د.محمد حبش- هل ما نحن فيه محض إنتقام إلهي؟ 6/11/2016

 

أفرزت الأحداث الدموية الهائلة التي عصفت بالمنطقة هزةً هائلةً في الفكر والمعتقد، وأوجبت قيام مراجعات عميقة للعقيدة والشريعة في #الإسلام.

وبات سؤال: أين الله؟ وأين عدالته؟ في كل ما يجري أكثر الأسئلة انتشاراً على ألسنة الناس، وأعتقد أنه بات لزاماً وحتماً فتح هذه الأبواب المغلقة وطرح الأسئلة الكبيرة بلا مواربة ولا مجاملة.

ووجد رجال الدين مادة خصبةً لوعظهم وترهيبهم للناس، وانتشرت في الفترة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي أفلام تعرض الكوارث والمصائب ثم تتلو في أعقابها آيات القرآن الكريم لبيان أن كل ما ينزل بالناس من كوارث وفجائع إنما هو حصيلة ذنوبهم.

وعلى سبيل المثال الأشرطة التي ما زالت تنتشر للتذكير بطوفان تسونامي و #تايلاند وزلزال #أغادير وزلزال #أزمير وأن ذلك كله كان بسبب انتشار الفساد والدعارة والانحلال.

وفي الكارثة السورية المريرة يتناوب اليوم واعظون كثير على وصف ما يجري من ظلم وقمع وقهر وقصف وتدمير على أنه جزاء وفاق وعدل واستحقاق يناله الشعب السوري المسكين بسبب تقصيره في الصلاة والصيام وممارسة بعض المواطنين فاحشة الزنا وتعاملهم بالربا!

ولست أدري ما الذي يريده الواعظ حقاً حين يصور أشد ما في العالم من بغي ومكر وشر وحقد ثم يربط ذلك مباشرة بإرادة الله وحكمه وأمره! أو مكر الله وكيده وبطشه! ولمصلحة من نصوّر الله تعالى على أنه ذات ماكرة مستهزئة كائدة تتربص بعض الخطايا من المستهترين حتى تنزل جام غضبها وثارها وانتقامها على الصالح والطالح، والمحسن والمسيء، والراضي بالعصيان والرافض له والساكت عليه والغافل عنه !! وتبطش بأولادهم وذرياتهم وأحفادهم والناظرين إليهم بسوء أو بإحسان!!…

يتم ذلك كله تحت عنوان الدعوة الى الله!..يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية!!!.

لقد أدى هذا الأسلوب إلى موجة إلحاد عارمة قادتها العقول الغاضبة ضد الأساليب الانتهازية للواعظين التي تسيء أول ما تسيء للذات الإلهية، وتعيد قيام المجتمع على أساس من الميتافيزيق والسحر والشعوذة بعيداً عن السنن الإلهية التي أحكم الله تعالى بها إدارة العالم.

لا شك أن القرآن الكريم طافح ببيان الغضب الإلهي على الأفراد والحكام والشعوب الذين يرفضون هديه وأمره ونوره، ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون.
والحقيقة أن الآيات الكريمة أكثر من أن تحصى في ترتيب أسباب الهلاك والسقوط على انغماس الناس في المعاصي وإضاعة المعروف وركوب المنكر.
والحقيقة أن هذا الفهم يقود مباشرة إلى تساؤلات مريرة وخطيرة إذ كيف يمكن لله تعالى الرحيم العادل أن يرضى تعذيب الأبرياء والأطفال لمجرد خطايا الأشرار وذنوبهم، وإذا كانت هذه الأقدار عقاباً على الكفار فلماذا تقع إذن على المسلمين والمتقين والموحدين؟ وكذلك في الأتقياء والمتورعين والمتعبدين؟؟؟

وهل يليق الانتقام بهذا الشكل المريع بالذات الإلهية التي تتصف في التعبير القرآني بالعدل والرحمة والحنان والود واللطف والإحسان.

وفي الفقه السياسي فإن هذه المادة الوعظية جاءت تبريراً مجانياً لجرائم المستبدين والظلمة الذين لا يرون في سلوكهم المتوحش إلا تنفيذاً لأمر الله وإرادته وفق تعبير الحجاج أشد ولاة التاريخ الإسلامي قسوة وتوحشاً بقوله: إنما أنا سوط الله في الأرض يؤدب به من عصاه!
والحقيقة أن هذا الفهم غير مستقيم ولا يمكن اعتباره موقف الإسلام من النوازل والكوارث، وبمزيد من التعمق في أدلة الشرع نفسها يمكن فهم وجه آخر للمسالة.

