الآشوريون في صخب الصعود الأصولي

الآشوريون … في صخب الصعود الأصولي

 

مع يوم الأول من نيسان اعتبر الآشوريون أن أول وجود مدني للىسوريين قد أكمل 6767 سنة وأنهم الشعب الأكثر عراقة وأصالة في المنطقة، وقد ملأ السوريون الآشوريون صفحات التواصل الاجتماعي بالتذكير بعيدهم العتيق وما يرمز إليه من مجد وكبرياء، من دون أن يفوتهم التذكير بأن اسم سوريا التاريخي مقتبس من الأمجاد الآشورية، وإن كان هذا المجد لا يكتمل دون إدراك الشراكة الآشورية السريانية التي صنعت لسوريا نسيجها واسمها التاريخي.

ويقدر عدد الآشوريين في سوريا بنحو ستمائة ألف آشوري وقد هاجر من العراق إليهم نحو مائتي ألف، ولو قدر أن يهدأ الشمال السوري فإنهم يقاربون المليون آشوري.

وقد جاء الفرح هذه السنة كئيباً حيث تشهد المنطقة تغول الحرب وبطشها وهولها، وصراع الأصوليات والقوميات، كما أن التراث الآشوري مني بضربة مؤلمة حين أقدمت داعش في مايو 2015 على هدم مدينة نمرود التاريخية وما فيها من كنوز وحضارة التزاماً بأفكارهم الضارية في الحرب على التماثيل.

ويجب القول أن ما يصيب الأوابد الأثرية للىسوريين بما يعنيه من جريمة بحق الحضارة لا يبدو كذلك في أذهان كثير من التيارات الأصولية، التي تعتبر ما قامت به داعش التزاماً بالسنة النبوية المتشددة في مسالة التوحيد والتي تعتبر بقاء أي رمز حجري لمعبود عملاً منافياً للتوحيد يستحق التحظيم والإزالة.

ويقتصر اعتراض كثير منهم على شكل التنفيذ وتوقيته، دون أن يكون لهم اعتراض جوهري على هدم الأوابد الأثرية التي لا تبدو بالنسبة لهم إلا أصناماً عتيقة وأن الدين في جوهره حرب على الأصنام.

ولكن هل هناك قراءة واحدة في الإسلام للتراث الإنساني، وهل يرتكب الدواعش بالفعل ما ينص عليه الفقه الإسلامي أم هم مبتدعون مارقون؟

من المؤلم أن يكون الجواب بالإيجاب، أو على الأقل أنه خطاب مدارسنا الدينية التقليدية تتبناه في خطابها تجاه التراث الإنساني، حيث تسود ثقافة الحرب على الأصنام والأوثان، ووجوب هدمها وتحطيمها، سواء كانت لمعبود اتخذه المشركون أو كانت لذات روح فكلاهما حرام يتعين هدمه ويأثم المسلمون بالسكوت عليه!!

ولو أنك عرضت فكرة هدم معبد الإله بل في تدمر على مدارس التعليم الشرعي في بلادنا وغيرها لكان الجواب التقليدي هو أنها معابد وثنية شركية يجب إزالتها انتصاراً لتوحيد الله وأن المبادرة بإزالتها عمل مجيد محمود، وفرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع لأنه إقرار بوجود معبد شركي وثني في بلاد الإسلام.

وللدقة في تناول الأمر نشير إلى ان هناك قراءتين في الفقه الإسلامي:

الأولى قراءة ظاهر النص، وهو وجوب هدم أوابد الأديان ورموزها، وهو منع يتصل عند الشافعية والحنابلة حتى بالديانات السماوية فلا يحل للنصارى إنشاء كنيسة جديدة وتقتصر الخيارات المأذون بها على ترميم ما خرب دون إنشاء بنيان جديد وذلك خاص بأهل الكتاب دون سواهم حيث لا يملك هؤلاء أي حق ديني وهم وثنيون لا يقرون على دين ولا تقبل منهم جزية.

وهذا الموقف هو ما تتلوه داعش في كل شريط تنفذ فيه تفجيراً جديداً بحق الأوابد والآثار التاريخية في الشام والعراق، ألا أبعثك على ما بعثثني عليه رسول الله؟ أن لا تدع قبراً إلا سويته ولا صورة إلا طمستها، وهو نص عام يشمل كل صورة وقبر دون تمييز، وهو بالضبط ما مارسته داعش في كل بلد جديد تصل إليه راياتها السود وهو ما رايناه في الموصل وتدمر والرقة.. .ويجب القول إن لهذا السلوك كله ما يسنده من قوي الأدلة حين يكون الحكم لظاهر النص، وحين نردد العبارة التي تغتال العقل باستمرار: لا اجتهاد في مورد النص!!

ومن المؤسف ان هذه القراءة الأصولية لازالت هي القراءة التقليدية للمدارس الشرعية، ولا زال النص المروي في البخاري في وجوب هدم القبور وطمس الصور هو النص الأقوى سنداً واستدلالاً، وإن كانت إدارات هذه المدارس عموماً تمارس التأويل الضروري لمنع حصول ذلك على يد الأفراد وإحالة الوجوب على ولي الأمر، الذي يتعين عليه وحده حماية التوحيد وهدم مظاهر الشرك.

