تجنيد النساء.. الإمعان في جنون الحرب

تجنيد النساء.. الإمعان في جنون الحرب

في غمار ما يتردد في الوطن المنكوب تطرح دوائر عسكرية في الدولة السورية موضوع تجنيد النساء وفرض التجنيد الاجباري على المراة، وتتبنى مؤسسات نسائية ناشطة هذا المقترح على اعتباره خطوة في تمكين المرأة ومشاركتها.

نتيجة بحث الصور عن تجنيد النساء الامعان في جنون الحرب

ومع أن مشاركة المرأة وتمكينها بات محل اتفاق بين علماء المجتمع، ولكن هل نسير في فرض الجندية على النساء في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ، وهل المطلوب تجنيد النساء والأطفال، أم الخروج من وهم التجنيد الإجباري كله، وتغيير ثقافة القطيع التي تفترض في الجيل الجديد كله وقوداً في حطب الوطن الذي تقده السياسة على مقاسها!!

تخلت 114 دولة في العالم عن نظام التجنيد الاجباري وأقامت جيشاً احترافياً للراغبين في الحياة العسكرية، ويدخل في هذه القائمة تقريبا كل الدول الحديثة المتحضرة، وفيها أقوى دول العالم ألمانيا وبريطانيا واليابان وفرنسا واسبانيا، فيما ذهبت 48 دولة اخرى الى تحويل الجيش الى خدمة وطنية غير قتالية لا تزيد عن 18 شهراً، فيما لا تزال 33 دولة تصر على الخدمة العسكرية الالزامية على مواطنيها، ومعظمها من الدول المتخلفة، وليست هذه الدول أسعد الدول ولا أرقاها بأي مقياس.

لماذا يجب ان يتعسكر المجتمع؟ الجواب المستمر إننا في حالة حرب ومؤامرة كونية، وأن المجتمع كله مطالب أن ينقض على أعداء الأمة، وأن أعداء الأمة يتكاثرون في الشرق والغرب والشمال والجنوب ومن فوق ومن تحت،  والأعداء في عرف الاستبداد العربي قائمة طويلة لا تنتهي تبدأ باسرائيل وامريكا واوروبا والدول العربية بل تمتد أيضاً إلى الشعب الثائر، ومؤخراً تداول الناس تهديدات أحد قادة النظام النافذين يعلن فيها علناً أن عشرين مليون من هذا الشعب لا يملك وطنية، ولا يستحقون هذا الوطن ولا ينبغي أن يعودوا إليه!

بدأ التجنيد الإجباري في سوريا عام 1919 عبر قرار مجلس المديرين، في ظروف الحرب العالمية الأولى الصاخبة، وخروج الأتراك من سوريا وبالتالي الحاجة إلى بناء جيش قوي مختلف تماما عن العقلية الانكشارية التي كانت سائدة لقرون.

وعلى الرغم من الحاجة المؤكدة لبناء جيش سوري جديد، فإن الاستثناءات كانت كثيرة واستثنى القانون آنذاك من خدمة العلم (المفتون ومشايخ الطرق وخطباء وأئمة الجوامع والمدرسون الشرعيون والمعزول والمنصوب والبطاريق والحاخامين والمطارنة والقساوسة والرهبان ومأمورو الحكومة ذو الرواتب وموظفو السكك الحديدية وطلبة المدارس الشرعية)

وخلال مائة عام ظلت الحكومات المتعاقبة تكرس حالة التجنيد الإجباري، بل إنه تحول باستمرار إلى شكل أكثر تعقيداً فبعد أن كان ستة أشهر امتد إلى عام ثم عامين ثم ثلاثة أعوام… وفي حالات الفوضى والحروب كان الجيش يحتفظ بالمجندين من متعوسي الحظ، ومؤخراً احتفظت السلطات ببعض المجندين لمدة سبعة اعوام من حياتهم قضوها في قتال لم يؤمنوا به يوماً ولم يفهموه.

لماذا يجب أن يجند الناس في الحروب؟ وهل قدر ابن آدم أن يعيش قاتلاً أو مقتولاً، وهل يجب أن تكون ذئباً حتى لا تأكلك الذئاب ؟ من المؤسف أن الجواب على كثير من هذه الأسئلة هو الإيجاب وهو أمر مرعب تماماً، وأشد ما فيه من رعب أنه يبدو بديهياً لسواد الشعب، وأن خطاب السياسة والدين يزخرف هذا اللون من الحرب، ويمجده بالتضحيات الهائلة، بحيث يبدو كل قتل أو موت يرتكب في هذا السياق طاعة لله وفداء للوطن.

