المهاجر

كلمات للسوري الشريد….

وأقرا عن الهجرة في كل مكان، وتتناوب على ذلك محطات ومواقع وجوامع، في تراتبية معتادة، والمقالات المناسبية باتت جزءاً من روزنامة القلم، وهي تقاليد مستقرة لا يمكن الهروب منها.

ولكنني سأكتب عن الهجرة على قد وطني المنكوب، والأقدار التي كتبت على عشرة ملايين سوري أن يغادروا وطنهم، ويبدؤوا نمط حياة لم يعرفوه ولم يختبروه.

 

الهجرة قدر مرّ، ولكن التجربة النبوية في التعامل مع الشراد قدمت نمطاً تربوياً مختلفاً نحتاجه كل يوم؟

فتح عينيه على شعبه الذي أحبه وأخلص له، وهو ابن البلد المقدسة أم القرى، ابن ساداتها وأشرافها ورجاله من حوله من أشرف القبائل محتداً من بني عبد مناف وعبد الدار ومن سادة كعب وتيم ومخزوم، كانت تحجّ إليهم العرب وتحلف برؤوسهم وتستودعهم آلهتها ومقدساتها، ولكنهم في سياق موقف حق وقفوه، وجدوا أنفسهم وقد ضاع ذاك المجد كله وأصبحوا غرباء في يثرب، وفقجوا مجدهم في أمر القرى وانتقلوا ضيوفاً في قرية صغيرة في بيئة تختلف في كل شيء.!!..

وحين ودع وطنه ببكاء ودموع وقال والله انك لأحب البلاد إلي ولولا ان أهلك اخرجوني منك ما خرجت، فإنه كان يتحدث باسم أربعة وثمانين أسرة أطاعوه وأحبوه وهاجروا في الله تاركين وراءهم كل ما يملكون.

مع الأيام الأولى للمقام في المدينة التهب الشوق في قلوبهم فترنحت في لهيبه الأعضاء، فاصابتهم الحمى، وراحت أصواتهم تنشد الأسى والنحيب، حتى أبو بكر أعظمهم تصديقاً وإيماناً كان يغني بحزن: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله!! أما بلال فكان يؤذن ببكاء ويقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بمكة حولي إذخر وطفيل….

وغير بعيد عن ذلك ما قاله النازحون الملتهبة قلوبهم بالشوق في كل عصر

واذكر ايام الحمى ثم انثني …..    على كبدي من خشية ان تصدعا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتها …  عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

وليست عشيات الحمى برواجع …. إليك ولكن خلِّ عينيك تدمعا

كان أمام مجتمع منكوب، هرشه النزوح وأضناه العناء، وتبكيه كل ساعة ذكريات أهله وأحبابه، وترابه وأمانيه، ومشهد أمواله التي جناها سائر عمره وقد صارت تعفيشاً تتناهبه قريش وتسافر به في تجارة من حرام بين مكة والشام.

إنها حالة صعبة أن تصيب الحمى شعباً بحاله لسبب عاطفي وهو فراق الأرض والحنين إلى ترابها..

لم يستسلم… لم يقبل ابدأ أن يسميهم نازحين أو لاجئين، لم يقبل أبداً أن يقول عنهم منكوبين أو مشردين أو مطرودين… لقد سماهم مهاجرين، وهي تسمية إرادة وعزيمة، النزوح قهر واضطرار والهجرة إرادة واختيار، النزوح جبر وانكسار، والهجرة وثوب وقرار، النزوح يأس من الماضي، والهجرة أمل بالمستقبل، النزوح لطم على المصائب والهجرة صناعة العجائب.

لقد حدثهم عن فضل الهجرة، وفرادة الحياة فيها، وأطلق المهاجرين سرايا عمل وأمل في البلدة المضيفة، وورشات زراعة وحصاد وبناء وإعمار، وعين أهم الكفاءات في مناصب إدارية بالغة الحساسية واختار طلحة بن عبيد الله وزيراً للري والزراعة ونجح الخبير المخضرم في إطلاق برنامج إصلاحي ثوري في الزراعة والري وحفر أربعة وخمسين بئراً ونجح في بناء الجوابي الكبيرة ولأول مرة صارت المدينة تسقى بماء القنوات بعد ان كانت تسقى بالناضح وصارت المدينة عملاً وأملاً….

وخلال شهور قليلة أطلق برنامجاً كهربائيا تنويرياً في عوالي المدينة عبر الإسراج بالقناديل المصنعة محلياً في ورشة تميم بن أوس الداري الخبير المخضرم في الهندسة الكهربائية وهكذا نجح في تحويل يثرب القرية الهادة النائمة إلى مدينة منورة تتلألأ كأنها قطعة قمر!! وكانت أول مدينة في الحجاز يتم تنويرها بالسرج والزيت، ونالت بحق اسم المدينة المنورة.

لا أريد ان أكتب هنا عن الرسول الكريم رئيس بلدية عظيم، وانا أعلم ان رسالته أسمى من ذلك، ولكنه نجح في قتل أنين النزوح وآهات الشراد بنور العمل والأمل، وحول المهاجر إلى شريك حقيقي في الأرض التي نزل فيها، وشارك في بنيانها وأضاف إليها وأحسن في ترابها وهوائها وأهلها.

