الثورة على الكهنوت عند إقبال

أكتب مرة أخرى عن إقبال على صفحات جيرون، وفي الواقع فإن اختياري لإقبال نابع من مكانته الكبيرة لدى جيل النهضة، فقد كان أذان الرجل بمثابة بوصلة ترشد الحركات الناهضة الباحثة عن مكان لهذه الأمة يليق بها بين زحام الأمم.

وفي الواقع فإن إقبال لم يكن مجرد شاعر يخلد تاريخ الحضارة بشعره وكلماته ويترنم لها بقدر ما كان بصيرة ثاقبة يدرك سقم هذه الأمة وسر سقوطها ويعدرف منهج تجددها وقيامها.

في وعيه بكارثة تغول الكهنوت على الحياة كتب إقبال فصولاً كثيرة، وكان يتجه مباشرة إلى واجب البناء المدني للدولة وعدم السماح بتدخل الإيديولوجيا في بناء الأوطان، وهي الحقيقة التي بدأ الشارع الإسلامي يدركها بعد قرن من المحاولات التي انتهت بالارتطام بجدران الواقع وأفاقت منها الحركة الإسلامية تلملم الجراح وتقرأ الدروس البائسة.

ليس سراً أن التجديد الديني هو في الجوهر صراع مع الكهنة، وقد حدد إقبال ثورته بوضوح فهو ثائر في وجه الخرافة، وهو معني بمطاردتها في كورها ودورها، وليس سراً أن نقول إن الخرافة اعتادت التخفي في عمائم الشيوخ والكهنة، الذين يبيعون تجارة الوهم للناس ويتاجرون فيها.

كان يؤلمه الانحراف الكبير الذي يمارسه بعض رجال الدين من التجارة بالسحر والوهم والشعوذة، وقد دفعه هذا الموقف لاختيار رأي حاد في رفض القدر بوصفه دعوة الى الاستسلام والخنوع وفي مواجهة ذلك كتب طويلا، وربما كان ما كتبه في القدر هو أشد الآراء جرأة ومواجهة ضد الكهنوت، فقد اعتبر رجال الدين والكهنة تجار وهم وأنهم يسلمون الناس الى اقدراهم المهيضة وليبتزوا اموالهم، بدلاً من دفعهم إلى التغيير ومواجهة الأقدار بشجاعة وبصيرة.

وكان صريحاً أنه يرفض الواقع الذي انحدر إليه تجار الدين، ولا يقصد بالطبع أولئك الذين اختاروا الزهادة والخفة نهج حياة وأسلوب عيش ووجدوا في أكواخهم من الرضا ما تحسده عليهم قصور الملوك:

ذهب الدراويش الذين عهدتهـــم       لا يأبهون لصارم ومهنــــــــــد
وبقيت في حرم يتاجر شيخه

 

  بوشاح فاطمة ومصف أحمد

 

ويمضي إقبال في ثورته على تجار الدين، ويواجه مباشرة أولئك الذين امتهنوا الدين حرفة، وتحولوا عن الارتزاق بخدمة الناس الى الارتزاق بمخادعتهم وبيع الأوهام لهم.

وفي موقف آخر يتحدث إقبال بلسان مريد ثائر على تقاليده السلوك وآداب الطريق، التي تحولت من كونها مدرسة تزكية وتطهير للقلوب الى قهرمان ماكر تبتز فيه أحلام الضعفاء ليتم بيعهم في سوق الوهم:

 

أنا مصباحي الذي أملكه
إن أقمت الليل ذابت وإذا
 

ما الذي يفعله سيدنا
ثم ما معنى مزار وضريح

 

ليس ما يعطى لهذي الأولياء
المرابي دائماً مختبئ

 

يا إلهي كم لنا من كعبة
وفقاعات قباب فوقها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

**

شمعة في قصعة من خزف
هبت الريح عليها تنطفي
 

بالمصابيح التي حول المزار
وستور وعطور وجمار

 

