النبي الديمقراطي

النبي الديمقراطي

النبي الديمقراطي صدر عن دار لامبيرت الألمانية الطبعة الأولى لكتابي النبي الديمقراطي بنسخته الانجليزية (The Democratic Prophet)   ويبدو مصطلح النبي الديمقراطي محيراً ومتناقضاً، فكيف يمكن لشريعة يصرح رسولها بانها يتلقى عن ربه الأمر والنهي وأنه وحي يوحى وما ينطق عن الهوى، كيف يمكن لشريعة بهذا الوضوح سماوية المصدر إطلاقية العبارة نهائية الحسم، أن تتنزل ...

عناصر المراجعه :

تقييم المستخدمين: 4.6 ( 1 أصوات)
0

النبي الديمقراطي

صدر عن دار لامبيرت الألمانية الطبعة الأولى لكتابي النبي الديمقراطي بنسخته الانجليزية (The Democratic Prophet)

 

ويبدو مصطلح النبي الديمقراطي محيراً ومتناقضاً، فكيف يمكن لشريعة يصرح رسولها بانها يتلقى عن ربه الأمر والنهي وأنه وحي يوحى وما ينطق عن الهوى، كيف يمكن لشريعة بهذا الوضوح سماوية المصدر إطلاقية العبارة نهائية الحسم، أن تتنزل إلى الأفق الديمقراطي القائم على الجدل والتغيير والتعديل والميل مع رغبات الأكثرية؟

وكيف يمكن أن تكون شريعة يصرح رسولها أن محض مبلغ عن الله، وأنه لا يملك أن يحذف أو يضيف، ولو تقول بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين!! كيف يمكن لهكذا رسول وهكذا شريعة ان تكون نضالاً ديقراطياً؟

وما جدوى ربط هذا الجهاد النبوي بالقيم الديمقراطية؟ وهل أحدهما بحاجة للآخر، أم أن كلأً منهما في غنى عن الآخر؟

النبي الديمقراطي: قد يبدو صادماً أن تستخدم عنواناً كهذا في وقت لا تزال كثير من المؤسسات الإسلامية لا تؤمن بالديمقراطية، وترى فيها انحرافاً عن نهج النبوة، وهو المعنى الذي دفع طلائع الإسلام السياسي في الخمسينات إلى رجم الديمقراطية بالحجارة واتهام البرلمانات بأنها أوثان القرن العشرين والدعوة إلى وجوب البراءة منها ومن تبعاتها التشريعية التي تم توصيفها بأنها مناوأة مباشرة للشرع.

ومع أن هذه الأصوات خفتت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، نتيجة جهود العلماء في توضيح الديمقراطية، ولكنها اليوم عادت تحظى بجمهور كبير بعد البؤس الذي عاد به الربيع العربي في الدول المنكوبة، الأمر الذي رسم صورة سوداء للآمال الديمقراطية، وبالتالي أساء غاية الإساءة للحوار الإسلامي الديمقراطي، والحوار بين المسلمين  والعالم، وعزز فرص التطرف والراديكالية وبالتالي أعاد المشروع الديمقراطي عدة عقود إلى الوراء في الشرق الأوسط.

تأمل هذه الدراسة أن تضيء على جوانب مجيدة من كفاح الرسول الكريم بوصفه قائداً ديمقراطيا حقيقياً عمل بصدق وشجاعة من أجل خدمة الإنسان، وناضل ضد الاستبداد والثيوقراطية والأوتوقراطية، وكافح من أجل مجتمع عدالة وحرية وديمقراطية يؤمن بإخاء الأديان وكرامة الإنسان.

أعلن النبي الكريم ولادة دولة المدنية تتويجاً لنضال ديمقراطي فريد استمر ثلاثة عشر عاماً واكتمل في يوم خالد مطلع ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة الموافق عام 622 ميلادية، يوم غنّت صبايا المدينة في يوم سلام وفرح وزهور احتفالاً بقيام الدولة الإسلامية الأولى الأغنية الرائعة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع!

لقد شهد المشروع النبوي لبناء دولة المدنية والعدالة خمس محاولات متتابعة، في مكة والحبشة والطائف والحيرة وأخيراً في المدينة المنورة، وقد اتصفت كلها بالسلمية التامة، وقد أخفقت أربعة منها فيما كتب للخامسة النجاح والنصر.

