتهم في سريرته حيث تكفي علانيته، ولا يحتاج ان يغير أقواله فهو يعلنها على رؤوس المقاومين إننا نعمل في سوريا بتنسيق كامل مع الاسرائيليين وإن أي عمل عسكري في سوريا لن يستهدف أبداً أي مصالح إسرائيلية حيوية.

إنها اللحظة المناسبة تماما لتذكر وصايا رسول الله الخالدة حين حذر مراراً من القتال تحت راية عمية!! وأي راية أعمى من راية مقاومة ضد اسرائيل يقودها حليف إسرائيل!! وأي راية أعمى من راية تقول إنها ذاهبة إلى إسرائيل ولكنها تصل إلى حمص وحلب!! وتلقي كل جحافل حقدها على رؤوس السوريين، ثم تقول بعد ذلك كله: إننا مقاومون ممانعون للمشروع الصهيوني!

إن أدنى صحوة ضمير للمقاوم التائه هي أن يلقي سلاحه ويتوقف عن الدخول في حرب لا تتصل بشيء من أهدافه ورسالته وما نذر نفسه لأجله، وأن رأس فضائل الجهاد والمقاومة هو الفرار من الزحف الأعمى، والتوقف عن قتل إخوانك من المسلمين والعرب من أجل مشاريع استعمارية لا تزعم سراً ولا جهراً أنها معنية بأي حق فلسطيني في القدس.

اضف رد