من نذور باسمهم إلا ربا
وولي القوم في القبر اختفى

 

كم لنا من صنم في الحرم
جعلتنــــــــــا ضحكة للأمم

 

 

وفي وقفة تأمل أمام المدارس الدينية التي يفترض أن تكون أدوات رقي ونهضة ولكنها تحولت إلى قاعات همود وتقليد، وتحولت مناهجها التي ينتظر منها القيام والنهضة إلى مدارس تمجد الهمود وتتحدث عن فضل الخمول والزهد والغياب عن الحياة، إنها ليست مدرسة محمد كما عرفها إقبال!

إن الجيل لا يزال يندفع طاقة وطموحاً ولكن هل تنهض مدارسه بطموحه هذا؟ أم انها تعود به رماداً بلا لهيب؟

شبابنا لا ينقصهم الإخلاص، احترقوا من الإخلاص، نطحوا الجدار!!! إنما ينقصهم المنهج .. أن يكون عناؤهم في سبيل قيام الأمة وليس في سبيل همودها:

 

دم المسلم النور في دربه
ويعترف العصر أن الجمال
 

ولولا مدارس هذي الشيوخ
لروى المدينة مما ارتواه

 

 

 

 

 

**

ومعجزة النور في حبه
نما وترعرع في قلبه
 

وأحبار سوء ورهبانها
وأشرق بالحي بستانها

 

كان يؤلمه أن يرى الآمال الصاعدة لجيل آمل مفهم بالعطاء والرجاء، يذهب راقصاً إلى مدارسه ومعاهده طافحاً بالأمل، ولكنه يواجه الوجوه الكالحة البائسة لجيل خامل آفل، يطفئ جذوتها، ويقمع أحلامها، ويحيل لهيبها إلى رماد.

صغار الشواهين ما ذنبها
هم قتلوا الحب في صدرها
 

ترى النشأ يملأ وجه الطريق
ومفتي الدينة واد سحيق

 

 

 

 

 

**

هم علموها عناق الغبار
هم أبدلوها بهذا الشنار
 

بروحات نِسر وغدْوات بازْ
يتيه بمصطلحات الحجاز

 

أين هي المدارس العظيمة التي كانت تبعث الروح في طلابها، وأين اختفت ملامح التوثب التي كانت ترسمها ريشة العارفين على وجوه الجيل الناهض، أين هي مناهج بغداد وأضفهان وقرطبة وغرناطة، ولماذا لا نصوغ رحيقنا من تلك المناهل، ولماذا نكرر الموت الذي ورثناه منذ قرون؟ ألا يوجد من يحمل الجذوة الأولى ويبعث الحنين القديم إلى روضة الإبداع.

أنا لست أفهم هذي الكؤوس
ومن كان يحسن نحت الصخور
 
 

**

ويؤسفني مثل هذا اللجاج
ترفع عن أن يصوغ الزجاج
 

ويسأله سائل يشرب كل يوم من كأس النخبة ويعيش في أبراجها: أليس الأولى بك يا أستاذ الحكمة والفلسفة أن تتفرغ للاكاديميا والبحث العلمي، وأن تترفع عن منازلة المسائل المتصلة بالعامة فهي لا تليق بك ايها الفيلسوف، ولكنه يلتفت في غضب ويقول:

فإلى متى صمتي وحولي أمة
هذا بسبحته وذاك بسيفه
 
 

**

يلهو بها السلطان والدرويش
وكلاهما مما نكد يعيش
 

إنها معاناة العارف، فهذه المدارس الفقهية التي يتخصص بها طلبة المدارس الدينية في الهند تحقق تفوقاً غير عادي في حفظ المتون ويتخرج طلابها حفظة لكامل القرآن الكريم وكتب السنن المعتبرة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وابن ماجه، ولكن هؤلاء الحافظين لا يقدمون أكثر من نسخ جديدة لهذه الكتب القديمة، وهيهات أن تستطيع ثقافة الاجترار أن تأتي بجيل جديد أو نهوض جديد.

