الولاء والبراء/مقالة كتبت عام 2010

الولاء والبراء

قراءة مقاصدية في قافلة شريان الحياة                          د.محمد حبش

 

تقوم ثقافة الولاء والبراء نظرياُ على أساس تحريم الموالاة بين المسلم وغير المسلم، وهو مصطلح استخدمه النبي الكريم إبان انتصار ثورته بعد فتح مكة وذلك لتحديد موقف المترددين بين الله وبين الأصنام، بين الاستقلال وبين الارتهان، وذلك لدفعهم إلى حسم خيارهم في إطار الأمة المتوحدة الناشئة، ونبذ مصالح الاستكبار العالمي وإعلان البراءة منها.

ولكن هذا العنوان اتخذ فيما بعد قاعدة لاهوتية محضة، منفصلة بالمطلق عن السلوك، وقد أصبح عنوان الولاء والبراء من أكثر العناوين شعبية خاصة في إطار عمل المؤسسات الإسلامية التبشيرية في الغرب، وهو ما يجعل السؤال هنا مشروعاً وغير قابل للتأجيل، فإلى أي حد يمكن أن يكون هذا المصطلح مفيداً ودقيقاً في شكل العلاقات العربية والإسلامية مع الأحرار والشرفاء في العالم؟

تمضي قافلة شريان الحياة بخطى مدهشة وليس عليها من شعار يرفع، لا صخب قومي ولا تراتيل دينية إنها ترفع بأمانة شعار الإنسان، والإنسان أخ الإنسان أحب أم كره، وليس في وارد أي من ركابها الثوار أن يجادل في أي لاهوت أو يدفع بالجدل الغنوصي إلى أي ساحة حوار، لديهم هدف واحد وهو خدمة الإنسان والدفاع عن كرامته والوقوف أمام تحديات العولمة الطاغية التي تفكر بابتلاع الإنسان واقتلاعه ونفيه من الأرض.

وخلال مسيرة القافلة تصطدم الإرادة الطيبة لهؤلاء الشرفاء بالجدار الفولاذي العتيد الذي يتم تنفيذه اليوم على تراب رفح، بإرادة من حديد وعمد من فولاذ، تحمله خيول عزم ماردة مدججة بفتاوى دينية معمدة بالأسانيد المتوافرة، كلما وهى منها سند تظاهرت عليه الأسانيد بالسهر والحمى.

أين يكمن سؤال الولاء والبراء هنا؟؟ وهل تعبر عنه تلك المطبوعات التي توزعه بالمجان سفارات عربية مشهورة في عواصم العالم المتقدم باللغات الحية للتأكيد أن طبيعة العلاقة بين المسلم والعالم هي الفصام والخصام والقطيعة والبراء، وأن الولاء يرتبط حتماً باللاهوت بحيث يتعين الانسلاخ من ثقافتك وعقيدتك حتى يمكن فتح صفحة الولاء بعد البراء؟

إن ربط الولاء والبراء بمسألة الاعتقاد وحدها يبدو لي أمراً مناقضاً لصريح القرآن الكريم الذي يجعل مسألة الولاء والبراء مرتبطة بالسلوك والموقف السياسي أكثر مما يرتبط باللاهوت، وهو ما دلت عليه الآية الكريمة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون).

العلم رحم بين أهله، والمقاومة أيضاً رحم بين أهلها، والثورة رحم بين أهلها، ولا يمكن أن يكون المسلم إلا في صف الثائرين على الظلم الرافضين للاستبداد .

الولاء مع الثائر الحر وليس مع الجلاد الظالم، بغض النظر عن خلفيته الايديولوجية، والبراء من المتخاذل الخائر ولو كان قرشيا هاشمياً من ذؤابة بني عبد المدان، الولاء مع الأحرار الشرفاء في هذا العالم بغض النظر عن النبي الذي يقاتلون تحت رايته، والبراء من المنهزمين الواهنين في شرك الاستعباد لإرادة الطواغيت مهما كانت أنسابهم وأحسابهم وطقوسهم.

 

جورج غالاوي ليس وليد وحي وكتاب، إن بعض الأصدقاء يتساءلون عن دوافع رجل كهذا يخوض نضاله في وجه أشكال الحصار المعقدة، ويطير من ميناء إلى ميناء ومن معبر لآخر، ويواجه أكثر من تحد في الداخل والخارج، أليس مما يبعث على الريبة أن يتحمل الرجل كل هذا العناء من أجل قضية لم تكن على جدوله الانتخابي ولا هي بالتي تحشد له أصوات البريطانيين؟

ولكنني أطرح السؤال من أفق آخر: ولم لا يكون كل الأحرار في الغرب كهذا؟؟ إن قضيتنا عادلة ومن المنطقي أن يكون أحرار العالم هكذا إذا كنا نؤمن بأن الأصل في الإنسان العدالة والرحمة، وأن الله خلق العالم من أجل نهاية سعيدة.

لا ينتمي الرجل نظريا إلى الإسلام كدين، ولا إلى العروبة كنسب، وربما لا يجتمع نسبنا معه قبل قابيل وشيث، ولكن الموقف الذي قدمته قافلة شريان الحياة يجعلك تمنحه باحترام لقب حر شريف من الطراز الأول، وأن هذا الثائر الأممي الفريد يستحق في ضميرنا الإسلامي مكاناً كمكان النجاشي ومكان أبي طالب بغض النظر عن الموقف الإيديولوجي للرجلين، ولكنهما كانا في نصرة المظلوم وفي الحرب على الظالم.

إنها حقيقة نلامسها كل يوم، وهي أن العالم مليء بالأحرار والشرفاء الذين يناضلون للدفاع عن المستضعفين، وهؤلاء يشرعون جهادهم في الأرض دفاعاً عن المظلومين وسعياً وراء العدالة المنشودة وهم بالضبط الرجال الذين رأيناهم يوم حصار شعب أبي طالب في مكة ينهضون من الحبشة ويغادرون كنائسهم وبطارقتهم ليصلوا إلى مكة ويقفوا بشجاعة وبسالة أمام النبي المحاصر وأصحابه المستضعفين، ويجتازون بضرارة الجدار العازل الذي نصبته قريش على تخوم شعب أبي طالب!

والسؤال الآن: ماذا فعلنا للتواصل مع الأحرار الذين يدافعون عن قضايانا في العالم على نسيج جورج غالاوي؟ كالكاتب الأمريكي وليم بيكر والسناتور ديفيد ديوك ونعوم تشومسكي وروبرت كرين؟

على حد علمي لا توجد حتى الآن قائمة على الأنترنت تسمي هؤلاء وتكتب عناوينهم وترشد إلى برامج حقيقية يمكن أن يساهموا فيها لنصرة قضايانا العادلة، وتتيح لشباب الأمة أن يتواصلوا مع رجال كهؤلاء وتشجيعهم على مبادرات خلاقة يسمعها العالم الحر.

مع أنه محض مقال ولكنني أتمنى أن تبعث هذه الكلمات في شبابنا هذه الإرادة، وهي دعوة لشبابنا الطموح للإبحار في العالم الأخضر وتحضير قوائم مفصلة بالأسماء والعناوين والوظائف لأهم مائة نصير وداعم لقضايانا العادلة من أبناء شعوب الأرض.

 

تعليق واحد

  1. You actually make it seem really easy along with your presentation however I in finding this matter to be really something that I think I would by no means understand. It kind of feels too complicated and extremely extensive for me. I’m taking a look ahead in your next post, I’ll attempt to get the dangle of it!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .