د. محمد حبش- رحيل مؤرخ السيرة…2016/11/27

مروان شيخ الأرض في ذمة الله..

رحل أمس المؤرخ السوري مروان شيخ الأرض مهندس السيرة النبوية الكريمة عن عمر قارب الثمانين.

وبرحيله تفقد سوريا وجهاً من أبرز رجالها العاملين في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، وأحد رموزها التي تحظى بقبول واسع على كل المستويات في الشارع الإسلامي في سوريا.

ترك مروان شيخ الأرض سلسلة كتب مطبوعة أغنى بها المكتبة العربية ولا زال عدد منها أوراقاً معدة للنشر، تنتطر من يكملها ويقدمها للناس.

ومن المدهش أن للراحل الكريم تلامذة كثير في الموالاة والمعارضة، وقد توالى على نعيه ثوار وموالون، وقدمه كل فريق أستاذاً عميقاً في فهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وحاجة ضرورية لمشروع كل منهم.

ومروان شيخ الأرض لم يكن بعيداً عن الحدث في سوريا وقد تركه القدر في الداخل شاهداً على التيه السوري في هذه الدياسبورا الرهيبة، التي تستعصي على التفسير، وكتب في ذلك كتابه الشهير أخلاق الحرب في السيرة النبوية.

لم يقدم مروان شيخ الأرض رسول الله على أنه نبي أعزل، ولم يقبل ان يروى عنه من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن سلب رداءك فأعطه إزارك، ولكنه قدمه على صيغة: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم، وقدمه بصورة: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.

ووقف بالقارئ الكريم أمام رسول الله في ساعات المرحمة وفي ساعات الملحمة، وفي ساحات الحب وساحات الحرب، والتقط من مواقفه في الحرب والسلم تلك الروح النبيلة التي كانت تشفق من مصارع الأعداء، وتجتهد أن تحقن الدماء ولا تفرح بطبول النصر.

كان يكتب هذه الحقائق ويؤلمه أن يكون فرح السوريين في هذه الأيام اللئيمة هو مصرع خصومهم، ولم يكن يرى أن الإنسان خلق شراً أسوأ من هذا السلاح المجنون الذي لا يفرق بين الظالم والمظلوم، ويبطش في كل اتجاه وخاصة حين يتولاه محاربون قساة لا قلوب لهم ولا رحمة في جوانحهم.

في يوم فتح مكة قدم شيخ الارض لوحة فريدة لقائد ظافر، خرج من مدينته مهاجراً شريداً هارباً من سيوفهم وسجونهم، ولكنه عاد إليها بعد سنين منتصراً عزيزاً، ومع ما كان في خياله من ذكريات الأسى والشراد والغربة والبين والمرارة والغدر ولكنه لم يشأ أن ينتصر لآلامه أو يثأر لجراحه، بل اجتهد أن يكرس كفاحه كله للغفران، وحين وقعت في يده تلك الرقاب العنيدة التي حاربته عشرين عاماً ولا تزال، وتمكن منها بغير عقد ولا عهد قال لهم بروح النبوة: ما تطنون أني فاعل بكم؟ قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

كان في قدرته أن يبسط فيهم سيف القصاص جزاء وفاقاً، وهو مؤيد بالنبوة ويقود جيشاً عرمرماً فيه رجال يسربلون بالحديد ولا تبدو منهم إلا الحدق وكلهم ينتظر ان يثأر لشهداء كثير سفكتهم سيوف الجاهلية الرعناء ولكنه لم يشأ أن تراق قطرة دم واحدة في الانتقام، واختار خطاب المحبة والوئام.

كان في قدرته أن يجعل مصارعهم أول طقوس الفتح العظيم، وأن يجعل من جثثهم طعاماً للطير، ولكنه اختار أن يحعل منهم صقوراً حازمة تحطم بسيف العدل أوهام الجاهلية.

لا أزعم أنه كتب للثورة ولا للجيش، ولكنني أجزم أن ذلك كان في خفق قلبه وإن لم يجر به حبر قلمه، لا تفرح بمقتل عدوك ولا يبهجك دم مهراق، فالسلاح أعمى، والحرب جنون، والسيف الذي كان يبحث عنه سعد بن أبي وقاص يقطع الظالم ولا يقطع المظلوم لم يخلق بعد، ويبدو أنه لن يخلق أبداً، ولن أفرح لمقتل روح ولو كان قاتل أبي وعمي، أليس قد وقف أمام رسول الله وحشي بن حرب قاتل عمه وهند بنت عتبة آكلة كبده، ولكنه تسامى فوق جراحه وتناسى ألمه وحزنه وقهره وأصر أن يبني دولته بالعدل والإحسان ويحقق رسالته في الوئام والمسامحة ولو كان ذلك على حساب جراحه وقهره.

يمكن اعتبار السيرة الكريمة التي كتبها شيخ الأرض تأسيساً لمنهج البصيرة في قراءة التاريخ النبوي، فقد تعودنا أن نقرأه مجللاً بالأسرار، ومكللاً بالكرامات والعجائب، يظلله الغمام ويكلمه الضب وتأتيه الأشجار ساجدة على ساق بلا قدم، وبدلاً من هذه الميتافيزيقيات كتب شيخ الأرض سيرة الرسول الكريم قائداً تحررياً متوثباً يظهر في سيرته ذلك الكفاح النبيل الذي خاضه بعزيمة وثبات وانتصر فيه يوماً وانكسر يوماً، ونحج في معركة وأخفق في أخرى، وكانت حربه سجالاً، يوم لك ويوم عليك.

هكذا يمكنك أن تقرأ في أعمال المؤرخ الراحل سيرة نبي جاء ليخرج الناس من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن، ومن بوارق العجائب إلى زنود الكفاح البشري، وقد ساندته الأقدار يوماً وعاكسته أياماً، ونجح أن يحقق بنور العقل وكفاح الزند مشروعه النبيل تخطيطاً وتنفيذاً وإنجازا وبناءً.

برحيل مروان شيخ الأرض تفقد سوريا أحد أهم مؤرخيها، وهو دفقة من نزيف مرير في سوريا لم يتوقف منذ سنين، تعاون فيه حصاد الموت وحصاد الشراد، ولا زالت طاحونة الحرب تقذف في رحى الموت كل يوم عقولاً جديدة ونفوساً نبيلة.

خالص العزاء والوفاء لأسرة الفقيد النبيلة، وكلي رجاء وأمل أن تجد تلك الأوراق الأخيرة المتراكمة على طاولته سبيلها إلى المطابع فتنضم إلى ما سلف من دراسات وبحوث تضيف رصيداً غنياً للمكتبة العربية، ووعياً جديداً بثقافة الحرب والسلام.

اضف رد