 

غصن العقيدة في المدارس عار
بالرغم من طول الطريق وعسره
 

أسفاً لدين ليس يكسب دولة
من أين للاثنين كرة حيدر

 

 

 

 

 

**

ومذاق أديرة بلا أسرار
عيناك ظاعنة وقلبك ساري
 

ولدولة وقفت كخيبر وجهه
يلقي سخافتها ويصلح فقهه

 

بات الفقيه غارقاً في جدل المصطلحات، ولم يعد في قلبه ذلك اللهيب الذي يبعث الحياة ويوري نار العزيمة، لقد تحول إلى رماد باهت، وأصبحت دراساته حنوطاً من الرواية يكررها ويستظهرها بلسان فارغ ما لها على القلوب من أثر ولا سلطان:

 

عين الفقيه من الندى محرومة
فتشت في دنياه لم أر جرعة 

يرقى المنابر خائفاً من أنه
إني لأخجل ان أصرح أنه

 

 

 

 

 

**

أفنت حقيقته وراء مجازه
من ماء زمزم في رمال حجازه 

يرقى ليسقط بين ألف كتاب
يرقى ليضرب نفسه بحجاب

 

أين ذهبت تلك المدارس التي كانت تضج بها بغداد وأصفهان ودمشق وتبريز؟ أين هي تلك المدارس التي تخرج بها طارق وعقبة؟ ومحمود الغزنوي وإياز؟ وصلاح الدين ونور الدين؟ أين توثبهم ولهيبهم؟ ولماذا تحولت مدارسنا إلى رماد بلا لهيب، ولم يبق فيها إلا كراسات وطباشير؟

 

ما في مدارسك التي ترتادهـا
سرُّ الدراسة في فؤادك كامن
 
 

**

إلا بحوث مغفَّـل وبـليـــــــــــــــــــدِ
لو كنت تحسن صرخة التوحيدِ
 

تفيض ألسنتهم بكلمة التوحيد ولكن قلوبهم غافية غاربة عن دلالة التوحيد في الحرية والكرامة والعزيمة، ألسنتهم رطبة بالذكر وقلوبهم غافلة عن مقاصده، يقرؤون نصف القرآن ونصف التوحيد ونصف الصلاة ونصف الذات:

مولاي مسلمك الذي أعطيته
مازال يحمل (لا إله) مجاهداً
 
 

**

من شعلة التوحيد نصف هداه
فمتى ستشرق فيه (إلا الله)
 

 

إنه أمر رهيب أن تتأمل تلك اللحى البيضاء التي تعيش في ركام الكتب العتيقة في المدارس الأشرفية والمحمودية والبرهانية في لاهور، وهؤلاء الرواة الغارقون في المسانيد يدهشون الدنيا بقوة حافظتهم وبديع استظهارهم، إنهم مكتبات كاملة تمشي على الأرض…
جبال علم وحفظ ورواية ولكنهم لا يحملون لعناء الناس إشفاقاً ولا يمنحونهم ترياقاً، وقد خرجوا من الدنيا وهم من أهلها، يمارسون الرواية ويعيشون في غار الأثر وغابر الخبر، ولكن أين أولئك الذين يستطيعون أن يضيؤوا بنور الماضي وجه المستقبل وأين أولئك الذين يسرجون بزيت النبوة مصابيح الحياة:

 

 

يممت مدرسة الأسود رأيتها
جارت عليها الحادثات فأصبحت
 

ما للقوافل من يقود ركابها
من أين للعصفور ذوق نشيده

 

 

 

 

 

**

تبكي أباطرة الزمان الذاهب
مرعى لخرفان ووكر ثعالب
 

بجوار موسى في رحاب الله
والجمع ســـــــارٍ والمردد لاه

 

 

أنها شجاعة المعرفة إذن، من أين يمكن للمعرفة ان تتقدم إذا كان المطلوب فقط هو تعظيم الآباء، أليس القرآن الكريم هو من علمنا الثورة على الآبائية والجمود، إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون.

