كتاب محمد رسول السلام

 

صدر قبل أسابيع عن دار لامبيرت الألمانية الطبعة الانكليزية لكتاب محمد رسول السلام، الذي كتبه الدكتور محمد حبش، في محاولة جديدة لتقديم صورة مختلفة عن الإسلام في مواجهة الصورة القاسية التي كرسها صعود التطرف الإسلامي، والتي باتت ترسم في الذهن الغربي الصورة النمطية للرسالة والرسول.

وفي مقدمة الكتاب تحدث المؤلف عن الجديد في كتابه هذا، حيث يأتي الكتاب في زحام كتب كثيرة تهتم بشرح سيرة النبي الكريم، بعضها كتبه مستشرقون وبعضها كتبه مسلمون ولكن كثيراً منها كرست صورة النبي محارباً فاتكاً فرض دينه ورسالته في جزيرة العرب عبر ثمانية وعشرين حربا شارك فيها بنفسه واثنتين وثلاثين سرية غزاها أصحابه، ثم حرب المرتدين الطاحنة التي بدات في حياته واستمرت سنتين ونجحت في إخضاع جزيرة العرب للدين الجديد.

ومن المحزن أن هذا الجانب الحربي من حياة الرسول هو الذي يغلب على الكتب المترجمة في السيرة النبوية خاصة تلك التي تصدر عن مؤسسات إسلامية هامة ذات مكانة مرموقة، وتوزع بإمكانيات دول إسلامية رئيسية دون الانتباه إلى الأثر السلبي الذي تفرزه تلك الدراسات في استعداء العالم وتكريس صورة غير حضارية لرسالة الإسلام.

يقدم المؤلف عرضاً شاملاً للسيرة النبوية الكريمة، ويذهب مباشرة لمناقشة هذه الصورة النمطية ويفصل القول أن كفاح النبي الكريم لبناء دولة الإسلام تكرر خمس مرات في مكة والطائف والحبشة والحيرة والمدينة، وقد أخفق في أربعة منها ونجح في الخامسة، ولكن أتباع الإسلام وخصومه على السواء اتفقوا على التأكيد أن كل هذه المحاولات تمت في درب سلمي محض، وأن الرسول لم يستخدم فيها أي قطعة سلاح ولا حتى سكين مطبخ!! وأنه وصل إلى المدينة المنورة بعد تدافع ديمقراطي صحيح، أنتج كتلة أغلبية من المؤمنين بالرسالة وقد استند إليهم الرسول في مشروعية دولته وحكمه وضمن للمخالفين مكاناً لائقاً في الدولة يحفظ لهم حقوقهم وشعائرهم.

كما يؤكد الكتاب أن ما روّجته كتب الرواية من أن ثمانية وعشرين غزوة خاضها الرسول بنفسه واثنتين وثلاثين سرية عقدها لأصحابه هو كلام مبالغ فيه للغاية، وأن هذه الأيام الستين لم تكن في الواقع إلا نشاطات دعوية ودبلوماسية وقعت خارج المدينة، ولكن الرواة أطلقوا على كل خروج خرجه الرسول من المدينة اسم غزوة مهما كان الهدف سلمياً وعادياً، وهذا ما رسم صورة نبي فاتك لا ينزل عن حصانه ولا يغمد سيفه، وغيَّب عن عمد صورة النبي الكريم زعيماً إصلاحياً وسياسياً محنكاً ودبلوماسياً مجرباً نجح بكفاءة واقتدار في تحويل الحروب إلى مصالحات تفاهمات ولكن الرواة للاسف لم ينجحوا في تسمية الأشياء باسمائها وشرح طبيعة الكفاح السلمي للرسول الكريم.

ويبسط الكتاب القول في تفصيل ما ترويه كتب السيرة عن اثنين وأربعين عبداً وأمة كانوا عند الرسول الكريم، ويقدم الأدلة الكافية ان هؤلاء السبايا والعبيد كانوا مواليه وليس عبيده، والمولى هو ما تعتقه من العبيد، أي كانوا معتقيه اشتراهم وأعتقهم أو أهدوا إليه وأعتقهم، وقد تم اعتاقهن جميعاً، وأن الرسول الكريم رحل من الدنيا وليس عنده سبية واحدة، وأن آخر عهده بالسبايا كان يوم حنين حيث وقع في أسره أربعة آلاف وخمسمائة أسيرة، ولكنه لم يسمح أبداً باسترقاق واحدة منهن ونجح في إعادة الحرية لهن جميعاً دون أي عوض، في يوم يجب أن يعتبر عيداً للحرية والكرامة الإنسانية.

