د.محمد حبش-عبادة القوة 12/12/2016

 

مع صعود اليمين الفرنسي وانتصار ترامب والانتشار الروسي الجديد بدا واضحاً أن العالم يسير نحو دورة عنف جديدة، شعارها عبادة القوة، والبطش العسكري وسلطان القوة الماحقة.

ربما يكون القدر المشترك بين المتحاربين في الشرق الأوسط التعيس هو الإيمان بشريعة الغاب، فالقوة وحدها هي التي تبوئ الفريق المحارب مكانه على الجغرافيا، ويستوي في هذا التقدير المحاربون الروس والشيعة والنطام وداعش، ولا شك أن هناك معياراً واحداً تبنى عليه مشاريع المتحاربين وهو البطش العسكري والقوة الماحقة، ولم يعد أحد يتحدث عن حقوق تاريخية أو شرعة دولية أو سيادة وطنية، وأصبح المشهد برمته داروينياً نيتشوياً هتلرياً، البقاء فيه للأقوى، وأصبح الرصاص وحده يرسم خريطة المستقبل وأمانيه.

لا شيء متفقاً عليه في هذه الحرب، فالخلاف في كل صغيرة وكبيرة في الأهداف والأسباب والغايات، والبرامج والمظاهر والأجندات، والأحلاف والأعراف، والأفكار والمبادئ، ولكن الاتفاق تام في قبول حكم القوة وأن الغاشم وحده هو من يستحق النهاية، وفي المشهد الجديد للحرب لا يقدم المتحاربون براهين عقلية ولا نقلية لتبرير ما يجري، حتى أبو بكر البغدادي فإنه لم يجد ما يدعوه للظهور في شريط تلفزيوني يتحدث فيه لأنصاره ولا لأخصامه عن المرحلة، فالمسألة باتت مسألة قوة وبطش، وكل واحد عارف شغله في هذه الحرب المجنونة والمنتصر هو من سيتكلم ولا شيء غير هذا.

فهل نحن على أبواب عودة عصر البطش، وهل ارتدت البشرية من جديد إلى عصر الظلمات، وأعادت الاحتكام لطبول الحرب من جديد وأشعلت هذه المرة حرباً حمراء ضارية، وهل سيقلب الزعماء الغاضبون الجدد في أوربا وأمريكا موائد العالم رأساً على عقب وينطلقون مسعورين إلى الحروب الجديدة في ظل هذا الانهيار الأخلاقي المشين.

يقتضي الصعود الحضاري كما يشرح جودت سعيد أن تكون الإنسانية متوجهة إلى حكم العقل وإنهاء حكم العضلات، لحساب عصر العقل والأخلاق، فقد انتهت الحرب عند الكبار وأصبحت خرافة من التاريخ، وانتقلت تلقائياً إلى عواصم البلاد المتخلفة التي لا تتقن حل شيء بالديمقراطيات والحريات واحترام الرأي والرأي الآخر.

كانت هذه الأفكار تحظى بشعبية كبيرة في مطلع القرن الجديد، الذي أعقب الثورات البرتقالية التي قضت على الاستبداد في أربع عشرة دولة متوسطة بدون إراقة دماء، وتوجت المرحلة بهدم جدار برلين وما يرمز له من شقاق الأمم والنقسامها ودخلت الأمم عصر الشنغن وبدأ الألف الجديد برفع الحدود بين الدول الأوربية وبدا كما لو أن القارة العجوز قد أنجزت بالتمام والكمال مشروعها التنويري وودعت عصر الحرب ودخلت عصر السلام.

في تلك الفترة كنت أكتب كل يوم في عشرات الصحف العربية والمحلية وكان خطابي واحداً هو أن الحرب أصبحت من الماضي وأن المستقبل للسلام والخير والوفاق الإنساني، وكانت كل المؤشرات تقول لقد دخلت الانسانية عصر السلام، واكتملت الأفراح مع دخول القرن الجديد وسقط جدار برلين وما يرمز له من انقسام واصطفاف وأعلن عام 2001 عاماً لحوارالحضارات وتحالفها وبدا كما لو ان العالم ماض باتجاه الأسرة الإنسانية الواحدة.

ولكن حساب الحقل لم يطابق أبداً حساب البيدر، وفي يوم الحادي عشر من أيلول من عام حوار الحضارات قامت حملة غضب مجنونة لواحة للبشر، لا تبقي ولا تذر، عليها تسعة عشر، فصفعت وجه السلم العالمي في أرقى مسارحه، وتسببت في إطلاق سلسلة من الحروب لم تهدأ منذ مطلع هذا القرن الأسود…

اليوم تستيقظ نزعة الحرب من جديد، ويتم استحضار فلاسفة البطش يلهمون الجيوش المحاربة ويبررون جرائمها أخلاقياً.

لا أستطيع أن أشعر بأي احترام لتلك الجيوش المدججة بالسلاح وهي تسجل انتصاراتها على مدن بائسة ألقتها الأيام في المكان الخطأ، وراخت تضرب بترسانتها المدمرة تجكم كل شي اتت عليه، ثم تبرر ذلك كله بانه جاءت لتقاتل الإرهاب.

تبدو المآسي الإنسانية الهائلة التي تجاوزت مليون ضحية بين قتيل ومعاق وعشرة ملايين مشرد مجرد تفاصيل هامشية في نظر قياصرة الحرب الجدد لا ينبغي ان تعكر صفو العمل العسكري الاخترافي الذي يقوم بدقة وحزم بإجراء الجراحة الضرورية للمجتمعات الطائشة لتأديب من تبقى نم دراريها إلى الصراط المستقيم.

