ثنائيات إقبال ونيتشة

فيلسوف من نار

تنظر الشعوب الإسلامية إلى إقبال على نطاق واسع على انه قيلسوف الإيمان، وشاعر الحضارة الإسلامية، ومؤسس باكستان، وشاعر الصحوة الإسلامية، وهي القاب تجد أدلتها وتأييدها في طول العالم الإسلامي وعرضه، وباتت لوضوحها لا تحتاج إلى برهان.

ومن هنا كانت صلة إقبال بأفكار نيتشة غريبة وصادمة، فالرجل الذي كان يملًأ هضاب نجد وصحراء الحجاز بدموعه اللاهبة شوقاً إلى ضريح محمد وكعبة الله لا يمكن أن يكون قسيماً فكرياً للفيلسوف الألماني الهائج الذي اعلن موت الله!!

وفي حين اعلنت الكنيسة بكل طوائفها نيتشة عدواً للمسيح وظهيراً للكفر، ولكن إقبال كان يبحث فيه عن شيء آخر، ومع أنه لم يكتب حرفاً عن نيتشة في كتبه الأولى ولكنه في كتابه الأخير تجديد التفكير الديني في الإسلام يتناول نيتشه ست عشرة مرة فيلسوفاً عميقاً ثائراً على الخرافة والجهل!

كان يتبادل مع نيتشة غضبه على الكهنوت وعلى الأخلاق الخانعة التي يعلمها الكهنوت، لم تكن تعجبه ثقافة اذا ضربك على خدك الايمن فأدر له خدك الأيسر وإذا أخذ رداءك فاعطه إزارك… وهي المعاني نفسها التي تكرسها المدارس المنتشرة للصوفية الفاشلة التي حولت المجتمع الإسلامي إلى ملالي ومريدين، وأعلن غضبه الحارق على الفهم المتشطي للدين والإنسان، لقد كان يعجبه الثائر القوي يملك أقداره بيمينه ويكتب مستقبل الأجيال بزنده، ويكتب بسيفه حركة التاريخ.

 

كان إقبال ينظر غلى نيتشة فيلسوف السوبرمان والإنسان الأعلى، ومشروع ثورة حقيقية جارفة تجتث كل ما في طريق القيام من وهن وخور وضعف لينطلق الإنسان من اجل مشروعه الجديد، حيث لا مكان إلا للاقوياء والقادرين على خلق الحياة بلون آخر.

وفي هذا السياق سجل إقبال في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام أعجابه الكبير برجال ثلاثة من زعماء الهند وهم أحمد الفاروقي السرهندي وشاه ولي الله الدهلوي وأورنك زيب، وقال لولا هؤلاء الثلاثة لابتلعت الهند الحضارة الإسلامية.

 

أما أحمد الفاروق السرهندي المتوفى 1624 فقد كان من أبرز علماء الشريعة وكان مرشدا على الطريقة النقشبندية وعرف في التاريخ باسم مجدد الألف الثاني، وقد اشتهر بصلابته وثباته في وجه السلطان أكبر ومقاومته لمشروع الدين الجديد الذي دعا إليه أكبر، أما ولي الله الدهلوي فقد كان أبرز علماء الشريعة وفقهائها في الهند وقد توفي عام 1762، أما أورنك زيب فقد كان أبرز سلاطين المغول المسلمين في الهند 1658-1707 وقد نجح في بسط سلطان المغول المسلمين على كامل تراب الهند وأوقف انهيار الدولة المغولية.

وهؤلاء الثلاثة يرمزون في فكر إقبال إلى قوة المسلمين في الهند، وقد كانت الهند أحوج ما تكون الى ثقافة القوة في أيام إقبال بعد أن مارست بريطانيا احتلال الهند بشكل مباشر عقب إسقاط السلطان بهادر شاه.

 

كان يبحث في همم المسلمين عن رجال مثل هؤلاء يبعثون الإرادة في الأمة المائتة ويحيون عزيمتها ويقاومون سقوطها وانهيارها الذي كانت تبرره لهم ثقافة القضاء والقدر، وكان أكثر ما يطلق غضبه على فكرة القدر، ويقول للمسلم ويلك!! أنت هو القضاء وأنت هو القدر، ولا يستطيع القضاء ولا القدر أن يكرب ظهرك إلا إذا وجده محنياً.