لم يشأ للمهاجرين أن يكونوا عبئاً على القرية الصغيرة التي نزلوا فيها، لقد حقق لهم توازن العمل والنصرة، والأمن والبذل، وأقام ثنائية تكاملية مدهشة بين الأنصار والمهاجرين، كسباً ومهارة وغنيمة.

ولو قام باحث محايد بدراسة إحصائية موضوعبة واقع الدخل القومي ونسبة النمو ومواجهة التضخم في تلك القرية الوادعة يثرب فإنه سيصل دون شك إلى نتائج مدهشة في السلم الاحصائي أنجزها الرسول وصحيه عبر الارادة والأمل.

الهجرة التي كانت قلقاً وحزنا حولها الرسول الكريم الى فخر ومجد، وأصبحت منزلة سامية يتنافس عليها الآخرون، وفي علم الجرح والتعديل باتت رتبة مهاجر أعلى رتب العلم والرواية والموثوقية، وبات الجميع يتسابقون لإدراك هذه المكانة.

وعلى الرغم من قسوة الهجرة وعمق الحنين ولكنه كان أكبر من عواطفه، وحين فتحت له مكة من جديد وبدا لأهل المدينة أنه مفارقهم ابتسم وقال: المحيا محياكم والممات مماتكم يا معشر الأنصار، لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار.

لم يشا أن يعود قافلاً إلى مكة، ولم ييشأ أن يوصي ان يكون ترابه في مكة، لقد عزز ثقافة فريدة صادمة لثقافة الحنين التي نمتدحها ونتغنى بها، وأعلن أن الأرض كلها أرض الله وأن المؤمن صيب نافع زخير منتظر، واستمر في مشروعه الذي أطلقه في المدينة على الرغم انه يعلم أن يثرب لن تبلغ أبداً مكان مدينة الله التي أسسها ابراهيم وستستمر بعده قرونا طويلة، ولكنه أراد أن يقول إن الأمل لا يرتبط بأرض ولا تراب، إنه لون من الكفاح ترسمه الإرادات الصارمة وترويه الزنود المرهقة بعرق الكفاح.

 

النزوح اليوم يبدو أكبر الكوارث التي تواجهها الأسرة الدولية، وتعقد باستمرار مؤتمرات للدول المتضررة من اللجوء، ولكن لم يعقد مؤتمر واحد بعد للدول المستفيدة من الهجرة، فالهجرة لون آخر من التعامل مع المأساة ، لون ينطلق من النظر إلى النصف الملآن من الكأس من الجانب الإيجابي  في التعامل مع الكارثة.

تبدو اليوم الأمم السعيدة أكثر الأمم وعياً بالهجرة واللجوء ويخرج رئيس الوزراء الكندي والاسترالي الى المطار لاستقبال دفعات جديدة من المهاجرين في موقف سياسي مسؤول وليس محض بروباغندا دعائية، فالأحزاب المتحضرة تراهن على اللاجئين طاقة حيوية مندفعة، مستعدة لممارسة أشد العمل مشقة وقسوة، لإثبات الذات، وحفظ الكرامة، وفي الوقت نفسه تعرف جيداً فضل الأمن والأمان الذي وصلت إليه بعد ويلات الحرب.

في روستوك شاركت العام الماضي في مؤتمر رعاية اللاجئين، قلت لهم: اللاجئون طاقة حقيقية وليسوا عبئاً مرهقا، والاندماج الثقافي حق للدول المضيفة ولكن الاندماج ليس نشاطاً أحادي الجانب إنها نشاط متبادل، قد يكون اللاجئون أقل مالا ولكنه ليسوا أقل كرامة وليسوا أقل طموحاً وليسوا بالضرورة أقل علماً.

والمهاجرون عموماً قوم يكرهون الحرب ويعرفون ويلاتها ومصائبها، ومهما كان سبب خروجهم فهو مؤسس على الرغبة بقيام السلام وكراهية الحرب، وما خالف ذلك فهو شذوذ لا يقاس عليه ولا يعكس واقعاً دقيقاً للاجئين.

مع أن الربط بين الهجرتين يبدو عسيراً على القارئ الكريم ولكنها في الواقع الرغائب نفسها والإرادة إياها واليقين نفسه.

كل هجرة تشتمل على جانب من النكبة وجانب من القيام، وفي النكبة العراقي إبان الغزو الأمريكي استقبلت سوريا مليوني نازح عراقي، وكان لي الشرف أن أطلقت لجنة خاصة في البرلمان السوري تحت عنوان لجنة التنقيب عن علماء العراق، ولشد ما كانت المقاجأة حين اكتشفنا في جموع اللاجئين خبرات علمية وقامات وطنية وشخصيات أكاديمية يشكلون ثروة هائلة يمكن أن تضيف غنى فريداً للمجتمع السوري.

السوريون يملأون الأرض، ويدهشون العالم بنجاحات غير متوقعة، ونننظر من مراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية إصدارات خاصة بالسوري المتفوق، بعد أن صارت حكايا نجاحاتهم وإبداعاتهم تدهش العالم…. نحتاج بالفعل أن ندون هذه اللحظات الكبيرة، وإنني آمل أن نقرأ في عيد الهجرة القادم موسوعة أمل وفرح وحياة .. تحت عنوان: سوريون في الأرض.. هجرة يتعلم منها العالم!!…………