التجنيد المتوحش… إعدام أمة

التجنيد المتوحش….. إعدام أمة

 

التجنيد… إحدى المآسي الإنسانية الأكثر ظلماً وتوحشاً، وهي مأساة مستمرة يتم ارتكابها تحت عنوان السيادة الوطنية، ويتم تبريرها حقوقياً ووطنياً بانها ضرورة أمنية وشهامة اجتماعية وبسالة نوعية، وأنها عين ساهرة لعين نائمة، وأنها الحصن الأمين للوطن من خصومه وأعدائه.

ولكن هذه العناوين البراقة تخفي وراءها ملامح توحش إنساني عديم الرحمة، حين يكون السوق لحرب أهلية طاحنة، لا يمكن تبرير غاياتها ولا مقاصدها ولا وسائلها، يقاد إليها الشباب أمام عيون أمهاتهم وأخواتهم، ليكلفوا بعد ذلك بالمشاركة في حملات باطشة ضد أسرهم وأحيائهم وأهاليهم، ويوضع المقاتل أمام أشد الخيارات ألماً وقهراً وهو اقتل أو تقتل ولا شيء آخر!!!

ذات يوم سيذكر التاريخ حملات التجنيد كما تذكر حملات استجلاب العبيد من أفريقيا المنكوبة إلى الأرض الجديدة في أمريكا، حيث كان الإنسان يتم اصطياده بالشباك والرماح والبنادق، ثم يوثق بالحبال ويقاد في طوابير القهر والحرمان وينتزع من أرضه وأهله وأحبته تحت عنوان حضاري براق وهو بناء الحضارة الجديدة، وتحسين أحوال هؤلاء البائسين وتأمين الطعام والسفاد لهم.

مع أن المعنى اللا أخلاقي للتجنيد ظاهر للعيان، فهو ضد إرادة الإنسان بكل تأكيد، وهو قهر للشباب في لحظة طموحهم وانطلاقهم، وهو إقحام للإنسان في حروب لا يؤمن بها، وهو فرض لإرادة الأقوى وهذا كله مخالف لشرعة الأمم المتحدة، ولكن الأمم المتحدة ظلت تجامل المستبدين من الحكام والدول حتى تضمن انتسابهم وبقاءهم في الأمم المتحدة خاصة بعد فشل عصبة الأمم، ولذلك لم تفعل شيئاً ضد التجنيد الإجباري الذي لا يقل سؤءا عن الاستعباد والاسترقاق، ولم تطرح معاهدة دولية لمنع التجنيد الإجباري كما طرحت معاهدات للخلاص من العبودية والمخدرات والتمييز، مع أن إثم الاسترقاق والتمييز أهون ألف مرة من سوق الإنسان للتجنيد في حرب لا يؤمن بها، وسيكون التجنيد أفظع إثماً وأشد توحشاً حين تكون الحرب المزعومة حرباً ضد أهلك وبلدك وقريتك، وهي بالضبط الحرب التي تشهدها سوريا المنكوبة.

 

مع أننا لا نملك إحصاءات دقيقة، ولكن من المؤكد ان شراد الشعب السوري وتيهه في الأرض عائد في الدرجة الأولى لرفضه الحرب، قاتلاً أو مقتولاً، مجنداً أو ضحية، ولا أشك أبداً أنه إذا كان نصف الناس على أقل تقدير قد تركوا البلاد بسبب رفض التجنيد، فإن ثمانين بالمائة منهم صرحوا بأنهم لا يريدون العودة بسبب التجنيد.

ليس التجنيد مشكلة طرأت في الحرب وإن كانت الحرب قد أظهرت بشاعتها وقهرها، ولكنها على مدى العقود الخمسة الأخيرة كانت أكبر طارد لمواهب البلاد من الشباب، حيث غدا السفر أول الأحلام التي تستيقظ في خيال الشاب السوري، ويمكن القول إن أمنية السفر والخلاص كانت على رأس طموحات الشاب السوري قبل أن يساق للخدمة الإلزامية، ومن المؤلم أن نعترف أن معظم الاغتراب السوري كان يهدف للنجاة من الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث يختار الشاب أن يبدأ حياته بعيداً عن وطنه لأنه لا يريد أن تضيع زهرة شبابه في خدمة تنسحق فيها كرامته، ويمنع فيها من أبسط حقوقه الطبيعية بما في ذلك حقه في الصلاة والشعائر.

يسمى هؤلاء في عرف النظم الاستبدادية فارين من الزحف متقاعسين عن خدمة الوطن، وربما يمنحهم الاستبداد بلا حياء لقب خونة وعملاء، ولكنهم في الواقع يستحقون إلإنصاف كشباب لا يؤمنون بالحرب ولا يريدون أن يكونوا قاتلين ولا مقتولين، خاصة حين تكون هذه الحروب حروباً سياسية فارغة عجرت خلال أربعين  عاماً من الاستعداد والإنفاق والتدريب عن تحرير شبر واحد من الأرض المحتلة.