أما القراءة الثانية فهي قراءة الأمة الإسلامية في صعودها الحضاري، وهو الموقف الرسمي للخلفاء وللفقهاء الذين كانوا يقدمون لهم المشورة والنصح الديني، وهي قراءة مقاصدية بكل تأكيد، تناولت من الإسلام ثورته ويقظته وبعثه، روحاً دافقة في كل صعود، ولكنها سرعان ما توقفت عن القياس على النص، وابتكرت الاستحسان الذي هو ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، ومن خلال هذه القواعد الحضارية المرنة بنى المسلمون صداقة واضحة مع الحضارات الآفلة والآملة، وبهذه الروح من التسامح والمرونة فإن العراق الذي ظل عاصمة الخلافة 524 سنة استمر متحف أديان بكل ما تعنيه الكلمة ولا زال كذلك، ولا زالت أوابد الأمم وحضاراتها وتاريخها في العراق كما يشاء لها عابدوها، مسيحيين ويهود ويزيديين وصابئة وكاكائية وشبك، ومن حق الإسلام أن يباهي برعاية تلك الحضارات، على الرغم من الحملات الهائجة التي كان يقوم بها الإسلام الغاضب في مجموعات منفلتة بين حين وآخر.

عبرت الحضارة الإسلامية المزدهرة على معابد بابل ونينوى وتدمر والجيزة ولا يعرف في تاريخ الإسلام حملات منظمة قامت بها الخلافة لتنفيذ الوصية القديمة أن لا تدع قبراً إلا سويته ولا صورة إلا طمستها، ومع أن هذه المطالب ظلت تتردد كشرط من شروط التوحيد الخالص يطالب بها بعض الفقهاء ولكن الخلفاء كانوا يقومون بما ينبغي من السياسة الشرعية لحماية عادات الناس وتراثهم وأوابدهم.

وربما كان أقرب الأمثلة إلى ذلك قبلة اليزيديين في سنجار ومن المعلوم أن عدي بن مسافر قد استقر فيها نبياً متبوعاً في نظر اليزيديين الذين سموا بالعاديين نسبة إليه، وارتفعت منارته منذ القرن الخامس قبلة معبودة ولكن الخلفاء جميعاً أقروا ذلك أو غضوا الطرف عنه، وكانت معاناة اليزيديين من الحملات المنفلتة الطائشة وليس من الموقف الرسمي للدولة الإسلامية الذي ظل خلال التاريخ يعترف بهذا اللون من التعدد ويحميه على الرغم من الخلاف الهائل في الاعتقاد أصلاً وتفاصيل.

ومن اللافت أن القرآن الكريم حين تحدث عن المعابد والأوابد الحضارية للأمم اعتبر حمايتها مسؤولية الأمة، واعتبر بقاءها مظهراً من آيات الله في التدافع الحضاري، على الرغم من أنها كنائس وصوامع وبيع وهي معابد مسيحية ويهودية ومجوسية، ونص الآية: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً.

لا شك أن الإسلام حقق في انتقاله من الحجاز إلى الشام قفزة حضارية واضحة، وانطلق أيضاً في وعيه بالنص الديني من الاتباع الحرفي إلى الاتباع المقاصدي، واستخدم أدوات الفقه الإسلامي نفسها في التعامل مع النصوص فخصص العام وقيد المطلق وتأول الظاهر وأقر بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وكلها آليات عملية طبقها الفقهاء عبر التاريخ وتمكنوا معها من بناء حضارة صديقة للحضارات تتقبل عنهم أحسن ما عملوا وتتجاوز عن سيئاتهم.

في القرآن الكريم تبدو العبارة القرآنية الرشيدة التي تتكرر 14 مرة تعكس وعياً بتكامل الحضارات وتواصلها (مصدقاً لما بين يديه) وعبارة مصدقا لما بين يديه وإن  صرفها التخصيص إلى التوراة والإنجيل فإنها تظل أشمل وأبعد وهي تشمل النبوة السابقة والحكمة اللاحقة، وتشمل تجارب الأمم وثقافاتها وأعيادها وأيامها وأمجادها، فليس من شأن الإسلام أن يحطم اي حضارة إنه يدمر ولا يعمر وينظم ولا يحطم.

وفي موقف لافت للرسول الكريم في التناوب الحضاري قال: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة فكان الناس إذا احتازوا حولها قالوا ما أحسن هذه الدار لولا موضع اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين.

لم يقل إنهم بنوا جاهليات قديمة وشركيات بائدة ووثنيات لعينة، لقد اعتبر نفسه لبنة في البنيان الحضاري، وظل يردد احترامه للأمم التي لا يعرفها: ورسلاً قد قصصناهم عليك ورسلاً لم نقصصهم عليك، وصرح في نص القرآن الكريم بأن هذه الأمم حسابها على الله وأنه ليس عليها بمصيطر وليس عليها بوكيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا النصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد.

من حقنا أن نهنئ أهلنا الآشوريين في يوم عيدهم، تحية للشعب الذي ظل موجودا 6767 سنة منذ أول مستوطنة في المنطقة في تل حسونة جنوب الموصل قبل ستة آلاف عام، ومع أنه لم يهيمن بالحكم والسيطرة على سوريا الكبرى إلا بضع مئات من السنين في الألف الأول قبل الميلاد ولكنه ظل نسيج سوريا الثقافي والاجتماعي والفكري والروحاني على مدى ستين قرناً.

متى سنتوقف عن وصف الماضي الغابر بالجاهلية القديمة، والحاضر المعاصر بجاهلية القرن العشرين، ومتى ندرك أن في كل حضارة رشداً ونوراً وحكمة، واننا أمة بين الأمم ولسنا أمة فوق الأمم، وأن علينا أن نستفيد من تراث الأمم وحضاراتها وأوابدها ونمارس الحياد والاحترام في دراسة كل ثقافة وفق القاعدة المتكررة التي نص عليها القرآن الكريم مرتين: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.