لقد دفعتني هذه الأحداث لقراءة نيتشه من جديد فالرجل المسكون بالإنسان الخارق السوبرمان الذي ينبغي أن يستيقظ ويعصف بالجيل البليد من الآدميين لحساب جيل أكثر توثباً وانطلاقاً وغضباً ومغامرة يستعذب الحروب ولا يهتم لعذاباتها ومآسيها.

هل برر نيتشة بالفعل غبار الحروب وهل كان يروي عطشه برائحة الدم وهل كان مسؤولاً عن النزعة النازية التي أوقدها هتلر وأحرق بها العالم.

كان نيتشة في الواقع صوتاً صارخاً ضد الأخلاق المسيحية التي يسميها أخلاق العبيد والتي كانت تتلخص بمنطق من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك، وأحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم وصلوا لأجل الذين يبغضونكم، لقد كان يرى في هذه الأخلاق أخلاق عبيد لا تليق بالإنسان الحر، وكان يطالب الإنسان بالتحرر من قيود كهذه ويطالبه بأن يعيد التمثل بأخلاق الحيوان الرائعة وغرائزها القوية التي لا تعرف الدموع والتعازي واللطم، بل تواصل مضيها فوق جثث الهالكين من أقرانها دون أن يكون للموت سلطان على إرادتها ومشوارها الطويل فتمضي غير عابئة بالذين يتساقطون على الطريق.

ويذهب نيتشه إلى أبعد من ذلك فيربط هذا الخنوع الذي تسببه أخلاق العبيد بضمور الإنيان في رحلة النشوء والارتقاء، وعجزه عن منافسة أقرانه من الحيوان في التطور والارتقاء، فقد أنتجت كل فصائل الحيوان فصائل اكثر قوة وبقاء فيما توقف الإنسان عن التطور وعجز أن يصل إلى الإنسان السوبرمان بعد أن أرهق نفسه بعناء رعاية المرضى والفقراء والعاجزين والبائسين، وارتضى لنفسه أخلاقاً من الهوان والضعف والتصوف والزهد لا تليق إلا بالعبيد.

يصرخ نيتشة بدون تردد بأن إكرام الموتى ترحيلهم وإكرام المرضى توفير موت سريع لهم، وإذا رأيت رجلاً لا يستطيع الطيران فعلمه كيف يسقط بسرعة فالوقت لا يحتمل، وحين كان عائداً من غاره في الجبل صرخ بلسان زارا اقهر الصعفاء اسخقهم اصعد فوق جثثهم، لا تاخذك بهم رأفة، إنهم يريدون بدموعهم أن يأكلوا ما نجمعه بعرقنا وكفاحنا، إن الأخلاق التي يطالبوننا بها ما عي إلا مكر من الصعفاء والفاشلين لابتزاز الأقوياء والقادرين.

ومع أن نيتشة أظهر أقصى ما يمكن في كلام فيلسوف من التناقض، وأمضى نحو خمس عمره في مصح الأمراض العقلية، واحتقر المرأة إلى الغاية وقال إذا ذهبت الى المرأة فلا تنس الصوت، فهي ليست إلا دمية لعوب ومكانها الصحيح الفراش ولا شيء غير هذا، ولكنه على ذلك كله حظي باحترام كبير من قادة الحرب ونصب له هتلر تمثالاً في ألمانيا، وأشار في كتابه كفاحي عشرات المرات إلى الإنسان الخارق الذي يتطلع إلى بناءه عبر مجد الأمة الألمانية.

بدات المسألة تمرداً على تأويلات دينية صوفية مسيحية، ولكنها تحولت الى احتقار لكل ما هو ضعيف، وذهبت إلى تأييد البطش الغاشم الذي يمارسه القوي بوصفه حقاً من حقوقه وواجباً من واجباته، وطالما أن المرضى والفقراء والتعساء يتزوجون وينجبون فلن تحلم البشرية بجيل السوبرمان القوي الذي يحقق قفزة بيولوجية واجتماعية حقيقية.

من المؤكد أن فصائل الموت التي تتبادل ثرات الحرب لم يسمعوا شيئاً عن نيتشة، ولا يعنيهم تبرير فيلسوف بائد لما يصنعونه من غريزة الثأر والانتقام، ولكننا نستطيع أن نفهم كثيراًمن خبايا تلك النفوس المعقدة المجرمة التي تمارس قتل الأبرياء حين نقرأ ما كتبه نيتشه، الذي نجح في تحويل مشاهد الحروب إلى لعبة شطرنجية يموت فيها المجتمع كله من جندي وفيل وحصان وقلعة ووزير من أجل بقاء الملك، ويهلكون حين يهلكون دون أن تذرف عليهم دمعة واحدة، فلبس من البطولة في الشطرنح أبداً أن تعقد المراثي على المفقودين بل تكمن البطولة أن تمارس مويداً من المكر والتضحيات المقصودة حتى بعناصرك وقادتك من أجل كسب جولة الحرب دون أن يرف لك جفن على أي من الضحايا الراحلين.

كم iو مرير قدر; أيها السوري الصابر وأنت تواجه هذا التحول العالمي الجديد نحو عصر العنف والقوة، وعجز عصر السلام عن الحجز بين المتحاربين ووقف الحرب والدماء.

لا أريد أن أدفع القارئ الكريم إلى اليأس من قيام الإنسانية وتأكيد سقوطها ويؤلمني أن المقال يسهب في شرح المشكلة ولا يقدم الحل، ولكنها الحقيقة، وهذا هو الفصل الحالي الذي نقرؤه اليوم بتفاصيله وتلك الأيام نداولها بين الناس والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اضف رد