وسيكون السؤال دومأً كيف تحمون أوطانكم من العدو، وهل ستقوم هذه الحجج الفلسفية والمواعظ الدينية برد كيد الطامعين في بلادنا؟ ومع أن فكرة العدو التي يتشبث بها الاستبداد لم يعد لها وجود حقيقي لدى الأمم الناحجة، ولكن مع ذلك فإن حماية الوكن من كل خطر دوماً بجيوش نوعية احترافية متخصصة، يمضي إليها من يؤمن بهذه الحروب ويقتنع بغاياتها، ولا شك أن الاقتصار على المتطوعين دون الإجباريين سينعكس على أداء الجيش، وسيجبر الاستبداد على تجنب كثير من الحروب، وسيفرض على المستبد الخروج من حروب كثيرة، والاقتصار على الحروب العادلة والتي يمكن تبريرها والتي يهب الشعب تلقائياً للمشاركة فيها.

 

وفي سياق دراسة دقيقة لتبعات التجنيد نحتاج إلى جواب محدد من مراكز الإحصاء للإجابة على أسئلة محددة:

  • كم خسرت سوريا خلال العقود الخمسة من شبابها وكفاءاتها بسبب قرار التجنيد الإجباري؟؟؟
  • كم عدد السوريين من الكفاءات القيادية التي اختاروا الخروج من سوريا إلى دول العالم الإخرى فرارا من التجنيد؟
  • كم هو حجم الثروة المقدرة التي صنعها السوري في الاغتراب وكان يمكن أن يصنعها في وطنه وأرضه لولا خوفه من التجنيد وتبعاته.
  • كم هو حجم الإنفاق الذي قامت به الدولة في عثارها التنموي من أجل تجنيد الشعب، وتأمين أعمال قتالية وحربية له، دون أي قدرة على توجيه الحرب في مكانها المنطقي ضد الاحتلال؟

ستكون الأجوبة كارثية في مشهد الهدر والقهر الذي تسبب به التجنيد الإجباري على الوطن مادياً وبشرياً واجتماعياً.

ويجب التنويه أننا نتحدث هنا عن التجنيد وقت السلام، أما السوق الإجباري في الحرب الأهلية فهو عمل إجرامي بكل معنى الكلمة، حيث يكلف المقاتل بالقتال ضد أهداف مدنية ربما كانت فيها أسرته وأهله وأجبته دون أن يكون له أدنى حق في الاعتراض أو التحفظ.

نتحدث بالطبع عن الجيش كمؤسسة وطنية، وهو أمر يعلم كل قارئ بمن فيهم ضباط هذا الجيش ومنتسبوه أنها أبعد ما تكون عن جيشنا التائه، بعد أن أصبح الجيش أكثر المؤسسات فساداً على الإطلاق في جسد الدولة السورية المنهك، وبعد أن صار سوق (السوق) أكبر مصدر للابتزاز والاسترزاق لدى مافيات معدومة الضمائر، جمعت ثرواتها من التجنيد والتفنيش والتعيين والترقيات والانتداب وغيرها من وسائل الاسترزاق الأسود في الجيوش الفاسدة.

لقد نجحت 98 دولة في العالم في منع التجنيد الإجباري، وهي تشتمل على اليابان وكندا والسويد وسائر الدول المتقدمة والمتحضرة، وعلى الرغم من تاريخها الأليم في الحروب البينية ومشاركتها السوداء في الحربين العالميتين ولكنها نجحت في إنهاء التجنيد الإجباري وتمكنت من بناء جيوش نوعية من المحترفين، تحمي الأوطان ولا تهدر كرامة الإنسان.

ونجحت 19 دولة في العالم أن تبني دولة بدون جيش على الإطلاق، وهي في الغالب دول صغيرة أمنت حمايتها بمعاهدات مع دول كبرى، وتعيش استقرارا وأمناً لا مثيل له، فيما نجحت 19 دولة في تحويل الخدمة الوطنية إلى خدمات مجتمعية غير قتالية، وتضم هذه القائمة فنلندا والنرويج والدتمرك والنمسا.

وقامت 31 دولة في العالم بتحديد الخدمة الإلزامية بما دون سنة واحدة، فيما بقيت القائمة التعيسة التي تلزم أفرادها بالمشاركة في الخدمة العسكرية لمدة تزيد عن 18 شهراً، وهي تضم معظم بلاد الحروب والفوضى في العالم وفيها سوريا والسودان والصومال واليمن وكوريا الشمالية وليبيا وكوبا، وموزمبيق وإسرائيل، وهي دول تلتهب بالحروب ويعيش المواطن فيها ويده على الزناد، ومن البدهي أن ندرك أن عسكرة المجتمع بهذه الطريقة المتوحشة لم تجلب للناس أي سلام، بل عززت عقل الحرب ورهابه وبطشه وبغيه.

لن يكتمل إعلان حقوق الإنسان العالمي إلا بالنص صراحة ودون مواربة على مادتين إضافيتين ضروريتين:

  • تعترف الأمم المتحدة بحق الجندي في التمرد على الحرب الظالمة، وتتخذ الوسائل القانونية والدبلوماسية لتأمين حمايته والدفاع عنه حين يقرر الانصراف من الحرب.
  • لا يحق لأي إنسان أو سلطة أن تجبر أحداً على حمل السلاح تحت أي ذريعة، ولا يجوز إنشاء الجيوش الوطنية إلا بالإرادة والاختيار الصريح دون أي إكراه.