أي خطوة يمكن للمعرفة أن تنجزها حين يكون غايتها تعظيم الآباء وعبادة إنجازاتهم؟ وأي أفق لرسالة الإسلام لو أن محمداً اكتفى بالثناء على قصي وعبد مناف ومنع نقدهم ومراجعاتهم؟ هل تغير العالم بالفلاسفة المدرسيين أم بغضب غاليلو وكوبرنيكوس وجوردانو برونو:

 

البحث يلزمه مواهب باشق
من غير معرفة وغير قراءة
 
 

**

وفؤاد ليث لا يخاف جروحاً
يجد الشجاع طريقه مفتوحاً
 

 

ويشدد إقبال أن رسالته ليست رسالة المجتمعات المخملية الساكنة في أبراج العاج.. إنها في العمق رسالة الدراويش أنفسهم الذين يرون الله مصدر كمال وطهر، ويفهمون الشريعة أنها مراده وأمره، ويرون أن الإسلام إنما جاء لينصفهم من المظالم والمآثم وهو من يحقق لهم كرامتهم وسعادتهم ومساواتهم بالملوك.

 

يقولون إقبال ماذا يريد
سألت الدراويش عن سرها
 
  ومن أين جاء بهذا السلوك
وألقيته في وجوه الملوك
 

وفي بيوت الله يجد الحائر سلوة قلبه ويجد المسكين أنس حيرته، هو كذلك مسجد محمد وكنيسة المسيح، لقد بناه عسفاً من النخل وحشواً من أدم، أما عيسى فقد سقفه بورق التين، وكانت بيوت رحمة ومساواة وأنس….

ولكن هذه المعابد اليوم تحولت إلى مباني عملاقة تعاظمت فيها القباب والمحاريب والمنارات والقداديس وغاب عنها الله، وتزاحم فيها المصلون وغاب عنها الإيمان.

ويل لأمة تكثر معابدها ويقل عبادها، وويل لأمة تزخرف فيها المحاريب وتتدابر فيها القلوب، وويل للمعابد تزدان جدرانها وينهار إنسانها.

 

قوموا إلى كوني الغريق وأطلقوا
أيبدلون مساجدي بقصورهم
 

قولوا لحائرهم تبدل أمركم
قوموا إليهم  وانفحوا من روحنا

 

قوموا إلى ضعفائهم وهبوا لهم
وامحوا من الماضي جميع ذيولــــه

 

لم هذه الحجب التي تلهو بهم
لاتتركوا في الأرض ستراً مســــبلاً    

 

ومن الكنائس أخرجوا أربابها
لله قد شرع السجود وماسوى

 

جوسوا الكنائس والمساجد لا أرى

  أنا غير راض عن رخام أبيض

وابنوا من الطين المعابد عل أن
يتنافسون بنقشها وبرقشها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

**

فقراءه  فيهــــــــــا على الأمراء
جوراً على خلقي وهم أجرائي
 

فاستبدلوا  برد اليقين بناره
فيهم ولا تأسوا على أسراره

 

ما يجعل العصفور يصرع بازاً
لا تتركوا للجامدين مفــــــازاً

 

وتحول بين الخلق والخلاق
ألقاه كاهنهم على أرزاقي

 

الغارقين بلجة الأوهــــــام
هذا مؤامرة مع الأصنــــــــام

 

لكنيسة ولمسجد مصباحاً
تلقى به سود القلوب مراحاً

 

يجد السكينة عبدي المسكين
والطين لا يهديه الا الطين

 

 

 

* كلمات إقبال من ديوانه جناح جبريل ترجمة عبد المعين الملوحي ونظم الشاعر زهير ظاظا