فقد نزل بالأنبياء بلاء عظيم وسجن #يوسف سنين طويلة ونكب #أيوب في عافيته وبدنه وعذب #زكريا ونشر بالمنشار وقطع رأس #يحيى وذاق #المسيح درب الجلجثة وطرد الرسول من #الطائف وضرب بالحجارة حتى سال الدم من رأسه إلى أخمص قدميه، وفجع بعمه حمزة ومثل بجثته، وأبيد من أصحابه سبعون رجلاً يوم أُحد وثمانية وثلاثون يوم معونة، وأصابه الجوع والفاقة حتى شد الحجز على بطنه من الجوع، وذاق مرارة فقد الأم وذاق مرارة فقد العم، وذاق مرارة فقد الزوجة، ورزق تسعة من الأولاد دفن بيديه ثمانية منهم تحت التراب .
فهل يسوغ القول بأن ما لقيه الأنبياء من كوارث وفتن كان بسبب سوء أعمالهم وأن الله كان يعاقبهم عقاباً أليماً، وذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون؟

لقد صرح النبي الكريم بذلك بقوله: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

فهل يمكن أن يكون هذا البلاء عقاباً من الله تعالى عليهم جراء أفعالهم القبيحة؟

بالطبع لا يقبل فقيه ولا واعظ أن يقول هذا.
الإسلام يقسم الأقدار إلى ثلاثة أنواع: زيادة حسنات أو تكفير سيئات أو رفع درجات، والبلاء الذي ينزل بالناس لا يعدو واحدة من ثلاث، وهذا أفق حر للمراجعة والمحاسبة والمساءلة، فهناك بالفعل أقدار تعانيها الشعوب الإسلامية نتيجة الجهل والفساد والغدر وسوء الطوية، والذين مارسوا هذا الشر يعلمون أنفسهم جيداً ولا شك أنه يرعبهم وعيد الله في القرآن للمستكبرين والبغاة، وهو هدف هذه الآيات الشديدة التي جاءت في ترهيب المستكبرين.

وهناك شعوب وأفراد وأطفال نزلت بهم الكوارث كونية أو اجتماعية لا يد لهم فيها ولا سلطان لهم على تغييرها، وهؤلاء تمنحهم الشريعة نعمة الإيمان بالقدر والبحث عن حكمة الله فيه، وتمنحهم الصبر بأن ما نالهم هو رفع لدرجاتهم وزيادة في حسناتهم، وإن أصحاب البلاء حين يرون ما أعد لهم في دار الكرامة نم عوض وخير ينسون ما ذاقوه من مرارة القهر، ويودون لو قرصت أجسادهم بالمقاريض جزاء ما يرون من رحمة الله وغفرانه!!

أما اتهامهم بالتسبب في الكارثة واعتبار تقصير آبائهم في الصلاة أو الزكاة أو انتشار الدعارة أو الخمر في المجتمع سبباً لما يجري هو تبرير خاطئ بكل تأكيد، وهو اتجاه يهدم عدداً من ثوابت الشريعة وأصولها ، ونعد منها:

عدالة الله تعالى، إذ لا يليق بعدالة الله أن ينزل العقاب بالأبرياء، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
تبرير الاستبداد الذي يرى في توحشه وظلمه قدراً إلهياً وعقاباً ربانياً على ذنوب خفية، وليس إرادة مكر وظلم وقهر يمارسه الظالمون.
سيادة الجهل وغياب العلم، والانصراف عن السنن الالهية التي فرضها الله لمنع الكوارث الكونية والاجتماعية من الاستعداد والبحث العلمي وتطوير وسائل النجاة.
التحول إلى الاستسلام للأقدار وتسويغها وتبريرها والبحث عن أسباب الكارثة في الميتافيزيق بعيداً عن السنن التي أمر الله باتباعها وانتهاجها.
متى سنكف عن تحميل السماء وزر إخفاقاتنا وخيباتنا؟ ومتى نؤمن أن الله خلق العالم وشق سمعه وبصره وخلق له سننه وأقداره، وجعل سر ذلك كله في العلم فمن ملكه ملك أقدار الله. وأن الأقدار كما خلقها الله علمية وحيادية وموضوعية. تحكمها الفيزياء وليس انفعالات الواعظين.

اضف رد