وفي الواقع فإن تقرير هذه الحقيقة يترك ممارسات الخلفاء بعد النبوة من الغزو والاسترقاق والعبث بلا جواب ولا تبرير، ويؤكد ان هذا الذي طبع حياة الخلفاء من العبث والمجون والتمتع بالسبايا والإماء هو لون من الانتكاس الى الجاهلية لا سند له في سلوك الرسول الكريم.

كما قدم الكتاب صورة جديدة لموقف النبي الكريم من المختلفين دينياً وبشكل خاص نصارى جزيرة العرب واليهود والصابئة، وهم الذين أطلق عليهم الإسلام اسم أهل الكتاب، وأورد سلسلة من الروايات في التسامح والعيش المشترك وبشكل خاص في إطار العلاقة مع نصارى نجران ومع النجاشي الذي اعتبر مسلماً على الرغم من أنه لم يترك دينه المسيحي ولم يغادر بطارقته وكنائسه وصليبه، وأوضحت الدراسة إمكانية التوقف عن فكرة احتكار الخلاص التي تلتزم بها الأديان في العادة، وهي عقيدة تسللت إلى الرواية وصارت جوهر ما تروج لها الروايات التقليدية في علاقة المسلم بالآخر المختلف في الاعتقاد، وأكدت الدراسة على وجود شواهد العيش المشترك والإخاء بين الأديان على الرغم من اختلافها وبالتالي رفض ثقافة احتكار الجنة واحتكار الدين واحتكار الله، في أدلة مترافدة كثيرة تعزز حقيقة واحدة وهي أن جوهر الرسالة هو مبدأ أمة بين الأمم وليس امة فوق الأمم ونبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء ودين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان.

واختار المؤلف لغة سهلة للوصول إلى القارئ الاوروبي والامريكي، وفي الطبعة الانكليزية تم التوسع في عدد من الحوادث التي تثير الجدل حول طبيعة الحرب والسلام في الإسلام، وطبيعة الحقوق الأساسية للإنسان من المساواة والعدالة والكرامة.

كما تضمن الكتاب سلسلة من الفهارس والجداول التوضيحية اشتملت على روزنامة كاملة لحياة الرسول مرتبة على الشهور والأيام، ثم اعقب ذلك سلسلة جداول توضيحية لأهم اعلام العرب وتحولهم إلى الاسلام وأهم علماء الصحابة وأهم نساء الصحابة وإسهامهن في بناء الدولة الجديدة، مما يرسم صورة واضحة عن المشاركة المجتمعية في بناء الدولة الناشئة.

وقد تمت طباعة الكتاب من قبل ستاً وثلاثين طبعة باللغة العربية وتم تقريره منهجاً دراسياً في عشرات من المدارس الدينية في سوريا ولبنان والأردن والجزائر وينغلاديش وغيرها، واعتبر من الكتب السهلة لغة ومضموناً، إضافة لاشتماله على النص الكامل لتاريخ الرسالة والرسول.

وفي عام 2010 اختارت جامعة كرايوفا الرومانية الكتاب كمقرر دراسي في اللاهوت للتعريف بنبي الإسلام، وتمت ترجمته للرومانية، وبعد سنتين تم تكريم المؤلف بدرجة دكتوراة الشرف التي تمنحها الجامعة العريقة مرة واحدة كل سنتين وثد تم تكريم المؤلف في القاعة الزرقاء بالجامعة في حضور كبير حيث تحدث بالتفصيل عن الرسالة والرسول.

وقد أطلقت دار لامبيرت الألمانية قبل أسابيع الطبعة الانكليزية للكتاب في جهد متميز عبر منافذ البيع التي تملكها في 2000 مركز بيع حول العالم، كما أطلقت حملة ترويج متميزة على الشبكة الالكترونية.

يامل المؤلف أن تكون رسالة الكتاب جواباً علمياً على ظاهرة الاسلاموفوبيا التي كرستها الحروب المتتالية في الشرق الإسلامي، والتي باتت الصورة الأكثر تصديقاً في عقل الغربيين عن الرسول والرسالة.