لا أبتغي هنا تقديم سرد للسيرة النبوية ولكنني معنيّ بجانب واحد وهو أن الرسول الكريم في هذه المحاولات الخمس لم يستخدم إلا الدعوة والحوار والحجة والموعظة الحسنة، وعلى الرغم مما واجهه من صدود واضطهاد واعتداء وقتل لعدد من الصحابة فإنه أصر على مبادئه السلمية، ونقول بكل ثقة إنه ليس في كتب المؤمنين بالرسالة ولا في كتب الكارهين للرسالة أي رواية صحيحة أو حسنة أو ضعيفة تشير إلى أن رسول الله استخدم في محاولاته الخمس أي قطعة من السلاح، ولا حتى سكين مطبخ، أو أنه لجأ إلى أي لون من العنف!!.

ولا يستطيع أحد على الإطلاق أن يشير في أي سياق أن الرسول الكريم قام بإرسال أفراد مسلحين للقيام بأعمال معينة لتخفيف الضغظ المرير والحصار الذي كان يعانيه، ولا حتى للإفراج عن الأسرى من المستضعفين الذين كانت قريش توثقهم في الحديد.

كما أنه لم يشأ أن يعلن دولته في المدينة بعد العقبة الأولى حيث كان عدد المسلمين قليلا، وإنما أعد بعناية وصبر مشروعه السلمي ولم يتوجه إلى المدينة ولم يعلن دولته فيها إلا بعد أن صار يشكل بكل يقين أغلبة مريحة في المدينة تتجاوز خمسين بالمائة، وتسمح له بإعلان حكم ديمقراطي ترسمه الأغلبية.

وتسمح لنا هذه الحقائق الاتفاقية التي لا يوجد حولها أي جدل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وبين الدراسات الروائية والدراسات التحليلية وكذلك الدراسات الاستشراقية، تسمح لنا هذه أن نقول بثقة إن النبي الكريم مارس نضالاً ديمقراطياً نظيفاً تماماً في قيام دولته وإعلان رسالته.

وبعد أن نجح سلمياً في بناء الدولة على الأرض، أعلن عن قيام جيشه الوطني بعد ذلك تحت عنوان جيش الجهاد، ليقوم بواجبه في الدفاع عن الدولة والناس، وتأمين حماية الثغور، وكل ما روي عن الرسول في العنف فهو بعد قيام الدولة وليس قبل قيامها، فالدولة هي التي جاءت بالجيش وليس الجيش هو من جاء بالدولة.

وفي وثيقته الأولى التي كتبها دستوراً لدولة المدينة الناشئة يظهر احترام المواطنة على أساس من المساواة بغض النظر عن الدين والنسب، وحين رحل إلى الله لم يكن في وصيته فرض حكم ثيوقراطي على الناس وإنما ترك الأمر شورى وتم تداول السلطة بعده في الخلافة الراشدة على وجه جيد من الشورى بغض النظر عن الأحساب والأنساب والثروات، قبل أن تتحول الخلافة إلى ملك عضوض.

لقد كان موقفه عند الرحيل كموقفه عند الوصول ديمقراطياً حكيماً، فلم يدخل المدينة إلا ببيعة الأغلبية، وحين رحل لم يشأ أن يصادر الأغلبية في شخصه وترك الأمة شورى تختار من تشاء لمستقبلها وهو أدق فصول الديمقراطية والشزرى.

وقد أثار موقفه في الرحيل نفس الغرابة التي أثارها موقفه في الوصول، فقد كانوا يتساءلون لم لم يسمّ لهم من يخلفهم من بعده ويحسم الجدل الطويل؟

أما وصوله فقد كان تكريساً للكفاح البشري، وتأكيداً على دور الإنسان في القيام بأمره، وأما رحيله فقد كان تكريساُ لقيم الديمقراطية في الاختيار والشورى.

إن وقوفنا أمام معالم بشريته لن ينقص من وجهة نظري حبنا واحترامنا لمقامه المعصوم، بل إنه سيعزز الاحترام لعطائه ورسالته، فهو بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وما كان من قبله من المرسلين إلا بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسٍواق ولو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزل الله عليهم من السماء ملكاً رسولاً.