 

وهنا يسجل إقبال بريشته صيحة نيتشة كما هتف بها زارا العائد من الجبل، الكون يتجدد كل يوم، والحقائق تعيد إنتاج ذاتها، إنه العود الأبدي… الشعرى والعنكبوت وافكارك التي تكررها بلا سأم ، والسوبرمان نفسه… حياتك كالساعة الرملية تمتلئ وتغور ولن تنتهي الى الابد انت حبة ستتلألأ الى الابد…

نيتشة رفض ذلك الإله المصلوب العاجز عن حماية نفسه، وقال إن أمة هذه آلهتها لن تنهض أبداً، وأعاد تفتيش رسالات الأنبياء، ولم يتردد أبداً في الذهاب إلى زارا ذلك النبي الذي كان إلهه النار، وأعظم به من إله هادر قادر، يدمر العالم ويعيد إنتاجه خلقاً جديداً، وهناك رأى أن أفضل ما عبده العابدون هو النار المقدسة هو القوة والعنفوان.

حين نزل من الجبل كان يصرخ في الجموع الهائجة متى يستيقظ الإنسان ويركل في دربه كل تلك الأوهام السخيفة ويستأنف انطلاقه إلى الإنسان الأعلى، كل الحيوانات طورت أنفسها وأنتجت شكلا جديداً من الحياة أكثر قوة وتلاؤماً، الزرافة والبقرة والحصان والأفعى والأسد كلها تجاوزت مكانها الذي كانت فيه حين حافظت على الأقوى من عناصرها وجيناتها، وداست بارجلها على الواهن العاجز الضعيف، ولكن الإنسان بقي إسار وهمه، ولم ينجح أبداً في خلق نفسه من جديد، إنه أمر مخجل، ليس نحن من نخجل من ماضينا كقرود بل على القرد أن يخجل من مستقبله كإنسان فقد المبادرة وتوقف عن الوثوب، وانكفأ إلى وهنه وضعفه وجراحه يرتق ويعيد ويبكي ويلطم، ولم يدرك ان سيل الحياة الهادر لن يتوقف عند وهمه!

وحين نزل نيتشة من الجبل وشهد سقوط البهلوان العاثر أمام الجموع، وقف عنده وقال له لا تبأس يا صديقي لقد كنت متعة للناس ومنية وحاجة للمجتمع، ولكنك تحطمت الآن وعليك أن تموت وسأدفنك بيدي ، لا تبأس! ستموت روحك قبل ان يموت جسدك وستستمر الحياة!!

ومع أن جدل إقبال عند نيتشة كان يتصل بموقف نيتشة في مسألة السوبرمان والانسان الأعلى ولكن الجانب الأكثر إثارة وأهمية كان موقفه من نيتشة في جدل الأديان والحقائق الغيبية.

لقد أسر نيتشة إقبال بنظريته الغاضبة على الكهنوت، وفي الواقع فإن نيتشة الذي يصنف عادة بأنه من اكثر من الملحدين عتوا في الأرض فإنه لا بد أن يذكر أيضا كتقي مسحيي أو على الأقل كراهب زرداشتي، ولا يجب أن نتوقع كثيرا من المنطقية في هذا الجدل فالرجل لم يزعم نفسه منطقيا على الاطلاق وقد كتب شعره في زرداشت غاضبا ساخرا مستفزاً ثم دخل من فوره الى مشفى الامراض العقلية حيث أمضى نحو عشرة أعوام بين عنابر مشفى المجانين.

ولكن الصراع في الواقع لم يكن بين نيتشة وبين الله وإنما كان بين نيتشة وبين الكهنوت وبشكل خاص الاخلاق الضعيفة التي تعلمها الكنيسية، وما يحيط بها فن فضيلة الهوان والخنوع والاعتراف والرهبنة.