وفي السياق الانفعالي أعلاه بات التجنيد نفسه عملاً مقدساً، وتحول الجندي المحارب إلى رمز البطولة والفداء، بغض النظر عن اتجاه البندقية في بلادي الذي لا يعرف منذ خمسة وأربعين عاماً إلا أرواحاً عربية خالصة!

وحتى لا نطيل في وصف  قداسة السلاح والمحارب التي فرضها الانفعال الأجوف وغرائز الثار، فقد شاهد الناس مؤخراً في سوريا ساحات البسطار العسكري ونصبه وأيقوناته، في ظاهرة أوضح تسمية لها هي عبادة البسطار!!

ورغم أن التجنيد الإجباري مستمر دون توقف منذ مائة عام ولكن أحداً لا يستطيع القول إن هذا التجنيد اوقف سقوطنا الحضاري أو أنه حرر الأرض السليبة أو أنه حقق لنا مكاناً مهاباً بين الأمم، هذا إذا لم نتحدث عن الجيش كأكبر مؤسسة فساد في الوطن المنكوب.

بدون أي تعقيد يمكننا أن نتابع بالأرقام خلال أكثر من نصف قرن تطفيش الخبرات الوطنية والكفاءات الشبابية، ولو أنك سألت أجيال الشباب التائهة منذ أكثر من نصف قرن لرأيت أن أكبر دافع للتغرب والشتات هو الخلاص من التجنيد، والبحث عن سبيل كريم للحياة لا يقوم على منطق اقتل أو تقتل.

لماذا يجب أن أحارب؟ ومن أجل أي شيء يتعين علي أن أهرق روحي ودمي؟

الوطن بخيراته وبركاته وحدوده وجباله ووهاده مخلوق من أجل الإنسان، حتى الدين نفسه مخلوق من أجل الإنسان، الإنسان أولاً وثانياً وثالثاً، ثم الدين رابعاً، المواطن أولا وثانيا وثالثا ثم الوطن رابعاً، وما كرامة وطن لا يرفع عن المواطن الذل ولا يمنحه الحياة الكريمة.

كان العالم ذات يوم مسرحاً للمحاربين، وكان من الوهم أن تعيش بدون سيف وخنجر، ولكن الدنيا تغيرت اليوم، وتبدو الأمم التي اختارت عسكرة المجتمع شعارها ودثارها بائسة في جحيم الحرب اليوم، ومع أنها اتخذت السيف والخنجر رمز قوتها ومنعتها، ورسمته على صفحات العلم الوطني ولكن عبادة السلاح لم تأت بالسلام وما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء وما زادوهم غير تتبيب.

واليوم وعلى الرغم من ظروف الحرب البائسة فإنه لا يوجد سبب يدعو السوريين إلى الإمعان في شتاتهم وشرادهم والهجرة إلى المجهول أكثر من الخوف من التجنيد، الذي يطاردهم عبر كل السفارات السورية في العالم.

التجنيد الإجباري سلوك غير حضاري تخلصت منه معظم دول العالم، ولكن التجنيد الإجباري في الحروب الأهلية من وجهة نظري جريمة مكتملة الأركان، وهذه دعوة مباشرة لكل حقوقيي العالم للانخراط في حملة عالمية لمنع التجنيد في الحروب الأهلية.

ذات يوم لن يصدق الإنسان أن أجداده كانوا يجبرون الناس على حمل السلاح وإطلاق النار، وأنهم كانوا يسمونه نبلاً ورجولة، وسيعرف أحفادنا كم كنا معاقين حين اعتبرنا البندقية وراجمات الصواريخ والبراميل والألغام الأرضية ضد الأفراد كفاحاً ونضالاً ووطنية!!!

في غمار ما يتردد في الوطن المنكوب تطرح دوائر عسكرية في الدولة السورية موضوع تجنيد النساء وفرض التجنيد الاجباري على المراة، وتتبنى مؤسسات نسائية ناشطة هذا المقترح على اعتباره خطوة في تمكين المرأة ومشاركتها. ومع أن مشاركة المرأة وتمكينها بات محل اتفاق بين علماء المجتمع، ولكن هل نسير في فرض الجندية على النساء في الاتجاه الصحيح ...

عناصر المراجعه :

0

الرأي العام : كيف تقيم الفكرة التي يدعو لها هذا المقال؟

تقييم المستخدمين: 4.4 ( 2 أصوات)
0

عن admin