إنها ليست قراءة علمانية لحقائق الغيب، ولكنها نصوص الكتاب العزيز نقدمها كما رواها صاحب التنزيل، إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، وهي نصوص أشارت  في 118 موضعاً إلى كونه بشراً يكافح على الأرض من أجل بناء الإنسان والحياة.

وفي كفاحه على الأرض كان يواجه قومه بحوار العقل، ولكنهم كانوا يطالبونه بالمعجزات، على ما هي عادة الشعوب الواهنة حين تبعث فيهم الأنبياء، ولكن سياق رسالته كان يتأبى على منطق الخوارق، فقد كان الرجل صاحب زند وجد، وكفاح وجراح، وكان يؤذن في البشرية بعصر جديد يحكم فيه العقل وتنسحب الخوارق.

قالوا له اخرق لنا الجبال وافتق لنا الأرض، فقال لهم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم، ومراراً كانوا يسألونه الخوارق، ويذكرونه بمواهب الأنبياء من قبله في هذا السبيل، ويسألونه: أنت نبي؟ لم لم تؤيدك السماء بمثل طوفان نوح ونار الخليل؟ أين هي عصا موسى منك؟ وأين هي كف المسيح؟ ولن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وأعناب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء علينا كمما زعمت كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه… إلى آخر القائمة الطويلة من المطالب والتحدي…….

كانوا يسألونه بكل صيغ التحدي يطلبون منه آية من تلك التي أخبر بها عن تاريخ الأنبياء، كان الجواب صارماً: قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به!! ولو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم.

وحين كانت طبيعته البشرية تتألم للابتزاز كان يبسط يديه للسماء رجاء أن تأتيه عجائب الأنبياء من قبله، ولكن كانت السماء تضنّ عليه بذلك وتأمره مرة أخرى باستئناف الكفاح البشري، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون.

وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين.

إن الإيمان الذي يأتي بالخوارق يرحل برحيلها، ولا معنى لرسالة جاءت لإنقاذ البشرية أن تعتمد في براهينها على المخاريق والعجائب.

وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

وحين استيئس ذات يوم وأعرب بجرأة عن قناعته بضرورة مجيء المعجزات في كفاحه، على سنن من قبله من الأنبياء جاء القرآن بجواب غير متوقع ولا مألوف يتضمن تأنيباً شديداً: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين، إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون!!

إنها باختصار رسالة العقل، وهي آتية على غير نسق الأنبياء في الخوارق والعجائب، تحمل الناس إلى عصر المعرفة والعلم والنور.

هكذا اختار له الله مكانه بين الأنبياء ينطلق في خدمة العالم، يقرأ أسرار الكون ويبني على سنن الآفاق والأنفس، عماد رسالته العقل والبرهان، يلهب زفيره كفاح الأحرار، ويوري بزنده نار الفداء.

إنها محاولة لقراءة الرسول الكريم رجل كفاح ديمقراطي، آمن بالعدالة وكفر بالاستبداد، وعمل للحرية وقارع الظلم، وأنجز المساواة في ظروف المجتمع الجاهلي، وعمل بإخلاص وكفاءة لبناء مجتمع العدالة والتنمية في الأرض.

تتناول الدراسة أكثر من خمسين موقفاً ديقراطياً للنبي الكريم، في الإدارة والتشريع، قام فيها باختيار قراره أو بتعديله أوتبديله بناء على الخيارات الديمقراطية، وتكشف كيف أسست هذه الممارسات لسلسلة قواعد ديمقراطية في التشريع سميت فيما بعد الاستحسان والاستصلاح والعرف والذرائع، صارت في عهد المجد الإسلامي منبعاً للأحكام التشريعية المتدفقة وتولت الإجابة على أسئلة الزمان والمكان، وحققت ريادة واضحة للحالة التشريعية في عصر المجد الإسلامي.

إنه النبي الذي أعلن ختم النبوات، ونهاية الاتكاء على السماء في بناء الأرض، إنه نهاية ضباب الخوارق وبدء عصر السنن، نهاية عصر الغيب وبداية عصر الشهادة، نهاية عصر الخرافة وبدء عصر العقل، نهاية الاستبداد وبداية الديمقراطية.