لقد صرخ الرجل إن أخلاقا كهذه ستدمر ألمانيا التي يطالهبا جيرانها بالتواضع والخضوع، فألمانيا هي بلاد المجد الحضاري الأوربي، وهي الامبراطورية المقدسة منذ ألف عام، وعلى العالم أن يتقبل التفوق الألماني والتاريخ الألماني ولا بد أن تكون ألمانيا فوق الجميع، وهذا هو مكانها وتاريخها وقيامها عبر التاريخ.

لقد اقتبس إقبال القوة من نيتشة ولم ينظر إلى الفيلسوف الهائج على أنه محض زنديق مرتد بل نظر إليه على أنه ثائر على الخنوع الديني الذي كان سمة الكنيسة في أرويا وكان في الوقت اياه سمة التصوف الاسلامي في الشرق.

وعلى الرغم من الحياة الصاخبة المضطرمة للفيلسوف نيتشة، وتناوسه المتكرر بين الجبل والمدينة ومشفى المجانين، فإن إقبال لم يكن يرى أنه كان كافياً لرسم ملامح الثورة الهادرة التي يريد، فقد كان يريد مزيداً من غضبه، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد انتحاره وجنونه!

من هذا الجانب وجد إقبال في نيتشة تجربة تناسب مشروعه في الدعوة إلى قيام المسلم الجديد سوبرمانا جباراً يكرر رسالته التاريخية المجيدة، ويدعو لمجد جديد على ملامح ما أنجزه المسلم في تاريخه الطويل.

وفي صلته بنيتشة كتب إقبال للدكتور نيكلسون: «كل من حاول إثبات إفادتي من نيتشه فهو لا يعرف الحقيقة. إن نظريتي في الإنسان الكامل قد أبديتُها وكتبتُ فيها قبل أن أعرف نيتشه بسنين طويلة. وقد سبق أن نشرت مقالاً في هذا الصدد منذ فترة طويلة، ثم ألحقته في رسالتي للدكتوراه عن تطوّر ما وراء الطبيعة في إيران عام 1908م. وأهم ما يفرق بيني وبين نيتشه، أن نيتشه لا يرى من الضروري أن تتصادم الذات في طريق تنميتها وارتقائها إلى القمة مع العوامل الخارجية، وأما عندي فمن الضروري أن تحدث المعركة بين الذات وبين العوامل الخارجية، والسبب في ذلك أن نيتشه لا يرى من الضروري بقاء الإنسان، وأما أنا فأقرّ بقاء الإنسان.

إن ثنائية إقبال ونيتشة لم تكن لقاء فيزيائياً على غرار لقاء إنجلز وماركس، ولكنها كانت لقاء حضارتين موجوعتين منهكتين، الأولى ألمانيا التي يتناوشها أعداؤها من كل وجه، وباتت على وشك الغضب المجنون الذي سيجرها إلى الحروب الكونية الطاحنة، والثانية الهند الجبارة التي كانت أكبر امبراطوريات المسلمين في آسيا، ثم غدت جزءاً من المشروع البريطاني الاستعماري، وكانت رسالة الرجلين واحدة في دفع الشعب للقيام والثورة، فهناك مجد هائل في أحشاء الهند وفي أحشاء ألمانيا، وفي مقابل إرادة الثورة كانت الأخلاق المسيحية في ألمانيا والدروشة الصوفية في الهند تكرسان ثقافة القدر المحتوم وتدعوان الشعب إلى الرضا والخنوع، والصبر على لاواء الدنيا وانتظار رغد الجنة، أما الظالمون المستبدون فهم إرادة الله وقضاؤه وقدره، وليس من شأن العاقل الاصطدام بهم، بل توكيلهم إلى الله، وسيذوقون النكال في ذار العذاب الأخروي والظالم سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه!  وأما ما نذوقه من بطشهم وسجونهم ومقاصلهم ومحارقهم فهو محض الم عابر سيمسحه عن قريب رغد الجنة!!

تقاسم الرجلان إرادة الثورة على المستبدين والكهنة، وقادة السياسة ورجال الدين:

فإلى متى صمتي وحولي امة ***** يلهو بها السلطان والدرويش

هذا بسبحته وذاك بسيفــــــــه *****  وكلاهمــــــــــا مما نكد يعيش