نار السعير… قراءة أخرى في كتاب الله

وأعتق رقابنا من النار… هي أكثر صيغ الدعاء شعبية في رمضان، وربما باتت أكثر صيغ الضراعة تحبباً إلى الأئمة والخطباء.
وقد كتبها مصطفى حسني قبل أيام فسجلت أكثر من مليون إعجاب وعشرات الآلاف من المشاركة.. اللهم زد وبارك
وبالمناسبة فانا أحترم هذا اللون من الواعظين الشباب الذين نجحوا في كسب قلوب الملايين من أقرانهم، وأعتقد ان كسب قلوب الناس دليل إخلاص وتوفيق ونجاح حقيقي، ولا يسعني الا احترام الناس، وغاية ما أقول: اللي أعطاهم يعطينا.. وأنا أغبطهم من كل قلبي على محبة الناس وأجدني وإن كنت لا أتفق معهم في الأسلوب متفقاً معهم في المقاصد.
ولكن تأملات رمضان تدعوني لمراجعة هذا اللون من الدعاء…. لم يتعين أن يعتق رقابنا من النار؟ لم نعيش وصمة الخطيئة على الرغم من أننا لا نمارس أي شر، ولا نقصد إلى إساءة، ونخلص حتى النهاية في شهادة التوحيد.

قد يجعلنا هذا اللون من الدعاء ضارعين خاضعين، وسيهمر المدامع من العيون الصادقة، ولكنه يستلزم مباشرة جدلاً في الله في ملكه وسلطانه، بحيث لا يبدو إلا إلهاً ثأرياً باطشاً، يسبق غضبه رحمته، ويسبق عقابه غفرانه، وقد سبق منه القول بان يملاها بالجن والناس أجمعين فصار أسيراً لما وعد، ولم يعد بإمكانه إلا ان ينفذ وعده، ولم يعد بإمكاننا إلا مزيد من الضراعة.
لم أستطع يوماً أن أتصوره يمارس الحرق المادي، إنه عمل لا يمكن تصور بشاعته وقسوته، والآيات التي تتحدث عن هذا العذاب لا تتيح لنا أي نوع من التأويل، فهي واضحة صريحة بأن هذا الشكل الأقسى من العذاب أي الحرق وسلخ الجلود هو مصير المشركين والعصاة، والآيات كثيرة بحيث يبدو أي تأويل فيها لوناً من العبث، وهي تضيف إلى عنابر الجحيم الأبدي مظاهر قسوة لا تنتهي أبداً من الحميم والغساق والزقوم ورؤوس الشياطين، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً.
وفي مخالفات تبدو تافهة وغير ذات معنى يشتد غضب الله فيوقد القبر على أحدهم ناراً لأنه لم يكن يتنزه من بوله، ويحرق أعقاب الناس بالنار لأنهم لا يسبغون الوضوء، ويدك النامصة والمتنمصة في طينة الخبال، أما غير المسلم فلن ينفعه صلاحه واستقامته وخيره وإحسانه وبره وسيدخل نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ما دامت السماوات والأرض.

ولا شك أن الايمان المادي بهذه المعاني سيؤدي الى استهتار بحياة الناس، وحين يذهب التكفيري للقتل فإنه لا يفعل أكثر من أن يقدم الناس الى مصائرهم، وسيكون مقتنعاً بأن ما يمارسه من بطش وتفجير وتنكيل إلا نزهة وتسلية أمام الجحيم الموعود بالأهوال الرهيبة الموصوفة.
قد تكون آيات النار أكثر الآيات صراخاً في مسمع المسلم الثائر، وهو يبحث عن إيمان فيه قرّة قلبه وطمأنة فؤاده، وهو الجانب الوحيد من العقيدة الذي لا استطيع أن أقنع فيه طفلاً صغيراً، وأجد نفسي تائهاُ دروب الحيرة، يعصف بي الشك والظنون بين عدالة الله وصدق وعيده، فإن آمنت بظاهر الوعيد فقد عصفت بعدالة الله في هباء منثور، وإن آمنت بعدالة الله فأنت مدعو بكل تأكيد لردّ ظاهر مئات النصوص في الكتاب العزيز والسنة الكريمة.
وإذا كانت الخطايا كبيرة وخطيرة ولا ندرك فظاعتها فلماذا يكون العقاب بالخلود؟ وما جدوى العقاب بعد أن أنقضت الدنيا، وهل سينفع الإصلاح بعد أن يستوي المعذب في النار عدة آلاف من السنين يخرج بعدها عبداً صالحاً؟ وهل عجز الله عن إصلاح عالمه على مسرح النهاية إلا بهذا القضاء الرهيب.

ثقافة النار برمتها باتت تحتاج إعادة نظر إن كنا نريد ان نبقى مؤمنين، والعصر هذا لا يحتمل الأحوبة الترقيعية، ويريد مشايخنا أن نسوق الجيل إلى الإيمان على قاعدة: الجحيم موصوف والعذاب معروف والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة أراك ضالاً أخرجوه!!!
وخلاصي الذي أومن به تجاه ظاهر هذه النصوص هي أنها تتحدث عن عالم غير عالمنا، عالم لا تحكمه قوانين نيوتن ولا زمان انشتاين، عالم تحكمه الميثولوجيا الرمزية، ولا يمكنني أبدأ أن أصدق أن الله ماض في عذاب عباده ومحبيه آلاف السنين ما دامت السموات والأرض لمجرد أنهم وقعوا في معاصي ومخالفات.
لن أخوض في جدل النص قبالة هذه التأملات، إذن سأكون أخسر الخاسرين، ولن تأتي بتأويل آية إلا ارتدت عليك عشرات من ظواهر الآيات لاتحتمل تأويلك ولا برهانك، ولكنني أعتصم بيقيني الذي لا يتزعزع أبداً وهو عدالة الله، فهي ملح الأرض وسكر السماء وماء ما بينهما وجوهر العقيدة.
عالم الله الجميل الذي اومن به هو ما عبر عنه الرسول فيما يرويه عن ربه: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي الظن الحسن.
عالم الله الجميل الذي اومن به هو قوله: ورحمتي وسعت كل شيء.
عالم الله الجميل الذي أومن به هو قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رجمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً
عالم الله الجميل هو ما أفهمه من أرجى آية في كتاب الله: قل كل يعمل على شاكلته، فشاكلتنا المعصية وشاكلته الغفران، وشاكلتنا التقصير وشاكلته الرحمة، وكل يعمل على شاكلته.
عالم الله الجميل كما أومن به هو عالم رابعة العدوية وابن عربي وجلال الدين الرومي، الذي رأوا عذابه عذوبة، وناره نوراً، وجحيمه مطهرة وخلاصاً، لا يغيب فيها عدله ولا رحمته طرفة عين.
وحده أبو يزيد البسطامي كسر حاجز الخوف وقال: ما جنتك ونارك إلا لعب اطفال، المامول وجهك والرجاء كنفك والوعد غفرانك.
عالم الله الجميل الذي أومن به هو قوله: طال شوق الأبرارإلي وأنا أشد إليهم شوقاً.
كان عيسى بن مريم دائم البشر والسرور وكان يحيى دائم الحزن، فلقيه يوماً فقال له: يا عيسى مالي أراك دائم الفرح كأنك آمن من عذاب الله !! فقال له السيد المسيح: وأنت يا يحيى.. ما لي أراك دائم الحزن كأنك قانط من رحمة الله؟!! فأوحى الله إليهما أن أحبكما إلي أحسنكما ظنا بربه.